Indexed OCR Text

Pages 281-300

فصل
في معان مستنبطة من سورة النور
(سُورَةُ أَنْزَلْنَهَا وَفَرَضْنَهَا وَأَنْزَلْنَا فِيَهَآءَايَتٍبَيْنَتٍ لَّعَلَّكُمْ
قال تعالى :
ففرضها بالبينات والتقدير لحدود الله التى من يتعد
تَذَّكَّرُونَ )
حلالها إلى الحرام فقد ظلم نفسه ، ومن قرب من حرامها فقد اعتدى
وتعدى الحدود ، وبين فيها فرض العقوبة للزانيين مائة جلدة ، وبين
فيها فريضة الشهادة على الزنا ، وأنها أربع شهادات ، وكذلك فريضة
شهادة المتلاعنين كل منها يشهد أربع شهادات بالله ، ونهى فيها عن
تعدي حدوده فى المفروج والأعراض والعورات وطاعة ذي السلطان
سواء كان فى منزله أوفى ولايته ، ولا يخرج ولا يدخل إلا بإذنه ، إذ
الحقوق نوعان : نوع اللّه فلا يتعدى حدوده ، ونوع العباد فيه أمر فلا
يفعل إلا باذن المالك ، وليس لأحد أن يفعل شيئاً في حق غيره إلا
بإذن الله ، وإن لم يأذن المالك فإذن الله هو الأصل، وإذن المالك
حيث أذن الله وجعل له الإذن فيه .
ولهذا ضمنها الاستئذان في المساكن والمطاعم ، والاستئذان في
٢٨١

الأمور الجامعة كالصلاة والجهاد ونحوهما ، ووسطها بذكر النور الذي
هو مادة كل خير وصلاح كل شيء، وهو ينشأ عن امتثال أمر الله
واجتناب نهيه ، وعن الصبر على ذلك ، فإنه ضياء ، فإن حفظ الحدود
بتقوى الله يجعل الله لصاحبه نوراً كما قال تعالى: (أَتَّقُواْ اللَّهَ
وَءَإِنُواْبِرَسُولِهِ - يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَّحْمَتِهِ، وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًّا تَمْشُونَ بِهِ، وَيَغْفِرْلَكُمْ )
فضد النور الظلمة ، ولهذا عقب ذكر النور وأعمال المؤمنين
فيها بأعمال الكفار وأهل البدع والضلال ، فقال: (وَأَلَّذِينَ كَفَرُواْ
أَعْمَلُهُمْ كَرَابٍ بِقِيعَةٍ ) إلى قوله (تُظُلُمَتُبَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضِ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَّمْ
يَكَدِّيَرَهَا وَمَن لَّيَجْعَلِ اللهُلَهُ نُورًا فَمَالَهُ مِن نُّوْرٍ )
وكذلك الظلم ظلمات يوم القيامة ، وظلم العبد نفسه من الظلم ، فإن
للسيئة ظلمة فى القلب وسواداً فى الوجه ، ووهناً فى البدن ،
ونقصاً فى الرزق ، وبغضاً فى قلوب الخلق ، كما روى ذلك عن
ابن عباس.
يوضح ذلك أن الله ضرب مثل إيمان المؤمنين بالنور ، ومثل أعمال
الكفار بالظلمة .
و ((الإيمان)) اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه. و((الكفر))
٢٨٢

اسم جامع لكل ما يبغضه الله وينهى عنه، وإن كان لا يكفر العبد
إذا كان معه أصل الإيمان وبعض فروع الكفر من المعاصي ، كما لا
يكون مؤمناً إذا كان معه أصل الكفر وبعض فروع الإيمان - ولغض
البصر اختصاص بالنور كما سنذكر ذلك إن شاء الله تعالى - وقد
روى أبو هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن العبد
إذا أذنب نكتت فى قلبه نكتة سوداء ، فإن تاب ونزع واستغفر
صقل قلبه ، وإن زاد زيد فيها حتى يعلو قلبه ، فذلك
((الران» الذي ذكر الله
(كَلََّبَلَّ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوايَكْسِبُونَ)))
رواه الترمذي وصححه . وفى الصحيح أنه قال «إنه ليغان على قلبى
وإني لأستغفر الله فى اليوم مائة مرة )) والغين حجاب رقيق أرق من
الغيم فأخبر أنه يستغفر الله استغفاراً يزيل الغين عن القلب فلا بصير
نكتة سوداء كما أن النكتة السوداء إذا أزيلت لا تصير ربنا .
وقال حذيفة : إن الإيمان يبدو فى القلب لمظة بيضاء ، فكلما ازداد
العبد إيماناً ازداد قلبه بياضاً ، فلو كشفتم عن قلب المؤمن لرأيتموه
أبيض مشرقا ، وإن النفاق يبدو منه لمظة سوداء ، فكلما ازداد العبد
نفاقاً ازداد قلبه سواداً ، فلو كشفتم عن قلب المنافق لوجدتموه أسود
مربداً. وقال صلى الله عليه وسلم (( إن النور إذا دخل القلب الشرح
وانفسح ، قيل : فهل لذلك من علامة يا رسول الله؟ قال: نعم!
٢٨٣

التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، والاستعداد للموت
قبل نزوله ))
وفى خطبة الإمام أحمد التى كتبها في كتابه في الرد على الجهمية
والزنادقة قال: ((الحمد لله الذي جعل فى كل زمان فترة من الرسل
بقايا من أهل العلم ، يدعون من ضل إلى الهدى ، ويصبرون منهم على
الأذى ، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى،
فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه ، وكم من ضال تائه حيران قد هدوه.
فما أحسن أثرم على الناس، وأقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله
خريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين الذين عقدوا
ألوية البدعة ، وأطلقوا عنان الفتنة ، فهم مختلفون فى الكتاب، مخالفون
للكتاب ، مجمعون على مفارقة الكتاب ، يقولون على الله وفى الله وفي
كتاب الله بغير علم ، يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال
الناس بما يشبهون عليهم ، نعوذ بالله من شبه المضلين .
قلت : وقد قرن الله سبحانه في كتابه فى غير موضع بين أهل
الهدى والضلال ، وبين أهل الطاعة والمعصية بما يشبه هذا ، كقوله
تعالى: (وَمَايَسْتَوِىِ الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلَ الظُّلُمَتُ وَلَا النُّورُ * وَلَا الظِّلُّ
وقال : ( مَثَلُ
وَمَا يَسْتَوِى الْأَحْيَةُ وَلَ الْأَمْوَتُ )
وَلَا الْحُرُورُ »
اَلْفَرِقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ ) الآية ، وقال فى المنافقين:
٢٨٤

(مَثَلُهُمْ كَمَثَلٍ الَّذِى أَسْتَوْقَدَ نَارًا ) الآيات، وقال: (اللَّهُ وَلِىُّ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ) الآية. وقال: (كِتَبُّ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظَّلُمَتِ
إِلَى النُّورِ ) . والآيات فى ذلك كثيرة .
وهذا النور الذي يكون للمؤمن في الدنيا على حسن عمله واعتقاده
يظهر فى الآخرة، كما قال تعالى: (نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِهِمْ وَبِأَيْمَنِهِمْ)
الآية ، فذكر النور هنا عقيب أمره بالتوبة، كما ذكره فى سورة
النور عقيب أمره بغض البصر، وأمره بالتوبة في قوله: ( وَتُوبُواْ إِلَى
اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، وذكر ذلك بعد أمره بحقوق
الأهلين والأزواج وما يتعلق بالنساء ، وقال في سورة الحديد : ( يَوْمَ
تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَتْعَنِهِم) الآيات إلى قوله في المنافقين:
(مَأْوَنَكُمُ النَّارُ هِىَّ مَوْلَنَّكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ )
فأخبر سبحانه أن المنافقين يفقدون النور الذي كان المؤمنون يمشون
به ، ويطلبون الاقتباس من نورم فيحجبون عن ذلك بحجاب يضرب
بينهم وبين المؤمنين ، كما أن المنافقين لما فقدوا النور فى الدنيا كان مثلهم
كمثل الذي استوقد ناراً ، فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورم وتركهم
في ظلمات، فقوله تعالى: ( الزَّانِيَةُ وَالَّانِى) الآية، فأمر بعقوبتها
وعذابها بحضور طائفة من المؤمنين ، وذلك بشهادته على نفسه ، أو
بشهادة المؤمنين عليه ؛ لأن المعصية إذا كانت ظاهرة كانت عقوبتها
٢٨٥

