Indexed OCR Text
Pages 361-380
قال سألت سعيد بن جبير ، فقلت: الزنا أشد أو قذف المحصنة ؟ قال : لا؛ بل الزنا، قال: قلت: فإن الله تعالى يقول: (إِنَّالَّذِينَ يَزْمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْغَفِلَتِ الْمُؤْمِنَتِ لُعِنُواْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ ) فقال: إنما كان هذا فى عائشة خاصة ، وروى أحمد بإسناده عن أبي الجوزاء فى هذه الآية: (إِنَّ فقال : الَّذِينَ يَزَمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْغَفِلَتِ الْمُؤْمِنَتِ لُعِنُواْ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ ) هذه الآية لأمهات المؤمنين خاصة . وروى الأشج بإسناده عن الضحاك فى هذه الآية قال : هن نساء النبى صلى الله عليه وسلم، وقال معمر عن الكلى : إنما عنى بهذه الآية أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، فأما من رمى امرأة من المسلمين فهو فاسق ، كما قال الله تعالى ، أو يتوب . ووجه هذا أن لعنة اللّه فى الدنيا والآخرة لا تستوجب بمجرد القذف ، فتكون اللام فى قوله: (الْمُحْصَنَتِ الْغَفِلَتِ الْمُؤْمِنَتِ ) لتعريف المعهود ، والمعهود هنا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الكلام فى قصة الإفك ، ووقوع من وقع في أم المؤمنين عائشة ، أو يقصر اللفظ العام على سببه للدليل الذي يوجب ذلك . ويؤيد هذا القول : أن الله سبحانه رتب هذا الوعيد على قذف (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ محصنات غافلات مؤمنات ، وقال في أول السورة : الْمُحْصَنَاتِ ثُمّ ◌َيَأْتُواْبِأَزْبَعَةٍ شُهَةَ فَجْلِدُ وهُمْثَمَنِينَ جَلْدَةً ) الآية . فرتب الحد ورد الشهادة والفسق على مجرد قذف المحصنات، فلا بد أن يكون ٣٦١ المحصنات الغافلات المؤمنات لهن مزية على مجرد المحصنات؛ وذلك - والله أعلم - لأن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مشهود لهن بالإيمان؛ لأنهن أمهات المؤمنين ، وهن أزواج نبيه فى الدنيا والآخرة ، وعوام المسلمات إنما يعلم منهن في الغالب ظاهر الإيمان . ولأن الله سبحانه قال فى قصة عائشة: (وَالَّذِى تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) فتخصيصه متولى كبره دون غيره دليل على اختصاصه بالعذاب العظيم، وقال : (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ، فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِ مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) فعلم أن العذاب العظيم لا يمس كل من قذف، وإنما يمس متولي كبره فقط، وقال هنا: (وَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) فعلم أن الذي رمى أمهات المؤمنين يعيب بذلك رسوله صلى الله عليه وسلم ، وتولى كبر الإفك ، وهذه صفة المنافق ابن أبي . والله أعلم أنه على هذا القول تكون هذه الآية حجة أيضاً موافقة لتلك الآية ، لأنه لما كان رمى أمهات المؤمنين أذى للنبي صلى الله عليه وسلم لعن صاحبه فى الدنيا والآخرة ، ولهذا قال ابن عباس ليس فيها توبة ؛ لأن مؤذى النبى صلى الله عليه وسلم لا تقبل توبته ، أو يريد إذا تاب من القذف حتى يسلم إسلاماً جديداً ، وعلى هذا فرميهن نفاق مبيح للدم إذا قصد به أذى النبى صلى الله عليه وسلم ، أو بعد العلم بأنهن أزواجه فى الآخرة ، فإنه ما بغت امرأة نبى قط. ٣٦٢ ومما يدل على أن قذفهن أذى النبى صلى الله عليه وسلم ما خرجاه فى الصحيحين فى حديث الإفك عن عائشة قالت: ((فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول قالت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر ((يا معشر المسلمين من