Indexed OCR Text

Pages 421-440

وذكر كلام ابن الزاغوني فقال ، قال الشيخ علي بن عبيد
الله الزاغونى :
وقد اختلف كلام إمامنا أحمد فى هذا المجيء هل يحمل على ظاهره،
وهل يدخل التأويل ؟ على روايتين .
إحداهما أنه يحمل على ظاهره من مجيء ذاته . فعلى هذا يقول :
لا يدخل التأويل ، إلا أنه لا يجب أن يحمل مجيئه بذاته إلا على ما
يليق به . وقد ثبت أنه لا يحمل إثبات مجيء هو زوال وانتقال يوجب
فراغ مكان وشغل آخر من جهة أن هذا يعرف بالجنس فى حق المحدث
الذي بقصر عن استيعاب المواضع والمواطن ، لأنها أكبر منه وأعظم يفتقر
مجيئه إليها إلى الانتقال عما قرب إلى ما بعد .
وذلك ممتنع في حق الباري تعالى ، لأنه لا شيء أعظم منه ، ولا
يحتاج في مجيئه إلى انتقال وزوال ، لأن داعى ذلك وموجبه لا يوجد
فى حقه . فأثبتنا المجىء صفة له ومنعنا ما يتوم في حقه ما يلزم فى حق
المخلوقين لاختلافهما فى الحاجة إلى ذلك. ومثله قوله (وَجَ رَبُّكَ وَاُلْمَلَكُ
صَفَّاصَفًا ).
ومثله الحديث المشهور الذي رواه عامة الصحابة أن النبى صلى الله
عليه وسلم قال: ((ينزل الله إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث
٤٢١

الليل الآخر ، فيقول : من يدعوني فأستجيب له ، من يسألني فأعطيه،
من يستغفرنى فأغفر له )) . فنحن نثبت وصفه بالنزول إلى سماء الدنيا
بالحديث ولا تتأول ما ذكروه ولا نلحقه بنزول الآدميين الذي هو
زوال وانتقال من علو إلى أسفل . بل نسلم للنقل كما ورد وندفع التشبيه
لعدم موجبه ، وتمنع من التأويل لارتفاع نسبته .
قال : وهذه الرواية هي المشهورة والمعمول عليها عند عامة المشايخ
من أصحابنا .
( قلت ) : أما كون إتيانه ومجيئه ونزوله ليس مثل إتيان المخلوق
ومجيئه ونزوله ، فهذا أمر ضروري متفق عليه بين علماء السنة ومن له
عقل . فإن الصفات والأفعال تتبع الذات المتصفة الفاعلة . فإذا كانت
ذاته مباينة لسائر الذوات ليست مثلها لزم ضرورة أن تكون صفاته
مباينة لسائر الصفات ليست مثلها . ونسبة صفاته إلى ذاته كنسبة صفة
كل موصوف إلى ذاته . ولا ريب أنه العلي الأعلى العظيم ، فهو أعلى
من كل شيء ، وأعظم من كل شيء . فلا يكون نزوله وإتيانه بحيث
تكون المخلوقات تحيط به أو تكون أعظم منه وأكبر.
هذا ممتنع .
وأما لفظ ((الزوال)) و ((الانتقال)) فهذا اللفظ مجمل ، ولهذا كان
٤٢٢

