Indexed OCR Text
Pages 261-280
كما فعلوا ذلك فى الأسماء المعربة ، وأن ذلك في المثنى أبلغ منه في لفظ الواحد والجمع، إذ كانوا فى الضمائر يفرقون بين ضمير المنصوب والمجرور وبين ضمير المرفوع في الواحد والمثنى ، ولا يفرقون فى المثنى وفى لفظ الإشارة والموصول ، ولا يفرقون بين الواحد والجمع وبين المرفوع وغيره، ففي المثنى بطريق الأولى . والحمد لله وحده . وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً . ذكر شيخنا شيخ الإسلام ابن تيمية هذه المسألة فى موضع آخر وذكر فيها هذا الاعتراض : فصل وقد يعترض على ما كتبناه أولا بأنه جاء أيضاً فى غير الرفع بالياء (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُ واْرَبَّا أَِّنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا كسائر الأسماء قال تعالى : مِنَ الْجِنّ وَالْإِنسِ) ولم يقل ((اللذان أضلانا)) كما قيل فى الذين إنه بالياء فى الأحوال الثلاثة، وقال تعالى فى قصة موسى: (إِنَّ أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى أَبْنَتَّ هََيْنِ) ولم يقل ((هاتان)) و((هاتان)) تبع لابنتى، وقد يسمى عطف بيان وهو يشبه الصفة كقوله: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحًا) لكن الصفة تكون مشتقة أو فى معنى المشتق، وعطف ٢٦١ البيان يكون بغير ذلك كأسماء الأعلام وأسماء الإشارة ، وهذه الآية نظير قوله : (إِنْ هَذَانِ لَسَحِرَنِ ) . وأما قوله : (أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَانَا) فقد يفرق بين اسم الإشارة والموصول بأن اسم الإشارة على حرفين ؛ بخلاف الموصول؛ فإن الاسم هو ((اللذا)) عدة حروف، وبعده يزاد على الجمع، فتكسر الذال وتفتح النون وعلى التثنية، فتفتح الذال وتكسر النون والألف فقلت (١) فى النصب والجر ؛ لأن الاسم الصحيح إذا جمع جمع التصحيح كسر آخره فى النصب وفي الجر وفتحت نونه ، وإذا ثنى فتح آخره وكسرت نونه فى الأحوال الثلاثة . وهذا يبين أن الأصل فى التثنية هى الألف ، وعلى هذا فيكون في إعرابه لغتان جاء بها القرآن : تارة يجعل كاللذان ، وتارة يجعل كاللذين ؛ ولكن فى قوله: (إِحْدَى أَبْنَتَّىَّ هَاتَيْنِ ) كان هذا أحسن من قوله (( هاتان )) لما فيه من اتباع لفظ المثنى بالياء فيها ، ولو قيل هاتان لأشبه (١) كما لو قيل: ((إن ابنتى هاتان)) فإذا جعل بالياء على تابع مبين عطف بيان لتمام معنى الاسم ؛ لا خبر تتم به الجملة . وأما قوله: (إِنْ هَذَانِ لَسَحِرَنِ ) فجاء اسماً مبتدأ : اسم (إن) (١) بياض بالاصل . ٢٦٢ وكان مجيئه بالألف أحسن فى اللفظ من قولنا: ((إن هذين لساحران)) لأن الألف أخف من الياء ؛ ولأن الخبر بالألف ، فإذا كان كل من الاسم والخبر بالألف كان أتم مناسبة ، وهذا معنى صحيح ، وليس في القرآن ما يشبه هذا من كل وجه وهو بالياء . فتبين أن هذا المسموع والمتواتر ليس فى القياس الصحيح ما يناقضه، لكن بينهما فروق دقيقة ، والذين استشكلوا هذا إنما استشكلوه من جهة القياس؛ لا من جهة السماع، ومع ظهور الفرق يعرف ضعف القياس . وقد يجيب من يعتبر كون الألف فى هذا هو المعروف فى اللغة بأن يفرق بين قوله : (إن هذان ) وقوله : (إِحْدَى أَبْنَتَّىَّ هَاتَّيْنِ ) أن هذا تثنية مؤنث، وذلك تثنية مذكر، والمذكر المفرد منه ((ذا)) بالألف فزيدت فوق نون للتثنية، وأما المؤنث فمفرده ((ذي)) أو ((ذه)) أو (( ته)). وقوله: (إِحْدَى أَبْنَتَّىَ هَنَيْنِ) ثثنية ((تَى)) بالياء ، فكان جعلها بالياء فى النصب والجر أشبه بالمفرد ؛ بخلاف تثنية المذكر، وهو ((ذا)) فإنه بالألف ، فإقراره بالألف أنسب ، وهذا فرق بين تثنية المؤنث وتثنية المذكر ، والفرق بينه وبين اللذين قد تقدم . وحينئذ فهذه القراءة هي الموافقة للسماع والقياس ، ولم يشتهر ٢٦٣ ما يعارضها من اللغة التى نزل بها القرآن . والله أعلم. وقوله : ( إِحْدَى أَبْنَنَّ هَتَيْنِ ) هو كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( من أكل من هاتين الشجرتين الخبيثتين فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الآدميون )) ومثله فى الموصول قول ابن عباس لعمر : أخبرني عن المرأتين اللتين قال الله فيها : ( وَإِن تَظَهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَمَوْلَئُهُ ) الآية . آخره والحمد لله وحده ٢٦٤ سورة الأنبياء وقال رحمه الله فصل ((سورة الأنبياء)) سورة الذكر ، وسورة الأنبياء الذين عليهم نزل الذكر افتتحها بقوله: (مَايَأْنِهِم مِّن ذِكْرِمِّن رَّيِّهِمْ تُحْدَثٍ) الآية، وقوله: (فَسْشَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُمْلَا تَعْلَمُونَ ) وقوله : (لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَبَّافِيهِ ذِكْرُكُمْ) وقوله: (هَذَا ذِكِرُ مَن مَّعِىَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِى) وقوله : (وَذِكْرًا لِلْمُنَّقِينَ) وقوله: (وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكُ) وقوله : (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِ الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ ) وقوله : ( قَالَ رَبِّ أَحْكُ بِالْحَقِّ) يعنى - والله أعلم - انصر أهل الحق، أو انصر الحق ، وقيل : افصل الحق بيننا وبين قومنا ، وكان الأنبياء يقولون: (رَبَّنَا أَفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقّ) وأمر محمداً أن يقول : (رَبِّ أَحْكُرُ بِالْحَقِّ) وروى مالك عن زيد بن أسلم قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا شهد قتالا قال: رب احكم بالحق)). ٢٦٥ سورة الحج وقال الشيخ رحمه الله فصل سورة الحج فيها مكي ومدني ، وليلي ونهاري ، وسفري وحضري وشتائي وصيفي ؛ وتضمنت منازل المسير إلى الله، بحيث لا يكون منزلة ولا قاطع يقطع عنها. ويوجد فيها ذكر القلوب الأربعة : الأعمى والمريض والقاسي والمخبت الحي المطمئن إلى الله . وفيها من التوحيد والحكم والمواعظ على اختصارها ما هو بين لمن تدبره ، وفيها ذكر الواجبات والمستحبات كلها توحيداً وصلاة وزكاة وحجاً وصياماً ، قد تضمن ذلك كله قوله تعالى: ( يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ أَرْكَعُواْوَأَسْجُدُ وا وَأَعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وَأَفْعَلُواْالْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) فيدخل فى قوله: (وَأَفْعَلُواْ الْخَيْرَ ) كل واجب ومستحب ؛ فخصص في هذه الآية وعمم ، ثم قال: (وَجَهِدُواْ فِاللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ) فهذه الآية وما بعدها : لم نترك خيراً إلا جمعته ولا شراً إلا نفته . ٢٦٦ قال شيخ الإسلام قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُحَدِلُ فِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَنِ مَّرِيدٍ فى أثناء آيات المعاد وعقبها كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ ) بآية المعاد ثم أتبعه بقوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدَّى وَلَا كِتَبٍ مُِّيرٍ * ثَانِىَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللّهِ) إلى قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ ) فيه بيان حال المتكلمين ، وحال المتعبدين المجادلين بلا علم ، والعابدين بلا علم ، بل مع