Indexed OCR Text
Pages 381-400
كالرازي وغيره ، فيبقون حيارى في هذا الأصل العظيم الذي هو من أعظم أصول العلم والدين والكلام . وقد بسطنا الكلام على هذا فى غير موضع ، وبينا أن قولا ثالثاً هو الصواب الذي عليه أئمة العلم . وهو أن التأثير التام يستلزم وجود الأثر عَقِبه - لا معه فى الزمان ، ولا متراخياً عنه . فمن قال بالتراخي من أهل الكلام فقد غلط ، ومن قال بالاقتران فهم أعظم غلطاً . ويلزم قولهم من المحالات ما قد . كالمتفلسفة بيناه فى مواضع . وأما هذا القول فعليه بدل السمع والعقل . قال الله تعالى ( إِنَّمَاً أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهَُكُنْ فَيَكُونُ ) . والعقلاء يقولون ((قطعته فانقطع، وكسرته فانكسر))، و((طلَّق المرأةَ فطَلَقتْ، وأعتق العبد فعتق)). فالعتق والطلاق بقعان عقب الإعتاق والتطليق - لا يتراخى الأثر، ولا يقارن . وكذلك الانكسار والانقطاع مع القطع والكسر . وهذا مما يبين أنه إذا وجد الخلق لزم وجود المخلوق عقبه ، كما يقال: كون الله الشيء فتكون. فتكونه عقب تكوين الله - لا مع التكوين، ولا متراخياً. ٣٨١ وكذلك الإرادة التامة مع القدرة تستلزم وجود المراد المقدور. فهو يريد أن يخلق ، فيوجد الخلق إرادته وقدرته . ثم الخلق يستلزم وجود المخلوق ، وإن كان ذلك الخلق حادثاً بسبب آخر يكون هذا عقبه . فإنما فى ذلك وجود الأثر عقب المؤثر التام ، والتسلسل في الآثار . وكلاهما حق، والله أعلم . وأما المخلوق فلا يكون إلا بائناً عنه - لا يقوم به مخلوق . بل نفس الإرادة مع القدرة تقتضى وجود الخلق ، كما تقتضى وجود الكلام . ولا يفتقر الخلق إلى خلق آخر ، بل يفتقر إلى ما به يحصل - وهو الإرادة المتقدمة. وإذا خلق شيئاً أراد خلق شيء آخر . وما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن . ومن قال: إن الخلق حادث - كالهشامية والكرامية - قال: نحن نقول بقيام الحوادث. ولا دليل على بطلان ذلك . بل العقل والنقل ، والكتاب والسنة وإجماع السلف ، يدل على تحقيق ذلك ، كما قد بسط فى موضعه . ٣٨٢ ولا يمكن القول بأن الله يدبر هذا العالم إلا بذلك، كما اعترف بذلك أقرب الفلاسفة إلى الحق، كأبي البركات صاحب ((المعتبر)) وغيره. وأما قولهم : يلزم أن للخلق خلقاً آخر ، فقد أجابهم من يلتزم ذلك - كالكرامية وغيرم ـ بأنكم تقولون : إن المخلوقات المنفصلة تحدث بلا حدوث سبب أصلا . وحينئذ فالقول بحدوث الخلق الذي يحصل به المخلوقات بلا حدوث سبب أقرب إلى العقل والنقل . وهذا جواب لازم على هذا التقدير - تقدير قيام الأمور الاختيارية . والكرامية بسمون ما قام به ((حادثاً))، ولا يسمونه ((محدثاً))، كالكلام الذي يتكلم به - القرآن، أو غيره - يقولون: هو حادث، ويمنعون أن يقال: هو محدث، لأن ((الحادث)) يحدث بقدرته ومشيئته كـ ((الفعل)). وأما ((المحدث)) فيفتقر إلى إحداث، فيلزم أن يقوم بذاته إحداث غير المحدث ، وذلك الإحداث يفتقر إلى إحداث ، فيلزم التسلسل . وأما غير الكرامية من أئمة الحديث والسنة والكلام فيسمون ذلك ((محدثاً))، كما قال (مَا يَأْنِهِمْ مِن ذِكْرِمِن رَّيِّهِمْ مُحْدَثٍ ) ٣٨٣ وفى الصحيحين عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة)). والذي أحدثه هو النهي عن تكلمهم في الصلاة. وقولهم (( إن المحدث يفتقر إلى إحداث، وهلم جرا))، هذا يستلزم التسلسل فى الآثار ، مثل كونه متكلماً بكلام بعد كلام ، وكمات الله لا نهاية لها، وأن اللّه لم يزل متكلماً إذا شاء. وهذا قول أئمة السنة ، وهو الحق الذي يدل عليه النقل والعقل . وكذلك أفعاله ، فإن الفعل والكلام صفة كمال . فإن من يتكلم أكمل ممن لا يتكلم ، ومن يخلق أكمل ممن لا يخلق . قال تعالى ( أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ). وحينئذ فهو ما زال متصفاً بصفات الكمال ، منعوتاً بنعوت الإكرام والجلال . وبهذا تزول أنواع الإشكال ، ويعلم أن ما أخبرت به الرسل عن الله من أصدق الأقوال ، وأن دلائل العقول لا تدل إلا على ما يوافق أخبار الرسول . ولكن نشأ الغلط من جهل كثير من الناس بما أخبر به الرسول ٣٨٤ وسلوكهم أدلة برأيهم ظنوها عقلية وهى جهلية . فغلطوا فى الدلائل السمعية والعقلية، فاختلفوا، (وَإِنَّالَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِى الْكِتَابِ لَفِ شِقَاقٍِ بَعِيدٍ ). وقد بسط الكلام على هذا فى مواضع - فى مسألة الكلام والأفعال - وذكر ما تيسر من كلام السلف والأئمة في هذا الأصل والمقصود هنا التنبيه على مآخذ الأقوال . وهذا الموضع مما بينه أئمة السنة كالإمام أحمد وغيره . فتكلم فى ((الرد على الجهمية)) على قوله ( إِنَّا جَعَلْنَهُ قُرْءَ نَاعَرَبِيًّا) . وبين أن ((الجعل)) من اللّه قد يكون ((خلقاً)) كقوله (وَجَعَلَ الُّلُمَتِ وَالنُّوَرَ)، وقد يكون («فعلا ليس بخلق))، وقوله (إِنَّا جَعَلْنَهُ قُرْءَ نَا عَرَبِيًّا ) من هذا الباب . وذلك أن الخلق ، ونحوه من الأفعال التى ليست خلقاً ، مثل تكلمه بالقرآن وغيره ، وتكلمه لموسى وغيره ، ومثل النزول ، والإتيان والمجيء، ونحو ذلك ، فهذه إنما تكون بقدرته ومشيئته ، وبأفعال أخر تقوم بذاته ليست خلقاً . وبهذا يجيب البخاري وغيره من أئمة السنة للكرامية إذا قالوا : ((المحدث لا بد له من إحداث؟))، فيقول: ((نعم، وذلك الإحداث ٣٨٥ فعل ليس بخلق)). و((التسلسل)) نلتزمه . فإن التسلسل الممتنع هو وجود المتسلسلات فى آن واحد ؛ كوجود خالق للخالق وخالق للخالق ، أو للخلق خلق والخلق خلق ، في آن واحد . وهذا ممتنع من وجوه . منها وجود ما لا يتناهى فى آن واحد وهذا ممتع مطلقاً. ومنها أن كل ما ذكر يكون ((محدثاً)) لا ((ممكناً))، وليس فيها موجود بنفسه ينقطع به التسلسل، وإذاً كان أولى بالامتناع . بخلاف ما إذا قيل (( كان قبل هذا الكلام كلام ، وقبل هذا الفعل فعل)) جائز عند أكثر العقلاء - أئمة السنة، وأئمة الفلاسفة ، وغيرهم . فإذا قيل ((هذا الكلام المحدث أحدثه فى نفسه)) كان هذا معقولا. وهو مثل قولنا ((تكلم به)). وهو معنى قوله ( إِنَّا جَعَلْنَهُ قَُّ نَّاعَرَبِيًّا ) ، أي تكلمنا به عربيا، وأنزلناه عربيا . وكذلك فسره السلف كإسحاق بن راهويه ، وذكره عن مجاهد قال: ( جَعَلْتَهُ قُرْءَ نَاعَرَبِيًّا ): قلناه عربيا، ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره ، عن إسحاق بن راهويه قال : ذكر لنا عن مجاهد وغيره من التابعين ( إِنَّا جَعَلْنَهُ قُرْءَ نَّاعَرَبِيًّا ): إنا قلناه ووصفناه. وذكره ٣٨٦ عن أحمد بن حنبل ، عن الأشجعي ، عن سفيان الثوري فى قوله (جَعَلْتَهُ قُرْءَ نَّاعَرَبِيًّا ) : بيناه قرآنا عربيا . والإنسان يفرق بين تكلمه وتحركه فى نفسه وبين تحريكه لغيره . وقد احتج سفيان بن عيينة وغيره من السلف على أنه غير مخلوق بأن الله خلق الأشياء بـ ((كن)). فلو كانت ((كن)) مخلوقة لزم أن يكون خلق مخلوقا بمخلوق ، فيلزم التسلسل الباطل . وذلك أنه إذا لم يخلق إلا بـ ((كن))، فلو كانت ((كن)) مخلوقة لزم أن لا يخلق شيئا . وهو الدور الممتنع . فإنه لا يخلق شيئا حتى يقول ((كن))، ولا يقول ((كن)) حتى يخلقها، فلا يخلق شيئا. وهذا تسلسل فى أصل التأثير والفعل ، مثل أن يقال : لا يفعل حتى يفعل ، فيلزم أن لا يفعل ؛ ولا يخلق حتى يخلق ، فيلزم أن لايخلق. وأما إذا قيل: قال ((كن))، وقبل ((كن)) ((كن، وقبل ((كن)) ((كن ))، فهذا ليس بممتنع . فإن هذا تسلسل في آحاد التأثير ، لا في جنسه. كما أنه فى المستقبل بقول ((كن)) بعد ((كن))، ويخلق شيئا بعد شيء إلى غير نهاية . فالمخلوقات التامة يخلقها بخلقه ، وخلقه فعله القائم به ، وذلك إنما يكون بقدرته ومشيئته . ٣٨٧ وإذا قيل : هذا الفعل القائم به يفتقر إلى فعل آخر يكون هو المؤثر في وجوده غير القدرة والارادة ، فإنه لو كان مجرد ذلك كافيا كفى فى وجود المخلوق فلما كان لا بد له من خلق ، فهذا الخلق أمر حادث بعد أن لم يكن ، وهو فعل قائم به . فالمؤثر التام فيه يكون مستلزما له مستعقبا له ، كالمؤثر التام فى وجود الكلام الحادث بذاته . والمتكلم من الناس إذا تكلم فوجود الكلام - لفظه ومعناه ـ مسبوق بفعل آخر . فلا بد من حركة تستعقب وجود الحروف التى هي الكلام . فتلك الحركة هي التى تجعل الكلام عربيا أو مجميا ، وهو فعل يقوم بالفاعل . وذلك الجعل الحادث حدث بمؤثر تام قبله أيضا . وذات الرب هي المقتضية لذلك كله . فهي تقتضي الثاني بشرط انقضاء الأول ، لا معه . واقتضاؤها للثاني فعل يقوم بها بعد الأول . وهي مقتضية لهذا التأثير وهذا التأثير . ثم هذا التأثير - وكل تأثير ـ هو مسبب عما قبله وشرط لما بعده. وليس فى ذلك شيء مخلوق وإن كانت ((حادثة)). وإن قال قائل: أنا أسمى هذا ((خلقا))، كان نزاعه لفظيا ، وقيل له: الذين قالوا ((القرآن مخلوق)) لم يكن مرادم هذا، ولا ود السلف والأئمة هذا. إنما ردوا قول من جعله مخلوقا بائنا عن اللّه، كما قال ٣٨٨ الإمام أحمد : كلام اللّه من الله ليس باتنا عنه. وقالوا : القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ . قال أحمد : منه بدأ هو المتكلم به لم يبدأ من مخلوق ، كما قال من قال: إنه مخلوق . قال تعالى ( وَالَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْقِّ ) . ولهذا لا يقول أحد إنه خلق نزوله ، واستواءه ، ومجيئه . وكذلك تكليمه لموسى ، ونداؤه له ناداه وكله بمشيئته وقدرته . والتكليم فعل قام بذاته، وليس هو الخلق ، كما أن الإنسان إذا تكلم فقد فعل كلاما وأحدث كلاما ، ولكن فى نفسه ، لا مباينا له . ولهذا كان الكلام صفة فعل ، وهو صفة ذات أيضا ، على مذهب السلف والأئمة . ومن قال إنه مخلوق بقول : إنه صفة فعل ، ويجعل الفعل باتنا عنه ، والكلام بائنا عنه . ومن قال صفة ذات يقول : إنه يتكلم بلا مشيئته وقدرته . ومذهب السلف أنه يتكلم بمشيئته وقدرته ، وكلامه قائم به . فهو صفة ٣٨٩ ذات وصفة فعل . ولكن الفعل هنا ليس هو الخلق ، بل كما قال الإمام أحمد : الجعل جعلان - جعل هو خلق ، وجعل ليس بخلق . وهذا كله يستلزم قيام الأفعال بذاته ، وأنها تنقسم إلى قسمين - أفعال متعدية كالخلق ، وأفعال لازمة كالتكلم والنزول . والسلف يثبتون النوعين - هذا وغيره . وأما جعل القرآن عربيا وإن كان متعديا في صناعة العربية بمعنى أنه نصب مفعولا، ففي ((الكلام)) الفعل الذي هو ((التكلم)) متصلا بالمفعول الذي هو ((الكلام)) - كلاهما قائم بالمتكلم. ولهذا قد يراد بالمفعول المصدر. إذا قلت (( قال قولا حسنا)» فقد يراد بـ ((القول)) المصدر فقط، وقد يراد به ((الكلام)) فقط فيكون المفعول ، وقد يراد به المجموع فيكون مفعولا به ومصدراً . وكذلك ((القرآن)) هو في الأصل ((قرأ قرآنًا))، وهو الفعل والحركة، ثم سمى الكلام المقروء ((قرآنًا)). قال تعالى في الأول (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ, وَقُرْءَانَهُ, * فَإِذَا قَرَأْتَهُ فَيَعْ قُرْءَانَهُ )، وقال في الثاني ( إِنَّ هَذَا اَلْقُرْءَانَ ). وقد بسط هذا فى غير هذا الموضع وبين أن التلاوة والقراءة فى ٣٩٠ الأصل مصدر ((تلا تلاوة، وقرأ قراءة، كالقرآن)). لكن يسمى به الكلام كما يسمى بالقرآن . وحينئذ فتكون القراءة هي المقروء. والتلاوة هي المتلو . وقد يراد بالتلاوة والقراءة المصدر الذي هو الفعل ، فلا تكون القراءة والتلاوة هي المقروء المتلو ، بل تكون مستلزمة له . وقد يراد بالتلاوة والقراءة مجموع الأمرين ، فلا تكون هي المتلو لأن فيها الفعل ، ولا تكون مباينة مغايرة للمتلو لأن المتلو جزؤها . هذا إذا أريد بالقراءة والمقروء شيء واحد معين ، مثل قراءة الرب ومقروءه ، أو قراءة العبد ومقروءه . وأما إذا أريد بالقراءة قراءة العبد وهي حركته ، وبالمقروء صفة الرب ، فلا ريب أن حركة العبد ليست صفة الرب . ولكن هذا تكلف . بل قراءة العبد مقروؤه كمقرونه . وقراءته للقرآن إذا عى بها نفس القرآن فهي مقروؤه . وإن عنى بها حركته فليست مقروءه . وإن عنى بها الأمران فلا يطلق أحدهما . ولهذا كان من المنتسبين إلى السنة من يقول : القراءة هي المقروء ومنهم من يقول: القراءة غير المقروء، ومنهم من لا يطلق واحداً ٣٩١ منها ولكل قول وجه من الصواب عند التصور التام والإنصاف . وليس فيها قول يحيط بالصواب ، بل كل قول فيه صواب من وجه وقد يكون خطأ من وجه آخر . والبخارى إنما يثبت خلق أفعال العباد - حركاتهم وأصواتهم . وهذه القراءة هي فعل العبد يؤمر به وينهى عنه . وأما الكلام نفسه فهو كلام اللّه. ولم يقل البخاري إن لفظ العبد مخلوق ولا غير مخلوق كما نهى أحمد عن هذا وهذا . والذى قال البخارى إنه مخلوق من أفعال العباد وصفاتهم لم يقل أحمد ولا غيره من السلف إنه غير مخلوق ، وإن سكتوا عنه لظهور أمره ، ولكونهم كانوا يقصدون الرد على الجهمية. والذى قال أحمد إنه غير مخلوق - هو كلام اللّه لا صفة العباد - لم يقل البخارى إنه مخلوق . ولكن أحمد كان مقصوده الرد على من يجعل كلام اللّه مخلوقا إذا بلغ عن الله ، والبخاري كان مقصوده الرد على من يقول : أفعال العباد وأصواتهم غير مخلوقة . وكلا القصدين صحيح لا منافاة بينهما . وقد بين ذلك ابن قتيبة في ٣٩٢ مسألة اللفظ ، ولكن المنحرفون إلى أحد الطرفين ينكرون على الآخر والله سبحانه أعلم . فصل وأما الأفعال اللازمة - كالاستواء والمجيء - فالناس متنازعون فى نفس إثباتها . لأن هذه ليس فيها مفعول موجود يعلمونه حتى يستدلوا بثبوت المخلوق على الخلق ، وإنما عرفت بالخبر . فالأصل فيها الخبر ، لا العقل . ولهذا كان الذين ينفون الصفات الخبرية ينفونها - ممن يقول ((الخلق غير المخلوق)). وممن يقول ((الخلق هو المخلوق)) ومن يثبت الصفات الخبرية من الطائفتين يثبتها . والذين أثبتوا الصفات الخبرية لهم في هذه قولان . منهم من يجعلها من جنس الفعل المتعدى بجعلها أموراً حادثة في غيرها . وهذا قول الأشعري ، وأئمة أصحابه ومن وافقهم ، كالقاضي أبي يعلى ، وابن الزاغوني ، وابن عقيل في كثير من أقواله . فالأشعري يقول : الاستواء فعل فعله في العرش ، فصار به ٣٩٣ مستويا على العرش . وكذلك يقول فى الإتيان ، والنزول ويقول : هذه الأفعال ليست من خصائص الأجسام ، بل توصف بها الأجسام والأعراض، فيقال ((جاءت الحمى، وجاء البرد، وجاء الحر))، ونحو ذلك . وهذا أيضاً قول القاضي أبي بكر ، والقاضي أبي يعلى ، وغيرهما. وحملوا ما روى عن السلف ، كالأوزاعى وغيره ، أنهم قالوا في النزول : يفعل اللّه فوق العرش بذاته ، كما حكاه القاضي عبد الوهاب عن القاضي أبى بكر، وكما حكوه عن الأشعري وغيره ، كما ذكر فى غير موضع من كتبه . ولكن عندم هذا من الصفات الخبرية . وهذا قول البيهقي وطائفة وهو أول قولي القاضي أبي يعلى . وكل من قال إن الرب لا تقوم به الصفات الاختيارية ، فإنه ينفي أن يقوم به فعل شاءه سواء كان لازماً أو متعديا . لكن من أثبت من هؤلاء فعلا قديماً كمن يقول بالتكوين وبهذا فإنه يقول : ذلك القديم قام به بغير مشيئته ، كما يقولون في إرادته القديمة . والقول الثانى أنها كما دلت عليه أفعال تقوم بذاته بمشيشه ٣٩٤ واختياره ، كما قالوا مثل ذلك في الأفعال المتعدية . وهذا قول أئمة السنة، والحديث ، والفقه، والتصوف . وكثير من أصناف أهل الكلام ، كما تقدم . وعلى هذا ينبني نزاعهم فى تفسير قوله ( ثُمَّ أَسْتَوَىَ إِلَى السَّمَاءِ ) وقوله (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِى ظُلَلِ مِّنَ الْغَمَامِ) وقوله: ( ثُمَّاُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ) ونحو ذلك فمن نفى هذه الأفعال بتأول إتيانه بإتيان أمره أو بأسه ، والاستواء على العرش بجعله القدرة والاستيلاء ، أو يجعله علو القدر . فإن الاستواء للناس فيه قولان - هل هو من صفات الفعل أو الذات على قولين . والقائلون بأنه صفة ذات يتأولونه بأنه قدر على العرش . وهو ما زال قادراً ، وما زال عالي القدر ؛ فلهذا ظهر ضعف هذا القول من وجوه . فأخبر أنه استوى منها قوله ( ثُمَّأَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ بحرف (( ثم)). ٣٩٥ ومنها أنه عطف فعلا على فعل ، فقال : خلق ثم استوى . ومنها أن ما ذكروه لا فرق فيه بين العرش وغيره . وإذا قيل إن العرش أعظم المخلوقات ، فهذا لا ينفي ثبوت ذلك لغيره ، كما فى قوله (رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ). لما ذكر ربوبيته للعرش لعظمته ، والربوبية عامة، جاز أن يقال (رَّبِّ السَّمَوَتِ السَّيْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) ، ويقال (رَبِّ الْعَلَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَرُونَ) والاستواء مختص بالعرش باتفاق المسلمين مع أنه مستول مقتدر على كل شيء من السماء والأرض وما بينهما . فلو كان استواؤه على العرش هو قدرته عليه جاز أن يقال : على السماء والأرض وما بينهما . وهذا مما احتج به طوائف منهم الأشعري . قال : فى إجماع المسلمين على أن الاستواء مختص بالعرش دليل على فساد هذا القول . وأيضاً فإنه ما زال مقتدراً عليه من حين خلقه . ومنها كون لفظ ((الاستواء )) فى لغة العرب يقال على القدرة أو علو القدر ممنوع عندهم . والاستعمال الموجود فى الكتاب والسنة وكلام العرب يمنع هذا ، كما قد بسط فى موضعه . وتكلم على البيت الذي يحتجون به : ٣٩٦ من غير سيف ودم مهراق قد استوى بشر على العراق وأنه لو كان صحيحاً لم يكن فيه حجة . فإنهم لم يقولوا: استوى عمر على العراق لما فتحها ، ولا استوى عثمان على خراسان ، ولا استوى رسول الله صلى الله عليه وسلم على اليمن . وإنما قيل هذا البيت - إن صح - فى بشر بن مروان لما دخل العراق واستوى على كرسي ملكها . فقيل هذا كما يقال : جلس على سرير الملك ، أو تخت الملك ، ويقال : قعد على الملك ، والمراد هذا . وأيضاً فالآيات الكثيرة والأحاديث الكثيرة وإجماع السلف يدل على أن اللّه فوق العرش ، كما قد بسط فى مواضع . وأما الذين قالوا : الاستواء صفة فعل ، فهؤلاء لهم قولان هنا على ما تقدم - هل هو فعل بائن عنه لأن الفعل بمعنى المفعول ، أم فعل قائم به يحصل بمشيئته وقدرته . الأول قول ابن كلاب ، ومن اتبعه كالأشعري وغيره . وهو قول القاضي ، وابن عقيل ، وابن الزاغونى ، وغيرهم . ٣٩٧ والثانى قول أئمة أهل الحديث والسنة ، وكثير من طوائف الكلام ، كما تقدم . ولهذا صار للناس فيما ذكر الله فى القرآن من الاستواء والمجيء ونحو ذلك ستة أقوال . طائفة يقولون : نجرى على ظاهرها ، ويجعلون إنيانه من جنس