Indexed OCR Text

Pages 21-40

أما من توسط الأرض المغصوبة فهذا خروجه بنية تخلية المكان
وتسليمه إلى مستحقه ليس منهياً عنه ولا محرماً ؛ بل الفقهاء متفقون على
أن من غصب داراً وترك فيها قماشه وماله إذا أمر بتسليمها إلى مستحقها
فإنه يؤمر بالخروج منها ، وبإخراج أهله وماله منها ، وان كان ذلك
نوع تصرف فيها ، لكنه لأجل إخلائها .
والمشرك إذا دخل الحرم أمر بالخروج منه وإن كان فيه مرور
فيه ، ومثل هذا حديث الأعرابى المتفق على صحته لما بال فى المسجد
فقام الناس إليه، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((لا تزرموه)) أي
لا تقطعوا عليه بوله ، وأمرهم أن يصبوا على بوله دلواً من ماء . فهو لما
بدأ بالبول كان إتمامه خيراً من أن يقطعوه ، فيلوث ثيابه وبدنه ، ولو
زنى رجل بامرأة ثم تاب لنزع، ولم يكن مذنباً بالنزع ، وهل هو
وطء ؟ فيه قولان هما روايتان عن أحمد . فلو حلف أن لا يطأ امرأته
بالطلاق الثلاث ، فالذين يقولون : إنه يقع به الطلاق الثلاث إذا
وطئها تنازعوا هل يجوز له وطؤها ؟ على قولين : هما روايتان عن أحمد.
((أحدهما)) يجوز كقول الشافعي. و((الثانى)) لا يجوز كقول مالك
فإنه يقول : إذا أجزت الوطء لزم أن يباشرها فى حال النزع وهي
محرمة ، وهذا إنما يجوز للضرورة لا يجوزه ابتداء ، وذلك يقول النزع
ليس بمحرم .
٢١

وكذلك الذين يقولون إذا طلع عليه الفجر وهو مولج فقد جامع ،
لهم فى النزع قولان: في مذهب أحمد وغيره ، وأما على ما نصرناه فلا
يحتاج إلى شيء من هذه المسائل ، فإن الحالف إذا حنث يكفر يمينه
ولا يلزمه الطلاق الثلاث ، وما فعله الناس حال التبين من أكل وجماع
فلا بأس به ، لقوله : ( حتى ) .
والمقصود أنه لا يجوز أن يقنط أحد، ولا يقنط أحدا من رحمة الله فإن
اللّه نهى عن ذلك ، وأخبر أنه يغفر الذنوب جميعاً.
فإن قيل قوله: (إِنَّاللَّهَ يَغْفِرُالذُّنُوبَ جَمِيعًا) معه عموم على
وجه الإخبار ، فدل أن الله يغفر كل ذنب؛ ومعلوم أنه لم يرد أن
من أذنب من كافر وغيره فإنه يغفر له ، ولا يعذبه لا في الدنيا ولا في
الآخرة ، فإن هذا خلاف المعلوم بالضرورة والتواتر والقرآن والإجماع.
إذ كان الله أهلك أمماً كثيرة بذنوبها ، ومن هذه الأمة من عذب
بذنوبه إما قدراً وإما شرعاً فى الدنيا قبل الآخرة .
وقد قال تعالى: (مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَبِهِ) وقال: (فَمَن يَعْمَلْ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ, * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّايَرَهُ) فهذا يقتضى
أن هذه الآية ليست على ظاهرها ؛ بل المراد أن الله قد يغفر الذنوب
جميعاً . أي ذلك مما قد يفعله أو أنه يغفره لكل تائب، لكن يقال:
فلم أتى بصيغة الجزم والإطلاق في موضع التردد والتقييد ؟ قيل بل
٢٢