الشك لأن هذه السورة سورة الملة الإبراهيمية الذي جادل بعلم وعبد الله بعلم ، ولهذا ضمنت ذكر الحج، وذكر الملل الست . فقوله يجادل في الله بلا علم ذم لكل من جادل فى الله بغير علم، وهو دليل على أنه جثّز بالعلم كما فعل إبراهيم بقومه ، وفى الأولى ذم المجادل بغير علم ، وفي الثانية بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير . وهذا والله أعلم من باب عطف الخاص على العام أو الانتقال من الأدنى إلى الأعلى ليبين أن الذي يجادل بالكتاب أعلام ، ثم بالهدى ، فالعلم اسم جامع ، ثم منه ما يعلم بالدليل القياسي فهو أدنى أقسامه فيخص ٢٦٧ باسم العلم ، ويفرد ما عداه باسمه الخاص ؛ فإما معلوم بالدليل القياسي ، وهو علم النظر، وإما ما علم بالهداية الكشفية، كما للمحدثين وللمتفرسين، ولسائر المؤمنين ، وهو الهدى ، وإما ما نزل من عند الله من الكتب وهو أعلاها ، فأعلاها العلم المأثور عن الكتب ، ثم كشوف الأولياء، ثم قياس المتكلمين ، وغيرهم من العلماء. ٢٦٨ وقال : فى قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ، خَيْرُ أَطْمَأَنَّيِّهِ. وَإِنْ أَصَابَتَهُ فِتْنَةُ أَنْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ، خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ * يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ, ذَلِكَ هُوَالضَّلَالُ اَلْبَعِيدُ * يَدْعُواْ لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن تَّفْعِةٍ ، لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِسَ الْعَشِيرُ ) - فإن آخر هذه الآية قد أشكل على كثير من الناس كما قال طائفة من المفسرين كالثعلبى والبغوي ، واللفظ للبغوي ، قال : هذه الآية من مشكلات القرآن ، وفيها أسئلة أولها : قالوا : قد قال ( يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ ) أي اللّه تعالى في الآية الأولى: لا يضره ترك عبادته، وقوله: (لَمَنْ ضَرُّهُ) أي ضر عبادته ؛ - قلت : هذا جواب . وذكر صاحب الكشاف جواباً غير هذا : فقال : فإن قلت : الضر والنفع منتفيان عن الأصنام مثبتان لهما فى الآيتين ، وهذا تناقض! قلت : اذا حصل المعنى ذهب هذا الوهم : وذلك أن الله سفه الكافر بأنه يعبد جماداً لا يملك ضراً ولا نفعاً، وهو يعتقد فيه لجهله وضلاله ٢٦٩ أنه يستشفع به حين يستشفع به ؛ ثم قام يوم القيامة هذا الكافر بدعاء وصراخ حين رأى استضراره بالأصنام ودخوله النار بعبادتها ، ولا يرى أثر الشفاعة التى ادعاها لها: (لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ ، لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ أو كرر يدعو، كأنه قال: (يَدْعُوْ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ اُلْعَشِيرُ ) وَمَا لَا يَنفَعُهُ) ثم قال: ( لَمَن ضَرُّهُ) بكونه معبوداً (أَقْرُبُ مِن نَّفْعِهِ ) بكونه شفيعاً (لَبِئْسَ الْمَوْلَى). قلت : فقد جعل ضره بكونه معبوداً ، وذكر تضرره بذلك : وفي الآخرة . وقد قال السدي ما يتضمن الجوابين فى تفسيره المعروف ، قال : (مَالَا يَضُرُّهُ) قال: لا يضره إن عصاه، (وَمَا لَا يَنفَعُهُ ) قال : لا ينفعه الضم إن أطاعه (يَدْعُوْلَمَنْ ضَرُّهُ ) قال: ضره فى الآخرة من أجل عبادته إياه في الدنيا . قلت : وهذا الذي ذكر من الجواب : كلام صحيح ، لكن لم يبين فيه وجه نفي التناقض . فنقول: قوله: (مَالَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ) هو نفى لكون المدعو المعبود من دون الله يملك نفعاً أوضراً وهذا يتناول كل ماسوى الله ٢٧٠ من الملائكة والبشر والجن والكواكب والأوثان كلها ، فإنما سوى الله لا