ظاهرة؛ كما جاء فى الأثر: ((من أذنب سراً فليتب سراً، ومن
أذنب علانية فليتب علانية)) وليس من الستر الذي يحبه الله تعالى
- كما فى الحديث: ((من ستر مسلما ستره الله)) - بل ذلك إذا
ستر كان ذلك إقراراً لمنكر ظاهر: وفي الحديث ((إن الخطيئة إذا
خفيت لم تضر إلا صاحبها، وإذا أعلنت فلم تنكر ضرت العامة)) فإذا
أعلنت أعلنت عقوبتها بحسب العدل الممكن .
ولهذا لم يكن للمعلن بالبدع والفجور غيبة ، كما روى ذلك عن
الحسن البصري وغيره : لأنه لما أعلن ذلك استحق عقوبة المسلمين له ،
وأدنى ذلك أن يذم عليه لينزجر ويكف الناس عنه وعن مخالطته ، ولو لم يذم
ويذكر بما فيه من الفجور والمعصية أو البدعة لاغتر به الناس ، وربما
حمل بعضهم على أن يرتكب ما هو عليه ، ويزداد أيضاً هو جرأة
وفجوراً ومعاصي ، فإذا ذكر بما فيه انكف وانكف غيره عن ذلك
وعن صحبته ومخالطته ، قال الحسن البصري : أترغبون عن ذكر الفاجر؟!
اذكروه بما فيه كي يحذره الناس، وقد روى مرفوعاً، و((الفجور))
اسم جامع لكل متجاهر بمعصية أو كلام قبيح بدل السامع له على جور
قلب قائله .
ولهذا كان مستحقاً للهجر إذا أعلن بدعة أو معصية أو جوراً أو
تهتكا ، أو مخالطة لمن هذا حاله بحيث لا يبالي بطعن الناس عليه ، فإن
٢٨٦

مهجره نوع تعزير له ، فإذا أعلن السيئات أعلن هجره، وإذا أسر أسر
هجره ، إذ الهجرة هي الهجرة على السيئات ، وهجرة السيئات حجرة مانهى
الله عنه، كما قال تعالى: (وَالرُّجْزَفَاهْجُزْ) وقال تعالى: (وَأَهْجُرُهُمْ هَجْرًا
(وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى الْكِتَبِ أَنْ إِذَا سَمِعْنُمْ ءَايَتِ اللَّهِ يُّكْفَرُبِهَا
جَمِيلًا ) وقال :
وَيُسْتَهْزَأُبِهَافَلَ نَقْعُدُ واْمَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذَّا مِثْلُهُمْ)
وقد روي عن عمر بن الخطاب : أن ابنه عبد الرحمن لما شرب
الخمر بمصر ، وذهب به أخوه إلى أمير مصر عمرو بن العاص ليجلده
الحد ، جلده الحد سرا ، وكان الناس يجلدون علانية ، فبعث عمر بن
الخطاب إلى عمرو ينكر عليه ذلك . ولم يعتد عمر بذلك الجلد حتى
أرسل إلى ابنه فأقدمه المدينة فجلده الحد علانية ، ولم ير الوجوب
سقط بالحد الأول ، وعاش ابنه بعد ذلك مدة ثم حرض ومات ، ولم
يمت من ذلك الجلد ، ولا ضربه بعد الموت ، كما يزعمه الكذابون .
الآية: نهى
(وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِمَا رَأْفَةٌ فِ دِيِنِ الَّهِ )
قوله تعالى :
تعالى عما يأمر به الشيطان في العقوبات عموماً ، وفى أمر الفواحش
خصوصاً ، فإن هذا الباب مبناه على المحبة والشهوة والرأفة التى يزينها
الشيطان بانعطاف القلوب على أهل الفواحش والرأفة بهم ، حتى
يدخل كثير من الناس بسبب هذه الآفة في الديائة وقلة الغيرة إذا
٢٨٧