أهل الحديث والسنة فيه على أقوال .
فعثمان بن سعيد الدارمي وغيره أنكروا على الجهمية قولهم : إنه
لا يتحرك، وذكروا أثراً أنه لا يزول، وفسروا الزوال بالحركة . فبين
عثمان بن سعيد أن ذلك الأثر إن كان صحيحاً لم يكن حجة لهم ، لأنه
في تفسير قوله ( الْحَىُّ اَلْقَيُومُ ) ذكروا عن ثابت: دائم باق لا يزول
عما يستحقه ، كما قال ابن إسحق . لا يزول عن مكانته .
( قلت ) : والكلى بنفسه الذي روى هذا الحديث هو يقول :
( أُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ): استقر، ويقول: ( ثُمَّ أَسْتَوَى إِلَى السَّمَآءِ):
صعد إلى السماء .
وأما ((الانتقال)) فابن حامد وطائفة يقولون : ينزل بحركة وانتقال.
وآخرون من أهل السنة ، كالتميمي من أصحاب أحمد ، أنكروا هذا
وقالوا : بل ينزل بلا حركة وانتقال . وطائفة ثالثة ، كابن بطة وغيره
يقفون في هذا .
وقد ذكر الأقوال الثلاثة القاضي أبو يعلى فى كتاب «اختلاف
الروايتين والوجهين ونفي اللفظ بمجمله)) .
والأحسن في هذا الباب مراعاة ألفاظ النصوص ، فيثبت ما
٤٢٣

أثبت الله ورسوله باللفظ الذي أثبته، وينفى ما نفاه الله ورسوله كما
نفاه. وهو أن يثبت النزول، والإتيان، والمجيء؛ وينفى المثل، والسمى
والكفؤ ، والند .
وبهذا يحتج البخاري وغيره على نفي المثل . يقال : ينزل نزولا ليس
كمثله شيء ، نزل نزولا لا يماثل نزول المخلوقين - نزولا يختص به ،
كما أنه فى ذلك وفى سائر ما وصف به نفسه ليس كمثله شىء فى ذلك .
وهو منزه أن يكون نزوله كنزول المخلوقين، وحركتهم، وانتقالهم، وزوالهم
مطلقاً - لا نزول الآدميين ولا غيرم.
فالمخلوق إذا نزل من علو إلى سفل زال وصفه بالعلو وتبدل إلى
وصفه بالسفول ، وصار غيره أعلى منه .
والرب تعالى لا يكون شىء أعلى منه قط ، بل هو العلي الأعلى
ولا يزال هو العلي الأعلى مع أنه يقرب إلى عباده ويدنو منهم، وينزل
إلى حيث شاء، ويأتي كما شاء. وهو فى ذلك العلي الأعلى . الكبير
بس
المتعالى، على فى دنوه ، قريب فى علوه .
فهذا وإن لم يتصف به غيره فلعجز المخلوق أن يجمع بين
هذا وهذا. كما يعجز أن يكون هو الأول والآخر
والظاهر والباطن .
٤٢٤

ولهذا قيل لأبي سعيد الخراز بم عرفت الله؟ قال: ((بالجمع
بين النقيضين)). وأراد أنه يجتمع له ما يتناقض في حق الخلق ، كما
اجتمع له أنه خالق كل شىء من أفعال العباد وغيرها من الأعيان
والأفعال ، مع ما فيها من الخبث ، وأنه عدل ، حكيم ، رحيم ، وأنه
يمكن من مكنه من عباده من المعاصى مع قدرته على منعهم ، وهو في
ذلك حكيم عادل . فإنه أعلم الأعلمين، وأحكم الحاكمين ، وخير الفاتحين.
يعلم مابين أيديهم وما خلفهم .
فأن لا يحيطوا علما بما هو أعظم فى ذلك أولى وأحرى . وقد سألوا
(الزُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِ وَمَا أُوْ تِيتُمْ مِّنَ الْعِلْمِ
عن الروح فقيل لهم
إِلَّاقَلِيلًا ) . وفى الصحيحين أن الخضر قال لموسى لما نقر عصفور
فى البحر : ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور
من هذا البحر .
فالذي ينفى عنه وينزه عنه إما أن يكون مناقضاً لما علم من صفاته
(اللّهُلَا إِلَهَ إِلََّ هُوَ الْحَىّالْقَيُّومُ
الكاملة فهذا ينفى عنه جنسه ، كما قال :
لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ )، وقال (وَتَوَكَّلْ عَلَى أَلْحَىّ ◌ُلَّذِىِ لَا يَمُوتُ ) .
جنس السنة والنوم ، والموت ، ممتنع عليه ، لا يجوز أن يقال فى شيء
من هذا (( إنه يجوز عليه كما يليق بشأنه)) ، لأن هذا الجنس يوجب
نقصاً [ فى ] كماله .
٤٢٥