الآية على مقتضاها فإن الله أخبر أنه يغفر جميع الذنوب، ولم يذكر
أنه يغفر لكل مذنب ؛ بل قد ذكر في غير موضع أنه لا يغفر لمن
مات كافراً، فقال: (إِنَّالَّذِينَّ كَفَرُوا وَصَدُ واْعَن سَبِيلِ اَلَّهِ ثُمَ مَانُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنَ
يَغْفِرَ اللَّهُ لَمُمْ).
وقال فى حق المنافقين: (سَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمّ تَسْتَغْفِرْ
لكن هذا اللفظ العام فى الذنوب هو مطلق فى
لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ)
المذنبين . فالمذنب لم يتعرض له بنفي ولا إثبات ؛ لكن يجوز أن يكون
مغفوراً له ، ويجوز أن لا يكون مغفوراً له . إن أتى بما يوجب
المغفرة غفر له ، وإن أصر على ما يناقضها لم يغفر له .
وأما جنس الذنب فإن الله يغفره في الجملة: الكفر والشرك
وغيرهما ؛ يغفرها لمن تاب منها ، ليس فى الوجود ذنب لا يغفره الرب
تعالى ؛ بل ما من ذنب إلا والله تعالى يغفره فى الجملة.
وهذه آية عظيمة جامعة من أعظم الآيات نفعاً ، وفيها رد على
طوائف ، رد على من يقول إن الداعى إلى البدعة لا تقبل توبته ،
ويحتجون بحديث إسرائيلي، فيه: (( أنه قيل لذلك الداعية فكيف بمن
أضللت ؟)) وهذا يقوله طائفة ممن ينتسب إلى السنة والحديث وليسوا
من العلماء بذلك ، كأبى علي الأهوازي وأمثاله ممن لا يميزون بين
٢٣

الأحاديث الصحيحة والموضوعة، وما يحتج به وما لا يحتج به ؛ بل
بروون كل ما فى الباب محتجين به .
وقد حكى هذا طائفة قولا في مذهب أحمد أو رواية عنه، وظاهر
مذهبه مع مذاهب سائر أئمة المسلمين أنه تقبل توبته كما تقبل توبة
الداعى إلى الكفر ، وتوبة من فتن الناس عن دينهم .
وقد تاب قادة الأحزاب : مثل أبى سفيان بن حرب ، والحارث
ابن هشام ، وسهيل بن عمرو ، وصفوان بن أمية ، وعكرمة بن أبى
جهل ، وغيرهم بعد أن قتل على الكفر بدعائهم من قتل ، وكانوا من
أحسن الناس إسلاماً وغفر الله لهم. قال تعالى: (قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ
وعمرو بن العاص كان من أعظم
إِن يَنْتَهُوأُيُغْفَرْلَهُم مَّاقَدْ سَلَفَ ) .
الدعاة إلى الكفر والإيذاء للمسلمين ، وقد قال له النبى صلى الله عليه
وسلم لما أسلم (( يا عمرو أما علمت أن الإسلام يجب ما كان قبله؟!))
(أُوْلَكَ الَّذِينَ
وفي صحيح البخارى عن ابن مسعود فى قوله :
قال كان ناس من الإِنس
يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُهُمْ أَقْرَبُ )
يعبدون ناسا من الجن ، فأسلم أولئك الجن والإنس يعبدونهم . ففي
هذا أنه لم يضر الذين أسلموا عبادة غيرم بعد الإسلام لهم ، وإن كانوا
ثم أضلوهم أولا .
٢٤

وأيضا فالداعى إلى الكفر والبدعة وإن كان أضل غيره فذلك الغير
يعاقب على ذنبه ؛ لكونه قبل من هذا واتبعه ، وهذا عليه وزره ووزر
من اتبعه إلى يوم القيامة مع بقاء أوزار أولئك عليهم ، فإذا تاب من
ذنبه لم يبق عليه وزره ولا ما حمله هو لأجل إضلالهم ، وأما م فسواء
تاب أو لم يتب حالهم واحد : ولكن توبته قبل هذا تحتاج إلى ضد
ما كان عليه من الدعاء إلى الهدى ، كما تاب كثير من الكفار وأهل
البدع ، وصاروا دعاة إلى الإسلام والسنة . وسحرة فرعون كانوا أئمة فى
الكفر ثم أسلموا وختم الله لهم بخير.
ومن ذلك توبة قاتل النفس . والجمهور على أنها مقبولة ؛ وقال ابن
عباس لا تقبل ؛ وعن أحمد روايتان . وحديث قاتل التسعة والتسعين في
الصحيحين دليل على قبول توبته ، وهذه الآية تدل على ذلك ، وآية
(إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ
النساء إنما فيها وعيد فى القرآن كقوله :
اَلْيَسَى ◌ُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِ بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَضْلَوْنَ سَعِيرًا) ومع هذا
فهذا إذا لم يتب . وكل وعيد فى القرآن فهو مشروط بعدم التوبة باتفاق
الناس ، فبأي وجه يكون وعيد القاتل لاحقا به وإن تاب ؟ هذا فى غاية
الضعف ؛ ولكن قد يقال لا تقبل توبته بمعنى أنه لا يسقط حق المظلوم
بالقتل ؛ بل التوبة تسقط حق الله والمقتول مطالبه بحقه ، وهذا صحيح
فى جميع حقوق الآدميين حتى الدين ، فإن فى الصحيحين عن النبى صلى
٢٥.

