Indexed OCR Text

Pages 501-520

والمقصود هنا أن هذه السورة دلت على ما تدل عليه مواضع أخر
من القرآن، من أن الله يرسل الرسل إلى الناس تأمرهم وتنهام .-
(وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا
يرسلهم مبشرين ومنذرين ، كما قال تعالى
مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ) ينذرون الذين أساءوا عقوبات أعمالهم، ويبشرون
الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالنعيم المقيم، و (أَنَّلَهُمْ أَجْرَاحَسَنًّا *
مَكِتِينَ فِيهِ أَبَدًا )
فقوله (لَمْيَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِيْنَ حَتَّى تَأْنِيَهُمُ
بيان منه أن الكفار لم يكن الله ليسدعهم ويتركهم
الْبَيْنَةُ )
على ما هم عليه من الكفر . بل لا يفكهم حتى يرسل إليهم
( ◌ِيَجْرِىَ الَّذِينَ أَسْئُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ
الرسول بشيراً ونذيراً
بِالْحُسْنَى )
ومما يبين ذلك أن (( حتى)) حرف غاية ، وما بعد الغاية يخالف ما
قبلها . كما في قوله: (حَّ يَتَبَيَّنَ لَكُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ اْخَيْطِ الْأَسْوَدِمِنَ
اُلْفَجْرِ ) وقوله
وقوله : ( حَتَّتَنكِحَ زَوْجًا
(حَتَّ يَظْهُرْنَ )
غَيْرَهُ ) ونظائر ذلك .
فلو أريد أنهم لم يكونوا منتهين ويؤمنون حتى يتبين لهم الحق
لزم أن يكونوا كلهم بعد مجيء البينة قد انتهوا وآمنوا. فإن اللفظ عام فيهم.
٥٠١

وكذلك لو كان المراد أنهم كانوا متفقين على تصديق الرسول حتى
بعث لزم أن يكونوا كلهم كانوا يعرفونه قبل إرساله إليهم ، وأنهم كلهم
بعد إرساله تفرقوا واختلفوا. وكلاهما باطل . فكثير منهم أميون لا
يعلمون الكتاب إلا أماني، ولم يكونوا يعرفون ما في الكتب من
بعثه ومن أمور أخر . ولما بعث فقد آ من به خلق كثير منهم ، ولم
يتفرقوا كلهم عن الإيمان به .
وحينئذ فالآية لم تتضمن مدحهم مطلقاً ، كما ظن من ظن أن
معناها أنهم لم ينتهوا ولم يؤمنوا حتى يتبين لهم الحق . ولا تتضمن ذمهم
مطلقاً ، كما ظن من ظن أنهم لما جاءم الرسول تفرقوا واختلفوا بعد
ما كانوا متفقين على التصديق ؛ بل تضمنت مدح من آمن منهم
بالرسول ، وذم من لم يؤمن ، والإخبار أنه لا بد من إرسال الرسول
إليهم ، فيؤمن به بعضهم ويكفر بعض .
قال تعالى (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضِ مِّنْهُم مَّن ◌َّمَاللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ
دَرَجَتٍ وَءَاتَيْنَا عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ الْبَيْنَتِ وَأَيَّدْنَهُ بِرُوحِ الْقُدُسُِّ وَلَوْشَآءَ اللَّهُ مَا
اقْتَتَلَ اَلَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِم مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَتَهُمُ الْبَيِّنَتُ وَلَكِنْ أُخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ
وَمِنْهُمْ مَن كَفَرُ وَلَوْشَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَايُرِيدٌ ) .
٥٠٢

ثم إن الذين آمنوا بالرسل لابد أن يمتحنهم ليميز بين الصادق
والكاذب ، كما قال تعالى (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَّكُوْأَنْ يَقُولُوَاْءَامَنَّا وَهُمْ لَا
يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمّ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَعْلَمَنَّ اَلْكَذِبِينَ)
( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْمِقُونَا سَآءَ مَا
ثم قال :
يَحْكُمُونَ ).
فالناس إذا أرسل إليهم أحد رجلين ، إما رجل آمن بهم فى
الظاهر ، فلا بد أن يمتحن حتى يتبين الصادق من الكاذب . وإما
رجل عمل السيئات ولم يؤمن ، فلا يفوت الله ، بل هو آخذه -
سبحانه وتعالى .
ولهذا انقسم الناس فى الرسل إلى ثلاثة أقسام - مؤمن باطن
وظاهر ، وكافر مظهر للكفر ، ومنافق مظهر للإيمان مبطن للكفر .
ومن حين هاجر النبى صلى الله عليه وسلم إلى المدينة حصل هذا
الانقسام، وأنزل اللّه تعالى في أول البقرة أربع آيات فى صفة
المؤمنين ، وآيتين فى صفة الكافرين ، وبضع عشرة آية فى
صفة المنافقين .
وأما حين كان بمكة وكان المؤمنون مستضعفين. فلم يكن أحد يحتاج
إلى النفاق، بل كان من المؤمنين من يكتم إيمانه من كثير من الناس .
٥٠٣