وكذلك لا يجوز أن يقال : هو يكون فى السفل ، لا في العلو ،
وهو سفول يليق بجلاله . فإنه سبحانه العلي الأعلى لا يكون قط إلا عالياً ،
والسفول نقص هو منزه عنه .
وقوله (( وأنت الباطن فليس دونك شيء)) لا يقتضي السفول إلا
عند جاهل لا يعلم حقيقة العلو والسفول ، فيظن أن السموات وما
فيها قد تكون تحت الأرض إما بالليل وإما بالنهار . وهذا غلط ، كمن
يظن أن مافى السماء من المشرق يكون تحت ما فيها مما فى المغرب .
فهذا أيضاً غلط . بل السماء لا تكون قط إلا عالية على الأرض وإن كان
الفلك مستديراً محيطاً بالأرض فهو العالي على الأرض علواً حقيقياً من كل
جهة . وهذا مبسوط في مواضع .
والنوع الثانى : أنه منزه عن أن يماثله شىء من المخلوقات فى شيء
من صفاته فالألفاظ التى جاء بها الكتاب والسنة فى الإثبات تثبت ،
والتى جاءت بالنفي تنفي. والألفاظ المجملة كلفظ ((الحركة)) و ((النزول))
و ((الانتقال)) يجب أن يقال فيها: إنه منزه عن مماثلة المخلوقين من
كل وجه ، لا يماثل المخلوق - لا فى نزول ، ولا فى حركة، ولا انتقال
ولا زوال ، ولا غير ذلك .
وأما إثبات هذا الجنس، كلفظ (( النزول))، أو نفيه
٤٢٦

مطلقاً كلفظ ((النوم)) و((الموت))، فقد يسلك كلاهما طائفة تنتسب
إلى السنة .
والمثبتة يقولون: نثبت حركة، أو حركة وانتقالا، أو حركة وزوالا ،
تليق به ، كالنزول والإتيان اللائق به .
والنفاة يقولون : بل هذا الجنس يجب نفيه .
ثم منهم من ينفي جنس ذلك فى حقه بكل اعتبار ، ولا يجوز عليه
أن يقوم به شيء من الأحوال المتجددة . وهذه طريقة الكلابية ومن
اتبعهم ممن ينتسب إلى السنة والحديث .
ومنهم من لا ينفي فى ذلك ما دل عليه النص ، ولا ينفى هذا الجنس
مطلقاً بما ذكروه من أنه لا تقوم به الحوادث لما قد علم بالآيات والسنة
والعقل أنه يتكلم بمشيئته وقدرته ، وأنه يجب عبده المؤمن إذا اتبع
رسوله ، إلى غير ذلك من المعانى التى دل عليها الكتاب والسنة . بل ينفي
ما ناقض صفات كماله ، وينفى مماثلة مخلوق له. فهذان هما اللذان يجب
نفيها ، والله أعلم .
وكذلك إذا قال القائل : الله يجب تنزيهه عن سمات الحدث أو
٤٢٧