رأى من يهوى بعض المتصلين به أو يعاشره عشرة منكرة، أو رأى له
محبة أو ميلا وصبابة وعشقاً ، ولو كان ولده رأف به ، وظن أن هذا
من رحمة الخلق ، ولين الجانب بهم ، ومكارم الأخلاق ، وإنما ذلك
ديائة ومهانة ، وعدم دين وضعف إيمان ، وإعانة على الإثم والعدوان ،
وترك للتناهي عن الفحشاء والمنكر .
وتدخل النفس به فى القيادة التى هي أعظم الديانة ، كما دخلت
مجوز السوء مع قومها فى استحسان ما كانوا يتعاطونه من إتيان
الذكران والمعاونة لهم على ذلك ، وكانت في الظاهر مسلمة على دين
زوجها لوط ، وفى الباطن منافقة على دين قومها، لا تقلى عملهم كما
قلاه لوط ؛ فإنه أنكره ونهام عنه وأبغضه ، وكما فعل النسوة اللواتي
بمصر مع يوسف ، فإنهن أعن امرأة العزيز على ما دعته إليه من فعل
الفاحشة معها ؛ ولهذا قال
(رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيّ إِلَيْهِ )
وذلك بعد قولهن (إِنَّالَرَهَا فِ ضَلَلٍ مُبِينٍ )
ولا ريب أن محبة الفواحش مرض فى القلب ، فإن الشهوة
( إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَنْهِمْ
توجب السكر ، كما قال تعالى عن قوم لوط :
يَعْمَهُونَ ) ؛ وفى الصحيحين واللفظ لمسلم من حديث أبى هريرة عن
النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((العينان تزنيان وزناهما النظر))
الحديث إلى آخره. فكثير من الناس يكون مقصوده بعض هذه
٢٨٨

الأنواع المذكورة فى هذا الحديث : كالنظر ، والاستمتاع ، والمخاطبة .
ومنهم من يرتقى إلى اللمس والمباشرة ، ومنهم من يقبل وينظر ، وكل
ذلك حرام ، وقد نهانا الله عز وجل أن تأخذنا بالزناة رأفة بل نقيم
عليهم الحد فكيف بما هو دون ذلك من مجر وأدب باطن ونهى
وتوبيخ وغير ذلك ؟! بل ينبغي شنآن الفاسقين وقليهم على ما يتمتع
به الإنسان من أنواع الزنا المذكورة فى هذا الحديث المتقدم وغيره .
وذلك أن المحب العاشق وإن كان إنما يحب النظر والاستمتاع
بصورة ذلك المحبوب وكلامه فليس دواؤه فى أن يعطى نفسه محبوبها
وشهوتها من ذلك ، لأنه مريض ، والمريض إذا اشتهى ما يضره أو
جزع من تناول الدواء الكريه فأخذتنا رأفة عليه حتى نمنعه شربه فقد
أعناه على ما يضره أو يهلكه وعلى ترك ما ينفعه ، فيزداد سقمه فيهلك
وهكذا المذنب العاشق ونحوه هو مريض ، فليس الرأفة به والرحمة
أن يمكن مما يهواه من المحرمات ، ولا يعان على ذلك ، ولا أن يمكن من
ترك ما ينفعه من الطاعات التى تزيل مرضه، قال تعالى: (إِنَ الصَّلَوةَ
تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ) أي فيها الشفاء وأكبر من ذلك .
بل الرأفة به أن يعان على شرب الدواء وإن كان كريها : مثل
الصلاة وما فيها من الأذكار والدعوات ، وأن يحمى عما بقوي داء.
ويزيد علته وإن اشتهاه ، ولا يظن الظان أنه إذا حصل له استمتاع
٢٨٩

بمحرم يسكن بلاؤه، بل ذلك يوجب له ازعاجاً عظيما ، وزيادة في
البلاء والمرض فى المآل ، فإنه وإن سكن بلاؤه وهداً مابه عقيب
استمتاعه أعقبه ذلك عرضاً عظيما عسيراً لا يتخلص منه ، بل الواجب
دفع أعظم الضررين باحتمال أدناهما قبل استحكام الداء الذي ترامى به
إلى الهلاك والعطب ، ومن المعلوم أن ألم العلاج النافع أيسر وأخف
من ألم المرض الباقى .
وبهذا يتبين لك أن العقوبات الشرعية كلها أدوية نافعة يصلح الله
بها مرض القلوب ، وهي من رحمة الله بعباده، ورأفته بهم، الداخلة
فى قوله تعالى: ( وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلََّرَحْمَةٌ لِلْعَلَمِينَ)، فمن ترك هذه
الرحمة النافعة لرأفة يجدها بالمريض فهو الذي أعان على عذابه وهلاكه ،
وإن كان لا يريد إلا الخير . إذ هو في ذلك جاهل أحمق ، كما يفعله
بعض النساء والرجال الجمال بمرضام ، وبمن يربونه من أولادهم وغلمانهم
وغيرم فى ترك تأديبهم وعقوبتهم على ما يأتونه من الشر ، ويتركونه
من الخير رأفة بهم ، فيكون ذلك سبب فسادهم، وعداوتهم، وهلاكهم.
ومن الناس من تأخذه الرأفة بهم لمشاركته لهم فى ذلك المرض
وذوقه ما ذاقوه من قوة الشهوة وبرودة القلب والديانة ، فيترك ما أمر
الله به من العقوبة، وهو في ذلك من أظلم الناس وأدينهم فى حق نفسه
ونظرائه ، وهو بمنزلة جماعة من المرضى قد وصف لهم الطبيب ما ينفعهم
٢٩٠

