Indexed OCR Text

Pages 201-220

( قلت ) : القول الصواب هو قول أئمة السلف - قول مجاهد
ونحوه - فإنهم أعلم بمعانى القرآن . لا سيما مجاهد . فإنه قال : عرضت
المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته أقفه عند كل آية وأسأله
عنها )). وقال الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد خمسبك به . والأئمة
كالشافعي ، وأحمد ، والبخاري ، ونحوهم ، يعتمدون على تفسيره .
والبخاري فى صحيحه أكثر ما ينقله من التفسير ينقله عنه . والحسن
البصري أعلم التابعين بالبصرة . وما ذكروه عن مجاهد ثابت عنه ، رواه
الناس كابن أبى حاتم وغيره. من تفسير ورقاء، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد
فى قوله (هَذَاصِرَاطُ عَلَىَّ مُسْتَقِيمُ ) : الحق يرجع إلى الله وعليه طريقه
لا يعرج على شيء. وذكر عن قتادة أنه فسرها على قراءته - وهو
يقرأ ((علي)) - فقال : أي رفيع مستقيم .
وكذلك ذكر ابن أبى حاتم عن السلف أنهم فسروا آية النحل .
فروى من طريق ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله (قَصْدُ
السَّبِيلِ )، قال: طريق الحق على الله. قال: وروى عن السدى أنه
قال : الإسلام . وعطاء قال : هي طريق الجنة .
فهذه الأقوال - قول مجاهد، والسدى، وعطاء - في هذه الآية
هي مثل قول مجاهد، والحسن ، فى تلك الآية .
وذكر ابن أبى حاتم من تفسير العوفي ، عن ابن عباس ، في قوله
٢٠١

(وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ)، يقول: على اللّه البيان - أن يبين
الهدى والضلالة .
وذكر ابن أبى حاتم فى هذه الآية قولين، ولم يذكر فى آية الحجر
إلا قول مجاهد فقط .
وابن الجوزي لم يذكر في آية النحل إلا هذا القول الثانى ، وذكره
عن الزجاج، فقال: (وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ) القصد: استقامة الطريق
- بقال : طريق قصد، وقاصد ، إذا قصد بك إلى ما تريد، قال
الزجاج : المعنى ، وعلى الله تبيين الطريق المستقيم والدعاء إليه
بالحجج والبراهين.
وكذلك الثعلى، والبغوي، ونحوهما ، لم يذكروا إلا هذا القول
لكن ذكروه باللفظين.
قال البغوي : يعنى بيان طريق الهدى من الضلالة . وقيل: بيان
الحق بالآيات والبراهين .
قال : والقصد: الصراط المستقيم، (وَمِنْهَا جَآبِرٌ ) : يعنى ومن
السبيل ماهو بئر عن الاستقامة معوج . فالقصد من السبيل : دين
الإسلام ، والجائر منها : اليهودية ، والنصرانية ، وسأر ملل الكفر.
٢٠٢

قال جابر بن عبد الله: قصد السبيل: بيان الشرائع والفرائض . وقال
عبد الله بن المبارك، وسهل بن عبد اللّه: قصد السبيل: السنة، (وَمِنْهَا
جَآيِرُ): الأهواء والبدع. دليله: قوله تعالى (وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا
فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَنَّبِعُواْ السُّبُلَ فَنَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ) .
ولكن البغوي ذكر فيها القول الآخر ، ذكره فى تفسير قوله تعالى
( إِنَّعَلَيْنَا لَلْهُدَى) - عن الفراء، كما سيأتى. فقد ذكر القولين
فى الآيات الثلاث تبعاً لمن قبله ، كالتعلى وغيره .
والمهدوى ذكر في الآية الأولى قولين من الثلاثة ، وذكر في الثانية
ما رواه العوفى، وقولا آخر. فقال :
قوله (قَالَ هَذَاصِرَّبِأُ عَلَى مُسْتَقِيمُ ) ، أي على أمري وإرادنى.
وقيل: هو على التهديد، كما يقال ((علي طريقك وإلي مصرك)).
وقال في قوله: (وَعَلَى اللَّهِقَصْدُ السَّبِيلِ): قال ابن عباس: أي
بيان الهدى من الضلال. وقيل: السبيل الإسلام، (وَمِنْهَا جَآَبِرُ )،
أي ومن السبيل جائر أي عادل عن الحق. وقيل المعنى ((وعنها جائر))
أي عن السبيل، فـ ((من)) بمعنى ((عن)).
وقيل : معنى قصد السبيل : سيركم ورجوعكم ، والسبيل واحدة
بمعنى الجمع.
٢٠٣

