Indexed OCR Text
Pages 361-380
الذي جعله حياً عالماً قادراً سميعاً بصيراً هو أولى بأن يكون حيا علماً قديراً سميعاً بصيراً. فجعله (آلْأَكْرُ * الَّذِى عَلََّبِالْقَمِ * عَلََّ الْإِنْسَنَ مَالَّيََّ ) . و عليماً ، والعليم لا يكون إلا حياً . وكرمه أيضاً أن يكون قديراً سميعاً بصيراً . والأكرم الذي جعل غيره عليماً هو أولى أن يكون عليماً . وكذلك فى سائر صفات الكمال والمحامد . فهذا استدلال بالمخلوق الخاص ، والأول استدلال بجنس الخلق . ولهذا دل هذا على ثبوت الصفات بالضرورة من غير تكلف ، وكذلك طريقة التفضيل والأولى ، وأن يكون الرب أولى بالكال من المخلوق. وهذه الطرق لظهورها يسلكها غير المسلمين من أهل الملل وغيرم كالنصارى ، فإنهم أثبتوا أن اللّه قائم بنفسه حتيّ يتكلم بهذه الطريق. لكن سموه « جوهراً))، وضلوا في جعل الصفات ثلاثة ، وهي الأقانيم . فقالوا : وجدنا الأشياء تنقسم إلى جوهر وغير جوهر ، والجوهر أعلى النوعين ، فقلنا: هو جوهر . ثم وجدنا الجوهر ينقسم إلى حي وغير حي ، ووجدنا الحي أكمل ، فقلنا: هو حي . ووجدنا الحي ينقسم إلى ناطق وغير ناطق ، فقلنا : هو ناطق . ٣٦١ وكذلك يقال لهم في سائر صفات الكمال : إن الأشياء تنقسم إلى قادر وغير قادر ، والقادر أكمل . وقد بسط ما فى كلامهم من صواب وخطأ فى الكتاب الذي سميناه ((الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح )). والمقصود هنا التنبيه على دلالة هذه الآية - وهذه الآيات التى هي أول ما نزل - على أصول الدين . يدل على قدرته على تعليم (عَلَّالْإِنسَنَ مَا لَمْيَعَمَ) وقوله الإنسان ما قد علمه ، مع كون جنس الإنسان فيه أنواع من النقص . فإذا كان قادراً على ذلك التعليم فقدرته على تعليم الأنبياء ما علمهم أولى فإن (عَلََّ الْإِنسَنَ مَالَ يَعْلَمْ) وأحرى . وذلك يدخل فى قوله الأنبياء من الناس . فقد دلت هذه الآيات على جميع الأصول العقلية ، فإن إمكان النبوات هو آخر ما يعلم بالعقل . وأما وجود الأنبياء وآياتهم فيعلم بالسمع المتواتر ، مع أن قوله (عَلَّ الْإِنسَنَ مَالَمْيَعَ) يدخل فيه إثبات تعليمه للأنبياء ما علمهم، فهي تدل على الإمكان والوقوع . ٣٦٢ وقد ذكرنا فى مواضع أن تنزيهه يرجع إلى أصلين : تنزيهه عن النقص المناقض لكاله . فما دل على ثبوت الكمال له فهو يدل على تنزهه عن النقص المناقض لكاله . وهذا مما يبين أن تنزهه عن النقص معلوم بالعقل ، بخلاف ما قال طائفة من المتكلمين إن ذلك لا يعلم إلا بالسمع . وقد بينا في غير هذا الموضع أن الطرق العقلية التى سلكوها من الاستدلال بالأعراض على حدوث الأجسام لا تدل على إثباته ، ولا على إثبات شيء من صفات الكمال ، ولا على تزهه عن شيء من النقائص. فليس عند القوم ما يحيلون به عنه شيئاً من النقائص . وم معترفون بأن الأفعال يجوز عليه منها كل شيء بخلاف الصفات . لكن طريقهم فى الصفات فاسد متناقض ، كما قد بسط فى غير هذا الموضع . الثاني : أنه ليس كمثله شيء فى صفات الكمال . والقرآن مملوء باثبات هذين الأصلين - بإثبات صفات الكمال على وجه التفصيل ، وتنزيهه عن التمثيل ، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً . ٣٦٣ فصل وقوله (بِأَسْمِرَبِكَ الَّذِى خَقَ) وقوله (عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلََّ الْإِنسَنَ مَعَ ) يدل على إثبات أفعاله وأقواله . فالخلق فعله، والتعليم يتناول تعليم ما أنزله ، كما قال (الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْءَانَ * خَلَقَ الْإِنسَنَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) وقوله (بِالْقَلَمِ) بتناول تعليم كلامه الذي يكتب بالقلم . ونزوله فى أول السورة التى أنزل فيها كلامه، وعلم نبيه كلامه الذي يكتب بالقلم دليل على شمول الآية لذلك فإن سبب اللفظ المطلق والعام لا بد أن يكون مندرجا فيه . وإذا دل على أنه خلق وتكلم . وقد قال ( خَلَقَ الْإِنسَنَ). ومعلوم بالعقل وبالخطاب أن الإنسان المخلوق غير خلق الرب له ، وكذلك خلقه لغيره . والذين نازعوا فى ذلك إنما نازعوا لشبهة عرضت لهم ، كما قد ذكر بعد هذا وفى مواضع. وإلا فهم لا يتنازعون أن ((خلق)) فعل له مصدر - يقال : خلق - يخلق - خلقاً. والإنسان مفعول المصدر - ((المخلوق)) ليس هو المصدر. ٣٦٤ ولكن قد يطلق لفظ المصدر على المفعول ، كما يقال « درم ضرب الأمير)). ومنه قوله (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ )، والمراد هناك: هذا مخلوق الله. وليس الكلام فى لفظ ((خلق)) المراد به ((المخلوق))، بل في لفظ ((الخلق)) المراد به ((الفعل)) الذي يسمى المصدر ، كما يقال : خلق - يخلق - خلقاً، وكقوله (مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْتُكُمْ إِلََّ كَنَفْسِ وَحِدَةٍ ) وقوله (يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ خَلْقَامِنُ بَعْدِ خَلْقٍ ) وقوله (مَّا أَشْهَد ◌ُّهُمْ خَلْقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ ) وإذا كان الخلق فعله فهو بمشيئته ، إذ يمتنع أن يكون فعله بغير مشيئة . وما كان بالمشيئة امتنع قدم عينه ، بل يجوز قدم نوعه . وإذا كان الخلق للحادث لابد له من مؤثر تام أوجب حدوثه لزم أنه لم يزل متصفاً بما يقوم به من الأمور الاختيارية ، لكن إن يثبت أنه كان قبل هذا المخلوق مخلوق آخر ثبت أنه متصف يخلق بعد خلق . وكذلك الكلام ، هو متكلم بمشيئته . ويمتنع أن لا يكون متكلما ثم بصير متكلما لوجهين : أحدهما : أنه سلب لكاله ، والكلام صفة كمال . والثانى: أنه يمتنع حدوث ذلك. فإن من لا يكون متكلما يمتنع ٣٦٥ أن يجعل نفسه متكلما ، ومن لا يكون عالماً يمتنع أن يجعل نفسه عالماً ، ومن لا يكون حيا يمتنع أن يجعل نفسه حيا . فهذه الصفات من لوازم ذاته . وكذلك من لا يكون خالقا يمتنع أن يجعل نفسه خالقا . فإنه إذا لم يكن قادراً على أن يخلق فجعله نفسه خالقة أعظم؛ فيكون هذا ممتنعا بطريق الأولى ، فإن جعل نفسه خالقة يستلزم وجود المخلوق . ولهذا لما كان قادراً على جعل الإنسان فاعلا كان هو الخالق لما يفعله الإنسان . فلو جعل نفسه خالقة كان هو الخالق لما جعلها تخلقه . فإذا فرض أنه يمتنع أن يكون خالقاً فى الأزل امتنع أن يجعل نفسه خالقة بوجه من الوجوه . ويلزم من القول بامتناع الفعل عليه في الأزل امتناعه دائماً . وقد دلت الآية على أنه خلق . فعلم أنه مازال قادراً على الخلق، ما زال يمكنه أن يخلق ، وما زال الخلق ممكناً مقدوراً . وهذا يبطل أصل الجهمية . بل وإذا كان قادراً عليه فالموجب له ليس شيئاً بائناً من خارج ، بل هو من نفسه . فيمتنع أن يجعل نفسه مريدة بعد أن لم تكن . فيلزم أنه ما زال مريداً قادراً . وإذا حصلت القدرة والإرادة وجب وجود المقدور . ٣٦٦ وأهل الكلام الذين ينازعون فى هذا يقولون : لم يزل قادراً على ما سيكون . فيقال لهم : القدرة لا تكون إلا مع إمكان المقدور ، إذا كانت القدرة دائمة ، فهل كان يمكنه أن يفعل المقدور دائماً ؟ وهم يقولون : لا ، بل الإمكان - إمكان الفعل - حادث. وهذا يناقض إثبات القدرة ، وإن قالوا : بل الإمكان حاصل ، تبين أنه لم يزل الفعل ممكنا فثبت إمكان وجود ما لا يتناهى من مقدور الرب . وحينئذ ، فإذا كان لم يزل قادراً ، والفعل ممكناً ، وهذا الممكن قد وجد ، فما لا يزال فالموجب لوجود جنس المقدور ، - كالإرادة - مثلا ، إما أن يكون وجودها فى الأزل ممتنعاً ، فيلزم امتناع الفعل ، وقد بينا أنه ممكن . وأيضا إذا كان وجودها ممتنعاً لم يزل ممتنعا ، لأنه لاشىء هناك يجعلها ممكنة فضلا عن أن تكون موجودة . ومعلوم أن وجودها بعد أن لم تكن لا بد له من موجب . وإذا كان وجودها فى الأزل ممكناً فوجود هذا الممكن لا يتوقف على غير ذاته ، وذاته كافية فى حصوله . فيلزم أنه لم يزل مريداً . وهكذا فى جميع صفات الكمال متى ثبت إمكانها فى الأزل لزم ٣٦٧ وجودها فى الأزل . فإنها لو لم توجد لكانت ممتنعة، إذليس فى الأزل شيء سوى نفسه يوجب وجودها . فإذا كانت ممكنة والمقتضى التام لها نفسه لزم وجوبها فى الأزل . وهذا مما يدل على أنه لم يزل حياً ، عليما، قديراً، مريداً، متكلما فاعلا. إذ لامقتضى لهذه الأشياء إلا ذاته، وذاته وحدها كافية في ذلك . فيلزم قدم النوع، وأنه لم يزل متكلما إذا شاء ، لكن أفراد النوع تحصل شيئاً بعد شيء بحسب الإمكان والحكمة . ولهذا قد بين فى مواضع أنه ليس فى نفس الأمر ممكن يستوي طرفا وجوده وعدمه ، بل إما أن يحصل المقتضى لوجوده فيجب ، أو لا يحصل فيمتنع . [ فما ] اتصف به الرب فاتصافه به واجب ، وما لم يتصف به فاتصافه به ممتنع . وما شاء كان ووجب وجوده ، وما لم يشأ لم يكن وامتنع وجوده. فالممكن مع مرجحه التام واجب وبدونه ممتنع. ( آقْرَأْبِاسْمِرَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ * خَلَقَّ ◌ُلْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ) ففى قوله تعالى وفى قوله ( آقْرَأْوَرَبُّكَ الْأَكْرُ * الَّذِى عَلَّمَبِالْقَلَمِ ) دلالة على ثبوت صفات الكمال له، وأنه لم يزل متصفاً بها . وأقوال السلف فى ذلك كثيرة . وبهذا فسروا قوله ( وَكَانَ اللّهُ ٣٦٨ عَزِيزًاحَكِيمًا ) ونحوه ، كما ذكره البخاري في صحيحه عن ابن عباس ورواه ابن أبى حاتم من عدة طرق - لما قيل له: قوله (وَكَانَ اللَّهُ ... ) كأنه كان شيء ثم مضى؟ فقال ابن عباس : هو سمى نفسه بذلك ولم يزل كذلك . هذا لفظ ابن أبى حاتم من طريق أبى معاوية ، عن الأعمش ، عن المنهال ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس . فقال ابن عباس: كذلك كان ولم يزل . ومن رواية عمرو بن أبي قيس ، عن مطرف ، عن المنهال ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس . قال: أناه رجل فقال: سمعت الله يقول (وَكَانَ اللَّهُ ... ) كأنه شيء كان؟ فقال ابن عباس: أما قوله (كان) فإنه لم يزل ولا يزال، و(هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَاُلَّهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ) . ومن رواية عبد الرحمن بن مغرا، عن مجمع بن يحيى ، عن عمه، عن ابن عباس. قال ، قال يهودي: إنكم تزعمون أن الله كان عزيزاً حكيما ، فكيف هو اليوم ؟ فقال ابن عباس : إنه كان فى نفسه عزيزاً حكيما . وهذه أقوال ابن عباس تبين أنه لم يزل متصفاً بخبر ((كان))، ولا ٣٦٩ يزال كذلك، وأن ذلك حصل له من نفسه . فلم يزل متصفاً فى نفسه إذا كان من لوازم نفسه ، ولهذا لا يزال لأنه من نفسه . وقال أحمد بن حنبل : لم يزل الله عالماً، متكلما، غفوراً . وقال أيضاً: لم يزل اللّه متكلما إذا شاء. فصل وكما أنه أول آية نزلت من القرآن تدل على ذلك فأعظم آية فى القرآن ندل على ذلك، لكن مبسوطاً دلالة أتم من هذا . وهي آية الكرسي ، كما ثبت فى الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بن كعب: يا أبا المنذر ! أندري أي آية فى كتاب الله معك أعظم))؟ فقال: (اُللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ) فقال: ((ليهنك العلم ، أبا المنذر!)). وهنا افتتحها بقوله ( الله ) ، وهو أعظم من قوله (وربك ... ) ولهذا افتتح به أعظم سورة فى القرآن فقال ( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ). ٣٧٠ وقال ( اللّهُلَآ إِلَهَ إِلَُّهُوَ الْحَىُّالْقَيُومُ ) إذا كان المشركون قد اتخذوا إلهاً غيره وإن قالوا بأنه الخالق . ففى قوله ( خلق ) لم يذكر نفي خالق آخر إذا كان ذلك معلوما . فلم يثبت أحد من الناس خالقاً آخر مطلقاً خلق كل شيء وخلق الإنسان وغيره ، بخلاف الإلهية . قال تعالى (قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَأَنصُرُوَاْءَ الِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَعِلِينَ ) وقال تعالى (وَأَنْطَوُّلْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ آَمْشُوا وَأَصْبِرُواْ عَلَى ءَالِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَىْءٌ يُرَادُ )، وقال تعالى ( أَبِتَّكُمْ لَتَشْهَدُ ونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ ءَالِهَةَ أُخْرَى قُل لَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ ج وَجِدٌ )، وقال تعالى ( قُل لَوْكَانَ مَعَهُ: ءَاِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذَا لََّ بَنَغَوْ إِلَى ذِى اُلْعِرْشِ سَبِيلًا ) . فابتغوا معه آلهة أخرى ، ولم يثبتوا معه خالقاً آخر . فقال فى أعظم الآيات (اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّ هُوَ الْحَىُّ الْقَيُومُ) ذكره فى ثلاثة مواضع من القرآن ، كل موضع فيه أحد أصول الدين الثلاثة - وهي التوحيد ، والرسل ، والآخرة . هذه التى بعث بها جميع المرسلين ، وأخبر عن المشركين أنهم يكفرون بها في مثل قوله (وَلَا تَنَّبِعْ أَهْوَآءَ الَّذِينَ كَذَّبُواْرِعَايَتِنَا وَاُلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ). ٣٧١ ( أَلَّهُلَآ إِلَهَ إِلَّهُوَ الْحَىُّالْقَيُّومُ) - قرنها بأنه لا فقال هنا إله إلا هو . وزاد فى آل عمران (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَنَةَ وَالْإِنِيلَ * مِن قَبْلُ هُدِّى لِلنَّاسِ وَأَنَزَلَ الْفُرْقَانَ )، وهذا إيمان بالكتب والرسل . وقال فى طه: (يَوْمَئِذٍ لَّا نَفَعُ الشَّفَعَةُ إِلََّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلًا * يَعْلَمُ مَابَيْنَ أَيْدِ يهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ، عِلْمًا * * وَعَنَتِ الْوُجُوُ لِلْحَيِّالْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا ) . فصل ومن أعظم الأصول معرفة الإنسان بما نعت الله به نفسه من الصفات الفعلية ، كقوله فى هذه السورة ( الَّذِى خَلَقَ * خَلَقَ اُلْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ ) و ((الخلق)» مذكور في مواضع كثيرة، وكذلك غيره من الأفعال . وهو نوعان . فعل متعد إلى مفعول به، مثل ((خلق))، فإنه يقتضى مخلوقا، وكذلك ((رزق))، كقوله (اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ ثُمَّرَزَقَكُمْ ثُمَّيُمِيتُسِكُمْ ثُمَّيُمْبِيَكُمْ هَلْ ٣٧٢ مِن شُرَكَبِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِّن شَىْءٍ ) . وكذلك الهدى ، والإضلال ، والتعليم والبعث ، والإرسال والتكليم . وكذلك ما أخبر به من قوله ( فَقَضَنُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِ يَوْمَيْنِ ) ، ( فَسَوَّهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ ) وقوله (وَالسَّمَ بَيْنَهَا بِأَبْدٍ )، وقوله ( الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَشًا وَالسَّمَآءَ بِنَآءَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَخْرَجَ بِهِ، مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًا لَّكُمْ )، وقوله فى الآية الأخرى (الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَلَةَ بِنَآءُ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمِنَ الطَّيْبَتِ ) وهذا فى القرآن [ كثير ] جداً . والأفعال اللازمة، كقوله ( ثُمَّ أَسْتَوَّ إِلَى السَّمَاءِ)، (ثُمَّأُسْتَوَى عَ لْعَرْشِ ) (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلََّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِى ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ ) (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلََّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَبِكَةُ أَوْيَأْتِىَ رَبُّكَ أَوْيَأْتِىَ بَعْضُءَايَتِ رَبِّكَ)، وقوله ( وَجَآءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفَّاصَفًا ). فأما النوع الأول فالمسلمون متفقون على إضافته إلى الله، وأنه هو الذي يخلق ويرزق ، ليس ذلك صفة لشىء من مخلوقاته . لكن هل قام به فعل هو الخلق ، أو الفعل هو المفعول والخلق هو المخلوق ؟ وهذا فيه قولان لمن يثبت اتصافه بالصفات . فأما ٣٧٣ من ينفى الصفات من الجهمية والمعتزلة فهم ينفون قيام الفعل به بطريق الأولى . لكن منهم من يجعل الخلق غير المخلوق ، ويجعل الخلق إما معنى قام بالمخلوق ، أو المعانى المتسلسلة ، كما يقوله معمر بن عباد ؛ أو يجعل الخلق قائماً لا فى محل، كقول بعضهم: إنه قول ((كن)) لا في محل ، وقول البصريين : إنه إرادة لا في محل. وهذا فرار منهم عن قيام الحوادث به، مع أن منهم من يلتزم ذلك، كما التزمه أبو الحسين وغيره . والجمهور المثبتون للصفات م في الأفعال على قولين . منهم من يقول : لا يقوم به فعل ، وإنما الفعل هو المفعول . وهذا قول طائفة منهم الأشعري ومن وافقه من أصحابه وغير أصحابه ، كابن عقيل وغيره، وهو أول قولى القاضى أبى يعلى. وهؤلاء يقسمون الصفات إلى ذاتية ، ومعنوية، وفعلية . وهذا تقسيم لا حقيقة له . فإن الأفعال عندم لا تقوم به فلا يتصف بها، لكن يخبر عنه بها . وهذا التقسيم يناسب قول من قال : الصفات هي الأخبار التى ٣٧٤ يخبر بها عنه، لا معانى تقوم به، كما تقول ذلك الجهمية والمعتزلة . فهؤلاء إذا قالوا : الصفات تنقسم إلى ذاتية وفعلية ، أرادوا بذلك ما يخبر به عنه من الكلام تارة يكون خبراً عن ذاته ، وتارة عن المخلوقات ، ليس عندهم صفات تقوم به . فمن فسر الصفات بهذا أمكنه أن يجعلها ثلاثة أقسام - ذاتية ، ومعنوية، وفعلية . وأما من كان مراده بالصفات ما يقوم به فهذا التقسيم لا يصلح على أصلهم ، ولكن أخذوا التقسيم عن أولئك وم مخالفون لهم فى المراد بالصفات . وهذا التقسيم موجود فى كلام أبى الحسن ومن وافقه ، كالقاضى أبى يعلى ، وأبي المعالي، والباجى وغيرهم . والقول الثانى : أنه تقوم به الأفعال . وهذا قول السلف وجمهور مثبتة الصفات . ذكر البخارى فى كتاب ((خلق أفعال العباد )» أن هذا إجماع العلماء ، خالق ، وخلق ، ومخلوق . وذكره البغوى قول أهل السنة وذكره أبو نصر محمد بن إسحاق الكلاباذى فى كتاب ((التعرف بمذاهب التصوف)) أنه قول الصوفية . وهو قول الحنفية مشهور عندهم يسمونه ٣٧٥ ((التكوين)). وهو قول الكرامية، والهشامية، ونحوهما وهو قول القدماء من أصحاب مالك ، والشافعي ، وأحمد. وهو آخر قولي القاضي أبى [ يعلى ] . ثم إذا قيل : الخلق غير المخلوق ، وإنه قائم بالرب ، فهل هو خلق قديم لازم لذات الرب مع حدوث المخلوقات ، كما يقوله أصحاب أبى حنيفة وغيره ؟ أو هو خلق حادث بذاته - حدث لما حدث جنس المخلوقات ؟ أم خلق بعد خلق ؟ على ثلاثة أقوال . وهذا أو هذا هو الذي عليه أئمة السنة والحديث وجمهورم . وهو قول طوائف من أهل الكلام - من الكرامية والهشامية ، وغيرهم. فمن قال « إنه يتكلم بمشيئته واختياره كلاما يقوم بذاته ، يمكنه أن يقول : إنه يفعل باختياره ومشيئته فعلا يقوم بذاته)). والذين يقولون بقيام الأمور الاختيارية بذاته منهم من يصحح دليل الأعراض والاستدلال به على حدوث الأجسام ، كالكرامية ، ومتأخرى الحنفية ، والمالكية ، والحنبلية ، والشافعية. ومنهم من لا يصححه، كأمة السلف ، وأئمة السنة والحديث ، وأحمد بن حنبل ، والبخاري وغيرهم ٣٧٦ وهذه المسألة يعبر عنها بـ ((مسألة التأثير)، هل هو أمر وجودي أم لا ؟ وهل التأثير زائد على المؤثر والأثر أم [ لا]؟ وكلام الرازي فى ذلك مختلف ، كما قد بسط الكلام على ذلك في مواضع . وعمدة الذين قالوا : إن الخلق هو المخلوق ، والتأثير هو وجود الأثر . لم يثبتوا زائداً أن قالوا: لو كان الخلق والتأثير زائداً على ذات المخلوق والأثر لكان إما أن يقوم بمحل أو لا ، والثاني باطل ، فإن المعاني لا تقوم بأنفسها. وهذا رد على طائفة من المعتزلة قالوا : يقوم بنفسه . قالوا : وإذا قام بمحل فإما أن يقوم بالخالق أو بغيره ، والثاني باطل ، لأنه لو قام بغيره لكان ذلك الغير هو الخالق ، لا هو . وهذا رد على طائفة ثانية يقولون : إنه يقوم بالمخلوق . وإذا قام بالخالق فإما أن يكون قديماً أو محدثاً ، ولو كان قديماً للزم قدم المخلوق ، فإن الخلق والمخلوق متلازمان . فوجود خلق بلا مخلوق ممتنع ، وكذلك وجود تأثير بلا