الله عليه وسلم أنه قال: ((الشهيد يغفر له كل شىء إلا الدين)) لكن
حق الآدمي بعطاه من حسنات القاتل .
فمن تمام التوبة أن يستكثر من الحسنات حتى يكون له ما يقابل
حق المقتول ، ولعل ابن عباس رأى أن القتل أعظم الذنوب بعد الكفر
فلا يكون لصاحبه حسنات تقابل حق المقتول ، فلا بد أن يبقى له
سيئات يعذب بها ، وهذا الذى قاله قد يقع من بعض الناس ، فيبقى
الكلام فيمن تاب وأخلص ، وعجز عن حسنات تعادل حق المظلوم ،
هل يجعل عليه من سيئات المقتول ما يعذب به ؟ وهذا موضع دقيق
على مثله يحمل حديث ابن عباس ؛ لكن هذا كله لا ينافى موجب
الآية ، وهو أن الله تعالى يغفر كل ذنب، الشرك والقتل والزنا،
وغير ذلك من حيث الجملة ، فهي عامة في الأفعال مطلقة في الأشخاص.
ومثل هذا قوله: (فَاقْتُلُواْالْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدِّثُّمُوهُمْ) عام فى
الأشخاص مطلق فى أحوال (١) الأرجل ؛ إذ قد تكون مستورة بالخف
واللفظ لم يتعرض إلى الأحوال .
وكذلك قوله تعالى: (يُوصِيكُم ◌َللَّهُ فِي أَوْلَدِ كُمْ) عام فى الأولاد
عام فى الأحوال ؛ إذ قد يكون الولد موافقا في الدين ومخالفا وحراً
وعبداً. واللفظ لم يتعرض إلى الأحوال .
(١) هنا سقط .
٢٦

وكذلك قوله: (يَغْفِرُ الذُّنُوبَ ) عام فى الذنوب مطلق في أحوالها،
فإن الذنب قد يكون صاحبه تائبا منه ، وقد يكون مصراً ، واللفظ لم
يتعرض لذلك ، بل الكلام يبين أن الذنب يغفر في حال دون حال ،
فإن الله أمر بفعل ما تغفر به الذنوب ، ونهى عما به يحصل العذاب
يوم القيامة بلا مغفرة، فقال: (وَأَنِبُواْ إِلَى رَتَّكُمْ وَأَسْلِمُواْلَّهُ مِن قَبْلِ أَنْ
يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا نُصَرُونَ * وَتَّبِعُوْأَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُم
مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْنِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةٌ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسُ بَحَسْرَتَى
أَوْتَقُولَ لَوْاَنَّ اللهَهَدَانِ
عَلَى مَا فَرَّطَتُ فِى جَنْبِ اللَّهِ وَ إِن كُنْتُ لَمِنَ السَّخِرِينَ
لَكُنتُ مِنَ الْمُنَّقِينَ * أَوْتَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوَنَّ لِ كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ
الْمُحْسِنِينَ * بَلَى قَدْ جَآءَتَكَ ءَايَتِى فَكَذَّبْتَ بِهَا وَأَسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَفِرِينَ)
فهذا إخبار أنه يوم القيامة يعذب نفوسا لم يغفر لها ، كالتى كذبت بآياته
واستكبرت وكانت من الكافرين، ومثل هذه الذنوب غفرها اللّه لآخرين
لأنهم تابوا منها .
فإن قيل فقد قال تعالى: (إِنَّالَّذِينَ كَفَرُوْبَعْدَ إِيمَنِهِمْ ثُمَّ أَزْدَادُواْ كُفْرًا
أَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ ) وقال تعالى: (إِنَّالَّذِينَ ءَامَنُواْثُمَّ
كَفَرُواْ ثُمَّ ءَامَنُواْ تُؤَّكَفَرُواْ ثُمَّ أَزْدَادُوا كُفْرَا لَّمْ يَكُنِ اَللَّهُ لِيَغْفِرَلَمُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً)؟
قيل: إن القرآن قد بين توبة الكافر وإن كان قد ارند ثم عاد إلى الإسلام
فى غير موضع ، كقوله تعالى: (كَيْفَ يَهْدِى اللّهُ قَوْمَا كَفَرُواْ بَعْدَ إِیَمنِهِمْ
٢٧

وَشَهِدُوَاْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌ وَجَآءَ هُمُ الْبَيِّنَتُ وَاَللَّهُ لَ يَهْدِى اُلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * أُوْلَئِكَ
جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَغْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَلِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ
عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَهُمْ يُنْظَرُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّاللَّهَ غَفُورٌ
رَّحِيمٌ ) وقوله: (كَيْفَ يَهْدِى اللّهُ ) أي أنه لا يهديهم مع كونهم
مرتدين ظالمين؛ ولهذا قال: (وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) فمن ارتد
عن دين الإسلام لم يكن إلا ضالا ، لا يحصل له الهدى إلى أي دين
ارتد. ((والمقصود)) أن هؤلاء لا يهديهم الله ولا يغفر لهم إلا
أن يتوبوا .
وكذلك قال فى قوله: (مَن كَفَرَبِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَنِهِإِلَّا مَنْ أُكْرِه)
ومن كفر بالله من بعد إيمانه من غير إكراه فهو مرتد، قال: (ثُمَّ
إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَهَدُواْ وَصَبَرُوَأَإِنَّ
رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ).
وهو سبحانه فى آل عمران ذكر المرتدين ثم ذكر التائبين منهم،
( إِنَّالَّذِينَ
ثم ذكر من لا تقبل توبته ومن مات كافراً ؛ فقال:
كَفَرُواْبَعْدَ إِيمَنِهِمْ ثُمَّ أَزْدَادُوا كُفْرَا لَنْ تُقْبَلَ تَّوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّاَلُونَ * إِنَّ
الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلُْ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوٍ اُفْتَدَى بِهِ.
وهؤلاء
أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيٌِّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَّصِرِينَ ).
الذين لا تقبل توبتهم قد ذكروا فيهم أقوالا : قيل لنفاقهم ، وقيل
٢٨

لأنهم تابوا مما دون الشرك ولم يتوبوا منه ، وقيل لن تقبل توبتهم بعد
الموت ، وقال الأكثرون كالحسن وقتادة وعطاء الخراساني والسدى: لن
تقبل توبتهم حين يحضرم الموت ، فيكون هذا كقوله: ( وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ
لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِ تُبْتُ اُلْثَنَ وَلَا
الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارُ ).
وكذلك قوله : (إِنَّالَّذِينَ ءَامَنُواْثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءَامَنُواْ تُؤَّكَفَرُواْ ثُمَّ أَزْدَادُواْ كُفْرًا
قال مجاهد وغيره من المفسرين :
أَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَلَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً )
ازدادوا كفراً ثبتوا عليه حتى ماتوا .
قلت: وذلك لأن التائب راجع عن الكفر ، ومن لم يتب فإنه
مستمر يزداد كفراً بعد كفر، فقوله: ( ثُمَّازْدَادُوا ) بمنزلة قول القائل
ثم أصروا على الكفر واستمروا على الكفر وداموا على الكفر ، فهم
كفروا بعد إسلامهم ، ثم زاد كفرهم ما نقص ، فهؤلاء لا تقبل توبتهم
وهي التوبة عند حضور الموت ؛ لأن من تاب قبل حضور الموت فقد
تاب من قريب ورجع عن كفره ، فلم يزدد بل نقص ؛ بخلاف
المصر إلى حين المعاينة ، فما بقي له زمان يقع لنقص كفره فضلاً
عن هدمه .
وفى الآية الأخرى قال: (لَّمْيَكُنِ اللُّ لِيَغْفِرَلَمْ ) وذكر أنهسم
٢٩

