Indexed OCR Text
Pages 21-40
ولهذا قال تعالى فى آخر السورة: (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِىّ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَىْ أَفَلَمْ يَسِيرُ واْفِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْاْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ * حَتَّى إِذَا أُسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوَأَنَّهُمْ قَدْ كُذِ بُواْجَآءَ هُمْ نَصْرُنَا فَتُِّىَ مَن نَّشَاءُ وَلَا يُرَدُّبأَسُنَا عَنِ اَلْقَوْمِ اُلْمُجْرِمِينَ * لَقَدْ كَانَ فِ قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِ الْأَلْبَبِّ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَ كِنْ تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍوَهُدَّى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) فبين أن العبرة فى قصص المرسلين ، وأمر بالنظر فى عاقبة من كذبهم، وعاقبتهم بالنصر. ومن المعلوم أن قصة موسى وما جرى له مع فرعون وغيره أعظم وأشرف من قصة يوسف بكثير كثير ، ولهذا هي أعظم قصص الأنبياء التى تذكر في القرآن ، ثناها الله أكثر من غيرها، وبسطها وطولها أكثر من غيرها ؛ بل قصص سائر الأنبياء - كنوح وهود وصالح وشعيب وغيرهم من المرسلين - أعظم من قصة يوسف، ولهذا ثنى الله تلك القصص فى القرآن ولم يثن قصة يوسف ، وذلك لأن الذين عادوا يوسف لم يعادوه على الدين بل عادوه عداوة دنيوية ، وحسدوه على محبة أبيه له وظلموه فصبر واتقى الله ، وابتلي صلوات الله عليه بمن ظلمه وبمن دعاه إلى الفاحشة فصبر واتقى الله في هذا وفي هذا ، وابتلى أيضاً بالملك فابتلى بالسراء والضراء فصبر واتقى الله في هذا وهذا، فكانت قصته من أحسن القصص ، وهي ٢١ أحسن من القصص التى لم نقص فى القرآن ، فإن الناس قد يظلمون ويحسدون ويدعون إلى الفاحشة ويبتلون بالملك ، لكن ليس من لم بذكر فى القرآن ممن اتقى الله وصبر مثل يوسف، ولا فيهم من كانت عاقبته أحسن العواقب في الدنيا والآخرة مثل يوسف . وهذا كما أن قصة أهل الكهف وقصة ذي القرنين كل منهما هي فى جنسها أحسن من غيرها . فقصة ذي القرنين أحسن قصص الملوك، وقصة أهل الكهف أحسن قصص أولياء الله الذين كانوا في زمن الفترة . فقوله تعالى: (نَحْنُ نَقُصُ عَلَيْكَ أَحْسَنَ اَلْقَصَصِ ) يتناول كل ما قصه فى كتابه ، فهو أحسن مما لم يقصه ، ليس المراد أن قصة يوسف أحسن ماقص في القرآن . وأين ماجرى ليوسف مما جرى لموسى ونوح وإبراهيم وغيرهم من الرسل؟! وأين ما عودى أولئك مما عودى فيه يوسف ؟! وأين فضل أولئك عند الله وعلو درجتهم من يوسف - صلوات الله عليهم أجمعين؟ وأين نصر أولئك من نصر يوسف ؟ فإن يوسف كما قال الله تعالى: (وَكَذَلِكَ مَكَنَّا لِيُوسُفَ فِىِ الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُمِنْهَا حَيْثُ يَشََُ نُصِيبُ بِرَحْمَتَنَا مَن نَّشَاءُ وَلَا تُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) وأذل اللّه الذين ظلموه ثم تابوا ، فكان فيها من العبرة أن المظلوم المحسود إذا صبر واتقى الله كانت له العاقبة، وأن الظالم الحاسد قد ٢٢ يتوب الله عليه ويعفو عنه، وأن المظلوم ينبغى له العفو عن ظالمه إذا ٠٠ قدر عليه . وبهذا اعتبر النبى صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة لما قام على باب الكعبة وقد أذل الله له الذين عادوه وحاربوه من الطلقاء - فقال: (( ماذا أنتم قائلون؟)) فقالوا: نقول أخ كريم ، وابن عم كريم. فقال: ((إني قائل لكم كما قال يوسف لإخوته: (لَا تَغْرِيبَ عَلَيْكُمُ اَلْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرََّحِمِينَ))). وكذلك عائشة لما ظلمت وافتري عليها وقيل لها : إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه ، فقالت في كلامها: أقول كما قال أبو يوسف (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ) . ففي قصة يوسف أنواع من العبرة للمظلوم والمحسود والمبتلى بدواعى الفواحش والذنوب وغير ذلك . لكن أين قصة نوح وإبراهيم وموسى والمسيح ونحوم ممن كانت قصته أنه دعا الخلق إلى عبادة الله وحده لا شريك له فكذبوه وآذوه وآذوا من آمن به ؟ فإن هؤلاء أوذوا اختياراً منهم لعبادة الله فعودوا ، وأوذوا فى محبة الله وعبادته باختيارهم، فإنهم لولا إيمانهم ودعوتهم الخلق إلى عبادة الله لما أوذوا، وهذا بخلاف من أوذي بغير اختياره كما أخذ يوسف من أبيه بغير اختياره ، ولهذا كانت محنة يوسف بالنسوة وامرأة العزيز ، واختياره السجن على معصية الله. ٢٣ أعظم فى إيمانه ، ودرجته عند اللّه وأجره من صبره على ظلم إخوته له ؛ ولهذا يعظم يوسف بهذا أعظم مما يعظم بذلك ، ولهذا قال تعالى فيه: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوَءَ وَالْفَحْشَآءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) وهذا كالصبر عن المعاصي مع الصبر على المصائب ، فالأول أعظم وهو صبر المتقين أولياء الله. قال سهل بن عبد الله التستري: أفعال البر يفعلها البر والفاجر ، ولن يصبر عن المعاصي إلا صديق ، ويوسف صلوات الله عليه كان صديقاً نبياً. وأما من يظلم بغير اختياره ويصبر فهذا كثير ، ومن لم يصبر صبر الكرام سلاسلو البهائم . وكذلك إذا مكن المظلوم وقهر ظالمه فتاب الظالم وخضع له فعفوه عنه من المحاسن والفضائل ، لكن هذا يفعله خلق كثير من أهل الدين وعقلاء الدنيا ، فإن حلم الملوك والولاة أجمع لأمرم وطاعة الناس لهم وتأليفهم لقلوب الناس ، وكان معاوية من أحلم الناس ، وكان المأمون حليما حتى كان يقول : لو علم الناس محبتى في العفو تقربوا إلي بالذنوب ، ولهذا لما قدر على من نازعه فى الملك - وهو عمه إبراهيم بن المهدي - عفا عنه . وأما الصبر عن الشهوات والهوى الغالب لله، لا رجاء لمخلوق ولا خوفا منه، مع كثرة الدواعى إلى فعل الفاحشة ، واختياره الحبس الطويل على ذلك كما قال يوسف : (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّايَدْعُونَنِيّ إِلَيْهِ ) فهذا لا يوجد نظيره إلا في خيار عباد الله الصالحين وأوليائه ٢٤ المتقين، كما قال تعالى: ( كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوَءَ وَالْفَحْشَآءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا اَلْمُخْلَصِينَ ) فهذا من عباد الله المخلصين الذين قال الله تعالى فيهم: ولهذا لم يصدر من يوسف (إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَّكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ )، الصديق ذنب أصلا ، بل الهم الذي هم به لما تركه لله كتب له به حسنة ولهذا لم يذكر عنه سبحانه نوبة واستغفاراً كما ذكر توبة الأنبياء كآ دم وداود ونوح وغيرهم ، وإن لم يذكر عن أولئك الأنبياء فاحشة ولله الحمد ، وإنما كانت توباتهم من أمور أخر هي حسنات بالنسبة إلى غيرهم ولهذا لا يعرف ليوسف نظير فيما ابتلى به من دواعى الفاحشة وتقواه وصبره فى ذلك ، وإنما يعرف لغيره ما هو دون ذلك كما فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ((سبعة يظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله : إمام عادل ، وشاب نشأ فى عبادة الله، ورجل معلق قلبه بالمسجد إذا خرج حتى يعود إليه ، ورجلان تحابا فى الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه ، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إنى أخاف الله، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه )) وإذا كان الصبر على الأذى لئلا يفعل الفاحشة أعظم من صبره على ظلم إخوته ، فكيف بصبر الرسل على أذى المكذبين لئلا يتركوا ما أمروا به من دعوتهم إلى عبادة الله وحده وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن ٢٥ المنكر ؟ فهذا الصبر هو من جنس الجهاد فى سبيل الله ، إذ كان الجهاد مقصوداً به أن تكون كلمة الله هي العليا وأن الدين كله لله، فالجهاد والصبر فيه أفضل الأعمال كما قال النى صلى الله عليه وسلم: ((رأس الأمر الإسلام ، وعموده الصلاة ، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله)) وهو حديث صحيح رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه ، وهو من حديث معاذ بن جبل الطويل - وهو أحب الأعمال إلى الله - فالصبر على تلك المعصية صبر المهاجر الذي هجر ما نهى عنه ، وصبر المجاهد الذي جاهد نفسه فى الله وجاهد عدو الله الظاهر والباطن، والمهاجر الصابر على ترك الذنب إنما جاهد نفسه وشيطانه ثم يجاهد عدو الله الظاهر لتكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله ، وصبر المظلوم صبر المصاب . لكن المصاب بمصيبة سماوية تصبر نفسه مالا تصبر نفس من ظلمه الناس ، فإن ذاك يستشعر أن الله هو الذي فعل به هذا فتيأس نفسه من الدفع والمعاقبة وأخذ الثأر ، بخلاف المظلوم الذي ظلمه الناس فإن نفسه تستشعر أن ظالمه يمكن دفعه وعقوبته وأخذ ثأره منه ، فالصبر على هذه المصيبة أفضل وأعظم كصبر يوسف صلوات الله عليه وسلامه وهذا يكون لأن صاحبه يعلم أن اللّه قدر ذلك فيصبر على ذلك كالمصائب السماوية ، ويكون أيضاً لينال ثواب الكاظمين الغيظ والعافين عن ٢٦ الناس والله يحب المحسنين ، وليسلم قلبه من الغل للناس ، وكلا النوعين يشترك فى أن صاحبه يستشعر أن ذلك بذنوبه ، وهو مما يكفر الله به سيئاته ويستغفر ويتوب ، وأيضاً فيرى أن ذلك الصبر واجب عليه ، وأن الجزع مما يعاقب عليه . وإن ارتقى إلى الرضا رأى أن الرضا جنة الدنيا ، ومستراح العابدين، وباب اللّه الاعظم. وإن رأى ذلك نعمة لما فيه من صلاح قلبه ودينه وقربه إلى الله وتكفير سيئاته وصونه عن ذنوب تدعوه إليها شياطين الإنس والجن شكر الله على هذه النعم. فالمصائب السماوية والآدمية تشترك في هذه الأمور ، ومعرفة الناس بهذه الأمور وعلمهم بها هو من فضل الله يمن به على من يشاء من عباده ؛ ولهذا كانت أحوال الناس فى المصائب وغيرها متباينة تبايناً عظيما . ثم إذا شهد العبد القدر وأن هذا أمر قدره الله وقضاه وهو الخالق له ، فهو مع الصبر يسلم للرب القادر المالك الذي يفعل ما يشاء وهذا حال الصابر ، وقد يسلم تسليمه للرب المحسن المدير له بحسن اختياره الذي (( لا يقضي للمؤمن قضاء إلا كان خيراً له : إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له)) كما رواه مسلم فى صحيحه عن صهيب عن النبى صلى الله عليه وسلم. وهذا تسليم راض لعلمه بحسن اختيار الله له ، وهذا يورث الشكر . وقد يسلم تسليمه للرب المحسن إليه المتفضل عليه بنعم عظيمة . وإن لم ٢٧ ير هذا نعمة فيكون تسليمه تسليم راض غير شاكر . وقد يسلم تسليمه لله الذى لا إله إلا هو المستحق لأن يعبد لذاته ، وهو محمود على كل ما يفعله ، فإنه عليم حكيم رحيم ، لا يفعل شيئاً إلا لحكمة، وهو مستحق لمحبته وعبادته وحمده على كل ما خلقه . فهذا تسليم عبد عابد حامد ، وهذا من الحمادين الذين هم أول من يدعى إلى الجنة ، ومن بينهم صاحب لواء الحمد ، وآدم فمن دونه تحت لوائه. وهذا يكون القضاء خيراً له ونعمة من الله عليه. لكن يكون حمده لله ورضاء بقضائه من حيث عرف الله وأحبه وعبده، لاستحقاقه الألوهية وحده