أثر . وإن كان محدثاً فهو باطل لوجهين . أحدهما أنه يلزم قيام الحوادث به . والثانى أن ذلك الخلق الحادث يفتقر إلى خلق آخر ويلزم التسلسل ومعمر بن عباد التزم التسلسل ، وجعل للخلق خلقاً ، وللخلق خلقاً، ٣٧٧ لكن لا فى ذات الله ، وجعل ذلك فى وقت واحد . فهذه عمدة هؤلاء . وكل طائفة تخالفهم منعت مقدمة من مقدمات دليلهم . فمن جوز أن يقوم بنفسه ، أو بالمخلوق ، منع تينك المقدمتين . وأما الجمهور فكل أجاب بحسب قوله . منهم من قال: بل الخلق والتكوين قديم ، كما أن الإرادة عندكم قديمة . ومع القول بقدمها لم يلزم تقدم المراد . كذلك الخلق والتكوين قديم ولا يلزم تقدم المخلوق . وهذا لازم للكلابية من الأشعرية وغيرهم لا جواب لهم عنه . لكن لا يلزم من نفى قدم إرادة معينة ، بل نفى قدم الإرادة ، كما يقوله الجهمية والمعتزلة . أو يقول بقدم نوع الإرادة ، كما يقوله أئمة أهل الحديث ومن وافقهم من الفلاسفة والمتكلمين وغيرهم . لكن صاحب هذا القول يقال له: التكوين القديم إما أن يكون مشيئته وإما أن لا يكون بمشيئته . فإن كان بغير مشيئته لزم أن يكون قد خلق الخلق بلا مشيئته . وإن كان بمشيئته لزم أن يكون القديم مراداً وهذا باطل . ولو صح لأمكن كون العالم قديما - مع كونه مخلوقا. ٣٧٨ بخلق قديم بإرادة قديمة . ومعلوم أن هذا باطل . ولهذا كان كل من قال (( القرآن قديم)) يقولون : تكلم بغير مشيئته وقدرته . فالمفعول المراد لا يكون إلا حادثاً ، وكذلك الفعل المراد لا يكون إلا حادثاً . وأيضاً فهؤلاء المنازعون لهم يقولون : الإرادة مستلزمة للمراد ، والخلق مستلزم للمخلوق. وما ذكر حجة على هؤلاء، وهؤلاء . فإن الإرادة والخلق من الأمور الإضافية ، وثبوت إرادة بلا مراد وخلق بلا مخلوق ممتنع . لكن المنازع يقول : توجد الإرادة والخلق ويتأخر المراد المخلوق ! فيقال لهؤلاء - تقولون: توجد الإرادة، أو الخلق مع الإرادة، ولا يوجد لا المراد ولا المخلوق . ثم بعد ذلك بما لا يتناهى من تقدير الأوقات يوجد المراد المخلوق من غير سبب . وهذا معلوم البطلان فى بداية العقول . فإن الإرادة أو الخلق كان موجوداً مع القدرة . فإن كان هذا مؤثراً تاماً استلزم وجود الأثر ، ولزم وجود الأثر عند وجود المؤثر التام . فإن الأثر ((مكن))، والممكن يجب وجوده عند وجود المرجح ٣٧٩ التام ، إذ لو لم يكن كذلك كان جازاً بعد وجود المرجح يقبل الوجود والعدم ، وحينئذ فيفتقر إلى مرجح. وهذا يستلزم التسلسل ، ولا ينقطع التسلسل إلا إذا وجد المرجح التام الموجب . وهنا تنازع الناس ، فقالت طائفة ــ مثل محمد بن الهيصم الكرامي ومحمود الخوارزمي - يكون الممكن أولى بالوقوع لكن لا ينتهي إلى حد الوجوب . وقال أكثر المعتزلة والأشعرية: بل لا يصير أولى ولكن القادر ، أو القادر المريد ، يرجح أحد المتماثلين بلا مرجح . وآخرون عرفوا أن هذا لازم فاعترفوا بأنه عند وجود المرجح التام يجب وجود الأثر ، وعند الداعى التام مع القدرة يجب وجود الفعل ، كما اعترف بذلك أبو الحسين البصرى ، والرازي ، والطوسي وغيرم . وكثير من قدماء المتكلمين يقولون بالإرادة الموجبة ، وأن الإرادة تستلزم وجود المراد . والمتفلسفة أوردوا هذا على المتكلمين ، لكن بأن الأثر يقارن وجود التأثير فيكون معه بالزمن . وكثير من الناس لا يعرف إلا هذا القول ، وذاك القول ، ٣٨٠