قلت: هذا قول بعض المتأخرين - جعل ((القصد)) بمعنى
((الإرادة))، أي عليه قصدكم للسبيل فى ذهابكم ورجوعكم . وهو كلام
من لم يفهم الآية. فإن ((السبيل القصد)) هي السبيل العادلة ، أي عليه
السبيل القصد. و((السبيل)) اسم جنس، ولهذا قال: (وَمِنْهَا جَآِرٌ).
أي عليه القصد من السبيل ، ومن السبيل بار. فأضافه إلى اسم الجنس
إضافة النوع إلى الجنس، أي ((القصد من السبيل))، كما تقول
((ثوب خز)). ولهذا قال: (وَمِنْهَا جَآَبِرُ ).
وأما من ظن أن التقدير ((قصدكم السبيل)) فهذا لا يطابق لفظ
الآية ونظمها من وجوه متعددة .
وابن عطية لم يذكر فى آية الحجر إلا قول الكسائى ، وهو أضعف
الأقوال ، وذكر المعنى الصحيح تفسيراً للقراءة الأخرى . فذكر أن
جماعة من السلف قرأوا (عَلَىَّ مُسْتَقِيرُ ) من العلو والرفعة . قال :
والإشارة بهذا على هذه القراءة إلى الإخلاص - لما استثنى إبليس
من أخلص قال الله له: هذا الإخلاص طريق رفيع مستقيم لا تنال أنت
بإغوائك أهله .
قال: وقرأ جمهور الناس (عَلَىَّ مُسْتَقِيهُ) . والإشارة بهذا على
هذه القراءة إلى انقسام الناس إلى غاو ومخلص. لما قسم إبليس هذين
٢٠٤

القسمين قال الله ((هذا طريق على))، أي هذا أمر إلي مصيره.
والعرب تقول ((طريقك فى هذا الأمر على فلان))، أي إليه بصير
النظر فى أمرك. وهذا نحو قوله (إِنَّرَبَّكَ لَبِأَ لْمِرْصَادِ ) . قال: والآية
على هذه القراءة خبر يتضمن وعيداً .
( قلت ) : هذا قول لم ينقل عن أحد من علماء التفسير - لا
فى هذه الآية ولا فى نظيرها. وإنما قاله الكسائى لما أشكل عليه معنى
الآية الذي فهمه السلف ، ودل عليه السياق والنظائر.
وكلام العرب لا يدل على هذا القول . فإن الرجل وإن كان
يقول لمن يتهدده ويتوعده ((علي طريقك)) فإنه لا يقول: إن
طريقك مستقيم .
وأيضاً فالوعيد إنما يكون للمسيء ، لا يكون للمخلصين . فكيف
يكون قوله هذا «إشارة إلى انقسام الناس إلى غاو ومخلص )) وطريق
هؤلاء غير طريق هؤلاء ؟ هؤلاء سلكوا الطريق المستقيم التى تدل
على الله، وهؤلاء سلكوا السبيل الجائرة.
وأيضاً فإنما يقول لغيره فى التهديد «طريقك علي)) من لا يقدر
عليه فى الحال لكن ذلك يمر بنفسه عليه وهو متمكن منه ، كما كان أهل
٢٠٥