يعذرنى من رجل قد بلغنى أذاه فى أهل بيتى ، فوالله ما علمت على أهلى إلا خيراً ، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيراً ، وما كان يدخل على أهلي إلا معي ، فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال : أنا أعذرك منه يا رسول الله ! إن كان من الأوس ضربنا عنقه ، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك ، فقام سعد بن عبادة - وهو سيد الخزرج وكان رجلا صالحاً ولكن احتملته الحمية - فقال لسعد بن معاذ : لعمر الله لا تقتلنه ولا تقدر على قتله ، فقام أسيد بن ء حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ ، فقال لسعد بن عبادة : كذبت لعمر الله لنقتله ، فإنك منافق تجادل عن المنافقين ، قالت فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتلوا ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر ، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا وسكت )) وفى رواية أخرى صحيحة أن هذه الآية فى أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة. ويقول آخرون يعني أزواج المؤمنين عامة ، وقال أبو سلمة: قذف ٣٦٣ المحصنات من الموجبات ، ثم قرأ: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ ) الآية وعن عمر بن قيس قال : قذف المحصنة محبط عمل تسعين سنة رواهما الأشج ، وهذا قول كثير من الناس . ووجهه ظاهر الخطاب ، فإنه عام فيجب إجراؤه على عمومه؛ إذ لا موجب لخصوصه ، وليس هو مختصاً بنفس السبب بالاتفاق ، لأن حكم غير عائشة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم داخل فى العموم ، وليس هو من السبب ، ولأنه لفظ جمع والسبب فى واحدة هنا ؛ ولأن قصر عمومات القرآن على أسباب نزولها باطل ، فإن عامة الآيات نزلت بأسباب اقتضت ذلك ، وقد على أن شيئاً منها لم يقصر على سببه ، والفرق بين الآيتين : أنه فى أول السورة ذكر العقوبات المشروعة على أيدي المكلفين من الجلد ورد الشهادة والتفسيق ، وهنا ذكر العقوبة الواقعة من الله سبحانه، وهي اللعنة فى الدارين والعذاب العظيم، وقد روى عن النبى صلى الله عليه وسلم من غير وجه وعن أصحابه: ((أن قذف المحصنات من الكبائر، وفى لفظ فى الصحيح: ((قذف المحصنات الغافلات المؤمنات )) ثم اختلف هؤلاء فقال أبو حمزة التالي : بلغنا أنها نزلت فى مشركي أهل مكة إذ كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد ، فكانت المرأة إذا خرجت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ٣٦٤ مهاجرة قذفها المشركون من أهل مكة ، وقالوا : إنما خرجت تفجر ، فعلى هذا يكون فيمن قذف المؤمنات قذفا يصدهن به عن الإيمان ، ويقصد بذلك ذم المؤمنين لينفر الناس عن الإسلام، كما فعل كعب بن الأشرف ، وعلى هذا فمن فعل ذلك فهو كافر ، وهو بمنزلة من سب النبى صلى الله عليه وسلم . وقوله: إنها نزلت زمن العهد يعنى - والله أعلم - أنه عنى بها مثل أولئك المشركين المعاهدين ، وإلا فهذه الآية نزلت ليالي الإفك وكان الإفك فى غزوة بنى المصطلق قبل الخندق ، والهدنة كانت بعد ذلك بسنين ، ومنهم من أجراها على ظاهرها وعمومها ، لأن سبب نزولها قذف عائشة ، وكان فيمن قذفها مؤمن ومنافق ، وسبب النزول لابد أن يندرج فى العموم ، ولأنه لاموجب لتخصيصها . والجواب على هذا التقدير أنه سبحانه قال هنا: (لُعِنُوافِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ ) على بناء الفعل للمفعول ولم يسم اللاعن ، وقال فى الآية الأخرى: (إِنَّالَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَّهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ) وإذا لم يسم الفاعل جاز أن يلعنهم