ومنهم من يتكلم بالكفر مكرهاً مع طمأنينة قلبه بالإيمان . وهذا مؤمن
باطناً وظاهراً . فإنه وإن أظهر الكفر لبعض الناس لما أكره عليه ،
أو كتم عنه إيمانه ، فهو يتكلم بالإيمان فى خلوته ومع من بأمنه ، ويعمل
بما يمكنه ، وما عجز عنه فقد سقط عنه .
ولهذا قال العلماء ، منهم أحمد بن حنبل : لم يكن يمكنهم نفاق .
إنما كان النفاق بالمدينة .
ولكن كان بمكة من في قلبه مرض ، كما قال فى السورة المكية
(وَلَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِشَبَ وَالْمُؤْمِنُونٌّ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِمْ قٌَ وَالْكَفِرُونَ مَاذَاأَرَادَ اللَّهُ
◌ِهَذَا مَثَلًا ).
وهو سبحانه قد ذكر أن المظهرين للإيمان ما كان ليدعهم حتى
يميز الخبيث من الطيب ويمتحنهم، كما قال تعالى (مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ
اُلْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ )، وقال (أَمْ حَسِبْتُمْ
أَنْ تُتْرَكُواْ وَلَمَّايَعْلَمْ اللّهُالَّذِينَ جَهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَاَ رَسُولِهِ، وَلَا
ج
اَلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاَللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)، وقال تعالى (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ
تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِّكُمْ مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلِكُمْ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّرَّآءُ
وَزُلْزِلُواْحَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ, مَتَى نَصْرُ اللَّهِّ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ)
وأمثال ذلك .
٥٠٤

فكذلك الذين كفروا لم يكن ليتركهم حتى يبعث إليهم الرسول
(لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوْمِنْ أَهْلِ اَلْكِنَبِ
بالآيات البينات . فهذا معنى قوله
وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِينَ حَّ تَأْنِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ).
وثم إذا جاءتهم البيئة منهم من
يؤمن ، ومنهم من يكفر .
وإذا قيل : إن الآية تتضمن بعد ذلك المعنى الآخر ، وهو أنهم
لم يكونوا ليهتدوا ويعرفوا الحق ويؤمنوا حتى تأتيهم البينة، إذ لاطريق
لهم إلى معرفة الحق إلا برسول يأتي من اللّه أيضاً: أو لم يكونوا
منتهين متعظين وإن عرفوا الحق حتى يأتيهم من اللّه من يذكرم.
فهذا المعنى لا يناقض ذاك .
بخلاف قول من قال : لم يكن المشركون وأهل الكتاب
تاركين لمعرفة محمد ولذكره ، ولم يكونوا متفرقين فيه ، بل متفقين على
الإيمان به ، حتى جاءتهم البينة، فتركوا الإيمان به وتفرقوا . فإن هذا
غير مراد قطعاً .
ومما يبين ذلك قوله (حَتَّى تَأْنِيَهُمُ الْبَيْنَةُ)، ولم يقل ((حتى أتتهم))
وأولئك لما لم يفهموا معنى الآية ظنوا أن الموضع موضع الماضي ، وأن
المراد : ما انفكوا عما كانوا عليه - إما من كفر، وإما من إيمان -
حتى أتتهم البينة. فلما قيل (حَّ تَأْفِيَهُمُ الْبَيِنَّةُ) أشكل عليهم . وقال
٥٠٥