المدينة يتوعدون أهل مكة بأن ((طريقكم علينا)) لما تهددوم بأنكم آويتم
محمداً وأصحابه . كما قال أبو جهل لسعد بن معاذ لما ذهب سعد إلى مكة
(( لا أراك تطوف بالبيت آمناً وقد آويتم الصباة وزعمتم أنكم تنصرونهم!))
فقال (( لئن منعتنى هذا لأمنعنك ما هو أشد عليك منه - طريقك على
المدينة )) ، أو نحو هذا .
فذكر أن طريقهم في متجرهم إلى الشام عليهم ، فيتمكنون حينئذ
من جزائهم .
ومثل هذا المعنى لا يقال فى حق اللّه تعالى. فإن الله قادر على
( وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن ◌َّنْ تُعْجِزَ اَللَّهَ فِي الْأَرْضِ
العباد حيث كانوا ، كما قالت الجن
وَلَن تُعْجِزَهُ هَرَبًا )، وقال (وَمَآ أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِى الْأَرْضِ )
وإذا كانت العرب تقول ما ذكره: يقولون («طريقك فى هذا الأمر
على فلان)) ، أي إليه يصير أمرك ، فهذا يطابق تفسير مجاهد وغيره
من السلف ، كما قال مجاهد: الحق يرجع إلى الله وعليه طريقه لا يعرج
على شيء . فطريق الحق على الله، وهو الصراط المستقيم الذي قال الله
فيه ( هَذَاصِرَاطُ عَلَىَّ مُسْتَقِيمُ ) كما فسرت به القراءة الأخرى.
فالصراط في القراءتين هذا الصراط المستقيم الذي أمر الله المؤمنين
٢٠٦

أن يسألوه إياه في صلاتهم، فيقولوا ( أَهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَطَ
الَّذِينَ أَنْعْمَتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَ الصَّالِينَ) . وهو الذي
وصى به في قوله (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَنَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ
بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ )
وقوله هذا إشارة إلى ما تقدم ذكره، وهو قوله (إِلَّعِبَادَكَ
مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) فتعبد العباد له بإخلاص الدين له : طريق يدل عليه،
وهو طريق مستقيم . ولهذا قال بعده (إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ
سُلْطَانُ )
وابن عطية ذكر أن هذا معنى الآية فى تفسير الآية الأخرى
مستشهداً به ، مع أنه لم يذكره فى تفسيرها . فهو بفطرته عرف أن
هذا معنى الآية ، ولكنه لما فسرها ذكر ذلك القول ، كأنه هو الذي
اتفق أن رأى غيره قد قاله هناك . فقال - رحمه الله .
وقوله (وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآِرُ ). وهذه أيضاً من
أجل نعم الله تعالى . أي على اللّه تقويم طريق الهدى وتبيينه - وذلك
بنصب الأدلة وبعث الرسل . وإلى هذا ذهب المتأولون .
قال : ويحتمل أن يكون المعنى أن من سلك السبيل القاصد فعلى الله
طريقه، وإلى ذلك مصيره. فيكون هذا مثل قوله (هَذَاصِرَ أُ عَلَىَ
٢٠٧

مُسْتَقِيؤً)، وضد قول النبى صلى الله عليه وسلم ((والشر ليس إليك))
أي لا يفضي إلى رحمتك . وطريق قاصد معناه : بين مستقيم قريب ،
ومنه قول الراجز :
بعيد عن نهج الطريق القاهد
قال: والألف واللام فى ((السبيل)) للعهد، وهي سبيل الشرع
وليست للجنس ، ولو كانت للجنس لم يكن منها جار . وقوله (وَمِنْهَا
جَِّرُ) يريد طريق اليهود ، والنصارى، وغيرهم كعباد الأصنام . والضمير
فى ((منها)) يعود على ((السبيل)) التى يتضمنها معنى الآية، كأنه قال
((ومن السبيل حار))، فأعاد عليها وإن كان لم يجر لها ذكر لتضمن
لفظة (( السبيل)) بالمعنى لها .
قال: ويحتمل أن يكون الضمير فى ((منها)) على ((سيل
الشرع)) المذكورة، ويكون ((من)) للتبعيض ، ويكون المراد فرق
الضلالة من أمة محمد - كأنه قال : ومن بنيات الطرق من هذه
السبيل ومن شعبها جائر .
( قلت ) : سبيل أهل البدع جارة خارجة عن الصراط المستقيم
فيما ابتدعوا فيه . ولا يقال إن ذلك من السبيل المشروعة .
٢٠٨