علامات الحدث أو كل ما أوجب نقصاً وحدوثا فالرب منزه عنه ، فهذا
كلام حق معلوم متفق عليه .
لكن الشأن فيما تقول النافية . إنه من سمات الحدث ، وآخرون
ينازعونهم. لاسيما والكتاب والسنة تناقض قولهم ، قالت الجهمية :
إن قيام الصفات به . أو قيام الصفات الاختيارية ، هو من سمات
الحدث . وهذا باطل عند السلف وأئمة السنة ، بل وجمهور العقلاء .
بل ما ذكروه يقتضى حدوث كل شيء . فإنه ما من موجود إلا وله
صفات تقوم به ، وتقوم به أحوال يحصل بالمشيئة والقدرة . فإن كان
هذا مستلزما للحدوث لزم حدوث كل شيء ، وأن لا يكون فى العالم
شيء قديم . وهذا قد بسط فى مواضع أيضاً .
وسمات الحدث التى تستلزم الحدوث مثل افتقار إلى الغير . فكل
ما افتقر إلى غيره فإنه محدث ، كان بعد أن لم يكن . والرب منزه عن
الحاجة إلى ما سواه بكل وجه. ومن ظن أنه محتاج إلى العرش ، أو
حملة العرش ، فهو جاهل ضال . بل هو الغني بنفسه ، وكل ما سواه
فقير إليه من كل وجه . وهو الصمد الغنى عن كل شيء ، وكل ما
(يَسْئَلُهُ مَن فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّكُلَّ يَوْمٍ
سواه يصمد إليه محتاجا إليه -
هُوَ فِ شَأَنٍ )
٤٢٨

ومن سمات الحدث النقائص ، كالجهل ، والعمى ، والصمم ، والبكم
فإن كل ما كان كذلك لم يكن إلا محدثاً ، لأن القديم الأزلي منزه
عن ذلك ، لأن القديم الأزلي متصف بنقيض هذه الصفات ، وصفات
الكمال لازمة له . واللازم يمتنع زواله إلا بزوال الملزوم . والذات
قديمة أزلية ، واجبة بنفسها ، غنية عما سواها ، يستحيل عليها العدم
والفناء بوجه من الوجوه . فيستحيل عدم لوازمها ، فيستحيل انصافها
بنقيض تلك اللوازم . فلا يوصف بنقيضها إلا المحدث ، فهي من سمات
الحدث المستلزمة لحدوث ما اتصف بها .
وهذا يدخل فى قول القائل ((كل ما استلزم حدوثاً أو نقصاً
فالرب منزه عنه)) . والنقص المناقض لصفات كماله مستلزم لحدوث
المتصف به ، والحدوث مستلزم للنقص اللازم للمخلوق . فإن كل مخلوق
فهو يفتقر إلى غيره ، كان بعد أن لم يكن لا يعلم إلا ما علم ، ولا
يقدر إلا ما أقدر ، وهو محاط به مقدور عليه .
فهذه النقائص اللازمة لكل مخلوق هي ملزومة للحدوث ، حيث
كان حدوث كانت . والحدوث أيضاً ملزوم لها ، حيث كان محدث
كانت هذه النقائص .
فقولنا (( ما استلزم نقصاً أو حدوثاً فالرب منزه عنه)) حق .
٤٢٩

والحدوث والنقص اللازم للمخلوق متلازمان . والرب منزه عن كل
منها من جهتين - من جهة امتناعه فى نفسه ، ومن جهة أنه مستلزم
للآخر ، وهو ممتنع فى نفسه. فكل منهما دليل ومدلول عليه باعتبارين .-
على أن الرب منزه عنه ، وعن مدلوله الذي هو لازمه .
والحاجة إلى الغير والفقر إليه مما يستلزم الحدوث والنقص
اللازم للمخلوق. وقولي ((اللازم)) ليعم جميع المخلوقين وإلا فمن
النقائص ما يتصف بها بعض المخلوقين دون بعض . فتلك ليست لازمة
لكل مخلوق .
والرب منزه عنها أيضاً ، لكن إذا نزه عن النقص اللازم لكل
مخلوق فعن ما يختص به بعض المخلوقين أولى وأحرى . فإنه إذا كان
مخلوق بنزه عن نقص فالخالق أولى بتنزيهه عنه. وهذه طريقة ((الأولى)
كما دل عليها القرآن في غير موضع .
وقد ذكرنا فى جواب ((المسائل التدمرية)) الملقب بـ ((تحقيق
الإثبات للأسماء والصفات وبيان حقيقة الجمع بين القدر والشرع)) أنه
لا يجوز الاكتفاء فيما ينزه الرب عنه على عدم ورود السمع والخبر به
فيقال : كل ما ورد به الخبر أثبتناه ، وما لم يرد به لم نثبته بل تنفيه.
وتكون عمدتنا فى النفي على عدم الخبر.
٤٣٠