بعضهم : لما تأتهم كلها .
وأما على المعنى الصحيح فالموضع موضع المضارع ، كقوله تعالى
(مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ اُلْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَاٌ لْخِبَيْثَ مِنَ الطَّيِّبِ ) . فإن
المراد : ما كانوا مفكوكين متروكين حتى تأتيهم البينة.
وهو سبحانه قال (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ). و((لم)) وإن كانت
تقلب المضارع ماضياً فذلك إذا تجرد، فقيل ((لم يأت)) و((لم يذهب))
فمعناه ((ما أتى)) و ((ما ذهب)).
وأما إذا قيل ((لم يكن يفعل هذا))، و (لَّمْ يَكُنِ اللَّهُلِيَغْفِرَهُمْ وَلَا
لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً )
فالمقصود معنى الفعل الدائم مطلقاً. وإذا قيل (( لم
يكن فلان آتياً حتى يذهب إليه فلان))، بخلاف ما إذا قلت ((إ
يكن فلان قد أتى حتى ذهب إليه فلان)). ولو قيل (« ما كان فلان
فاعلا لهذا حتى يكون كذا)) كان نحو ذاك، بخلاف ما إذا قيل (( ما كان
فلان قد فعل حتى أتى فلان )) .
فنفى المضارع الذي خبره اسم فاعل ، وهو الدائم . والمراد : لم
يكونوا فى الحال والاستقبال متروكين حتى تأتيهم البيئة . ولو قيل هنا
(( حتى أتتهم البينة)) لم يكن موضعه.
٥٠٦

وكذلك لو أراد الانتهاء عن الكفر والإيمان لقيل (حَّتَأْنِيَهُمُ
البَنَةُ) ، أي لم يكونوا يعرفون الحق حتى يأتيهم ني يعرفهم، أو لم
يكونوا متعظين عاملين حتى يأتي من يعظهم ويذكرم . فليس هذا
موضع الماضي، بخلاف ما لو قيل: ((ما زالوا كافرين حتى أتام)» .
فالآية تتضمن الإخبار عن وجوب إثبات البينة ، وامتناع الانفكاك
بدونها . لم يقصد بها مجرد الخبر عن عدم الانفكاك ثم ثبوته فى الماضي.
وهو كما لو قيل ((لم يكونوا [!] ينفكوا(١) حتى تأتيهم البينة))، لكن هنا
ذكر اسم الفاعلين، فقيل ((منفكين)).
وهو سبحانه لما ذكر أنه لابد من إرسال الرسل إلى الذين
كفروا من المشركين وأهل الكتاب لنقوم عليهم الحجة بذلك ذكر بعد
هذا أن أهل الكتاب الذين آمنوا بالرسل ما تفرقوا إلا من بعد
ما جاءتهم البينة ، وقامت عليهم الحجة . فبينات الله وحجته قامت على
هؤلاء وهؤلاء.
وهو لم يعذب واحداً من الحزبين إلا بعد أن جاءتهم البينة .
وقامت عليهم الحجة ، كما فى قصة موسى ومن أرسل إليه . فإن الله لم يدع
فرعون وقومه حتى أرسل إليهم موسى ، ولم يعذبهم إلا بعد إقامة الحجة .
ثم لما آمن بنو إسرائيل بالكتب والرسل لم يتفرقوا ويختلفوا إلا من
(١) أضيفت اللام حسب مفهوم السياق
٥٠٧

بعد ما جاءتهم البينة . فلم يكونوا معذورين في ذلك .
ولهذا نهيت أمة محمد عن التشبه بهم ، فقيل (وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ
تَفَرَّقُواْ وَآَخْتَلَفُواْ مِنْ بَعْدِ مَاجَاءَ هُمُالْبِيِنَتُ ) .
والناس الذين بعث إليهم محمد م كذلك. فمن كان كافراً لم يكن
منفكا حتى تأتيه البينة ، ومن آمن بمحمد من الأمم ثم تفرقوا واختلفوا
فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءتهم البينة .
وما أمر الجميع (إِلَّا لِيَعْبُدُ واْاللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُالَّذِينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُواْ
الزَّكَوَةُ وَذَالِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ) .
والآية تضمنت مدح الرب وذكر حكمته وعدله وحجته فى أنه
لا يدعهم حتى يرسل إليهم رسولا ، كما قال لأهل الكتاب (قَدْ جَآءَ كُمْ
رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتَّةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَاجَآءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيِرٍ فَقَدْ جَآءَ كُمْ
بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ)
- الآية . لم تتضمن مدحهم
على بقلهم على الكفر حتى يأتي الرسول . فإن هذا غايته أن لايعاقبوا
عليه حتى يأتي الرسول ، لا أن يحمدوا عليه حتى يأتي الرسول . فإن
هذا لا يقوله عاقل ، ولم يقله أحد ، لا سيما وأهل الكتاب قد قامت
عليهم الحجة بأنبياء قبله .
٥٠٨

