Indexed OCR Text

Pages 221-240

وقال شيخ الإسلام
قوله عز وجل: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ ) الآيتين.
لفظ ((الإنزال)) فى القرآن يرد ((مقيداً)) بأنه منه كالقرآن، وبالإنزال من
السماء، ويراد به العلو كالمطر، و ((مطلقاً)) فلا يختص بنوع ؛ بل
يتناول إنزال الحديد من الجبال ، والإنزال من ظهور الحيوان ، وغير
ذلك فقوله: ( نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ ) بيان لنزول جبريل به من
الله كقوله: (نَزَّلَ بِهِالرُّوحُ الْأَمِينُ) أي أنه مؤتمن لا يزيد ولا ينقص؛
فإن الخائن قد يغير الرسالة .
وفيها دلالة على أمور .
منها : بطلان قول من زعم خلقه فى جسم كالجهمية من المعتزلة
وغيرهم ؛ فإن السلف يسمون من قال بخلقه ونفى الصفات والرؤية
جهمياً ؛ فإن جهماً أول من ظهرت عنه بدعة نفى الأسماء والصفات وبالغ
في ذلك ، فله مزية المبالغة والابتداء بكثرة إظهاره ، وإن كان جعد
سبقه إلى بعض ذلك ، لكن المعتزلة وإن وافقوه فى البعض فهم يخالفونه
في مثل مسائل الإيمان والقدر وبعض الصفات، وجهم يقول إن الله لا
٢٢١

يتكلم أو يتكلم مجازا وم يقولون يتكلم حقيقة، ولكن قولهم فى المعنى
قوله . وهو ينفي الأسماء كالباطنية والفلاسفة .
ومنها : بطلان قول من زعم أنه فاض من العقل الفعال أو غيره ، وهذا
أعظم كفراً وضلالا من الذي قبله .
ومنها إبطال قول الأشعرية إن كلام الله معنى وهذا العربي خلق
ليدل عليه ، سواء قالوا : خلق فى بعض الأجسام، أو ألهمه جبريل ،
أو أخذه من اللوح . فإن هذا لا بد له من متكلم تكلم به أولا ،
وهذا يوافق قول من قال إنه مخلوق ؛ لكن يفارقه من وجهين .
أحدهما : أن أولئك يقولون المخلوق كلام الله وهؤلاء يقولون إنه
كلام مجازاً، وهذا أشر من قول المعتزلة ؛ بل هو قول الجهمية المحضة ؛
لكن المعتزلة يوافقونهم فى المعنى.
الثانى: أنهم يقولون لله كلام قائم بذاته والخلقية يقولون لا يقوم
بذاته ؛ فإن الكلابية خير منهم فى الظاهر ؛ لكن فى الحقيقة لم يثبتوا
كلاما له غير المخلوق .
والمقصود أن الآية تبطل هذا و (الْقُرْءَانَ ) اسم للعربي ، لقوله :
( فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ). وأيضا فقوله: ( نَزَّلَهُ) عائد إلى قوله: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ
٢٢٢