لا شريك له ، فيكون صبره ورضاه وحمده من عبادته الصادرة عن هذه المعرفة والشهادة ، وهذا يشهد بقلبه أنه لا إله إلا الله، والإله عنده هو المستحق للعبادة ، بخلاف من لم يشهد إلا مجرد ربوبيته ومشيئته وقدرته ، أو مجرد إحسانه ونعمته، فإنهما مشهدان ناقصان قاصران، وإنما يقتصر عليها من نقص علمه بالله وبدينه الذي بعث به رسله وأنزل به كتبه ، كأهل البدع من الجهمية والقدرية الجبرية والقدرية المعتزلة ، فإن الأول مشهد أولئك ، والثاني مشهد هؤلاء ، وشهود ربوبيته وقدرته ومشيئته مع شهود رحمته وإحسانه وفضله مع شهود إلهيته ومحبته ورضاه وحمده والثناء عليه ومجده هو مشهد أهل العلم والإيمان من أهل السنة والجماعة التابعين بإحسان ٢٨ السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار . وهذه الأمور لبسطها موضع آخر . والمقصود هنا أن هذا يكون للمؤمن فى عموم المصائب ، وما يكون بأفعال المؤمنين فله فيه كظم الغيظ والعفو عن الناس . ويوسف الصديق صلوات الله عليه كان له هذا، وأعلى من ذلك الصبر عن الفاحشة مع قوة الداعى إليها ، فهذا الصبر أعظم من ذلك الصبر ، بل وأعظم من الصبر على الطاعة . ولهذا قال سبحانه فى وصف المتقين الذين أعد لهم الجنة: (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِ السَّرَآءِ وَالضَّرَّآءِ وَالْكَظِمِينَ اُلْفَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوَ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُ واْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُ واْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُؤْلَئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ ) فوصفهم بالكرم والحلم وبالإنفاق وكظم الغيظ والعفو عن الناس. ثم لما جاءت الشهوات المحرمات وصفهم بالتوبة منها فقال (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوَ أ ◌َنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ ٢٩ فوصفهم بالتوبة منها إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُ واْعَلَى مَا فَعَلُواْ ) وترك الإصرار عليها لا يترك ذلك بالكلية ؛ فإن النى صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الصحيح ((كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة : فالعينان تزنيان وزناهما النظر ، والأذن تزني وزناها السمع ، واللسان يزني وزناه المنطق ، واليد تزنى وزناها البطش ، والرجل تزني وزناها المشي ، والقلب يتمنى ويشتهي والفرج بصدق ذلك أو يكذبه)). وفى الحديث (( كل بنى آدم خطاء ، وخير الخطائين التوابون )). فلا بد للإنسان من مقدمات الكبيرة ، وكثير منهم يقع فى الكبيرة فيؤمر بالتوبة ، ويؤمرون أن لا يصروا على صغيرة ، فإنه لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار. ويوسف صلى الله عليه وسلم صبر على الذنب مطلقاً، ولم يوجد منه إلا هم تركه لله كتب له به حسنة. وقد ذكر طائفة من المفسرين أنه وجد منه بعض المقدمات ، مثل حل السراويل والجلوس مجلس الخاتن ونحو ذلك ، لكن ليس هذا منقولا نقلا يصدق به ، فإن هذا لم ينقل عن النبى صلى الله عليه وسلم. ومثل هذه الإسرائيليات إذا لم تنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعرف صدقها، ولهذا لا يجوز تصديقها ولا تكذيبها إلا بدليل ، والله تعالى يقول في القرآن: (كَذَلِكَ فدل القرآن على أنه صرف عنه السوء لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوَءَ وَالْفَحْشَآءَ ) ٣٠ والفحشاء مطلقاً، ولو كان قد فعل صغيرة لتاب منها . والقرآن ليس فيه ذكر توبته . ومن وقع منه بعض أنواع السوء والفحشاء لم يكن ذلك قد صرف عنه بل يكون قد وقع