آمنوا ثم كفروا ، ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً، قيل لأن المرتد
إذا تاب غفر له كفره ، فإذا كفر بعد ذلك ومات كافراً حبط إيمانه ،
فعوقب بالكفر الأول والثانى ، كما فى الصحيحين عن ابن مسعود قال :
قيل : يا رسول الله أنؤاخذ بما عملنا فى الجاهلية؟ فقال: (( من أحسن
فى الإسلام لم يؤاخذ بما عمل فى الجاهلية ، ومن أساء في الإسلام أخذ
بالأول والآخر )) فلو قال : إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً
لم يكن اللّه ليغفر لهم، كان هؤلاء الذين ذكرهم فى آل عمران فقال:
(إِنَّالَّذِينَ كَفَرُوْ بَعْدَ إِيمَنِهِمْ ثُمَّ أَزْدَادُ واْكُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ)
بل ذكر أنهم آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا بعد ذلك، وهو
المرتد التائب، فهذا إذا كفر وازداد كفراً لم يغفر له كفره السابق أيضاً ،
فلو آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا لم يكونوا قد ازدادوا
كفراً فلا يدخلون فى الآية .
والفقهاء إذا تنازعوا فى قبول توبة من تكررت ردته أو قبول توبة
الزنديق ، فذاك إنما هو فى الحكم الظاهر ؛ لأنه لا يوثق بتوبته ، أما
إذا قدر أنه أخلص التوبة للّه فى الباطن فإنه يدخل في قوله: (يَعِبَادِىَ
الَّذِينَ أَسْرَ فُوْ عَلَىَّ أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّاللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ
الرَّحِيمُ ) .
ونحن حقيقة قولنا أن التائب لا يعذب لا فى الدنيا ولا في الآخرة ،
٣٠

لا شرعا ولا قدراً ، والعقوبات التى تقام من حد أو تعزير إما أن يثبت
سببها بالبينة مثل قيام البينة بأنه زنى أو سرق أو شرب ، فهذا إذا
أظهر التوبة لم يوثق بها ، ولو درئ الحد بإظهار هذا لم يقم حد ، فإنه
كل من تقام عليه البينة يقول قد تبت ، وإن كان تائباً في الباطن
كان الحد مكفراً وكان مأجوراً على صبره ، وأما إذا جاء هو بنفسه
فاعترف وجاء تائباً ، فهذا لا يجب أن يقام عليه الحد في ظاهر مذهب
أحمد، نص عليه فى غير موضع ، وهي من مسائل التعليق ، واحتج عليها
القاضي بعدة أحاديث، وحديث الذى قال: ((أصبت حداً فأقمه على فأقيمت
الصلاة )) يدخل فى هذا لأنه جاء تائباً، وإن شهد على نفسه كما شهد به
ماعز والغامدية واختار إقامة الحد أقيم عليه وإلا فلا . كما فى حديث
ماعن: ((فهلا تركتموه؟)) والغامدية ردها مرة بعد مرة .
فالإمام والناس ليس عليهم إقامة الحد على مثل هذا ؛ ولكن هو
إذا طلب ذلك أقيم عليه كالذى يذنب سراً ، وليس على أحد أن يقيم
عليه حداً؛ لكن إذا اختار هو أن يعترف ويقام عليه الحد أقيم وإن لم
يكن تائبا، وهذا كقتل الذى ينغمس فى العدو هو مما يرفع الله به
درجته كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لقد تابت توبة لو تابها
صاحب مكس لغفر له، وهل وجدت أفضل من أن حادت بنفسها لله؟!)).
وقد قيل فى ماعز إنه رجع عن الإقرار ، وهذا هو أحد القولين
٣١