يملك لا لنفسه ولا لغيره ضراً ولا نفعاً، كما قال تعالى فى سياق نهيه عن عبادة المسيح: (لَقَدْ كَفَرَالَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّه هُوَ اَلْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمٌ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَنَبَنِىّ إِسْرَّهِيلَ أَعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِ وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكِ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَنُ النَّارُ وَمَا لِلْظَلِينَ مِنْ أَنْصَارِ * لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوَ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَامِنْ إِلَءٍ إِلَّ إِلَهٌ وَحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنْتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ ج مَّا الْمَسِيحُ أَبْرُ مَرْيَمَ إِلََّ رَسُولٌ قَدْ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ, وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ* خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامُّ أَنْظُرْكَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الَّيَتِ ثُمَّ أَنْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * قُلْ أَنَعَبُّدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَالَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرَّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) وقد قال لخاتم الرسل : ( قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلَاضَرَّا إِلَّ مَاشَآءَ اللَّهُ) وقال: (قُلْ إِنِّى لَا أَمْلِكُ لَكُمُضَرَّا وَلَا رَشَدًا) وقال على العموم: (مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَ هُمْسِكَ لَهَا وَمَايُمْسِكْ فَلَ مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ) ، وقال : (وَ إِن يَمْسَسُكَ اللَّهُ بِضُرِّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّهُوَ وَ إِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَاَرَآَّلِفَضْلِهِ )، وقال : ( قُلْ أَفَرَءَ يْتُمِ مَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ فِيَ اللَّهُ بِضُرِّهَلْ هُنَّ كَشِفَتُ ضُرٍِّ أَوْأَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَ مُمْسِكَتُ رَحْمَتِهِ، قُلْ حَسْىَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِلُونَ)، وقال صاحب بس: (وَمَالِىَ لَآ أَعْبُدُ الَّذِى فَطَرَنِىِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ *،َأَتَّخِذُ مِن ٢٧١ دُونِهِ:َالِهَةَ إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرِّلَا تُغْنِ عَنِّى شَفَعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُقِذُونِ * إِّإِذَالَّفِى ضَلِ مُبِينٍ * إِنَّءَامَنْتُ بِرَبِكُمْ فَاسْمَعُونِ ) . وقوله: (يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ) نفي عام كما في قوله : (لَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرَّا وَلَانَفْعًا)، فهو لا يقدر أن يضر أحداً سواء عبده أو لم يعبده، ولا ينفع أحدا سواء عبده أو لم يعبده : وقول من قال: لا ينفع إن عبد ولا يضر إن لم يعبد بيان لانتفاء الرغبة والرهبة من جهته ؛ بخلاف الرب الذي يكرم عابديه، ويرحمهم ، ويهين من لم يعبده ويعاقبه. والتحقيق أنه لا ينفع ولا يضر مطلقاً ، فإن الله سبحانه وسعت رحمته كل شيء وهو ينعم على كثير من خلقه وإن لم يعبدوه ، فنفعه للعباد لا يختص