ونظير هذا فى اللفظ قوله (وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ
بَلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ ). ليس المراد : ما كنتم بالغيه فى الماضي ، بل
هذه حالهم دائماً .
يقتضى أن
( لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ - مُنْفَكِيْنَ حَتَّى تَأْنِيَهُمُ )
فقوله
هذه حالهم دائماً .
وتضمنت السورة ذكر أصناف الخلق ، وما أمر الله به جميع
العباد ، وأن ذلك أمر لا بد منه - لا بد من إرسال الرسل ، وإنزال
الكتب - وبيان السعداء أهل الجنة ، والأشقياء أهل النار .
فقوله (لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِيْنَ حَتَّى تَأْنِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ
* رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُواْ صُفًا مُطَهَّرَةً )
جملة ، فيه بيان
إرسال [ الرسول] إلى الجميع. وقوله (وَمَا نَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِشَبَ
إِلَّامِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ فَهُمُ الْبَيْنَةُ) فيه إقامة الحجة على أهل الشرائع ، وذم
تفرقهم واختلافهم ، وأن ذلك بعد أن جاءتهم البينة .
وهاتان الجملتان نظيرهما قوله (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيْنَ
مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنَزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ ) ،
ثم قال (وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ تْهُمُ الْبَيِّنَتُ بَغْيَأْ بَيْنَهُمْ
٥٠٩

فَهَدَى اَللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ) .
ومثل ذلك قوله تعالى (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الِدِينِ مَا وَصَّى بِهِ، نُوحًا وَالَّذِىّ
أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَىّ أَنْ أَقِيمُواْالدِّينَ وَلَاَ نَنَفَرَّقُواْفِيهِ كَبُرَ
عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَانَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِىّ إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِىّإِلَيْهِ مَن يُذِيبُ )،
ثم قال (وَمَا نَفَرَّقُواْإِلَّا مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ هُمُ الْعِلْمُ بَغْيَابَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن
زَّيِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى لَّقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْرِثُواْ الْكِنَبَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِى شَكٍ مِّنْهُ
مُرِيبٍ )، وقوله (وَلَقَدْءَانَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ فَاخْتُلِفَ فِيهٍ وَلَوَّلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ
مِن رَّيِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِى شٍَّ مِّنْهُ مُرِيبٍ ) فى سورة (( هود ))
وسورة ( عَسّق)) .
ثم ذكر ما أمر به الجميع بقوله (وَمَا أُمِرُ وَاْإِلَّا لِيَعْبُدُ واْاللّه ◌ُخْصِينَ
لَهُالَّذِينَ خُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَوةَ وَيُؤْتُواْ الزَّكَوَةُ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ).
ثم ذكر عاقبة الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ، وعاقبة
الذين آمنوا وعملوا الصالحات .
٥١٠

فصل
وقوله (وَمَا نَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ إِلَّمِنُ بَعْدِ مَاجَآءَنْهُمُ الْبَيِّنَةُ ).
قال طائفة من المفسرين : هو تفرقهم في محمد بعد أن كانوا مجتمعين
على الإيمان به .
ثم من هؤلاء من جعل تفرقهم إيمان بعضهم وكفر بعض . قال
البغوي : ثم ذكر من لم يؤمن من أهل الكتاب ، فقال (وَمَا نَفَرَّقَ
الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ نْهُمُ الْبَيِّنَةُ )،
أي البيان فى
كتبهم أنه نبي مرسل . قال المفسرون : لم يزل أهل الكتاب مجتمعين
في تصديق محمد حتى بعثه الله . فلما بعث تفرقوا فى أمره واختلفوا .
فآمن به بعضهم وكفر به بعضهم .
وهكذا ذكر طائفة فى قوله ( وَلَقَدْ بَوَّأْنَابَنِيّ إِسْرَِّيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْتَهُم
قال أبو الفرج ،
مِنَ الَِّبَتِ فَمَا اخْتَلَفُواْ حَى ◌َ هُمُ الْعِلْمُ)
قال ابن عباس : ما اختلفوا فى أمر محمد، لم يزالوا به مصدقين حتى
جاءهم العلم، يعني القرآن. وروى عنه: حتى جاءهم العلم، يعني محمداً .
فعلى هذا يكون العلم هنا عبارة عن المعلوم . وبيان هذا أنه لما جاءم
٥١١