غير الله من الملائكة والناس، وجاز أن يلعنهم الله فى وقت ويلعنهم بعض خلقه في وقت ، وجاز أن اللّه يتولى لعنة بعضهم وهو من كان قذفه طعناً في الدين، ويتولى خلقه لعنة الآخرين ، وإذا كان اللاعن مخلوقا فلعنه قد يكون بمعنى ٣٦٥ الدعاء عليهم ، وقد يكون بمعنى أنهم يبعدونهم عن رحمة الله. ويؤيد هذا أن الرجل إذا قذف امرأته تلاعنا وقال الزوج في الخامسة : لعنة اللّه عليه إن كان من الكاذبين، فهو يدعو على نفسه إن كان كاذبا فى القذف أن يلعنه الله، كما أمر الله رسوله أن يباهل من حاجه في المسيح بعد ما جاءه من العلم بأن يبتهلوا فيجعلوا لعنة الله على الكاذبين ، فهذا مما يلعن به القاذف ، ومما يلعن به أن يجلد ، وأن ترد شهادته ، ويفسق ، فإنه عقوبة له وإقصاء له عن مواطن الأمن والقبول، وهي من رحمة الله، وهذا بخلاف من أخبر اللّه أنه لعنه في الدنيا والآخرة ، فإن لعنة الله له توجب زوال النصر عنه من كل وجه، وبعده عن أسباب الرحمة في الدارين . ومما يؤيد الفرق أنه قال: (إِنَّالَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا ولم يجرى إعداد العذاب وَالْأَخِرَةِ وَعَّ لَمْ عَذَابًا ◌ُهِينًا ) المهين فى القرآن إلا فى حق الكفار، كقوله: ( الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآءَ اتَمُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ) وقوله: (وَخُذُ واْحِذْ رَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا وقوله: (فَبَآءُ وبِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ ) مُهِينًا ) ( وَالَّذِينَ كَفَرُواْ ( إِنَّمَانُهْلِ لَهُمْ لِيَزْدَادُواْإِثْمَّا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ) وَكَذَّبُوأِثَايَتِنَا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِيرٌ ) (وَإِذَا عَلِمَ مِنْءَايَتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا ٣٦٦ هُوَا أُوْلَئِكَ لَمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ) (وَقَدْ أَنزَلْنَاَءَايَتٍ بَيِّنَتٍ وَلِلْكَفِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ) ( أَّخَذُوَاْأَيْمَنَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّ واْعَن سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ) وأما قوله تعالى: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَّعَذَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَلِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِيرٌ) فهى - والله أعلم - فيمن جحد الفرائض واستخف بها ، على أنه لم يذكر أن العذاب أعد له . وأما العذاب العظيم فقد جاء وعيداً للمؤمنين فى قوله: ( لَّوْلَا كِتَبٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْ تُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) وقوله: (وَلَوْلَا فَضْلُ اَللَّهِ وفي المحارب عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُّهُ, فِ اُلُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ لَمَسَّكُمْفِي مَآأَفَضْتُمْفِهِ عَذَابٌعَظِيمٌ) ( ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِ الدُّنْيَّاً وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) وفى القاتل (وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ، وَأَعَذَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) وقوله: ( وَلَا نَتَّخِذُوَأْ أَيْمَنَكُمْ دَخَلَا بَيْنَكُمْ فَزِلَ قَدَمٌ بَعْدَ نْبُونِهَا وَذُوقُواْ السُّوْءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) وقد