فيه في مذهب أحمد وغيره ؛ وهو ضعيف والأول أجود . وهؤلاء
يقولون : سقط الحد لكونه رجع عن الإقرار ، ويقولون رجوعه عن
الإقرار مقبول، وهو ضعيف ؛ بل فرق بين من أقر تائباً ومن أقر غير
تائب ، فإسقاط العقوبة بالتوبة - كما دلت عليه النصوص - أولى من
إسقاطها بالرجوع عن الإقرار ؛ والإقرار شهادة منه على نفسه ؛ ولو
قبل الرجوع لما قام حد بإقرار ، فإذا لم تقبل التوبة بعد الإقرار مع أنه
قد يكون صادقا فالرجوع الذى هو فيه كاذب أولى .
آخره، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله
وسلم تسليما كثيراً إلى يوم الدين .
٣٢

وسئل شيخ الإسلام رحمه الله
عن قوله تعالى: (وَنُفِخَ فِ الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ
إِلَّا مَن شَآءَ اللَّهُ ).
قال المفسرون : مات من الفزع
وشدة الصوت (مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَمَن فِ اُلْأَرْضِ إِلَّ مَن شَآءَ اللَّهُ). أخبرنا
أبو الفتح محمد بن علي الكوفى الصوفي ، أنا أبو الحسن علي بن الحسن
التميمي ، ثنا محمد بن إسحق الرملي ، ثنا هشام بن عمار، ثنا إسماعيل
ابن عياش عن عمر بن محمد ، عن زيد بن أسلم عن أبيه ، عن أبي
هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه سأل
( وَنُفِخَ فِ الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِ السَّمَوَتِ
جبريل عن هذه الآية :
من الذي لم يشأ الله أن يصعقهم؟
وَمَنْ فِ اُلْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ اللَّهُ)
قال : هم الشهداء متقلدين سيوفهم حول العرش ، وهذا قول سعيد بن
جبير، وعطاء [و] ابن عباس . وقال مقاتل والسدي والكلى: هو جبريل
( ثُمَّنُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَاهُمْ
وميكائيل ، وإسرافيل ، وملك الموت .
قِيَامٌ) يعني الخلق كلهم قيام على أرجلهم (ينَظُرُونَ) ما يقال لهم ،
وما يؤمرون به . هذا كلام الواحدي فى ((كتاب الوسيط)). بينوا لنا
٣٣

حقيقة الصعوق ، هل يطلق على الموت فى حق المذكورين ؟.
وحقيقة الاستثناء ؟
فأجاب : الحمد لله . الذي عليه أكثر الناس أن جميع الخلق
يموتون حتى الملائكة ، وحتى عزرائيل ملك الموت . وروي فى ذلك
حديث مرفوع إلى النبى صلى الله عليه وسلم، والمسلمون واليهود
والنصارى متفقون على إمكان ذلك . وقدرة الله عليه ، وإنما يخالف
في ذلك طوائف من المتفلسفة أتباع أرسطو وأشالهم، ممن زعم أن
الملائكة هي العقول والنفوس ، وأنه لا يمكن موتها بحال ؛ بل هي
عندهم آلهة وأرباب هذا العالم .
والقرآن وسائر الكتب تنطق بأن الملائكة عبيد مديرون ، كما
قال سبحانه: (لَّنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدَ اللَّهِ وَلَا الْمَلَئِكَةُ
اْقُرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا ).
(وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدَا سُبْحَنَهُ، بَلْ عِبَادٌ
ج
وقال تعالى :
مَكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَابَيْنَ
وقال
أَيْدِ يهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ أَرْتَضَى)
تعالى: (وَكَمْ مِّن مَّلَكِ فِى السَّمَوَاتِ لَا تُغْنِى شَفَعَهُهُمْ شَيْئًا إِلَّ مِنْ بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اَللّهُ لِمَن
يَشَاءُ وَيَرْضَى)
والله سبحانه وتعالى قادر على أن يميتهم ثم يحييهم ، كما هو قادر
٣٤