فوجد كبيرم مرارته فترك شربه ، ونهى عن سقيه للباقين .
ومنهم من تأخذه الرأفة لكون أحد الزانيين محبوبا له ، إما أن
يكون محباً لصورته وجماله بعشق أو غيره ، أو لقرابة بينهما ، أو لمودة،
أو الإحسانه إليه ، أو لما يرجو منه من الدنيا أو غير ذلك، أو لما في
العذاب من الألم الذي يوجب رقة القلب. ويتأول: ((إنما يرحم الله من عباده
الرحماء)) ويقول الأحمق(١): ((الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض
يرحمكم من فى السماء)) وغير ذلك ، وليس كما قال ، بل ذلك وضع
الشيء في غير موضعه، بل قد ورد فى الحديث ((لا يدخل الجنة
ديوث )) فمن لم يكن مبغضا للفواحش، كارها لها ولأهلها ، ولا يغضب
عند رؤيتها وسماعها لم يكن مريداً للعقوبة عليها ، فيبقى العذاب عليها
يوجب ألم قلبه، قال تعالى: (وَلَتَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِينِ اللَّهِ ) الآية .
فإن دين الله هو طاعته وطاعة رسوله المبنى على محبته ومحبة رسوله،
وأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ؛ فإن الرأفة والرحمة يحبها
الله ، مالم تكن مضيعة لدين الله .
وفى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إنما يرحم
الله من عباده الرحماء)) وقال: ((لا يرحم الله من لا يرحم الناس)) وقال:
(١) مستدلاً بالحديث
٢٩١

((من لا يرحم لا يرحم)) وفى السنن: ((الراحمون يرحمهم الرحمن،
ارحموا من فى الأرض يرحمكم من فى السماء )) . فهذه الرحمة حسنة
مأمور بها أمر إيجاب أو استحباب ، بخلاف الرأفة في دين الله فإنها
منهي عنها
والشيطان يريد من الإنسان الإسراف فى أموره كلها ، فإنه إن
رآه مائلا إلى الرحمة زين له الرحمة حتى لا يبغض ما أبغضه الله؛ ولا يغار لما
يغار اللّه منه، وإن رآه مائلا إلى الشدة زين له الشدة فى غير ذات
اللّه حتى يترك من الإحسان والبر واللين والصلة والرحمة ما يأمر به
الله ورسوله ، ويتعدى في الشدة فيزيد فى الذم والبغض والعقاب على
ما يحبه الله ورسوله: فهذا يترك ما أمر الله به من الرحمة والإحسان
وهو مذموم مذنب في ذلك ، ويسرف فيما أمر الله به ورسوله من
الشدة حتى يتعدى الحدود وهو من إسرافه فى أمره . فالأول مذنب ،
والثانى مسرف، (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) فليقولا جميعاً: (رَبَّنَا
أَغْفِرْ لَنَاذُنُوبَنَا وَ إِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ).
فالمؤمن بالله
(إِنَ كُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ )
وقوله تعالى :
واليوم الآخر يفعل ما يحبه الله ورسوله ، وينهى عما يبغضه الله ورسوله،
ومن لم يؤمن بالله واليوم الآخر فإنه يتبع هواه فتارة تغلب عليه الرأفة
٢٩٢