بعابديه ، وإن كان في هذا تفصيل ليس هذا موضعه، وما دونه لا ينفع لا من عبده ولا من لم يعبده؛ وهو سبحانه الضار النافع: قادر على أن يضر من يشاء، وإن كان ما ينزله من الضمر بعابديه هو رحمة في حقهم، كما قال أيوب: (مَسَنِىَ الضُّرُ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الزَّحِينَ) وقال وقال تعالى: (وَإِن يَمْسَسْكَ اَللَّهُ بِضُرِ فَلَا كَاشِفَ لَهُ: إِلََّّهُوَ) أيضاً لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: (قُل لَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا وقال تعالى: (وَالصَّبِرِينَ فِ الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ وَحِينَ مَا شَآءَ اللَّهُ ) وهو سبحانه يحدث ما يحدثه من الضرر بمن لا يوصف الْبَأْسِ ) بمعصية من الأطفال والمجانين والبهائم ؛ لما في ذلك من الحكمة والنعمة ٢٧٢ والرحمة ، كما هو مبسوط فى غير هذا الموضع . فإن المقصود هنا أن نفي الضر والنفع عمن سواه عام لا يجب أن يخص هذا بمن عبده، وهذا بمن لم يعبده ؛ وإن كان هذا التخصيص حقاً باعتبار صحيح ؛ وجواب من أجاب بأن معناه لا يضر ترك عبادته وضره بعبادته أقرب من نفعه مبني على هذا التخصيص . وإذا كان كذلك فنقول : المنفي قدرة من سواه على الضر والنفع . وأما قوله : (ضَرُُّأَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ ) فنقول أولا: المنفي هو فعلهم بقوله: (مَالَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ ) والمثبت اسم مضاف إليه فإنه لم يقل: يضر أعظم مما ينفع، بل قال: (لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ ) والشيء يضاف إلى الشيء بأدنى ملابسة ، فلا يجب أن يكون الضر والنفع المضافين من باب إضافة المصدر إلى الفاعل . بل قد يضاف المصدر من جهة كونه اسما كما تضاف سائر الأسماء ، وقد يضاف إلى محله وزمانه ومكانه وسبب حدوثه، وإن لم يكن فاعلا كقوله: (بَلْ مَكْرُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ ) ولا ريب أن بين المعبود من دون اللّه وبين ضرر عابديه تعلق يقتضي الإضافة ، كأنه قيل : لمن شره أقرب من خيره ، وخسارته أقرب من ريحه؛ فتدبر هذا !. ولو جعل هو فاعل الضر بهذا ، لأنه سبب فيه لا لأنه هو الذي ٢٧٣ فعل الضرر ، وهذا كقول الخليل عن الأصنام : (رَبِّ إِنَّهُنَّأَضْلَلْنَ كَثِيرًا فنسب الإضلال إليهن، والإضلال هو ضرر لمن أضللنه، مِّنَ النَّاسِ ) وكذلك قوله: (وَمَازَادُوهُمْ غَيْرَ تَنْبِينٍ) وهذا كما يقال: أهلك الناس الدرهم والدينار ، وأهلك النساء الأحمران الذهب والحرير ؛ وكما يقال للمحبوب المعشوق الذي تضر محبته وعشقه: إنه عذب هذا وأهلكه وأفسده وقتله وعثره ؛ وإن كان ذاك المحبوب قد لا يكون شاعراً بحال هذا ألبتة ، وكذلك يقال فى المحسود ؛ إنه يعذب حاسديه وإن كان لا شعور له بهم . وفي الصحيحين عن عمرو بن عوف عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخاف أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتتنافسوا فيها كما تنافسوا فيها ، وتهلككم كما أهلكتهم)» فجعل الدنيا المبسوطة هي المهلكة لهم: وذلك بسبب حبها والحرص عليها والمنافسة فيها ، وإن كانت مفعولا بها لا اختيار لها ، فهكذا المدعو المعبود من دون الله الذي لم يأمر بعبادة نفسه: إما لكونه جماداً، وإما لكونه عبداً مطيعاً لله من الملائكة والأنبياء والصالحين من الإنس والجن ، فما يدعى من دون الله هو لا ينفع ولا يضر ، لكن هو السبب في دعاء الداعى له ، وعبادته إياه . وعبادة ذاك ودعاؤه هو الذي ضره ، فهذا الضر المضاف إليه غير الضر المنفى عنه ، ٢٧٤ فضرر العابد له بعبادته