بل هذا غلط لوجهين :
أحدهما : أن عدم الخبر هو عدم دليل معين، والدليل
لا ينعكس ، فلا يلزم إذا لم يخبر هو بالشيء أن يكون منتفياً فى نفس
الأمر . ولله أسماء سمى بها نفسه واستأثر بها فى علم الغيب عنده. فكما
لا يجوز الإثبات إلا بدليل لا يجوز النفي إلا بدليل . ولكن إذا لم يرد
به الخبر ولم يعلم ثبونه يسكت عنه فلا يتكلم فى الله بلا علم .
الثانى: أن أشياء لم يرد الخبر بتنزيهه عنها ولا بأنه منزه عنها
لكن دل الخبر على اتصافه بنقائضها فعلى انتفاؤها . فالأصل أنه منزه عن
كل ما يناقض صفات كماله وهذا مما دل عليه السمع والعقل .
وما لم يرد به الخبر إن على انتفاؤه نفيناه ، وإلا سكتنا عنه . فلا
ثبت إلا بعلم ولا تنفي إلا يعلم .
ونفي الشيء من الصفات وغيرها كنفي دليله طريقة طائفة من أهل
النظر والخبر . وهي غلط إلا إذا كان الدليل لازماً له . فإذا عدم
اللازم عدم الملزوم .
وأما جنس الدليل فيجب فيه الطرد ، لا العكس . فيلزم من
وجود الدليل وجود المدلول عليه ، ولا ينعكس .
3
٤٣١

فالأقسام ثلاثة . ما علم ثبوته أثبت ، وما علم انتفاؤه نفي ، وما لم
يعلم نفيه ولا إثباته سكت عنه . هذا هو الواجب . والسكوت عن
الشيء غير الجزم بنفيه أو ثبوته .
ومن لم يثبت ما أثبته إلا بالألفاظ الشرعية التى أثبتها، وإذا تكلم
بغيرها استفسر واستفصل ، فإن وافق المعنى الذي أثبته الشرع أثبته
باللفظ الشرعي ، فقد اعتصم بالشرع لفظاً ومعنى . وهذه سبيل من
اعتصم بالعروة الوثقى .
لكن ينبغى أن تعرف الأدلة الشرعية إسناداً ومتناً. فالقرآن معلوم
ثبوت ألفاظه، فينبغي أن يعرف وجوه دلالته . والسنة ينبغي معرفة
ما ثبت منها وما علم أنه كذب .
فإن طائفة ممن انتسب إلى السنة ، وعظم السنة والشرع ، وظنوا
أنهم اعتصموا في هذا الباب بالكتاب والسنة ، جمعوا أحاديث وردت في
الصفات ، منها ما هو كذب معلوم أنه كذب ، ومنها ما هو إلى
الكذب أقرب ، ومنها ما هو إلى الصحة أقرب ، ومنها متردد. وجعلوا
تلك الأحاديث عقائد ، وصنفوا مصنفات . ومنهم من يكفر من يخالف
ما دلت عليه تلك الأحاديث .
وبإزاء هؤلاء المكذبون بجنس الحديث ومن يقول عن أخبار
٤٣٢