هوى ، وتارة تغلب عليه الشدة هوى ، فيتبع ما يهواه فى الجانبين بغير
هدى من اللّه (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ أَتَّبَعَ هَوَنُهُ بِغَيْرِ هُدَّى مِّنَ اللَّهِ ) فإن
الزنا من الكبائر ، وأما النظر والمباشرة فاللمم منها مغفور باجتناب
الكبائر ، فإن أصر على النظر أو على المباشرة صار كبيرة ، وقد يكون
الإصرار على ذلك أعظم من قليل الفواحش ، فإن دوام النظر بالشهوة
وما يتصل به من العشق والمعاشرة والمباشرة قد يكون أعظم بكثير من
فساد زنا لا إصرار عليه ؛ ولهذا قال الفقهاء فى الشاهد العدل : أن
لا يأتى كبيرة، ولا يصر على صغيرة، وفي الحديث المرفوع ((لاصغيرة
مع إصرار ، ولا كبيرة مع استغفار)).
بل قد ينتهي النظر والمباشرة بالرجل إلى الشرك ، كما قال تعالى :
(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ).
ولهذا لا يكون عشق الصور إلا من ضعف محبة الله وضعف الإيمان ،
والله تعالى إنما ذكره في القرآن عن امرأة العزيز المشركة، وعن قوم
لوط المشركين ، والعاشق المتيم يصير عبداً لمعشوقه ، منقاداً له ، أسير
القلب له .
وقد جمع النبى صلى الله عليه وسلم ذكر الحدود إن حالت شفاعته
دون حد من حدود الله فقد ضاد اللّه فيما رواه أبو داود عن ابن عمر قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من حالت شفاعته دون حد
٢٩٣

من حدود اللّه فقد ضاد الله فى أمره، ومن خاصم في باطل وهو يعلم
لم يزل فى سخط الله حتى ينزع ، ومن قال في مسلم ما ليس فيه حبس
في ردغة الخبال حتى يخرج مما قال )) فالشافع فى تعطيل الحدود مضاد
لله فى أمره ؛ لأن الله أمر بالعقوبة على تعدي الحدود ، فلا يجوز أن
تأخذ المؤمن رأفة بأهل البدع والفجور والمعاصي والظلمة .
وجماع ذلك كله فيما وصف الله به المؤمنين حيث قال (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
فإن
وقال (أَشِدَّهُ عَلَى الْكُفَّارِرُحَاءُبَيْنَهُمْ )
أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ )
هذه الكبائر كلها من شعب الكفر، ولم يكن المسلم كافراً بمجرد
ارتكاب كبيرة؛ ولكنه يزول عنه اسم الإيمان الواجب ، كما فى الصحاح
عنه صلى الله عليه وسلم: ((لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن))
الحديث إلى آخره ففيهم من نقص الإيمان ما يوجب زوال الرأفة والرحمة
بهم، واستحقوا بتلك الشعبة من الشدة بقدر ما فيها ، ولا منافاة بين
أن يكون الشخص الواحد يرحم ويحب من وجه ، ويعذب ويبغض
من وجه آخر، ويثاب من وجه ويعاقب من وجه فإن مذهب أهل
السنة والجماعة أن الشخص الواحد يجتمع فيه الأمران ، خلافا لما يزعمه
الخوارج ونحوهم من المعتزلة ، فإن عندهم أن من استحق العذاب من أهل
القبلة لا يخرج من النار ، فأوجبوا خلود أهل التوحيد . وقال من استحق
العذاب : لا يستحق الثواب .
٢٩٤

:
ولهذا جاء فى السنة أن من أقيم عليه الحد والعقوبات ولم يأخذ
المؤمنين به رأفة أن يرحم من وجه آخر فيحسن إليه ويدعى له ، وهذا
الجانب أغلب فى الشريعة ، كما أنه الغالب في صفة الرب سبحانه ، كما
فى الصحيحين: ((إن الله كتب كتابا فهو موضوع عنده فوق العرش:
إن رحمتی تغلب غضى)) وفي رواية ((سبقت غضى)) وقال: ( نَبِّ
وقال :
عِبَادِىّ أَنَّأَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِ هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ )
فجعل الرحمة صفة
(أَعْلَمُوْ اْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّاللَّهَ غَفُورُ رَّحِيمٌ )
له مذكورة فى أسمائه الحسنى ، وأما العذاب والعقاب فجعلها من مفعولاته
غير مذكورين في أسمائه
ومن هذا الباب ما أمر الله به من الغلظة على الكفار والمنافقين
فقال تعالى: (يَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدِ آلْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُظْ عَلَيْهِمْ )
الآيات ،
(لَا تَتَّخِذُ واْعَدُوِى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ )
وقال :
(حَّ تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَحْدَهُ )، وكذلك آخر
إلى قوله فى قصة إبراهيم :
المجادلة، وقد ثبت في صحيح مسلم عن الحسن، عن حطان بن عبد الله،
عن عبادة بن الصامت: (( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((خذوا
عني : قد جعل الله لهن سبيلا : البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ،
والثيب بالثيب جلد مائة والرجم)).
وفى الصحيحين من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد أنه صلى الله
٢٩٥