يحصل فى الدنيا والآخرة . وإن كان عذاب الآخرة أشد، فالمشركون الذين عبدوا غير الله حصل لهم بسبب شركهم بهؤلاء من عذاب الله فى الدنيا ما جعله الله عبرة لأولى الأبصار قال الله تعالى: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُضُهُ عَلَيْكٌ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ * وَمَا ظَلَمْنَهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوْ أَنْفُسَهُمِّ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْءَالِهَتُهُمُ الَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَىْءٍ لَّمَّاجَآءَ أَمْرُرَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَنْبِيبٍ ) فبين أنهم لم تنفعهم بل ما زادتهم إلا شراً . وقد قيل فى هذا ، كما قيل فى الضر. قيل: مازادتهم عبادتها ، وقيل : إنها فى القيامة تكون عوناً عليهم فتزيدم شراً، وهذا كقوله : * كَلََّّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ (وَأَّخَذُ واْ مِن دُونِ اللَّهِءَالِهَةً لِيَكُونُوْلَهُمْ عِزَّا وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ) والتقبيب: عبر عنه الأكثرون : بأنه التخسير كقوله تعالى: (تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ) وقيل: التثبير والإهلاك وقيل : مازادوم إلا شراً؛ وقوله : ( فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءَالِهَتُهُمُ الَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَىْءٍ لَّمَّاجَآءَ أَمْهُ رَبِّكَ وَمَازَادُوهُمْ غَيْرَ تَنْبِيبٍ ) : فعل ماض يدل على أن هذا كان فى الدنيا ؛ وقد يقال : فالشر كله من جهتهم فلم قيل: فما زادوم فيقال: بل عذبوا على كفرهم بالله ولو لم يعبدوم، فلما عبدوم مع ذلك ازدادوا بذلك كفراً وعذابا، فما زادوم إلا خسارة وشراً؛ ما زادوم ربحاً وخيراً . ٢٧٥ سورة المؤمنون قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى فى قوله تعالى: (أَيَعِدُّكُمْأَنَّكُمْ إِذَا مِتُمْ وَكُمْتُمْ تُرَبًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ تُخْرَجُونَ ) طال الفصل بين أن واسمها وخبرها ، فأعاد (أن ) لتقع على الخبر لتأكيده بها ؛ ونظير هذا قوله تعالى: (أَلَمْ يَعْلَمُوَ أ ◌َنَّهُ مَن يُحَادِدِ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَجَهَنَّمَ) لما طال الكلام أعاد ( أن) هذا قول الزجاج وطائفة ، وأحسن من هذا أن يقال : كل واحدة من هاتين الجملتين جملة شرطية مركبة من جملتين جزائيتين فأكدت الجملة الشرطية ((بأن)) على حد تأكيدها في قول الشاعر : إن من يدخل الكنيسة يوما يلق فيها جاذراً وظباء ثم أكدت الجملة الجزائية بـ ((أن)) إذ هي المقصودة، على حد تأكيدها فى قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَبِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوةَ إِنَّا لَا تُضِيعُ أَجْرَ اُْصْلِينَ ) . ونظير الجمع بين تأكيد الجملة الكبرى المركبة من الشرط والجزاء، ٢٧٦ وتأكيد جملة الجزاء قوله تعالى: ( إِنَّهُمَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لايُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) فلا يقال فى هذا ((إن)) أعيدت لطول الكلام، ونظيره قوله تعالى: (إِنَّهُ، مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّلَهُ جَهَمَ لَا يَمُوتُ فِيَهَا وَلَا يَحْيَى ). ونظيره: (أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَلَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ. فها تأكيدان مقصودان المعنيين مختلفين ، ألا ترى غَفُورٌرَّحِيمٌ ) تأكيد قوله: (غَفُورٌرَحِيمٌ) بـ ((إن)) غير تأكيد (مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَلَةٍ ثُمَّتَابَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌرَّحِيمٌ) له بـ ((أن))؟! وهذا ظاهر لاخفاء به ، وهو كثير فى القرآن وكلام العرب . وأما قوله تعالى: (وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَاذُنُوبَنَا ) فهذا ليس من التكرار في شيء ؛ فإن قولهم خبر (كان) قدم على اسمها، و((أن)) قالوا : فى تأويل المصدر ، وهو الاسم فها اسم كان وخبرها ، والمعنى : وما كان لهم قول إلا قول: (رَبَّنَا أَغْفِرْلَنَا ذُنُوبَنَا): ونظير هذا قوله تعالى: (فَمَاكَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ: إِلَّ أَنْ قَالُواْ) والجواب قول؛ وتقول: ما لفلان قول إلا قول: ((لا حول ولا قوة إلا بالله )) فلا تكرار أصلا . وأما قوله تعالى: (وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ) ٢٧٧ فهي من أشكل ما أورد ، ومما أعضل على الناس فهمها ، فقال كثير من أهل الإعراب والتفسير: إنه على التكرير المحض والتأكيد، قال الزمخشري : (مِّن قَبْلِهِ ) من باب التوكيد كقوله تعالى: (فَكَانَ ومعنى التوكيد فيه : الدلالة على ان عَقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِى النَّارِ خَلِدَيْنِ فِيَهَا ) عهدهم بالمطر قد تطاول وبعد فاستحكم بأسهم وتمادى إبلاسهم فكان الاستبشار بذلك على قدر اهتمامهم بذلك . هذا كلامه . وقد اشتمل على دعويين باطلتين : إحداهما : قوله : إنه من باب التكرير . (فَكَانَ عَقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِى النَّارِ والثانية تمثيله ذلك بقوله تعالى : خَالِدَيْنِ فِيهَا ) فإن ((فى)) الأولى على حد قولك زيد في الدار : أي حاصل أو كأن ، وأما الثانية فمعمولة للخلود وهو معنى آخر غير معنى مجرد الكون ، فلما اختلف العاملان ذكر الحرفين ، فلو اقتصر على أحدهما كان من باب الحذف لدلالة الآخر عليه ، ومثل هذا لا يقال له تكرار ، ونظير هذا أن تقول زيد فى الدار نائم فيها ، أو ساكن فيها، ونحوه مما هو جملتان مقيدتان بمعنيين . فليس من (مِن قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ ) وأما قوله : التكرار بل بحته معنى دقيق ! والمعنى فيه : وإن كانوا من قبل أن ينزل ٢٧٨ عليهم الودق من قبل هذا النزول لمبلسين ، فهنا قبليتان : قبلية لنزوله مطلقاً ، وقبلية لذلك النزول المعين أن لا يكون متقدماً على ذلك الوقت، فيئسوا قبل نزوله يأسين : يأساً لعدمه مرئياً ، ويأساً لتأخره عن وقته؛ فقبل الأولى ظرف لليأس ، وقبل الثانية ظرف المجيء والإنزال. ففي الآية ظرفان معمولان وفعلان مختلفان عاملان فيهما ، وهما الإنزال والإبلاس ، فأحد الطرفين متعلق بالإبلاس ، والثانى متعلق بالنزول ؛ وتمثيل هذا: أن تقول - إذا كنت معتاداً للعطاء من شخص فتأخر عن ذلك الوقت ثم أتاك به - قد كنت آيساً . ٢٧٩ سورة النور قال الشيخ الربانى والصديق الثانى : إمام الأئمة ومفتى الأمة : وبحر العلوم وبدر النجوم . وسند الحفاظ وفارس المعانى والألفاظ : وفريد العصر وأوحد الدهر : وشيخ الإسلام وإمام الأئمة الأعلام : وعلامة الزمان وترجمان القرآن : وعلى الزهاد وأوحد العباد وقامع المبتدعين وآخر المجتهدين البحر الزاخر والصارم الباتر : أبو العباس تقى الدين أحمد بن شهاب الدين أبى المحاسن عبد الحليم بن شيخ الإسلام مجد الدين أبي البركات عبد السلام بن أبى محمد عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر علي بن عبد الله بن تيمية الحراني قدس الله روحه ونور ضريحه ورحمه ورضى عنه وأرضاه : ٢٨٠