بِمَا يُنَزِّدُ ) فالذي نزله الله هو الذي نزله روح القدس ، وأيضاً
قال: ( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ) الآية، وهم يقولون: إنما يعلم هذا
القرآن العربى بشر لقوله: (لِسَابُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ)- إلخ، فعلم
أن محمداً لم يؤلف نظا بل سمعه من روح القدس ، وروح القدس الذي
نزل به من الله، فعلم أنه سمعه منه ، لم يؤلفه هو .
ونظيرها قوله: (وَهُوَ اُلَّذِىّ أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَبَ مُفَصَّلًا) و
((الكتاب)) اسم للقرآن بالضرورة والاتفاق؛ فإنهم أو بعضهم يفرقون
بين كتاب الله وكلامه، ولفظ ((الكتاب)) يراد به المكتوب فيه ،
فيكون هو الكلام، ويراد به ما يكتب فيه، كقوله : (فِي كِتَبٍ مَكْنُونٍ )
وقوله: (وَتُخِيجُ لَهُ يَوْمَالْقِيْمَةِ كِتَبًا يَلْقَنَّهُ مَنشُورًا) وقوله: (يَعْلَمُونَ
أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَّبِّكَ بِالْخِّ ) أخبار مستشهد بهم ثمن لم يقر به منا فهم خير
منه من هذا الوجه .
وهذا لا ينافى ما جاء عن ابن عباس وغيره : أنه أنزل في ليلة القدر
إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ولا ينافى أنه مكتوب فى اللوح قبل
نزوله ، سواء كتبه الله قبل أن يرسل به جبريل، أو بعده. فإذا أنزل
جملة إلى بيت العزة فقد كتبه كله قبل أن ينزله، والله يعلم ما كان وما
يكون ، ومالا يكون لو كان كيف يكون وهو قد كتب المقادير وأعمال
العباد قبل أن يعملوها ، ثم يأمر بكتابتها بعد أن يعملوها ، فيقابل بين
٢٢٣

الكتابة المتقدمة والمتأخرة فلا يكون بينهما تفاوت ، هكذا قال ابن عباس
وغيره . فإذا كان ما يخلقه بائناً عنه قد كتبه قبل أن يخلقه فكيف لا
يكتب كلامه الذي يرسل به ملائكته قبل أن يرسلهم ؟.
ومن قال : إن جبرائيل أخذه عن الكتاب لم يسمعه من الله فهو
باطل من وجوه .
منها : أنه سبحانه كتب التوراة لموسى بيده ، فبنوا إسرائيل
أخذوا كلامه من الكتاب الذي كتبه ومحمد عن جبريل عن الكتاب فهم
أعلى بدرجة ، ومن قال : إنه ألقى إلى جبريل معاني وعبر بالعربي فمعناه
أنه ألهمه إلهاما، وهذا يكون لآحاد المؤمنين، كقوله: ( وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى
اُلْحَوَارِّعْنَ أَنْ ءَامِنُواْبِى وَبِرَسُولِ )
(وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّمُوسَىّ ) فيكون
هذا أعلى من أخذ محمد صلى الله عليه وسلم .
(إِنَّا أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَا أَوْ حَيْنَآ إِلَى نُوح
وأيضاً : فإنه سبحانه قال :
وَالنَّبِنَ مِنْ بَعْدِهِ - إلى قوله - وَكَلَّمَ اَللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) وهذا يدل
على أمور: على أنه يكلم العبد تكليما زائداً على الوحي الذي هو قسيم
التكليم الخاص
فإن لفظ التكليم والوحي كل منهما ينقسم إلى عام وخاص فالتكليم
٢٢٤

(وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلََّ وَحْيًا
العام هو المقسوم فى قوله :
أَوْ مِن وَرَآءٍحِجَابٍ ) الآية . فالتكليم المطلق قسيم الوحي الخاص ، لا
قسما منه ، وكذلك الوحي يكون عاما فيدخل فيه التكليم الخاص ،
كقوله: (فَأَسْتَمِعْ لِمَايُوحَىّ). ويكون قسيما له كما فى الشورى،
وهذا يبطل قول من قال: إنه معنى واحد قائم بالذات ، فإنه لا فرق بين
العام وما لموسى. وفرق سبحانه فى ((الشورى)) بين الإيحاء وبين
التكليم من وراء حجاب وبين إرسال رسول فيوحى بإذنه ما يشاء .
٢٢٥

سورة الإسراء
وقال شيخ الإسلام رحمه الله
فى الكلام على قوله تعالى: (قُلِ أَدْعُواْالَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ )
الآيتين ، لما ذكر أن من السلف من ذكر أنهم من الملائكة ، ومهم
من ذكر أنهم من الإنس ، ومنهم من ذكر أنهم من الجن .
لفظ السلف يذكرون جنس المراد من الآية على التمثيل ، كما يقول
الترجمان لمن سأله عن الخبز فيريه رغيفاً ، والآية هنا قصد بها التعميم
لكل ما يدعى من دون الله، فكل من دعا ميتاً أو غائباً من الأنبياء
والصالحين . سواء كان بلفظ الاستغاثة أو غيرها فقد تناولته هذه الآية
كما تتناول من دعا الملائكة والجن ، ومعلوم أن هؤلاء يكونون وسائط
فيما يقدره الله بأفعالهم، ومع هذا فقد نهى عن دعائهم، وبين أنهم
لا يملكون كشف الضر عن الداعين ولا تحويله ، لا يرفعونه بالكلية ،
ولا يحولونه من موضع إلى موضع ، أو من حال إلى حال ، كتغيير صفته
أو قدره، ولهذا قال: (وَلَا تَحْوِيلًا ) فذكر نكرة تعم أنواع التحويل.
٢٢٦

وقال تعالى: (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِحَالٍ مِّنَ آلْجِنِّفَزَادُوهُمْ رَهَقًّا)
كان أحدهم إذا نزل بواد يقول: أعوذ بعظيم هذا
الوادي من سفهاته ، فقالت الجن : الإنس تستعيذ بنا ، فزادوم رهقاً ،
وقد نص الأئمة - كأحمد وغيره - على أنه لا تجوز الاستعاذة بمخلوق
وهذا مما استدلوا به على أن كلام الله غير مخلوق ، لما ثبت عنه صلى
الله عليه وسلم: أنه استعاذ بكلمات الله. وأمر بذلك ، فإذا كان لا يجوز
ذلك ، فلأن لا يجوز أن يقول: أنت خير مستعاذ يستعاذ به أولى .
فالاستعاذة ، والاستجارة، والاستغاثة : كلها من نوع الدعاء ، أو الطلب،
وهي ألفاظ متقاربة .
ولما كانت الكعبة بيت الله الذي يدعى ويذكر عنده، فإنه سبحانه
يستجار به هناك، وقد يستمسك بأستار الكعبة كما يتعلق المتعلق بأذيال
من يستجير به ، كما قال عمرو بن سعيد: إن الحرم لا يعيذ عاصياً ولا
فاراً بهم ولا فاراً بخربة. وفى الصحيح: ((يعوذ عائد
بهذا البيت)).
والمقصود : أن كثيراً من الضالين يستغيثون بمن يحسنون به الظن ،
ولا يتصور أن يقضي لهم أكثر مطالبهم ، كما أن ما تخبر به الشياطين
من الأمور الغائبة [ يَكْذِبُونَ ] في أكثره ؛ بل يصدقون في واحدة
ويكذبون فى أضعافها ، ويقضون لهم حاجة واحدة ويمنعونهم أضعافها ،
٢٢٧

يكذبون فيما أخبروا به وأعانوا عليه، لإفساد حال الرجال في الدين والدنيا
ويكون فيه شبهة للمشركين ، كما يخبر الكاهن ونحوه .
والله سبحانه جعل الرسول مبلغاً لأمره ونهيه ووعده ووعيده ،
وهؤلاء يجعلون الرسل والمشايخ يدبرون العالم بقضاء الحاجات وكشف
الكربات ، وليس هذا من دين المسلمين ، بل النصارى تقول هذا فى
المسيح وحده بشبهة الاتحاد والحلول ، ولهذا لم يقولوه فى إبراهيم وموسى
وغيرهم ، مع أنهم فى غاية الجهل في ذلك ، فإن الآيات التى بعث بها
موسى أعظم ، ولو كان هذا ممكناً لم يكن للمسيح خاصية به : بل
موسى أحق .
ولهذا كنت أتنزل مع علماء النصارى إلى أن أطالبهم بالفرق بين
المسيح وغيره من جهة الإلهية فلا يجدون فرقا ، بل أبين لهم أن ما
جاء به موسى من الآيات أعظم ، فإن كان حجة فى دعوى الإلهية فموسى
أحق ، وأما ولادته من غير أب فهو يدل على قدرة الخالق ، لا على أن
المخلوق أفضل من غيره .
٢٢٨