قال سبحانه: (وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ،مِنُگْرِمٍ ) وذلك لأن الإهانة إذلال وتحقير وخزي ، وذلك قدر زائد على ألم العذاب ، فقد يعذب الرجل الكريم ولا يهان ، فلم قال فى هذه الآية: (وَأَعَّلَمْعَذَابًا مُهِينًا ) على أنه من جنس العذاب الذي توعد به الكفار والمنافقين، ولما قال هناك: (وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) ٣٦٧ جاز أن يكون من جنس العذاب فى قوله : ( لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) ومما يبين الفرق أيضاً أنه سبحانه قال هناك: (وَأَعَدَّلَهُمْ عَذَابًا ◌ُهِينًا) والعذاب إنما أعد للكافرين ؛ فإن جهنم لهم خلقت ، لأنهم لا بد أن يدخلوها ، وماهم منها بمخرجين ، وأهل الكبائر من المؤمنين يجوز أن يدخلوها إذا غفر الله لهم، وإذا دخلوها فإنهم يخرجون منها ولو بعد حين ، قال سبحانه: (وَأَتَّقُواْالنَّارَ الَّتِى أُعِدَّتْ لِلْكَفِرِينَ فأمر سبحانه المؤمنين أن لا يأكلوا الربا وأن يتقوا الله ، وأن يتقوا النار التى أعدت للكافرين ، فعلم أنهم يخاف عليهم من دخول النار إذا أكلوا الربا وفعلوا المعاصي ، مع أنها معدة للكافرين لا لهم . ولذلك جاء فى الحديث: (( أما أهل النار الذين هم اهلها فأنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ، وأما أقوام لهم ذنوب فيصيبهم سفع من النار ثم يخرجهم الله منها)) وهذا كما أن الجنة أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء وإن كان لا يدخلها الأبناء بعمل آبائهم ، ويدخلها قوم بالشفاعة ، وقوم بالرحمة ، وينشئ الله لما فضل منها خلقا آخر فى الدار الآخرة فيدخلهم إياها، وذلك لأن الشيء إنما يعد لمن يستوجبه ويستحقه، ولمن هو أولى الناس به ، ثم قد يدخل معه غيره بطريق التبع أو لسبب آخر . والله أعلم . ٣٦٨ شيخ الإسلام وقال فصل قال الله تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْ خُلُواْبُونَّا غَيْرَ بُوتِكُمْ حَتَّى إلى قوله: ( قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَ أَهْلِهَا) مِنْ أَبْصَرِهِمْ ) وقد ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إنما جعل الاستئذان من أجل النظر)) . والنظر المنهي عنه هو نظر العورات ونظر الشهوات وإن لم تكن من العورات . والله سبحانه ذكر الاستئذان على نوعين . ذكر فى هذه الآية أحدهما ، وفى الآيتين في آخر السورة النوع الثاني ، وهو استئذان الصغار والماليك ، كما قال تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَعْدِنِكُمُ الَّذِينَ مَكَكَتْ أَتْمَشْكُمْ وَالَّذِينَلَمْ يَبْلُغُوُْلُ مِنْكُمْ تَثَ مَّتَّ مِنْ قَبْلِ صَلَوَةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ فِيَابَكُمْ مِنَ الَّهِيَرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَوْةِالْعِشَاءِ تَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْلَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَ عَيَّهِمْ ◌ُنٌَ ) فأمر باستئذان الصغار والماليك حين الاستيقاظ من النوم بَعْدَهُنَّ وحين إرادة النوم ٣٦٩ وحين القائلة ؛ فإن في هذه الأوقات تبدو العورات ، كما قال تعالى : ( ثَثُ عَوْرَتٍلَّكُمْ وفى ذلك ما يدل على أن المملوك المميز ، والمميز من الصبيان : ليس له أن ينظر إلى عورة الرجل ، كما لا يحل للرجل أن ينظر إلى عورة الصبى والمملوك وغيرهما . وأما دخول هؤلاء فى غير هذه الأوقات بغير استئذان فهو مأخوذ من قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَ عَّهِمْ بُنَاٌ بَعْدَ هُنّ ◌َّقُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ). وفى