على إماتة البشر والجن، ثم إحياثهم، وقد قال سبحانه: ( وَهُوَ
الَّذِى يَبْدَؤُ الْخَلْقَ ثُمَّيُعِيدُهُ،وَهُوَ أَهْوَنٌ عَلَيْهِ ) وقد ثبت فى الحديث
الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه وعن غير واحد
من أصحابه أنه قال: ((إن الله إذا تكلم بالوحي أخذ الملائكة
غشى)) وفي رواية: ((إذا سمعت الملائكة كلامه صعقوا)) وفي رواية
«سمعت الملائكة كر السلسلة على صفوان ، فيصعقون ، فإذا فزع عن
قلوبهم قالوا : ماذا قال : ربكم ؟ قالوا : الحق فينادون :
الحق، الحق)).
فقد أخبر في هذه الأحاديث الصحيحة أنهم يصعقون صعوق الغشي
فإذا جاز عليهم صعوق الغشي جاز عليهم صعوق الموت . وهؤلاء المتفلسفة
لا يجوزون لا هذا ولا هذا ، وصعوق الغشي هو مثل صعوق
موسى عليه السلام. قال تعالى: (فَلَمَّا تَجَلَى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَثًا
(
وَخَرَّمُوسَى صَعِقًا
والقرآن قد أخبر بثلاث نفخات :
نفخة الفزع ، ذكرها في سورة النمل فى قوله: ( وَيَوْمَ يُنْفَخُ
فِ الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَن ◌ِ الْأَرْضِ إِلَّ مَن شَاءَ اللَّهُ).
ونفخة الصعق والقيام ذكرها فى قوله: (وَنُفِخَ فِىِ الصُّورِفَصَعِقَ مَن
٣٥

فِي السَّمَوَتِ وَمَن فِ اْأَرْضِ إِلَّ مَن شَآءَ اللَّه ◌ُمَ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَاهُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ).
وأما الاستثناء فهو متناول لمن فى الجنة من الحور العين ، فإن
الجنة ليس فيها موت ، ومتناول لغيرهم ، ولا يمكن الجزم بكل من استثناء
اللّه، فإن اللّه أطلق فى كتابه .
وقد ثبت فى الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إن
الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق ، فأجد موسى
آخذاً بساق العرش ، فلا أدري هل أفاق قبلي أم كان ممن استثناء
اللّه؟)) وهذه الصعقة قد قيل إنها رابعة ، وقيل إنها من المذكورات
فى القرآن ؛ وبكل حال النى: صلى الله عليه وسلم قد توقف فى موسى
هل هو داخل فى الاستثناء فيمن استثناء الله أم لا ؟
فإذا كان النبى صلى الله عليه وسلم لم يجزم بكل من استثناء الله
لم يمكنا أن تجزم بذلك ، وصار هذا مثل العلم بقرب الساعة ، وأعيان
الأنبياء، وأمثال ذلك مما لم يخبر به ، وهذا العلم لا ينال إلا بالخبر،
والله أعلم .
وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
٣٦

سورة الشورى
وقال الشيخ رحم الله
قد كتبت بعض ما يتعلق بقوله تعالى: (وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَ عَلَى رَبِهِمْ يَتَوَكَّلُونَ )
إلى قوله :
(وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ
إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ )
مدحهم على الانتصار تارة وعلى
الصبر أخرى .
و «المقصود هنا)) أن اللّه لما حمدهم على هذه الصفات من الإيمان
والتوكل ، ومجانبة الكبائر، والاستجابة لربهم ، وإقام الصلاة ، والاشتوار
في أمرم، وانتصارم إذا أصابهم البغي ، والعفو والصبر ونحو ذلك:
كان هذا دليلا على أن ضد هذه الصفات ليس محموداً بل مذموما ،
فإن هذه الصفات مستلزمة لعدم ضدها ؛ فلو كان ضدها محموداً لكان
عدم المحمود محموداً، وعدم المحمود لا يكون محموداً إلا أن يخلفه ما
هو محمود؛ ولأن حمدها والثناء عليها طلب لها وأمر بها، ولو أنه
أمر استحباب ، والأمر بالشيء نهى عن ضده قصداً أو لزوما ، وضد
الانتصار العجز ، وضد الصبر الجزع ؛ فلا خير فى العجز ولا في الجزع
كما نجده فى حال كثير من الناس ، حتى بعض المتدينين إذا ظلموا أو
٣٧