سورة الكهف
فصل
حديث علي رضي الله عنه المخرج فى الصحيحين لما طرقه رسول الله
صلى الله عليه وسلم وفاطمة وهما نائمان، فقال: ((ألا تصليان؟)) فقال
على : يارسول الله إنما أنفسنا بيد الله إن شاء أن يمسكها وإن شاء أن
يرسلها . فولى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يضرب بيده على هذه،
ويعيد القول ، ويقول: (وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَشَىْءٍ جَدَلًا ).
هذا الحديث نص فى ذم من عارض الأمر بالقدر ؛ فإن قوله :
((إنما أنفسنا بيد الله)) إلى آخره. استناد إلى القدر في ترك امتثال
الأمر ، وهي فى نفسها كلمة حق ؛ لكن لا تصلح المعارضة الأمر بل
معارضة الأمر بها من باب الجدل المذموم الذي قال الله فيه : ( وَكَانَ
الْإِنسَنُ أَكْثَرَشَىْءٍ جَدَلًا ) وهؤلاء أحد أقسام القدرية وقد صنفتهم فى غير
هذا الموضع . فالمجادلة الباطلة (١).
(١) بياض بالاصل .
٢٢٩

سورة مريم
قال شيخ الإسلام وحمد الله
فصل
((سورة مريم)) مضمونها: تحقيق عبادة الله وحده، وأن
خواص الخلق ثم عباده ، فكل كرامة ودرجة رفيعة فى هذه الإضافة،
وتضمنت الرد على الغالين الذين زادوا فى النسبة إلى الله حتى نسبوا
إليه عيسى بطريق الولادة ، والرد على المفرطين فى تحقيق العبادة وما
فيها من الكرامة، وجحدوا نعم اللّه التى أنعم بها على عباده المصطفين.
افتتحها بقوله: (ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُزَكَرِيَّ)، وندائه ربه
نداء خفياً ، وموهبته له يحيى ، ثم قصة حريم وابنها، وقوله : ( إِنّ
عَبْدُ اللَّهِ) .. الخ بين فيها الرد على الغلاة فى المسيح، وعلى الجفاة
النافين عنه ما أنعم الله به عليه ، ثم أحر نبيه بذكر إبراهيم وما دعا
إليه من عبادة الله وحده ، ونهيه إياه عن عبادة الشيطان، وموهبته
٢٣٠

له إسحاق ويعقوب ، وأنه جعل له لسان صدق علياً ، وهو الثناء
الحسن ، وأخبر عن يحيى وعيسى وإبراهيم ببر الوالدين مع التوحيد ،
وذكر موسى ومن هبته له أخاه هارون نبياً ، كما وهب يحيى لز كريا
وعيسى لمريم وإسحاق لإبراهيم .
فهذه السورة (( سورة المواهب )) وهي ما وهبه الله لأنبيائه من
الذرية الطيبة ، والعمل الصالح ، والعلم النافع، ثم ذكر ذرية آدم لأجل
إدريس، (وَمِمَنْ حَمَلْنَامَعَ نُوج ): وهو إِبراهيم ومن ذرية إبراهيم
وإسرائيل إلى آخر القصة .
ثم قال: (فَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفُّ أَضَاعُوْ الصَّلَوَةَ وَتَّبَعُوْ الشَّهَوَتِ )
الآية. فهذه حال المفرطين فى عبادة الله، ثم استثنى التائبين
وبين أن الجنة لمن تاب ، وأن جنات عدن وعدها الرحمن عباده بالغيب
وثم أهل تحقيق العبادة، ثم قال: (تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِ نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن
كَانَ تَقِيًّا ) ثم قال: (فَأَعْبُدْهُ وَأَصْطَبِرْ لِعِبَدَتِهِ ) .
ثم ذكر حال منكري المعاد وحال من جعل له الأولاد ، وقرن
بيها فيما رواه البخاري من حديث أبي هريرة: ((كذبني ابن آدم وما
ينبغي له ذلك ، وشتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك))، الحديث .
ثم ذكر إقسامه على
( وَيَقُولُ اَلْإِنسَنُ أَءِذَا مَامِثُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيَّا )
٢٣١