عليه وسلم: ((اختصم إليه رجلان ، فقال أحدهما : يا رسول الله! اقض
بيننا بكتاب الله. وقال الآخر - وهو أفقه منه ــ يا رسول الله ! اقض بيننا
بكتاب الله وائذن لي : إن ابني كان عسيفاً على هذا ، وإنه زنى بامرأته
فافتدبت منه بمائة شاة ووليدة ، وإني سألت أهل العلم فقالوا : على
ابنك جلد مائة وتغريب عام ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: لأقضين
بينكما بكتاب الله: أما المائة شاة والوليدة فرد عليك، وعلى ابنك جلد
مائة وتغريب عام ، واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها،
فاعترفت فرجها )).
فهذه المرأة أحد من رجمه النبى صلى الله عليه وسلم، ورجم
أيضاً اليهوديين على باب مسجده ، ورجم ماعز بن مالك ، ورجم
الغامدية . ورجم غير هؤلاء . وهذا الحديث بوافق مافى الآية من
بيان السبيل الذي جعله الله لهن: وهو جلد مائة وتغريب عام فى البكر،
وفي الثيب الرجم ، لكن الذي في هذا الحديث هو الجلد والنفى
للبكر من الرجال ، وأما الآية ففيها ذكر الإمساك فى البيوت للنساء
خاصة : ومن فقهاء العراق من لا يوجب مع الحمد تغريباً ، ومنهم من
يفرق بين الرجل والمرأة ، كما أن أكثرهم لا يوجبون مع رجم جلد
مائة ، ومنهم من يوجبهما جميعاً ، كما فعل علي بسراحة الهمدانية حيث
جلدها ثم رجمها ، وقال: ((جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة نبيه))
٢٩٦

رواه البخاري : وعن أحمد فى ذلك روايتان .
وهو سبحانه ذكر فى سورة النساء ما يختص بالنساء من العقوبة
بالإمساك في البيوت إلى المات ، أو إلى جعل السبيل ثم ذكر ما يعم
الصنفين فقال: (وَالَّذَانِ يَأْتِيَنِهَا مِنكُمْ فَاذُوهُمَا ) فإن الأذى يتناول
الصنفين ، وأما الامساك فيختص بالنساء ، فالنساء يؤذين ويحبسن ،
بخلاف الرجال فإنه لم يأمر فيهم بالحبس ، لأن المرأة يجب أن تصان
وتحفظ بما لا يجب مثله فى الرجل ، ولهذا خصت بالاحتجاب ، وترك
إبداء الزينة ، وترك التبرج ، فيجب في حقها الاستتار باللباس والبيوت
مالا يجب في حق الرجل . لأن ظهور النساء سبب الفتنة ، والرجال
قوامون عليهن .
وقوله (فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ ) دل على شيئين: على
أن نصاب الشهادة على الفاحشة أربعة ، وعلى أن الشهداء بها على نسائنا
يجب أن يكونوا منا ، فلا تقبل شهادة الكفار على المسلمين ، وهذا
لا نزاع فيه ، وإنما النزاع فى قبول شهادة الكفار بعضهم على بعض ،
وفيه قولان عند أحمد : أشهرهما عنده وعند أصحابه أنها لا تقبل، كمذهب
مالك والشافعى . والثانية أنها تقبل ، اختارها أبو الخطاب من أصحاب
أحمد، وهو قول أبي حنيفة . وهو أشبه بالكتاب والسنة . وقد قال
النبى صلى الله عليه وسلم: (( لا تجوز شهادة أهل ملة على أهل ملة إلا
٢٩٧