اختلفوا في تصديقه ، فكفر به أكثرم بغياً وحسداً بعد أن كانوا
مجتمعين على تصديقه بغياً وحسداً .
ومنهم من جعل المتفرقين كلهم كفاراً . قال ابن عطية: ثم ذكر
تعالى مذمة من لم يؤمن من أهل الكتاب من بني إسرائيل من أهم
لم يتفرقوا فى أمر محمد إلا من بعد أن رأوا الآيات الواضحة ، وكانوا من
قبل متفقين على نبوته وصفته . فلما جاء من العرب حسدوه .
وكذلك قال الثعلى : ما تفرق الذين أوتوا الكتاب فى أمر محمد
فكذبوه إلا من بعد ما جاءتهم البينة - البيان في كتبهم أنه نبي مرسل
قال العلماء : من أول هذه السورة إلى قوله ( فِيَهَاَكُثُبُّ قَيِّمَةُ ) حكمها
فيمن آمن من أهل الكتاب والمشركين ، ( وَمَا نَفَرَّقَ ) حكمه فيمن
لم يؤمن من أهل الكتاب بعد قيام الحجة عليه .
(وَمَا نَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْالْكِنَبَ )
وكذلك قال أبو الفرج . قال :
يعني من لم يؤمن .
ثلاثة أقوال :
، وفيها
(إِلَّامِنُ بَعْدِ مَاجَآءَ فْهُمُ الْبَيْنَةُ )
أحدها أنه محمد ، والمعنى لم يزالوا مجتمعين على الإيمان به حتى بعث ،
قاله الأكثرون ؛
٥١٢

والثاني: القرآن ، قاله أبو العالية .
والثالث : ما فى كتبهم من بيان نبوته ، ذكره الماوردي .
( قلت ) : هذا هو الذي قطع به أكثر المفسرين ، ولم يذكر
الثعلى ، والبغوي ، وغيرهما سواه .
وأبو العالية إنما قال : الكتاب ، لم يقل : القرآن .. هكذا رواه
ابن أبي حاتم بالإسناد المعروف عن الربيع بن أنس: (إِلَّامِنُ بَعْدِمَا
، قال : قال أبو العالية : الكتاب . ومراد أبي العالية
جَآءَ فَهُمُ الْبَيِّنَةُ )
جنس الكتاب . فيتناول الكتاب الأول ، كما قال ( وَلَقَدْءَ اتَيْنَا مُوسَى
الْكِتَبَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ ) فى موضعين من القرآن، وقال تعالى ( فَبَعَثَ
اللَّهُ النَّبِيْنَ مُبَشِرِينَ وَهُنذِرِينَ وَأَنَزَلَ مَعَهُمُ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا
اُخْتَلَفُواْ فِيهِ )، ثم قال (وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ تُهُمُ
اَلْبَيِّنَاتُ بَغْيَا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا أُخْتَلَفُواْفِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ).
وهذا التفسير معروف عن أبى العالية ، ورواه عن أبى بن كعب .
ورواه ابن أبى حاتم وغيره عن الربيع ، عن أبى العالية ، عن أبي بن
كعب، أنه كان يقرؤها (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيْنَ مُبَشِرِينَ
٥١٣