وأما قوله «إن قوله: (قَصْدُ السَّبِيلِ ) هي سبيل الشرع ، وهي
سبيل الهدى ، والصراط المستقيم . وأنها لو كانت للجنس لم يكن منها
جائر، فهذا أحد الوجهين فى دلالة الآية، وهو مرجوح. والصحيح
الوجه الآخر أن ((السبيل)) اسم جنس ، ولكن الذي على الله هو
القصد منها ، وهي سبيل واحد ، ولما كان جنساً قال (وَمِنْهَا جَآئِرٌ)،
والضمير يعود على ما ذكر بلا تكلف .
وقوله (( لو كان للجنس لم يكن منها جائر)، ليس كذلك . فإنها
ليست كلها عليه ، بل إنما عليه القصد منها ، وهي سبيل الهدى ،
والجائر ليس من القصد. وكأنه ظن أنه إذا كانت للجنس يكون عليه قصد
كل سبيل ، وليس كذلك . بل إنما عليه سبيل واحدة ، وهي الصراط
المستقيم - هي التى تدل عليه. وسائرها سبل الشيطان، كما قال
(وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَنَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ).
وقد أحسن - رحمه الله - فى هذا الاحتمال، وفى تمثيله ذلك
بقوله ( هَذَاصِرَطُ عَلَىَّ مُسْتَقِيرٌ).
وأما آية الليل - قوله (إِنَّعَلَيْنَا لَلْهُدَى ) - فابن عطية مثلها
بهذه الآية ، لكنه فسرها بالوجه الأول فقال :
٢٠٩

ثم أخبر تعالى أن عليه هدى الناس جميعاً ، أي تعريفهم بالسبل
كلها ومنحهم الإدراك، كما قال، (وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ)، ثم كل
أحد يتكسب ما قدر له . وليست هذه الهداية بالإرشاد إلى الإيمان ،
ولو كان كذلك لم يوجد كافر .
( قلت ) : وهذا هو الذي ذكره ابن الجوزي - وذكره
عن الزجاج . قال الزجاج : إن علينا أن نبين طريق الهدى من
طريق الضلال .
وهذا التفسير ثابت عن قتادة ، رواه عبد بن حميد . قال :
حدثنا يونس ، عن شيبان ، عن قتادة: (إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى)، علينا
بيان حلاله وحرامه ، وطاعته ومعصيته . وكذلك رواه ابن أبى حاتم في
تفسير سعيد ، عن قتادة فى قوله (إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى)، يقول : على
اللّه البيان - بيان حلاله وحرامه ، وطاعته ومعصيته .
لكن قتادة ذكر أنه البيان الذي أرسل الله به رسله وأنزل به
كتبه ، فتبين به حلاله وحرامه ، وطاعته ومعصيته .
وأما الثعلى ، والواحدي ، والبغوي ، وغيرهم ، فذكروا القولين
وزادوا أقوالا أخر . فقالوا ـ واللفظ للبغوي :
٢١٠

( إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى )، يعنى البيان . قال الزجاج : علينا أن نبين
طريق الهدى من طريق الضلالة . وهو قول قتادة ، قال : على الله
بيان حلاله وحرامه .
وقال الفراء : يعني من سلك الهدى فعلى الله سبيله، كقوله
تعالى (وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ)، يقول: من أراد الله فهو على
السبيل القاصد .
قال: وقيل معناه إن علينا للهدى والإضلال، كقوله ((بيدك الخير))
( قلت ) : هذا القول هو من الأقوال المحدثة التى لم تعرف عن
السلف ، وكذلك ما أشبهه . فإنهم قالوا : معناه بيدك الخير والشر ،
والنبي صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح يقول (( والخير بيديك،
والشر ليس إليك)).
واللّه تعالى خالق كل شيء - لا يكون فى ملكه إلا ما يشاء-
والقدر حق . لكن فهم القرآن ، ووضع كل شيء موضعه ، وبيان
حكمة الرب وعدله مع الإيمان بالقدر ، هو طريق الصحابة والتابعين
لهم بإحسان .
وقد ذكر المهدوى الأقوال الثلاثة ، فقال : إن علينا للهدى
٢١١