الصحيحين وغيرها : هذه أخبار آحاد لا تفيد العلم .
وأبلغ من هؤلاء من يقول : دلالة القرآن لفظية سمعية ، والدلالة
السمعية اللفظية لا تفيد اليقين . ويجعلون العمدة على ما يدعونه من
العقليات ، وهي باطلة فاسدة ، منها ما يعلم بطلانه وكذبه .
وهؤلاء أيضاً قد يكفرون من خالف ذلك ، كما فعل أولئك .
وكلا الطريقين باطل ولو لم يكفر مخالفه . فإذا كفر مخالفه صار من
أهل البدع الذين يبتدعون بدعة ويكفرون من خالفهم فيها ، كما فعلت
الخوارج وغيرهم .
وقد بسط في غير هذا الموضع أن الأدلة التى توجب العلم لا
تناقض قط . ولا يناقض الدليل العقلي الذي يفيد العلم الدليل
السمعي الذي يفيد العلم قط ، كما قد بينا ذلك في كتاب « در.
تعارض العقل والنقل)).
وهذه الأحاديث قد ذكر بعضها القاضي أبو يعلى فى كتاب ((إبطال
التأويل))، مثل ما ذكر فى حديث المعراج حديثاً طويلا عن أبى
عبيدة ((أن محمداً رأى ربه)).
وطائفة ممن يقول بأنه رأى ربه بعينه يكفرون من خالفهم لما
٤٣٣

ظنوا أنه قد جاء في ذلك أحاديث صحيحة ، كما فعل أبو الحسن علي
ابن شكر ، فإنه سريع إلى تكفير من يخالفه فيما يدعيه من السنة ،
وقد يكون مخطئاً فيه، إما لاحتجاجه بأحاديث ضعيفة ، أو بأحاديث
صحيحة لكن لا تدل على مقصوده . وما أصاب فيه من السنة لا يجوز
تكفير كل من خالف فيه . فليس كل مخطئ كافراً لاسيما في المسائل
الدقيقة التى كثر فيها نزاع الأمة ، كما قد بسط هذا فى مواضع .
وكذلك أبو علي الأهوازي له مصنف فى الصفات قد جمع فيه
الغث والسمين .
وكذلك ما يجمعه عبد الرحمن بن منده مع أنه من أكثر الناس
حديثاً ، لكن يروى شيئاً كثيراً من الأحاديث الضعيفة ، ولا يميز بين
الصحيح والضعيف . وربما جمع باباً وكل أحاديثه ضعيفة، كأحاديث
أكل الطين وغيرها . وهو يروى عن أبى علي الأهوازي .
وقد وقع ما رواه من الغرائب الموضوعة إلى حسن بن عدي
فنى على ذلك عقائد باطلة، وادعى أن اللّه يرى في الدنيا عياناً. ثم
الذين يقولون بهذا من أتباعه يكفرون من خالفهم . وهذا كما تقدم
من فعل أهل البدع ، كما فعلت الخوارج .
ومن ذلك حديث عبد الله بن خليفة المشهور الذي يروى عن عمر
٤٣٤

عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد رواه أبو عبد الله محمد بن عبد
الواحد المقدسي فى ((مختاره )).
وطائفة من أهل الحديث ترده لاضطرابه ، كما فعل ذلك أبو بكر
الإسماعيلي ، وابن الجوزي ، وغيرم . لكن أكثر أهل السنة قبلوه.
وفيه قال: (( إن عرشه أو كرسيه وسع السموات والأرض ، وإنه
يجلس عليه فما يفضل منه قدر أربعة أصابع - أو فما يفضل منه إلا
قدر أربعة أصابع - وإنه ليئط به أطيط الرحل الجديد براكبه)).
ولفظ «الأطيط)» قد جاء في حديث جبير بن مطعم الذي رواه
أبو داود فى السنن . وابن عساكر عمل فيه جزءاً ، وجعل عمدة
الطعن فى ابن إسحاق . والحديث قد رواه علماء السنة كأحمد ، وأبى
داود ، وغيرهما ، وليس فيه إلا ما له شاهد من رواية أخرى . ولفظ
(«الأطيط)) قد جاء فى غيره .
وحديث ابن خليفة رواه الإمام أحمد وغيره مختصراً ، وذكر أنه
حدث به وكيع .
لكن كثير ممن رواه رووه بقوله «أنه ما يفضل منه إلا أربع
أصابع ، فجعل العرش يفضل منه أربع أصابع . واعتقد القاضي، وابن
٤٣٥