حشدهم والشياطين ، وإحضارهم حول جهنم جئياً ، وفيها دلالة على أن
المخبر عن خبر يحصل فى المستقبل لا يكون إلا بطريقين : إما اطلاعه
على الغيب ، وهو العلم بما سيكون ؛ وإما أن يكون قد اتخذ عند الرحمن
عهداً، والله موف بعهده ، فالأول علم بالخبر والثاني علم بالأمر . الأول
على بالكلمات الكونية ، والثاني على بالكلمات الدينية ، وهذا الذي أقسم
أنه يأتى يوم المعاد ما ذكر كاذب فى قسمه ، فإنه ليس له اطلاع على
الغيب ، ولا اتخذ عند الرحمن عهداً .
وهذا كما قيل في إجابة الدعاء : أنه تارة يكون لصحة الاعتقاد ،
وهو مطابقة الخبر ، وتارة لكمال الطاعة وهو موافقة الأمر ، كقوله :
( فَلْيَسْتَجِيبُواْلِى وَلْيُؤْمِنُواْبِى ). فذكر حال من تمنى على الله الباطل
بلا علم بالواقع ، ولا اتخاذ عهد بالمشروع .
ثم ذكر حال الذين قالوا اتخذ الرحمن ولداً ، فنفى الولادة عن
نفسه، ورد على من أثبتها ، وأثبت المودة رداً على من أنكرها ،
فقال: ( سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدَّا) أي يحبهم، ويحببهم إلى عباده،
وقد وافق ذلك ما فى الصحيحين: ((إذا أحب الله العبد نادى جبريل
إنى أحب فلاناً فأحبه ، فيحبه جبريل ، ثم ينادي في السماء: إن الله
يحب فلاناً فأحبوه ، فيحبه أهل السماء، ويوضع له القبول فى الأرض))
٢٣٢

وقال فى البغض عكس ذلك .
وفى قول إبراهيم : ( إِنَّهُ كَانَ بِىِ حَفِيًّا ) وقوله فى موسى :
وما ذكره للمؤمنين
(وَتَدَيْنَهُ مِن جَانِبِ الْعُورِالْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَهُ نِيًّا)
من المودة : إثبات لما ينكره الجاحدون من محبة الله وتكليمه ، كما في
الأول نفى لما يثبته المفترون من اتخاذ الولد .
٢٣٣

سئل رضى الله عنه
( ◌َلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفُ أَضَاعُواْالصَّلَوَةَ وَأَتَّبَعُواْ
عن قوله عز وجل :
هل ذلك فيمن أضاع وقتها
الشَّهَوَتِّ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا )
فصلاها فى غير وقتها ، أم فيمن أضاعها فلم يصلها ، وقوله تعالى :
( فَوَيْلٌ لِلْمُصَلّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ) هل هو عن فعل
الصلاة أو السهو فيها كما جرت العادة من صلاة الغفلة الذين لا يعقلون
من صلاتهم شيئاً؟ أفتونا مأجورين .
فأجاب رضى الله عنه: الحمد لله رب العالمين. بل المراد بهاتين
الآيتين من أضاع الواجب في الصلاة لا مجرد تركها ، هكذا فسرها
الصحابة والتابعون وهو ظاهر الكلام، فإنه قال: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلّينَ
اُلَّذِينَ هُمْ عَنِ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ) فأثبت لهم صلاة وجعلهم ساهين عنها ،
*
فعلم أنهم كانوا يصلون مع السهو عنها ، وقد قال طائفة من السلف :
بل هو السهو عما يجب فيها مثل ترك الطمأنينة ، وكلا المعنيين حق،
والآية تتناول هذا وهذا ، كما في صحيح مسلم عن أنس عن النبي صلى
الله عليه وسلم أنه قال: ((تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق ،
٢٣٤