أرادوا منكراً فلا هم ينتصرون ولا يصبرون ؛ بل يعجزون ويجزعون .
وفى سنن أبى داود من رواية عوف بن مالك ، أن رجلين تحاكما
إلى النبى صلى الله عليه وسلم، فقال المقضى عليه: حسبى الله ونعم
الوكيل . فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يلوم على العجز،
ولكن عليك بالكيس ، فإذا غلبك أمر فقل: حسبى الله ونعم الوكيل)).
وفى صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال:
((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفى كل خير،
احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن غلبك أمر فلا تقل
لو أني فعلت لكان كذا وكذا ، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل ،
فإن لو تفتح عمل الشيطان)). لا تعجز عن مأمور ولا يجزع
من مقدور ،
ومن الناس من يجمع كلا الشرين ؛ فأمر النبى صلى الله عليه وسلم
بالحرص على النافع والاستعانة بالله، والأمر يقتضي الوجوب ، وإلا
فالاستحباب. ونهى عن العجز، وقال: ((إن اللّه يلوم على العجز))
والعاجز ضد الذين م ينتصرون ، والأمر بالصبر، والنهي عن الجزع
معلوم فى مواضع كثيرة .
وذلك لأن الإنسان بين أمرين : أمر أمرَ بفعله فعليه أن يفعله
٣٨

ويحرص عليه ، ويستعين اللّه ولا يعجز، وأمر أصيب به من غير فعله
فعليه أن يصبر عليه ولا يجزع منه ؛ ولهذا قال بعض العقلاء - ابن
المقفع أو غيره - الأمر أمران: أمر فيه حيلة فلا تعجز عنه، وأمر
لا حيلة فيه فلا تجزع منه. وهذا فى جميع الأمور ؛ لكن عند المؤمن
الذي فيه حيلة هو ما أمر الله به وأحبه له؛ فإن اللّه لم يأمره إلا بما فيه
حيلة له ، إذ لا يكلف نفسا إلا وسعها ، وقد أمره بكل خير فيه له
حيلة ، وما لا حيلة فيه هو ما أصيب به من غير فعله .
واسم الحسنات والسيئات يتناول القسمين ، فالأفعال مثل قوله
تعالى: (مَن جَآءَ بِالْحَنَةِ فَلَهُ عَشْرٌ أَمْثَالِهَا وَ مَن جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَ يُجْرَىَ إِلَّا مِثْلَهَا )
ومثل قوله تعالى : (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأَتُ فَهَا )
ومثل قوله تعالى :
(وَجَزَّ وَ أْسَيِّئَةٍ سَيِّئَّةٌ مِثْلُهَا )
ومثل قوله :
(بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةٌ وَأَخَطَتْ بِهِ، خَطِيَشَتُهُ ) والمصائب المقدرة خيرها
وشرها مثل قوله: (وَبَلَوْنَهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) . إلى
آيات كثيرة من هذا الجنس . والله أعلم .
٣٩

سورة الزخرف
وقال :
فصل
(وَإِذَابُشْرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًا
قوله :
وَهُوَكَظِيمٌ )
بشبه قوله :
(وَلَمَّا ضُرِبَ أَبْنُ مَرْيَمَ
مَثَلًّا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقَالُواْءَأَلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَاضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّجَدَلاً
ج
بَلْ هُرْقَوْمُ خَصِمُونَ) فيشبه والله أعلم أن يكون ضرب المثل أنهم جعلوا
المسيح ابنه . والملائكة بناته، والولد يشبه أباه، فجعلوه لله شبيهاً
ونظيراً . أو يكون المعنى فى المسيح أنه مثل لآلهتهم ؛ لأنه عبد من
دون الله .
فعلى الأول يكون ضاربه كضارب المثل للرحمن وم النصارى
والمشركون، وعلى الثاني يكون ضاربه هو الذي عارض به قوله: (إِنَّكُمْ
وَمَاتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ) فلما قال ابن الزبعرى : لأخصمن
محمداً . فعارضه بالمسيح وناقضه به كان قد ضربه مثلا قاس الآلهة عليه،
ويترجح هذا بقوله: (مَاضَرَيُوهُلَكَ إِلََّجَدَلا) فعلم أنهم م الذين
٤٠