الزاغونى ، ونحوهما ، صحة هذا اللفظ ، فأمروه وتكلموا على معناه بأن
ذلك القدر لا يحصل عليه الاستواء . وذكر عن ابن العايد أنه قال :
هو موضع جلوس محمد صلى الله عليه وسلم .
والحديث قد رواه ابن جرير الطبري فى تفسيره وغيره ، ولفظه :
(( وإنه ليجلس عليه، فما يفضل منه قدر أربع أصابع » بالنفي.
فلو لم يكن في الحديث إلا اختلاف الروايتين - هذه تنفى
ما أثبتت هذه. ولا يمكن مع ذلك الجزم بأن رسول الله صلى الله
عليه وسلم أراد الإثبات ، وأنه يفضل من العرش أربع أصابع لا يستوى
عليها الرب . وهذا معنى غريب ليس له قط شاهد في شيء من
الروايات . بل هو يقتضي أن يكون العرش أعظم من الرب وأكبر.
وهذا باطل ، مخالف للكتاب والسنة ، وللعقل .
ويقتضي أيضاً أنه إنما عرف عظمة الرب بتعظيم العرش المخلوق وقد
جعل العرش أعظم منه . فما عظم الرب إلا بالمقايسة بمخلوق ، وهو
أعظم من الرب . وهذا معنى فاسد ، مخالف لما علم من الكتاب
والسنة والعقل .
فإن طريقة القرآن فى ذلك أن يبين عظمة الرب ، فإنه أعظم من
كل ما يعلم عظمته . فيذكر عظمة المخلوقات ويبين أن الرب أعظم منها .
٤٣٦

كما في الحديث الآخر الذي فى سنن أبي داود ، والترمذي ،
وغيرها - حديث الأطيط - لما قال الأعرابى: إنا نستشفع بالله
عليك ، ونستشفع بك على الله تعالى، فسبح رسول الله صلى الله عليه
وسلم حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: ((ويحك! أندري
ما تقول ؟ أتدري ما الله ؟ شأن الله أعظم من ذلك . إن عرشه على
سمواته هكذا)) - وقال بيده مثل القبة - ((وإنه ليئط به أطيط
الرحل الجديد براكبه)).
فبين عظمة العرش ، وأنه فوق السموات مثل القبة . ثم بين
تصاغره لعظمة الله، وأنه يئط به أطيط الرحل الجديد براكبه . فهذا
فيه تعظيم العرش ، وفيه أن الرب أعظم من ذلك . كما فى الصحيحين
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أتعجبون من غيرة سعد؟ لأنا
أغير منه، والله أغير مني)). وقال: (( لا أحد أغير من الله.
من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن)) ومثل هذا كثير .
وهذا وغيره يدل على أن الصواب فى روايته النفي ، وأنه ذكر
عظمة العرش ، وأنه مع هذه العظمة فالرب مستو عليه كله لا يفضل
منه قدر أربعة أصابع . وهذه غاية ما يقدر به في المساحة من أعضاء
الإنسان ، كما يقدر فى الميزان قدره فيقال : ما فى السماء قدر كف
سحاباً . فإن الناس يقدرون الممسوح بالباع والذراع ، وأصغر ما عندهم
٤٣٧