تلك صلاة المنافق ، يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرنى شيطان قام
فنقرها أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلا)).
فبين النبي صلى الله عليه وسلم فى هذا الحديث أن صلاة المنافق
تشتمل على التأخير عن الوقت الذي يؤمر بفعلها فيه ، وعلى النقر الذي
لا يذكر الله فيه إلا قليلا، وهكذا فسروا قوله: (غَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفُ
بأن إضاعتها تأخيرها عن وقتها
أَضَاعُواْ الصَّلَوةَ وَأَتَّبَعُواْ الشَّهَوَتِ )
وإضاعة حقوقها، وجاء فى الحديث: ((إن العبد إذا قام إلى الصلاة
بطهورها وقراءتها وسجودها - أو كما قال ــ صعدت ولها برهان
كبرهان الشمس تقول له : حفظك الله كما حفظني وإذا لم يتم طهورها
وقراءتها وسجودها - أو كما قال - فإنها تلف كما يلف الثوب وتقول
له : ضيعك الله كما ضيعتنى)) قال سلمان الفارسى : الصلاة مكيال من
وفى وفى له ، ومن طفف فقد علمتم ما قال فى المطففين . وفي سنن أبى
داود عن عمار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن العبد
لينصرف من صلاته ولم يكتب له إلا نصفها، إلا ثلثها ، إلا ربعها ، إلا
خمسها إلا سدسها، إلا سبعها، إلا ثمنها، إلا تسعها، إلا عشرها)).
وقد تنازع العلماء فيمن غلب عليه الوسواس فى صلاته هل عليه
الإعادة على قولين .
لكن الأئمة كأحمد وغيره على أنه لا إعادة عليه ، واحتجوا بما في
٢٣٥

الصحيح عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا
أذن المؤذن أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضى
التأذين أقبل ، فإذا ثوب بالصلاة أدبر ، فإذا قضى التشويب أقبل حتى
يخطر بين المرء ونفسه، فيقول: اذكر كذا اذكر كذالما لم يكن يذكر
حتى بضل الرجل لن يدرى (١) كم صلى، فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد
سجدتين قبل أن يسلم )). فقد عم بهذا الكلام ولم يأمر أحداً بالإعادة.
و ((الثانى)) عليه الإعادة ، وهو قول طائفة من العلماء : من الفقهاء
والصوفية من أصحاب أحمد وغيره كأبى عبد الله بن حامد وغيره لما تقدم
من قوله ولم يكتب له منها إلا عشرها .
والتحقيق أنه لا أجر له إلا بقدر الحضور ؛ لكن ارتفعت عنه
العقوبة التى يستحقها تارك الصلاة ، وهذا معنى قولهم : تبرأ ذمته بها ،
أي : لا يعاقب على الترك ، لكن الثواب على قدر الحضور ، كما قال
ابن عباس : ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها ، فلهذا شرعت
السنن الرواتب جبراً لما يحصل من النقص فى الفرائض والله أعلم .
(١) هكذا ورد في المطبوع ولفظ البخاري في المجلد الأول ص ٢٠٦
حديث ٦٠٨ ( حتى يظل الرجل لا يدري )
٢٣٦

سورة ط
وقال شيخ الإسلام رحمه الله
فصل
((سورة طه)) مضمونها تخفيف أمر القرآن وما أنزل الله تعالى
من كتبه، فهي ((سورة كتبه)) - كما أن مريم ((سورة عباده ورسله)) -
افتتحها بقوله: (مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَىَّ) .. إلى قوله: (تَنزِيلًا
مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَوَتِ الْعُلَى ).
ثم ذكر قصة موسى ، ونداء
الله له، ومناجاته إياه، وتكليمه له، وقصته من أبلغ أمر الرسل ، فلهذا
ثنيت فى القرآن ؛ لأنه حصل له الخطاب والكتاب ، وأرسل إلى فرعون
الجاحد المرتاب ، المكذب للربوبية والرسالة ، وهذا أعظم الكافرين
عناداً ، واستوفى القصة في هذه السورة إلى قوله : (رَبِّ زِدْنِ عِلْمًا )
ثم ذكر قصة آدم ؛ لأنها أول النبوات .
وتضمنت السورة ذكر موسى وآدم لما بينها من المناسبة مما يقتضي
٢٣٧