ذلك دلالة على أن الطوافين يرخص فيهم ما لا يرخص في غير الطوافين عليكم والطوافات ، والطواف من يدخل بغير إذن كما تدخل الهرة، وكما يدخل الصبى والمملوك ، وإذا كان هذا في الصبي المميز فغير المميز أولى . ويرخص فى طهارته ، كما قال ذلك طائفة من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرم فى الصبيان والهرة وغيرم : أنهم إن أصابتهم نجاسة أنها تطهر بمرور الريق عليها ، ولا تحتاج إلى غسل ؛ لأنهم من الطوافين ، كما أخبر به الرسول في الهرة مع علمه أنها تأكل الفأرة، ولم تكن بالمدينة مياه تردها السنانير ليقال طهر فيها بورودها الماء ، فعلم أن طهارة هذه الأفواه لا تحتاج إلى غسل، فالاستئذان فى أول السورة قبل دخول ٣٧٠ البيت مطلقاً ، والتفريق فى آخرها لأجل الحاجة لأن المملوك والصغير طواف يحتاج إلى دخول البيت في كل ساعة فشق استئذانه ، بخلاف المحتلم. وقال تعالى :: (قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ وَ يَحْفَظُ وافُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ ) الآية إلى قوله: (وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ اَلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ). فأمر الله سبحانه الرجال والنساء بالغض من البصر وحفظ الفرج ، كما أمرم جميعاً بالتوبة ، وأمر النساء خصوصاً بالاستتار. وأن لا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ومن استثناء الله تعالى فى الآية ، فما ظهر من الزينة هو الثياب الظاهرة فهذا لا جناح عليها فى ابدائها إذا لم يكن فى ذلك محذور آخر ؛ فإن هذه لا بد من إبدائها ، وهذا قول ابن مسعود وغيره ، وهو المشهور عن أحمد . وقال ابن عباس : الوجه واليدان من الزينة الظاهرة ، وهي الرواية الثانية عن أحمد ، وهو قول طائفة من العلماء كالشافعي وغيره . وأمر سبحانه النساء بإرخاء الجلابيب لئلا يعرفن ولا يؤذين ، وهذا دليل على القول الأول ، وقد ذكر عبيدة السلماني وغيره : أن نساء المؤمنين كن يدنين عليهن الجلابيب من فوق رؤوسهن حتى لا يظهر إلا عيونهن لأجل رؤية الطريق، وثبت فى الصحيح: ((أن المرأة المحرمة تنهى عن الانتقاب والقفازين )) وهذا مما يدل على أن النقاب ٣٧١ والقفازين كانا معروفين في النساء اللاتي لم يحرمن ، وذلك يقتضى ستر وجوههن وأيديهن . وقد نهى الله تعالى عما يوجب العلم بالزينة الخفية بالسمع أو غيره فقال: ( وَلَ يَضْرِيْنَ بِأَرْجُلِ مِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْزِينَتِهِنَّ وقال : ( ) فلما نزل ذلك عمد نساء المؤمنين ( وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُّرِ هِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَ إلى خمرهن فشققهن وأرخينها على أعناقهن. و ((الجيب)) هو شق فى طول القميص. فإذا ضربت المرأة بالمار على الجيب سترت عنقها، وأمرت بعد ذلك أن ترخي من جلبابها ، والإرخاء إنما يكون إذا خرجت من البيت ، فأما إذا كانت فى البيت فلا تؤمر بذلك ، وقد ثبت فى الصحيح: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل بصفية قال أصحابه : إن أرخى عليها الحجاب فهي من أمهات المؤمنين، وإن لم يضرب عليها الحجاب فهي مما ملكت يمينه، فضرب عليها الحجاب))، وإنما ضرب الحجاب على النساء لئلا ترى وجوههن وأيديهن . والحجاب مختص بالحرائر دون الإماء ، كما كانت سنة المؤمنين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه أن الحرة تحتجب والأمة تبرز، وكان عمر رضي الله عنه إذا رأى أمة مختمرة ضربها وقال أتتشبهين بالحراثر أي لكاع، فيظهر من الأمة رأسها ويداها ووجها . ٣٧٢ وقال تعالى: (وَالْقَوَعِدُ مِنَ النِّسَاءِالَّتِى لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاعُ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَ غَيِّرَ مُتَبَرِحَتٍ بِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِقْنَ خَيْرٌلَّهُنَ ). فرخص للعجوز التى لا تطمع فى النكاح أن تضع ثيابها فلا تلقى عليها جلبابها ولا تحتجب ، وإن كانت مستثناة من الحرائر لزوال المفسدة الموجودة فى غيرها ، كما استثنى التابعين غير أولي الإربة من الرجال في إظهار الزينة لهم ، لعدم الشهوة التى تتولد منها الفتنة ، وكذلك الأمة إذا كان يخاف بها الفتنة كان عليها أن ترخي من جلبابها وتحتجب ، ووجب غض البصر عنها ومنها . وليس في الكتاب والسنة إباحة النظر إلى عامة الإماء ولا ترك احتجابهن وإبداء زينتهن ، ولكن القرآن لم يأمرهن بما أمر الحرائر والسنة فرقت بالفعل بينهن وبين الحرار ، ولم تفرق بينهن وبين الحرائر بلفظ عام ، بل كانت عادة المؤمنين أن تحتجب منهم الحرائر دون الإماء ، واستثنى القرآن من النساء الحرائر القواعد فلم يجعل عليهن احتجابا ، واستثنى بعض الرجال وهم غير أولي الإربة فلم يمنح من إبداء الزينة الخفية لهم لعدم الشهوة فى هؤلاء وهؤلاء ، فأن يستثنى بعض الإماء أولى وأحرى ، وهن من كانت الشهوة والفتنة حاصلة بترك احتجابها وإبداء زينتها . وكما أن المحارم أبناء أزواجهن ونحوه ممن فيه شهوة وشغف لم يجز ٣٧٣ إبداء الزينة الخفية له، فالخطاب خرج عاما على العادة، فما خرج عن العادة خرج به عن نظائره ، فإذا كان فى ظهور الأمة والنظر إليها فتنة وجب المنع من ذلك، كما لو كانت في غير ذلك، وهكذا الرجل مع الرجال والمرأة مع النساء: لو كان في المرأة فتنة للنساء وفي الرجل فتنة للرجال لكان الأمر بالغض للناظر من بصره متوجها، كما يتوجه إليه الأمر يحفظ فرجه ، فالإماء والصبيان إذا كن حساناً تختشى الفتنة بالنظر إليهم كان حكمهم كذلك ، كما ذكر ذلك العلماء. قال المروذي قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - الرجل ينظر إلى المملوك ، قال : إذا خاف الفتنة لم ينظر إليه ، كم نظرة القت في قلب صاحبها البلاء : وقال المروذي : قلت لأبي عبد الله: رجل تاب ، وقال : لو ضرب ظهري بالسياط ما دخلت في معصية إلا أنه لا يدع النظر، فقال: أي توبة هذه ؟! قال جرير سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة فقال: ((اصرف بصرك)). وقال ابن أبي الدنيا : حدثنى أبى وسويد قالا: حدثنى إبراهيم بن هراسة عن عثمان بن صالح ، عن الحسن بن ذكوان ، قال : لا تجالسوا أولاد الأغنياء فإن لهم صوراً كصور النساء ، وهم أشد فتنة من العذارى . وهذا الاستدلال والقياس والتنبيه بالأدنى على الأعلى ، وكان يقال ٣٧٤ لا يبيت الرجل في بيت مع الغلام الأمرد ، وقال ابن أبى الدنيا بإسناده عن أبي سهل الصعلوكي : قال سيكون في هذه الأمة قوم يقال لهم اللوطيون على ثلاثة أصناف . صنف ينظرون ، وصنف يصافحون ، وصنف يعملون ذلك العمل . وقال إبراهيم النخعي : كانوا يكرهون مجالسة الأغنياء وأبناء الملوك، وقال : مجالستهم فتنة إنما م بمنزلة النساء. ووقفت جارية لم ير أحسن وجها منها على بشر الحافي فسألته عن باب حرب فدلها ، ثم وقف عليه غلام حسن الوجه فسأله عن باب حرب فأطرق رأسه ، فرد عليه الغلام السؤال فغمض عينيه ، فقيل له : يا أبا نصر ! جاءتك جارية فسألتك فأجبتها . وجاءك هذا الغلام فسألك فلم تكلمه، فقال : نعم . يروى عن سفيان الثورى أنه قال : مع الجارية شيطان ، ومع الغلام شيطانان ، خشيت على نفسي شيطانيه . وروى أبو الشيخ القزويني بإسناده عن بشر أنه قال : احذروا هؤلاء الأحداث ، وقال فتح الموصلي : صحبت ثلاثين شيخا كانوا يعدون من الأبدال كلهم أوصانى عند مفارقتى له : اتق صحبة الأحداث : انق معاشرة الأحداث . وكان سفيان الثوري لا يدع أمرد يجالسه ، وكان مالك بن أنس يمنع دخول المرد مجلسه للسماع ، فاحتال هشام فدخل في غمار الناس مستتراً بهم وهو أمرد فسمع منه ستة عشر حديثاً ، فأخبر بذلك مالك فضربه ستة عشر سوطاً ، فقال هشام : ليتني سمعت ٣٧٥ مائة حديث وضربني مائة سوط ، وكان يقول : هذا علم إنما أخذناه عن ذوي اللحى والشيوخ فلا يحمله عنا إلا أمثالهم ، وقال يحيى بن معين : ما طمع أمرد أن يصحبني ولا احمد بن حنبل فى طريق . وقال أبو علي الروذباري: قال لي أبو العباس أحمد بن المؤدب : يا أبا علي من أين أخذ صوفية عصرنا هذا الأنس بالأحداث وقد نصحبهم السلامة فى كثير من الأمور ؟ فقال: هيهات قد رأينا من هو أقوى منهم إيماناً إذا رأى الحدث قد أقبل نفر منه كفراره من الأسد ، وإنما ذاك على حسب الأوقات التى تغلب الأحوال على أهلها فيأخذها تصرف الطباع ، ما أكثر الخطأ ، ما أكثر الغلط ! قال الجنيد بن محمد جاء رجل إلى أحمد بن حنبل معه غلام أمرد حسن الوجه ، فقال له : من هذا الفتى ؟! فقال الرجل : ابنى ، فقال لا يجئ به معك مرة أخرى ، فلامه بعض أصحابه في ذلك ، فقال أحمد : على هذا رأينا أشياخنا ، وبه أخبرونا عن أسلافهم . وجاء حسن بن الرازي إلى أحمد ومعه غلام حسن الوجه ، فتحدث معه ساعة ، فلما أراد أن ينصرف قال له أحمد : يا أبا على ! لا تمش مع هذا الغلام فى طريق، فقال: يا أبا عبد الله! إنه ابن أختى قال : وإن كان : لا يأثم الناس فيك . وروى ابن الجوزي بإسناده عن ٣٧٦ سعيد بن المسيب قال : إذا رأيتم الرجل يلح بالنظر إلى الغلام الأمرد فاتهموه ، وقد روى في ذلك أحاديث مسندة ضعيفة ، وحديث مرسل أجود منها، وهو ما رواه أبو محمد الخلال ، ثنا عمر بن شاهين ، تنا محمد بن أبي سعيد المقري ، ثنا أحمد بن حماد المصيصي ، تنا عباس بن مجوز ، ثنا أبو أسامة ، عن مجالد ، عن سعيد ، عن الشعبى قال : (( قدم وفد عبد القيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم غلام أمرد ظاهر الوضاءة ، فأجلسه النبى صلى الله عليه وسلم وراء ظهره ، وقال كانت خطيئة داود فى النظر )) هذا حديث منكر . وأما المسندة فمنها ما رواه ابن الجوزي بإسناده عن أبي هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ((من نظر إلى غلام أمرد بريبة حبسه الله فى النار أربعين عاماً)، وروى الخطيب البغدادي بإسناده عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا تجالسوا أبناء الملوك ؛ فإن الأنفس تشتاق إليهم ما لا تشتاق إلى الجواري العوائق)) إلى غير ذلك من الأحاديث الضعيفة . وكذلك المرأة مع المرأة ، وكذلك محارم المرأة : مثل ابن زوجها وابنه وابن أخيها وابن أختها ومملوكها عند من يجعله محرما : متى كان يخاف عليه الفتنة أو عليها توجه الاحتجاب بل وجب . وهذه المواضع التى أمر الله تعالى بالاحتجاب فيها مظنة الفتنة ؛ ولهذا قال تعالى : ٣٧٧ (ذَلِكَ أَزَّكَى لَهُمْ ) فقد تحصل الزكاة والطهارة بدون ذلك لكن هذا أزكى ، وإذا كان النظر والبروز قد انتفى فيه الزكاة والطهارة لما يوجد فى ذلك من شهوة القلب واللذة بالنظر كان ترك النظر والاحتجاب أولى بالوجوب ، ولا زكاة بدون حفظ الفرج من الفاحشة ؛ لأن حفظه يتضمن حفظه عن الوطء به فى الفروج والأدبار ودون ذلك ، وعن المباشرة ومس الغير له وكشفه للغير ونظر الغير إليه ، فعليه أن يحفظ فرجه عن نظر الغير ومسه . ولهذا قال صلى الله عليه وسلم فى حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده لما قال له : يا رسول الله! عوراتنا ما نأتى منها وما نذر فقال: ((احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك ، قال : فإذا كان القوم بعضهم فى بعض ؟ قال : إن استطعت أن لا يرينها أحد فلا يرينها ، قال : فإذا كان أحدنا خاليا ؟ قال : فالله أحق أن يستحيى منه من الناس)) وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم ((أن تباشر المرأة المرأة في شعار واحد ، وأن يباشر الرجل الرجل فى شعار واحد)) و ((نهى عن المشي عراة)) ((ونهى عن أن ينظر الرجل إلى عورة الرجل، وأن تنظر المرأة إلى عورة المرأة)) وقال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمثزر)) وفي رواية: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر من إناث أمتى فلا تدخل الحمام إلا بمثزر)). ٣٧٨ وقال العلماء : يرخص للنساء فى الحمام عند الحاجة ، كما يرخص للرجال مع غض البصر وحفظ الفرج ، وذلك مثل أن تكون مريضة أو نفساء ، أو عليها غسل لا يمكنها إلا فى الحمام . وأما إذا اعتادت الحمام وشق عليها تركه فهل يباح لها على قولين في مذهب أحمد وغيره: أحدهما لا يباح ، والثاني يباح ، وهو مذهب أبى حنيفة واختاره ابن الجوزي . وكما يتناول غض البصر عن عورة الغير وما أشبهها من النظر الى المحرمات فإنه يتناول الغض عن بيوت الناس ، فبيت الرجل بستر بدنه كما تستره ثيابه ، وقد ذكر سبحانه غض البصر وحفظ الفرج بعد آية الاستئذان، وذلك أن البيوت سترة كالثياب التى على البدن ، كما جمع بين اللباسين فى قوله تعالى: (وَاَللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَا خَلَقَ ظِلَلًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الْجِبَالِ أَكْتَنَا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَّبِيلَ تَقِيكُمُ الْحَزَّوَسَرَبِيلَ فكل منهما وقاية من الأذى الذي يكون سموماً تَقِيكُمْ بَأَسَكُمْ) مؤذيا كالحر والشمس والبرد ، وما يكون من بنى آدم من النظر بالعين واليد وغير ذلك . وقد ذكر فى أول ((سورة النحل )) أصول النعم ، وذكر هنا ما يدفع البرد فإنه من المهلكات ، وذكر في أثنائها تمام النعم ، وما يدفع الحر فإنه من المؤذيات، ثم قال: (كَذَلِكَ يُنِمُّ نِعْمَتَهُ، عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ ٣٧٩ ◌ُْلِمُونَ) وفي الصحيحين عن أبى هريرة: (( أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا اطلع فى بيتك أحد ولم تأذن له محذفته بحماة ففقات عينه ما كان عليك من جناح )) وهذا الخاص يفسر العام الذي في الصحيح عن عبد الله بن مغفل: (( أنه رأى رجلا يخذف قال : لا تخذف ؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الخذف. وقال : إنه لا يصاد به عيد ولا ينكأ به عدو، ولكنها تكسر السن وتفقا العين )) وفى الصحيحين عن سهل بن سعد (( أن رجلا اطلع فى حجرة فى باب النبى صلى الله عليه وسلم ، ومع النبي صلى الله عليه وسلم مدرى يحك بها رأسه ، فقال لو أعلم أنك تنظر إلي لطعنت به فى عينك؛ إنما جعل الاستئذان من أجل البصر)). وقد ظن طائفة من العلماء أن هذا من باب دفع الصائل ؛ لأن الناظر معتد بنظره فيدفع كما يدفع سائر البغاة ، ولو كان الأمر كما قالوا الدفع بالأسهل فالأسهل . ولم يجز قلع عينه ابتداء إذا لم يذهب إلا بذلك ، والنصوص تخالف ذلك ؛ فإنه أباح أن تخذفه حتى نفقاً عينه قبل أمره بالانصراف ، وكذلك قوله (( لو أعلم أنك تنظرنى لطعنت به فى عينك)) فجعل نفس النظر مبيحاً للطعن فى العين ، ولم يذكر الأمر له بالانصراف ، وهذا يدل على أنه من باب المعاقبة له على ذلك حيث جنى هذه الجناية على حرمة صاحب البيت فله أن يفقاً عينه بالحصا والمدرى . ٣٨٠