الكف . فإذا أرادوا نفي القليل والكثير قدروا به ، فقالوا : ما في
السماء قدر كف سحاباً، كما يقولون فى النفي العام (إِنَّاللّهُ لَا يَظْلِمُ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ)، و (مَايَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ )، ونحو ذلك .
فبين الرسول أنه لا يفضل من العرش شيء ، ولا هذا القدر
اليسير الذي هو أيسر ما يقدر به ، وهو أربع أصابع . وهذا معنى
صحيح موافق للغة العرب ، وموافق لما دل عليه الكتاب والسنة ،
موافق لطريقة بيان الرسول ، له شواهد . فهو الذي يجزم بأنه
في الحديث .
ومن قال (( ما يفضل إلا مقدار أربع أصابع) فما فهموا هذا
المعنى ، فظنوا أنه استثنى ، فاستثنوا ، فغلطوا . وإنما هو توكيد للنفي
وتحقيق للنفي العام . وإلا فأي حكمة فى كون العرش يبقى منه قدر
أربع أصابع خالية ، وتلك الأصابع أصابع من الناس ، والمفهوم
من هذا أصابع الإنسان . فما بال هذا القدر اليسير لم يستو
الرب عليه ؟
والعرش صغير فى عظمة الله تعالى . وقد جاء حديث رواه ابن
أبي حاتم في قوله (لََّتُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ) لمعناه شواهد تدل على هذا.
فينبغي أن نعتبر الحديث ، فنطابق بين الكتاب والسنة . فهذا
هذا والله أعلم
٤٣٨

قال حدثنا أبو زرعة ، تنا منجاب بن الحارث ، أنبأ بشر بن
عمارة ، عن أبي روق ، عن عطية العوفى ، عن أبي سعيد الخدري،
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قوله تعالى (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ
، قال: ((لو أن الجن والإنس والشياطين
وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارِ )
والملائكة منذ خلقوا إلى أن فنوا صفواصفاً واحداً ما أحاطوا بالله أبداً)).
وهذا له شواهد ، مثل ما في الصحاح فى تفسير قوله تعالى
(وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُّهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِنَتْ بِيَمِينِهِ) ، قال
ابن عباس : ما السموات السبع والأرضون السبع ومن فيهن في بد
الرحمن إلا كردلة فى يد أحدكم .
ومعلوم أن العرش لا يبلغ هذا ، فإن له حملة وله حول . قال
تعالى ( الَّذِينَ يَحِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ ).
وهذا قد بسط فى موضع آخر فى (( مسألة الإحاطة )) وغيرها ،
والله أعلم .
فصل
فالرسول صلى الله عليه وسلم بين الأصول الموصلة إلى الحق
٤٣٩

أحسن بيان، وبين الآيات الدالة على الخالق سبحانه ، وأسمائه
الحسنى ، وصفاته العليا، ووحدانيته ، على أحسن وجه ، كما قد
بسط فى مواضع .
وأما أهل البدع من أهل الكلام والفلسفة ونحوم فهم لم يثبتوا
الحق ، بل أصلوا أصولا تناقض الحق . فلم يكفهم أنهم لم يهتدوا ولم
يدلوا على الحق حتى أصلوا أصولا تناقض الحق ، ورأوا أنها تناقض
ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فقدموها على ما جاء به الرسول.
ثم تارة يقولون : الرسول جاء بالتخييل ، وتارة يقولون : جاء
بالتأويل ، وتارة يقولون : جاء بالتجهيل .
فالفلاسفة ومن وافقهم أحياناً يقولون: خاطب الجمهور بالتخييل - لم
يقصد إخبارهم بالأمر على ما هو عليه ، بل أخبرم بخلاف ما الأمر عليه
ليتخيلوا ما ينفعهم . وهذا قول من يعرف بأنه كان يعرف الحق ، كابن
سينا وأمثاله ، ويقولون : الذى فعله من التخييل غاية ما يمكن .
ومنهم من يقول: لم يعرف الحق ، بل تخيل وخيل ، كما يقوله
الفارابى وأمثاله . ويجعلون الفيلسوف أفضل من النبى ، ويجعلون النبوة
من جنس المنامات .
٤٤٠