ذكرهما ، ولما بينها من المناظرة ، فإن موسى نظير آدم في الأمر الذي
[ صار] لكل منهما ، كما أن المسيح نظير آدم فى الخلق، وقوله: ( فَإِمَّا
يَأَئِنَّكُمْ مِّنِّى هُدَّى) الآيات ، وهذا يشابه ما فى القرآن فى غير موضع
من ذكر نبوة آدم ثم نبوة موسى بعده ، وأمر بنى إسرائيل ثم أمر
نبيه بالصلاة التى فى القرآن ، كما جمع بين الأمرين بالقراءة والسجود في
أول سورة أنزلت ، وختمها بالرسول المبلغ لكل ما أمر به، كما افتحها
بذكر التنزيل عليه.
٢٣٨

وقال
فصل
((فى طريقتى العلم والعمل))
(فَقُولَا لَّهُ قَولَاً لَّيْنَا لَّعَلَّهُ يَنَّذَكَّرُ
قال الله تعالى لموسى وهارون :
أَوْيَخْشَى ) وقال فى السورة بعينها (كَذَلِكَ نَقُصُ عَلَيَّكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَاقَدْ سَبَقَّ وَقَدْ
ءَانَيْنَكَ مِن ◌َّدُنَّا ذِكْرًا ) إلى قوله: (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَهُ قُرْءَانًا عَرَبِبًا وَصَرَّفْنَافِيهِ مِنَ
الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ مُحْدِثُ لَمْ ذِكْرًا ).
فذكر فى كل واحدة من الرسالتين العظيمتين - رسالة موسى
ورسالة محمد - أن ذلك لأجل التذكر أو الخشية، ولم يقل: ليتذكر
ويخشى ، ولا قال : ليتقون ويحدث لهم ذكراً ؛ بل جعل المطلوب
أحد الأمرين، وهذا مطابق لقوله: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ
اُلْحَسَنَةِ ) ونحو ذلك .
٢٣٩

وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: نعم العبد صهيب، لو لم
يخف اللّه لم يعصه، وذلك يرجع إلى تحقيق قوله: (صِرَطَ الَّذِينَ
أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّآلِينَ) وقوله: (وَتَوَاصَوْاْ
بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْبِالصَّبْرِ ) وقوله: (أُوْلِ الْأَيْدِى وَالْأَبْصَرِ ) وقوله :
(أُوْلَئِكَ عَلَى هُدَى مِّن رَّبِهِمَّ وَأُوْلَبِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) وقوله: (إِنَّ
وقوله : (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ فَلاَ يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى *
اُلْمُجْرِمِينَ فِضَلَلٍ وَسُعٍُ )
وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّلَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وََحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى)
الآية ونحو ذلك .
وسبب ذلك أن الخير إما بمعرفة الحق واتباعه فى العلم والعمل جميعاً
صلاح القول والعمل : العلم والإرادة . والعلم أصل العمل [و] أصل
الإرادة والمحبة وغير ذلك ، وهو مستلزم له ما لم يحصل معارض مانع .
فالعلم بالحق يوجب اتباعه إلا لمعارض راجح : مثل اتباع الهوى بالاستكبار
ونحوه، كمال الذين قال الله فيهم: (سَأَصْرِفُ عَنْءَايَتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبُّونَ
فِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْأْ كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْأْ سَبِيلَ الرُّشْدِلَا
يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَ إِن يَرَوْ سَبِيلَ اُلْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا)
وقال: (وَحَحَدُ واْبِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا) وقال: (فَإِنَّهُمْ
لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الَّلِينَ بِعَايَتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) ولهذا قال: (يَدَاوُدُ
٢٤٠