وأن الله إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب
وَمُنذِرِينَ ) .
عند الاختلاف، (وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ). قال أُنزل الكتاب
عند الاختلاف. (وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ) يعنى بنى إسرائيل.
أوتوا الكتاب والعلم (مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ تْهُمُ الْبَيِنَتُ بَغْيَأْبَيْنَهُمْ ) ، يقول
بغياً على الدنيا وطلب ملكها وزخرفها وزينتها أيهم يكون له الملك
والمهابة فى الناس ، فبغى بعضهم على بعض ، وضرب بعضهم رقاب بعض
(فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ )
. يقول :
فهدام الله عند الاختلاف أنهم أقاموا على ما جاءت به الرسل قبل الاختلاف
- أقاموا على الإخلاص لله وحده. وعبادته لا شريك له . وإقام الصلاة
وإيتاء الزكاة . وأقاموا على الأمر الأول الذي كان قبل الاختلاف،
واعتزلوا الاختلاف . فكانوا شهداء على الناس يوم القيامة -- كانوا
شهداء على قوم نوح، وقوم هود. وقوم صالح، وقوم شعيب، وآل
فرعون ، أن رسلهم قد بلغتهم وأنهم كذبوا رسلهم .
قلت : الاختلاف في كتاب الله نوعان. أحدهما يذم فيه المختلفين
وقوله
(وَإِنَّ الَّذِينَ أُخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَبِ لَِ شِقَاقِبَعِيدٍ )
کلہم ، کقوله
والثانى يمدح المؤمنين ويذم
(وَلَيَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ )
الكافرين، كقوله (وَلَوْشَآءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِم مِّنْ بَعْدِمَا
جَآءَتُهُمُ الْبَيْنَتُ وَلَكِنْ آَخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم ◌َن كَفَرُ وَلَوْشَآءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ
٥١٤

(هَذَانِ خَصْمَانِ آَخْتَصَمُواْ فِ رَبِهِمَّ فَلَّذِينَ
وَلَكِنَّاللَّهَ يَفْعَلُ مَايُرِيدٌ ) وقوله
كَفَرُواْ قُطِعَتْ لَمُمْ ثِيَابٌ مِّن ◌َّارٍ ) إلى قوله: (إِنَّ اللَّهَيُدْخِلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
( إِنَّالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَِّينَ
وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ ) وقوله :
وَالتَّصَرَىُ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَ حِكُوَإِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةْ إِنَّ اللَّهَ
عَلَكُلِّشَئِشَپِیدُ ) .
وإذا كان كذلك فالذي ذمه من تفرق أهل الكتاب واختلافهم
ذم فيه الجميع، ونهى عن التشبه بهم، فقال ( وَلَا تَكُونُوا كَذِينَ
تَفَرَّقُواْ وَأُخْتَلَفُواْ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ هُمُ الْبَيِنَتُ) وقال: (وَمَا أَخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ
مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ تُهُمُ الْبَيِّنَتُ بَغْيَاْ بَيْنَهُمْ ).
وذلك بأن تؤمن طائفة ببعض حق وتكفر بما عند الأخرى من
الحق ، وتزيد فى الحق باطلا ، كما اختلف اليهود والنصارى فى المسيح
وغير ذلك .
وحينئذ نقول : من قال إن أهل الكتاب ما تفرقوا فى محمد إلا
من بعد ما بعث، إرادة إيمان بعضهم وكفر بعضهم ، كما قاله طائفة
فالمذموم هنا من كفر ، لا من آمن . فلا يذم كل المختلفين ، ولكن
يذم من كان يعرف أنه رسول، فلما جاء كفر به حسداً أو بغياً، كما قال
تعالى (وَلَمَّاجَآءَ هُمْ كِنَبٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ
٥١٥

عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّاجَآءَهُم مَاعَرَفُواْ كَفَرُواْبِةٍ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَفِرِينَ).
وإن أريد بالتفرق فيه أنهم كلهم كفروا به وتفرقت أقوالهم فيه
فليس الأمر كذلك . وقد بين القرآن فى غير موضع أنهم تفرقوا
واختلفوا قبل إرسال محمد صلى الله عليه وسلم. فاختلاف هؤلاء وتفرقهم
في محمد صلى الله عليه وسلم هو من جملة ما تفرقوا واختلفوا فيه .
والله أعلم .
٥١٦

سورة التطائر
قال شيخ الإسلام رحمه الله:
فصل
((سورة التكاثر)) قيل فيها: (حَتَّى زُرْتُ الْمَغَابِرَ ) تنبيها على أن
الزائر لا بد أن ينتقل عن مزاره ، فهو تنبيه على البعث .
ثم قال: (كَلَّاسَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلََّسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) فهذا خبر
عن علمهم في المستقبل ، ولهذا روى عن علي أنه في عذاب القبر ، ثم
قال: ( كَّا لَوْتَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ) فهذا إشارة إلى علمهم في الحال، والخبر
محذوف : أي لكان الأمر فوق الوصف ، ولعلمتم أمراً عظيما ،
والألحاكم عما ألهاكم، فإن الالتهاء بالتكاثر إنما وقع من الغفلة وعدم
اليقين. كما قال: (كَذَّبُواْبِشَايَتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَفِلِينَ ) ومثل قول
النبي صلى الله عليه وسلم: (( لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم
كثيراً)) وحذف جواب لوكثير في القرآن تعظيما له وتفخيما، فإنه أعظم
٥١٧