إتيان المخلوق ، ونزوله من جنس نزولهم. وهؤلاء المشبهة الممثلة، [ و] من هؤلاء من يقول : إذا نزل خلا منه العرش ، فلم يبق فوق العرش . وطائفة يقولون : بل النصوص على ظاهرها اللائق به ، كما فى سائر ما وصف به فى نفسه، وهو (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ) لا فى ذاته ، ولا في صفاته ، ولا في أفعاله . ويقولون : نزل نزولا يليق بجلاله ، وكذلك بأتى إتياناً يليق بجلاله. وهو عندهم ينزل ويأتى ولم يزل عالياً وهو فوق العرش ، كما قال حماد بن زيد : هو فوق العرش يقرب من خلقه كيف شاء . وقال إسحاق بن راهويه : ينزل ولا يخلو منه العرش ونقل ذلك عن أحمد بن حنبل في رسالته إلى مسدد . وتفسير النزول بفعل يقوم بذاته هو قول علماء أهل الحديث ، وهو الذي حكاه أبو عمر بن عبد البر منهم، وهو قول عامة القدماء من أصحاب أحمد ، وقد صرح به ابن حامد وغيره . ٣٩٨ والأول - نفي قيام الأمور الاختيارية - هو قول التميمي موافقة منه لابن كلاب ، وهو قول القاضي أبي يعلى وأتباعه . وطائفتان يقولان : بل لا ينزل ولا يأتى ، كما تقدم، ثم مهم من يتأول ذلك ، ومنهم من يفوض معناه . وطائفتان واقفتان ، منهم من يقول : ما ندري ما أراد الله بهذا ومنهم من لا يزيد على تلاوة القرآن . وعامة المنتسبين إلى السنة، وأتباع السلف يبطلون تأويل من تأول ذلك بما ينفي أن يكون هو المستوى الآتى ، لكن كثير منهم يرد التأويل الباطل ويقول : ما أعرف مراد الله بهذا. ومنهم من يقول : هذا مما نهى عن تفسيره ، أو مما يكتم تفسيره . ومنهم من يقرره كما جاءت به الأحاديث الصحيحة، والآثار الكثيرة عن السلف من الصحابة والتابعين . قال أبو محمد البغوى الحسين بن مسعود الفراء الملقب بـ ((محيى السنة)) فى تفسيره: (ثُمَّ أُسْتَوَىّ إِلَى السَّمَاءِ ) قال ابن عباس وأكثر مفسري السلف : أي ارتفع إلى السماء . وقال الفراء ، وابن كيسان، ٣٩٩ وجماعة من النحويين : أي أقبل على خلق السماء . وقيل : قصد . وهذا هو الذي ذكره ابن الجوزي فى تفسيره. قال: (ثُمَّ أُسْتَوَىَ إِلَى السَّمَاءِ ) أي عمد إلى خلقها . وكذلك هو يرجح قول من يفسر الإتيان بإتيان أمره ، وقول من يتأول الاستواء . وقد ذكر ذلك فى كتب أخرى ، ووافق بعض أقوال ابن عقيل . قال : ابن عقيل ، له فى هذا الباب أقوال مختلفة وتصانيف يختلف فيها رأيه واجتهاده . وقال البغوي فى تفسير قوله ( ثُمَُّسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ): قال الكلى ، ومقاتل: استقر . وقال أبو عبيدة : صعد . وأولت المعتزلة الاستواء بالاستيلاء . وأما أهل السنة فيقولون : الاستواء على العرش صفة لله بلا كيف يجب على الرجل الإيمان به، ويكل العلم فيه إلى الله . وسأل رجل مالك بن أنس عن قوله (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) كيف استوى ؟ فأطرق مالك رأسه ملياً، وعلاء الرحضاء ، ثم قال : الاستواء غير مجهول ، والكيف غير معقول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة ، وما أراك إلا ضالا . ثم أمر به فأخرج. ٤٠٠