والضلال . فحذّ ف قتادة . المعنى : إن علينا بيان الحلال والحرام .
وقيل : المعنى إن علينا أن نهدى من سلك سبيل الهدى .
قلت : هذا هو قول الفراء ، لكن عبارة الفراء أبين في معرفة
هذا القول .
فقد تبين أن جمهور المتقدمين فسروا الآيات الثلاث بأن الطريق
المستقيم لا يدل إلا على الله. ومنهم من فسرها بأن عليه بيان الطريق
المستقيم. والمعنى الأول متفق عليه بين المسلمين .
وأما الثاني ، فقد يقول طائفة : ليس على الله شيء - لا بيان
هذا ، ولا هذا . فإنهم متنازعون هل أوجب على نفسه ، كما قال
(كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) وقوله (وَكَانَ حَقَّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)
وقوله (وَمَا مِن دَآبَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا)
وإذا كان عليه بيان الهدى من الضلال وبيان حلاله وحرامه وطاعته
ومعصيته فهذا يوافق قول من يقول : إن عليه إرسال الرسل ، وإن
ذلك واجب عليه ، فإن البيان لا يحصل إلا بهذا .
وهذا يتعلق بأصل آخر ، وهو أن كل ما فعله فهو واجب منه
٢١٢

أوجبته مشيئته وحكمته ، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن .
فما شاءه وجب وجوده وما لم يشأه امتنع وجوده . وبسط هذا له
موضع آخر .
ودلالة الآيات على هذا فيها نظر .
وأما المعنى المتفق عليه فهو مراد من الآيات الثلاث قطعاً ، وأنه
أرشد بها إلى [ الطريق ] المستقيم، وهي الطريق القصد، وهي الهدى
إنما تدل عليه - وهو الحق طريقه على الله لا يعرج عنه .
لكن نشأت الشبهة من كونه قال ((علينا)) بحرف الاستعلاء ، ولم
يقل ((إلينا)) والمعروف أن يقال لمن يشار إليه أن يقال (( هذه
الطريق إلى فلان))، ولمن يمر به ويجتاز عليه أن يقول ((طريقنا
على فلان )).
وذكر هذا المعنى بحرف الاستعلاء . وهو من محاسن القرآن
الذي لا تنقضي عجائبه ، ولا يشبع منه العلماء .
فإن الخلق كلهم مصيرهم ومرجعهم إلى اللّه على أي طريق سلكوا
(يَأَيُّهَا الْإِنسَنُ إِنَّكَ كَادِعُّ إِلَى رَبِّكَ كَدْحَا فَمُلَقِيهِ ) وقال
كما قال تعالى
( وَإِلَى اللَّهِالْمَصِيرُ)، (إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ) أي إلينا مرجعهم، وقال
٢١٣

( وَهُوَ الَّذِى يَتَوَفَّكُمْ بِالَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَاجَرَحْتُم بِالنَّهَارِثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىّ
أَجَلٌ مُسَمَّىٌ ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْ جِعُكُمْ ثُمَ يُنَبِّئُكُم بِمَاكُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * وَهُوَاَلْقَاهِرُ فَوْقَعِبَادِهِ،
وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ *
ثُمَّرُدُّوَاْإِلَى الَّهِ مَوْلَئُهُمُ الْحَقِّ)
وقال ( أَمْلَمْ يُنَّأْبِمَا فِ صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَهِيمَ الَّذِى وَفَّ * أَلَّانَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى
وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّمَاسَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّيُجْزَنُهُ الْجَزَاءَ الْأَوْنَى
وَأَنَّإِلَى رَبِّكَ الْمُنَهَى)
*
(وَإِمَّافِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِى نَعِلُهُمْ أَوْنَوَّنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْ جِعُهُمْ ثُمَّاللَّهُ شَهِيدُ
، وقال
عَلَى مَا يَفْعَلُونَ )
فأي سبيل سلكها العبد فإلى الله مرجعه ومنتهاه ، لا بد له من لقاء
الله ( لِيَجْزِىَ الَّذِينَ أَسَنُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْحُسْنَى)
وتلك الآيات قصد بها أن سبيل الحق والهدى ، وهو الصراط
المستقيم ، هو الذي يسعد أصحابه ، وينالون به ولاية الله ورحمته وكرامته
فيكون اللّه وليهم دون الشيطان. وهذه سبيل من عبد الله وحده
( وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ
،
وأطاع رسله . فلهذا قال (إِنَّعَلَيْنَا لَلَّهُدَى )
السَّبِيلِ ) (قَالَ هَذَاصِرَطُ عَلَّ مُسْتَقِيرٌ). فالهدى، وقصد السبيل
والصراط المستقيم ، إنما يدل على عبادته وطاعته - لا يدل على معصيته
وطاعة الشيطان .
٢١٤