أمتى فإن شهادتهم بجوز على من سوا)) فإنه لم ينف شهادة أهل الملة
الواحدة بعضها على بعض ، بل مفهوم ذلك جواز شهادة أهل الملة
الواحدة بعضها على بعض ؛ ولكن فيه بيان أن المؤمنين تقبل شهادتهم
على من سوامٍ لقوله تعالى : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطَّا لِّنَكُونُواْ شُهَدَآءَ
عَلَى النَّاسِ) وفي آخر الحج مثلها .
وقد ثبت فى صحيح البخاري عن أبى سعيد الخدري عن النبى صلى
اللّه عليه وسلم قال (( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت؟
فيقول : نعم ! فيدعى قومه ، فيقال هل بلغكم ؟ فيقولون : ما جاءنا
من بشير ولا نذير ، فيقال لنوح : من يشهد لك، فيقول : محمد وأمته ،
فيؤتى بكم فتشهدون أنه بلغ » وكذلك في الصحيحين من حديث أنس
فى شهادتهم على تلك الجنازتين، وأنهم أثنوا على إحداهما خيراً ، وعلى
الأخرى شراً، فقال: ((أنتم شهداء الله فى أرضه)) الحديث .
ولهذا لما كان أهل السنة والجماعة الذين محضوا الإسلام ولم يشوبوه
بغيره كانت شهادتهم مقبولة على سائر فرق الأمة بخلاف أهل البدع
والأهواء ، كالخوارج والروافض ، فإن بينهم من العداوة والظلم ما يخرجهم
عن كمال هذه الحقيقة التى جعلها الله لأهل السنة ، قال النبى صلى الله
عليه وسلم فيهم: (( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ، ينفون
عنه تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين )).
٢٩٨

وقد استدل من جوز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض بهذه
الآية التى فى المائدة وهي قوله (يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ شَهْدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ
اَلْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ أَوْءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ) الآية .
ثم قال من أخذ بظاهر هذه الآية من أهل الكوفة :
دلت هذه الآية على قبول شهادة أهل الذمة على المسلمين ، فيكون فى
ذلك تنبيه ودلالة على قبول شهادة بعضهم على بعض بطريق الأولى ، ثم
نسخ الظاهر لا يوجب نسخ الفحوى والتنبيه ، وهذه الآية الدالة على
نصوص الإمام أحمد وغيره من أئمة الحديث الموافقين للسلف فى العمل
هذه الآية وما يوافقها من الحديث أوجه وأقوى ، فإن مذهبه قبول
شهادة أهل الذمة على المسلمين في الوصية في السفر ، لأنه موضع ضرورة
فإذا جازت شهادتهم لغيرم فعلى بعضهم أجوز وأجوز .
ولهذا يجوز فى الشهادة للضرورة مالا يجوز فى غيرها، كما تقبل شهادة
النساء فيما لا يطلع عليه الرجال ، حتى نص أحمد على قبول شهادتهن فى
الحدود التى تكون فى مجامعهن الخاصة . مثل الحمامات، والعرسات ، ونحو
ذلك . فالكفار الذين لا يختلط بهم المسلمون أولى أن تقبل شهادة
بعضهم على بعض إذا حكمنا بينهم، والله أمرنا أن نحكم بينهم،
والنبى صلى الله عليه وسلم رجم الزانيين من اليهود من غير سماع إقرار
منها ، ولا شهادة مسلم عليها ، ولولا قبول شهادة بعضهم على بعض لم
يجز ذلك والله أعلم .
٢٩٩

ثم إن في تولي مال بعضهم بعضاً نزاع ، فهل يتولى الكافر العدل
في دينه مال ولده الكافر؟ على قولين فى مذهب أحمد وغيره، والصواب
المقطوع به: أن بعضهم أولى ببعض ، وقد مضت سنة النبي صلى الله
عليه وسلم بذلك وسنة خلفائه ، وقوله تعالى: (فَاذُوهُمَا ) أمر بالأذى
مطلقاً. ولم يذكر كيفيته وصفته ولا قدره ، بل ذكر أنه يجب إيذاؤها ،
ولفظ ((الأذى)) يستعمل فى الأقوال كثيراً، كقوله: (لَنْ يَضُرُوكُمْإِلَّ
(وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ
أَذَى ) وقوله: (إِنَّالَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)
اَلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُواْ ) (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِىَّ)
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا أحد أصبر على أذى سمعه من
الله)) ونظائر ذلك كثيرة ذكرناها في ((كتاب الصارم المسلول)). وهذا
كما قال صلى الله عليه وسلم فى شارب الخمر ((عاقبوه وآذوه))
وقال (فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْعَنْهُمَآ) والإعراض هو الإمساك
عن الإيذاء .
فالمذنب لا يزال يؤذى وينهى ويوعظ ويوبخ ويغلظ له فى الكلام
إلى أن يتوب ويطيع الله ، وأدنى ذلك هجره فلا يكلم بالكلام الطيب،
كما هجر النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون الثلاثة الذين خلفوا حتى
ظهرت توبتهم وصلاحهم، وهذه آية محكمة لا نسخ فيها، فمن أتى الفاحشة
من الرجال والنساء فإنه يجب إيذاؤه بالكلام الزاجر له عن المعصية إلى
٣٠٠