وتاب الله عليه منه، والقرآن يدل على خلاف هذا . وقد شهدت النسوة له أنهن ما علمن عليه من سوء ، ولو كان قد بدت منه هذه المقدمات لكانت المرأة قد رأت ذلك ، وهي من النسوة اللاتي شهدن وقلن ما علمنا عليه من سوء ، وقالت مع ذلك: (وَلَقَدْ رَوَدِنّهُ عَن نَّفْسِهِ، فَأَسْتَعْصَمَ) وقالت: (أَنَأْ رَوَدَتُّهُ عَن نَّفْسِهِ، وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّدِّقِينَ). وقوله ( سوء ) نكرة في سياق النفي ، فدل ذلك على أن المرأة لم تر منه سوءاً ، فإن الهم فى القلب لم تطلع عليه ، ولو اطلعت عليه فإنه إذا تركه لله كان حسنة ، ولو تركه مطلقاً لم يكن حسنة ولا سيئة ، فإنه لا إثم فيه إلا مع القول أو العمل . وأما قصة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم صلوات الله عليهم فتلك أعظم ، والواقع فيها من الجانبين ، فما فعلته الأنبياء من الدعوة إلى توحيد الله وعبادته ودينه وإظهار آياته وأمره ونهيه ووعده ووعيده ومجاهدة المكذبين لهم والصبر على أذاهم هو أعظم عند الله، ولهذا كانوا أفضل من يوسف صلوات الله عليهم أجمعين ، وما صبروا عليه وعنه أعظم من الذي صبر يوسف عليه وعنه ، وعبادتهم لله ٣١ وطاعتهم وتقوام وصبرهم بما فعلوه أعظم من طاعة يوسف وعبادته وتقواه ، أولئك أولو العزم الذين خصهم اللّه بالذكر في قوله: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّيْنَ مِشَقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ تُوعِ وَإِبْرَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَ) وقال تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ، نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَىّ أَنْ أَقِيمُواْالدِّينَ وَلَانَثَفَرَّقُواْفِيهِ )، وهم يوم القيامة الذين تطلب منهم الأمم الشفاعة ، وبهم أمر خاتم الرسل أن يقتدى فى الصبر فقيل له : فقصصهم (فَأَصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلِ لَهُمْ) أحسن من قصة يوسف ؛ ولهذا تناها الله فى القرآن، لاسيما قصة موسى . قال الإمام أحمد بن حنبل : أحسن أحاديث الأنبياء حديث تكليم الله لموسى. والمقصود هنا أن قوله: (أَحْسَنَ الْقَصَصِ ) قد قيل إنه مصدر . وقيل إنه مفعول به ، والقولان متلازمان . لكن الصحيح أن القصص مفعول به وإن كان أصله مصدراً ، فقد غلب استعماله في المقصوص كما فى لفظ الخبر والنبأ، والاستعمال يدل على ذلك كما تقدم ذكره، وقد اعترف بذلك أهل اللغة ، قال الجوهري : وقد قص عليه الخبر قصصاً، والاسم أيضاً القصص بالفتح وضع موضع المصدر حتى صار أغلب عليه، فقوله أحسن القصص كقوله: نخبرك أحسن الخبر، ونذبئك أحسن النيا ، ٣٢ ونحدثك أحسن الحديث. ولفظ ((الكلام)) يراد به مصدر كمه تكليما ، ويراد به نفس القول ، فإن القول فيه فعل من القائل هو مسمى المصدر ، والقول ينشأ عن ذلك الفعل ، ولهذا تارة يجعل القول نوعا من العمل لأنه حاصل بعمل، وتارة يجعل قسيما له يقال: القول والعمل وكذلك قد يقال في لفظ ((القصص)) و((البيان))، و((الحديث))، و((الخبر))، ونحو ذلك. فإذا أريد بالقصص ونحوه المصدر الذي مسماه الفعل فهو مستلزم للقول والقول تابع ، وإذا أريد به نفس الكلام والقول فهو مستلزم للفعل تابع للفعل ، فالمصادر الجارية على سفن الأفعال يراد بها الفعل كقولك كمته تكليما وأخبرته إخباراً ، وأما مالم يجر على سنن الفعل - مثل الكلام والخبر ونحو ذلك - فإن هذا إذا أطلق أريد به القول، وكذلك قد يقال فى لفظ القصص فإن مصدره القياسي قصاً مثل عده عداً ومده مداً وكذلك قصه قصاً ، وأما قصص فليس هو قياس مصدر المضعف ولم يذكروا على كونه مصدراً إلا قوله (فَأَرْتَدًا عَلَىءَاثَارِهِمَا