فالكلام تضمن معنى ((الدلالة)) إذ ليس المراد ذكر الجزاء فى
الآخرة ، فإن الجزاء يعم الخلق كلهم . بل المقصود بيان ما أمر الله به
من عبادته وطاعته وطاعة رسله - ما الذي يدل على ذلك ؟ فكأنه
قيل : الصراط المستقيم يدل على الله - على عبادته وطاعته .
وذلك يبين أن من لغة العرب أنهم يقولون (« هذه الطريق على
فلان )) إذا كانت تدل عليه ، وكان هو الغاية المقصود بها ؛ وهذا غير
كونها ((عليه)) بمعنى أن صاحبها يمر عليه . وقد قيل :
عليها طريق أو على طريقها
فهن المنايا أي واد سلكته .
وهو كما قال الفراء : من سلك الهدى فعلى الله سبيله.
فالمقصود بالسبيل هو : الذي يدل ويوقع عليه ، كما يقال : إن
سلكت هذه السبيل وقعت على المقصود، ونحو ذلك، وكما يقال ((على
الخبير سقطت)) . فإن الغاية المطلوبة إذا كانت عظيمة فالسالك يقع
عليها ، ويرمي نفسه عليها .
وأيضا ، فسالك طريق الله متوكل عليه. فلا بد له من عبادته ومن
التوكل عليه .
فإذا قيل ((عليه الطريق المستقيم)) تضمن أن سالكه عليه يتوكل،
٢١٥

وعليه تدله الطريق ، وعلى عبادته وطاعته يقع ويسقط ، لا يعدل عن
ذلك ، إلى نحو ذلك من المعانى التى بدل عليها حرف الاستعلاء دون
حرف الغاية .
وهو سبحانه قد أخبر أنه على صراط مستقيم. فعليه الصراط المستقيم،
وهو على صراط مستقيم - سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً
كبيراً ، والله أعلم .
٢١٦

سورة النحل
قال شيخ الإسلام رحمه الله:
فصل
اللباس له منفعتان:
إحداهما : الزينة بستر السوءة .
والثانية : الوقاية لما يضر من حر أو برد أو عدو .
فذكر اللباس فى (سورة الأعراف ) لفائدة الزينة ، وهي المعتبرة
فى الصلاة والطواف ، كمادل عليه قوله: (خُذُواْزِينَتَّكُمْ عِندَكَلِّ مَسْجِدٍ )
وقال :
(يَبَنِىّءَادَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْلِبَاسًا يُؤَدِى سَوْءَاتِكُمْ)
وقال :
رداً على
( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِىَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَالطَّيِّبَتِ مِنَ الْرِزْقِ )
ما كانوا عليه في الجاهلية من تحريم الطواف في الثياب التى قدم بها
غير الخمس ، ومن أكل ما سلوه من الأدهان .
٢١٧

وذكره فى النحل لفائدة الوقاية فى قوله: (وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَبِيلَ تَقِيكُمُ
اَلْحَزَّوَسَرَبِيلَ تَّقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُنُِّ نِعْمَتَهُ، عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ)
ولما كانت هذه الفائدة حيوانية طبيعية لاقوام للإنسان إلا بها جعلها
من النعم ، ولما كانت تلك فائدة كمالية قرنها بالأمر الشرعى ، وتلك
الفائدة من باب جلب المنفعة بالتزين ، وهذه من باب دفع المضرة ،
فالناس إلى هذه أحوج .
فأما قوله: (سَرَبِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ) ولم يذكر ((البرد)) فقد قيل
لأن التنزيل كان بالأرض الحارة فهم يتخوفونه ، وقيل : حذف الآخر
للعلم به ، ويقال هذا من باب التنبيه ؛ فإنه إذا امتن عليهم بما بقي الحر
فالامتنان بما يقي البرد أعظم ، لأن الحر أذى ، والبرد بؤس ، والبرد
الشديد يقتل ، والحر قل أن يقع فيه هكذا ، فإن باب التنبيه والقياس كما
يكون فى خطاب الأحكام يكون فى خطاب الآلاء وخطاب الوعد والوعيد
مثله من
(لَاتَنِفِرُواْ فِى الْخَرُّقُلْ نَارُجَهَنَّمَ أَشَدُّحَرًّا )
كما قلته فى قوله :
يقول لا تنفروا فى البرد فإن جهم أشد زمهريراً، ((ومن اغبرت قدماه
فى سبيل الله حرمها الله على النار)) فالوحل والثلج أعظم ونحو ذلك.
وفى الآية شرع لباس جنن الحرب ؛ ولهذا قرن من قرن باب
اللباس والتحلي بالصلاة ، لأن للحرب لباسا مختصا مع اللباس المشترك ،
وطابق قولهم اللباس والتحلي قوله: (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ
٢١٨