من أن يوصف أو يتصور بسماع لفظ ، إذ المخبر ليس كالمعاين ، ولهذا
أتبع ذلك بالقسم على الرؤية التى هي عين اليقين ، التى هي فوق الخبر
الذي هو على اليقين، فقال: (لَتَّرَوَنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّلَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ )
وهذا الكلام جواب قسم محذوف مستقبل ، مع كون جواب لو محذوفا
كما تقدم، فى أحد القولين . وفى الآخر هو متعلق بلو ، لكن يقال
جواب لو إنما يكون ماضيا ، فيقال : لرأيتم الجحيم . كقول النبي صلى
الله عليه وسلم: ((لو تكونون على الحال التى تكونون عندي لصا فتكم
الملائكة في طرقكم وعلى فرشكم )) ولو كان ماضياً فليس مما يؤكدبل
يقال : لو يجيء لأجئ . وجواب هذا أنه جواب قسم محذوف سد مسد
جواب لو. كقوله: (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ ◌َمْرِكُنَ) وله نظائر فى القرآن
وكلام العرب ، فإن الكلام إذا اشتمل على قسم وشرط وكل
منهما يقتضي جوابه أجيب الأول منهما ، وهو هنا القسم،
وهو المقصود .
وعلى هذا القول يكون المعنى: والله لو تعلمون على اليقين، لترون
الجحيم بقلوبكم ، والأول هو المشهور ، ومن المفسرين من لم يذكر
سواه ، وهو الذي أثروه عن متقدميهم ، وبدل على صحته وأنه الحق
أن قوله: ( ثُمَّ لَتَرَؤُنَّهَا - ثُمَّ لَتُشْئَلُنَّ) معطوف على ما قبله ، فيكون
داخلا في حيزه ، فلو كان الأول معلقاً بالشرط لكان المعطوف عليه
٥١٨

كذلك، وهو باطل ؛ لأن رؤيتها عين اليقين، والمسألة عن النعيم ليس
معلقاً بأن يعلموها فى الدنيا على اليقين .
وأيضاً فتفسير الرؤية المطلقة برؤية القلب ليس هو المعروف من
كلام العرب .
وأيضا فيكون الشرط هو الجواب ، فإن المعنى حينئذ لو علمتم علم
اليقين لرأيتم بقلوبكم ، وذلك هو العلم، فالمعنى لو علمتم لعلمتم ، وهذا
لايفيد، ولو أريد بمشاهدة القلب قدر زائد على مجرد العلم،
فهذا معلوم أن من علم الشيء أمكنه أن يجعل مشاهداً
له بقلبه .
وأيضاً فهذا المعنى لو كان مفيداً لم يكن مما يستحق القسم عليه ،
فإنه ليس بطائل .
وأيضا فقوله: (لَوْتَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ) لم يذكر المعلوم، حتى
يستلزم العلم به العلم بالجحيم ، فإن أريد معلوم خاص ، فلا دليل في
الشرط عليه ، حتى بصح الارتباط . وإن أريد المعلوم العام وهو ما بعد
الموت فذاك يستلزم العلم بالجحيم وغيرها ، وهذا فيه نظر . فقد
يسأل ويقال قوله: (سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّكَلََّسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) لم يذكر
٥١٩

فيه المعلوم بل أطلق ، ومعلوم أن كل أحد سوف يعلم شيئاً لم يكن
علمه ، وجوابه : أن سياق الكلام يقتضي الوعيد والتهديد ، حيث افتتحه
بقوله : ( أَلْهَنْكُمُ التَّكَاثُرُ) .
وأيضاً فمثل هذا الكلام قد صار في العرف يستعمل فى الوعيد
غالباً ، أو فى الوعد . وإذا كان العلم مقيداً بالسياق اللفظي ، وبالوضع
العرفي. فقوله: (لَوْتَعْلَمُونَ ) هو ذاك العلم ، أخبر بوقوعه مستقبلا،
ثم علق بوقوعه حاضراً ، وقيد المعلق به بعلم اليقين، فإنهم قد يعلمون
ما بعد الموت ، لكن ليس علما هو يقين .
٥٢٠