قَصَصًا) وهذا لا بدل على أنه مصدر، بل قد يكون اسم مصدر أقيم مقامه كقوله : (وَلَُّأَنْبَّكُ مِّنَ الْأَرْضِ نَبَانًا) وإن جعل مصدر قص الأثر لم يلزم أن يكون مصدر قص الحديث ؛ لأن الحديث خبر ونباً ، فكان لفظ قصص كلفظ خبر ونباً وكلام . ٣٣ وأسماء المصادر فى باب الكلام تتضمن القول نفسه وتدل على فعل القائل بطريق التضمن واللزوم ، فإنك إذا قلت : الكلام والخبر والحديث والنبأ والقصص ، لم يكن مثل قولك: التكليم والإنباء والإخبار والتحديث ، ولهذا يقال إنه منصوب على المفعول به ، واسم المصدر (وَاَللَّهُ أَنْبَّكُمْ مِّنَ اْأَرْضِ نَبَاتًا ) فإذا ينتصب على المصدر كما في قوله قال : كلمته كلاماً حسناً ، وحدثته حديثاً طيبا ، وأخبرته أخباراً سارة ، وقصصت عليه قصصاً صادقة ونحو ذلك كان هذا منصوبا على المفعول به لم يكن هذا كقولك كلمته تكليما وأنبأته إنباء. فتبين أن قوله (أَحْسَنَ اٌلْقَصَصِ ) منصوب على المفعول ، وكل ما قصه الله فهو أحسن القصص ولكن هذا إذا كان يتضمن معنى المصدر ومعنى المفعول به جاز أن ينتصب على المعنيين جميعاً، فإنهما متلازمان ، تقول : قلت قولا حسنا وقد أسمعته قولا ، ولم يسمع الفعل الذي هو مسمى المصدر وإنما سمع الصوت وتقول قال يقول قولا فتجعله مصدراً، والصوت نفسه ليس هو مسمى المصدر إنما مسمى المصدر الفعل المستلزم للصوت ولكن هما متلازمان. ولهذا تنازع أهل السنة والحديث فى التلاوة والقرآن هل هي القرآن المتلو أم لا ؟ وقد تفطن ابن قتيبة وغيره لما يناسب هذا المعنى وتكلم عليه ، وسبب الاشتباه أن المتلو هو القرآن نفسه الذي هو الكلام ، والتلاوة قد يراد بها هذا ، وقد يراد بها نفس حركة التالي ٣٤ وفعله ، وقد يراد بها الأمران جميعا، فمن قال: التلاوة هي المتلو ، أراد بالتلاوة نفس القرآن المسموع وذلك هو المتلو ، ومن قال غيره أراد بالتلاوة حركة العبد وفعله وتلك ليست هي القرآن ، ومن نهى عن أن يقال التلاوة هي المتلو أو غير المتلو فلأن لفظ التلاوة يجمع الأمرين، كما نهى الإمام أحمد وغيره عن أن يقال: لفظي بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق؛ لأن اللفظ يراد به الملفوظ نفسه الذي هو كلام الله ، ويراد به مصدر لفظ يلفظ لفظا وهو فعل العبد ، وأطلق قوم من أهل الحديث أن لفظي بالقرآن غير مخلوق ، وأطلق ناس آخرون أن لفظي به مخلوق قال ابن قتيبة : لم يتنازع أهل الحديث في شيء من أقوالهم إلا فى مسألة اللفظ ، وهذا كان تنازع أهل الحديث والسنة الذين كانوا فى زمن أحمد بن حنبل ، وأصحابه الذين أدركوه . ثم جاء بعد هؤلاء طائفة قالوا : التلاوة غير المتلو، وأرادوا بالتلاوة نفس كلام الله العربى الذي هو القرآن، وأرادوا بالمتلو معنى واحداً قائما بذات الله. وقال آخرون: التلاوة هي المتلو، وأرادوا بالتلاوة نفس الأصوات المسموعة من القرآن ، جعلوا ما سمع من الأصوات هو نفس الكلام الذي ليس بمخلوق ، ولم يميزوا بين سماع الكلام من المتكلم وبين سماعه من المبلغ له عنه ، فزاد كل من هؤلاء وهؤلاء من البدع ما لم يكن يقوله أحد من أهل السنة والعلم ، فلم يكن من أهل ٣٥ السنة من يقول: إن القرآن العربى ليس هو كلام الله ، ولا يجعل المتلو مجرد معنى ، ولا كان فيهم من يقول : إن أصوات العباد - وغيرها من خصائصهم - غير مخلوق ، بل ثم كلهم متفقون على أن القرآن المتلو هو القرآن العربي الذي نزله روح القدس من الله بالحق ، وهو كلام الله الذي تكلم به . ولكن تنازعوا فى تلاوة العباد له: هل هي القرآن نفسه ، أم هي الفعل الذي يقرأ به القرآن ؟ . والتحقيق أن لفظ ((التلاوة)) يرادبه هذا وهذا، ولفظ ((القرآن)) يراد به المصدر ويراد به الكلام ، قال الله تعالى: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ، وَقُرْءَانَهُ . * فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَنَّعْ قُرْءَانَهُ * ثُمَ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) وفی الصحيحين عن ابن عباس قال : إن علينا أن نجمعه فى قلبك ، وتقرأ. بلسانك . وقال أهل العربية : يقال قرأت الكتاب قراءة وقرآنا ، ومنه قول حسان : ضُّوا بأشمطَ عنوان السجود به يقطّع الليل تسبيحا وقرآنًا وقد قال تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ) وقال تعالى : (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا ) وقال تعالى: (وَإِذَا قُرِىَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُوْ لَهُ, وَأَنْصِتُواْ) وم إنما يستمعون الكلام نفسه ولا يستمعون ٣٦ مسمى المصدر الذي هو الفعل فإن ذلك لا يسمع ، فقوله ( نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ) من هذا الباب ، من باب نقرأ عليك أحسن القصص، ونتلو عليك أحسن القصص، كما قال تعالى: (نَتْلُواْ عَلَيْكَ وقال: ( فَإِذَا قَرَأْنَهُ ) قال ابن عباس مِن تَّبَاِ مُوسَى وَفِرْ عَوْنَ بِالْحَقِّ) أي قراءة جبريل (فَأَّعْ قُرْءَانَهُ ) فاستمع له حتى يقضي قراءته . والمشهور فى قوله ( وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ ) أنه منصوب على المفعول به ، فكذلك أحسن القصص، لكن فى كلاهما معنى المصدر أيضاً كما تقدم، ففيه معنى المفعول به ومعنى المصدر جميعا ، وقد يغلب هذا كما فى قوله ( إِنَّعَلَيْنَا جَمْعَهُ، وَقُرْءَانَهُ ) فالمراد هنا نفس مسمى المصدر، وقد يغلب هذا تارة كما في قوله: (فَأَسْتَمِعُوْلَهُ, وَأَنْصِتُواْ) وقوله: (قُل لَّيْنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْبِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ) وقوله: (إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلِّى هِىَ أَقْوَمُ) وغالب ما يذكر لفظ ((القرآن)) إنما يراد به نفس الكلام، لا يراد به التكلم بالكلام الذي هو مسمى المصدر . ومثل هذا كثير في اللغة يكون أمران متلازمان إما دائما وإما غالبا فيطلق الاسم عليها ويغلب هذا تارة وهذا تارة ، وقد يقع على أحدهما مفرداً كلفظ ((النهر)) و((القربة)) و((الميزاب)) ونحو ذلك مما فيه حال ومحل ، فالاسم يتناول مجرى الماء والماء الجاري ، وكذلك لفظ ٣٧ القرية يتناول المساكن والسكان، ثم تقول: حفر النهر فالمراد به المجرى. وتقول جرى النهر فالمراد به الماء ، وتقول جرى الميزاب تعنى الماء . ونصب الميزاب تعنى الخشب. وقال تعالى (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُطْمَيِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ والمراد السكان فى المكان، وقال تعالى ( وَكَم ◌َمِّن لِيَاسَ الْجُوع) وقال تعالى (وَسْئَلِ قَرْيَةٍ أَهْلَكْتَهَا فَجَآءَ هَا بَأْسُنَا بَيْتًا أَوْهُمْ قَآئِلُونَ ) الْقَرْيَةَ الَّتِى كُنَّافِيَهَا وَالْعِيرَ الَّتِى أَقْنَافِيهَا ) وقال تعالى: (وَتِلْكَ الْقُرَىّ أَهْلَكْنَهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ ) وقال تعالى (وَكَذَلِكَ أَخْذُرَيِّكَ إِذَا أَخَذَ اُلْقُرَى وَهِىَ وقال تعالى: (لِّئُنْذِرَ أُمَّالْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا ) وقال تعالى: ظَلِمَةٌ ) ( فَكَيِّن مِّنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ فَهِىَ خَاوِيَةٌ عَ عُرُوشِهَا وَيَثْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرِمَّشِيدٍ ) والخاوي على عروشه المكان لا السكان ، وقال تعالی : لما كان ( أَوْ كَالَّذِى مَتَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا ) المقصود بالقرية م السكان كان إرادتهم أكثر فى كتاب الله ، وكذلك لفظ النهر لما كان المقصود هو الماء كان إرادته أكثر كقوله: ( وَجَعَلْنَا اُلْأَنْهَرَ تَجْرِى مِن تَحْنِهِمْ ) وقوله: ( وَفَجَرْنَاخِلَلَهُمَا نَهْرًا) فهذا كثير ، أكثر من قولهم حفرنا النهر . وكذلك إطلاق لفظ القرآن على نفس الكلام أكثر من إطلاقه على نفس التكلم . وكذلك لفظ الكلام والقول والقصص وسائر أنواع ٣٨ الكلام يراد بها نفس الكلام أكثر مما يراد بها فعل المتكلم، وهذه الأمور لبسطها موضع آخر . والمقصود هنا أن قوله تعالى: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ اُلْقَصَصِ ) المراد الكلام الذي هو أحسن القصص ، وهو عام في كل ما قصه الله، لم يخص به سورة يوسف؛ ولهذا قال: (بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ ) ولم يقل بما أوحينا إليك هذه السورة ، والآثار المأثورة فى ذلك عن السلف تدل كلها على ذلك ، وعلى أنهم كانوا يعتقدون أن القرآن أفضل من سائر الكتب ، وهو المراد . والمراد من هذا حاصل على كل تقدير فسواء كان أحسن القصص مصدراً أو مفعولا أو جامعاً للأمرين ، فهو يدل على أن القرآن وما في القرآن من القصص أحسن من غيره ، فإنا قد ذكرنا أنهما متلازمان فأيهما كان أحسن كان الآخر أحسن . فتبين أن قوله تعالى (أَحْسَنَ الْقَصَصِ) كقوله: (اُللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ ) والآثار السلفية تدل على ذلك . والسلف كانوا مقرين بأن القرآن أحسن الحديث، وأحسن القصص، كما أنه المهيمن على ما بين يديه من كتب السماء ، فكيف يقال : إن كلام الله كله لا فضل لبعضه على بعض ! روى ابن أبى حاتم عن المسعودى عن القاسم أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملوا ملة فقالوا: حدثنا يارسول الله! فأنزل الله: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ) ٣٩ ثم ملوا ملة فقالوا: حدثنا يارسول الله، فنزلت: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ )، ثم ملوا ملة فقالوا : حدثنا يارسول الله، فأنزل الله : ( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوَأْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ). وقد روى أبو عبيد فى ((فضائل القرآن)) عن بعض التابعين فقال حدثنا حجاج عن المسعودى عن عون بن عبد الله بن عتبة قال : مل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملة فقالوا : يارسول الله ! حدثنا ، فأنزل الله تعالى: (اللَّهُنَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ) قال: ثم نعته فقال : (كِتَبَا مُتَشَكِهَا مَثَانِى نَفْشَعِرُ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ) إلى آخر الآية ، قال : ثم ملوا ملة أخرى فقالوا : يارسول الله! حدثنا شيئاً فوق الحديث ودون (الرِئِلْكَ ءَايَتُ اَلْكِتَبِ الْمُّبِينِ القرآن ، يعنون القصص ، فأنزل الله: - إلى قوله - نَخْنُ نَقُصُ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَآ أَوْ حَيْنَآ إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ قال : فإن أرادوا الحديث وَإِن كُنْتَ مِن قَبْلِهِ، لَمِنَ الْغَفِلِينَ) دلهم على أحسن الحديث ، وإن أرادوا القصص دلهم على أحسن القصص . ورواه ابن أبي حاتم بإسناد حسن مرفوعا عن مصعب بن سعد عن سعد قال: نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن فتلاه عليهم زماناً ، فقالوا : يارسول الله! لو قصصت علينا. فأنزل الله تعالى: ( الَرَتِلْكَ ءَايَنتُ الْكِتَبِ الْمُبِينِ ... نَحْنُ نَقُصُ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ) ٤٠