وَلُؤْلُؤَّ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ) . وأحسن من هذا أنه قد تقدم ذكر وقاية
البرد فى أول السورة بقوله: (وَالْأَنْعَمَ خَلَقَهَأْلَكُمْ فِيهَا دِقْءٌ وَمَنَفِعُ
وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) فيقال لم فرق هذا ؟ فيقال والله أعلم: المذكور فى
أول السورة النعم الضرورية التى لا يقومون بدونها : من الأكل ،
وشرب الماء القراح ، ودفع البرد ، والركوب الذي لا بد منه في النقلة،
وفى آخرها ذكر كمال النعم : من الأشربة الطيبة ، والسكون فى البيوت
وبيوت الأدم ، والاستظلال بالظلال، ودفع الحر والبأس بالسرابيل . فإن
هذا يستغنى عنه فى الجملة . ففي الأول الأصول ، وفى الآخر الكمال ؛
ولهذا قال: (كَذَلِكَ يُنُِّّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ).
و ( أيضاً ): فالمساكن لها منفعتان: إحداهما السكون فيها لأجل
الاستتار ، فهي كلباس الزينة من هذا الوجه . والثانى: وقاية الأذى من
الشمس والمطر والريح ونحو ذلك ، فجمع الله الامتنان بهذين فقال :
( وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنَّا) هذه بيوت المدر (وَجَعَلَ لَكُمُ
هذه بيوت
مِّنْ جُلُودِ آلْأَنْعَمِ يُوتَّا تَسْتَخِقُونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ)
العمود (وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَنَا وَمَتَعًا إِلَى حِينٍ )
يدخل فيه أهبة البيت من البسط والأوعية والأغطية ونحوها ، وقال
(مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا) ولم يقل من المدر بيوتاً كما قال: (مِّن جُلُودٍ
اٌلْأَنْعَمِ بُيُوتًا) لأن السكن بيان منفعة البيت فيه تظهر النعمة، واتخاذ
٢١٩

البيوت من المدر معتاد فالنعمة بظهور أثرها ؛ بخلاف الأنعام ، فإن
الهداية إلى اتخاذ البيوت من جلودها أظهر من الهداية إلى نفس
اتخاذ البيوت.
(وَاَللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَلًا
وأما فائدة الوقاية فقال :
فالظلال بعم جميع ما يظل من
وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْفَنَّا )
العرش والفساطيط والسقوف مما يصطنعه الآدميون ، وقوله : ( مِّنَ
اَلْجِبَالِ أَكْثَنًا) لأن الجبل يكن الإنسان من فوقه ويمينه ويساره
وأسفل منه ، ليس مقصوده الاستظلال ؛ بخلاف الظلال فإن مقصودها
الاستظلال : ولهذا قرن بهذه ما فى السرابيل من منفعة الوقاية . مجمع في
هذه الآية بين وقابة اللباس المنتقل مع البدن ووقاية الظلال الثابتة على
الأرض؛ ولهذا كانوا فى الجاهلية يسوون بيها في حق المحرم، فكما
نهى عن تغطية الرأس نهوه عن الدخول تحت سقف حتى أنزل الله
(وَلَيْسَ أَلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْالْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا). وجاز للمحرم أن يستظل
بالثابت من الخيام والشجر ، وأما الشيء المنتقل معه المتصل كالمحمل ففيه
ما فيه لتردده بين السرابيل وبين المستقر من الظلال والأكنة .
كما أنه قبل هذه الآيات ذكر أصناف الأشربة من اللبن والخمر
والعسل ، وذكر فى أول السورة المراكب والأطعمة، وهذه مجامع
المطاعم والمشارب والملابس والمساكن والمراكب .
٢٢٠