Indexed OCR Text

Pages 161-180

فالمؤمنون داخلون فى الخطاب : (يَأَيُّهَا النَّاسُ )، وفى الخطاب. (يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُوا)، فالدعوة إلى الله تتضمن الأمر بكل ما أمر الله به، والنهي
عن كل ما نهى الله عنه ، وهذا هو الأمر بكل معروف ، والنهي
عن كل منكر .
والرسول صلى الله عليه وسلم قام بهذه الدعوة ، فإنه أمر الخلق
بكل ما أمر الله به ، ونهام عن كل ما نهى الله عنه: أمر بكل معروف
ونهى عن كل منكر. قال تعالى: (وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ
فَسَأَكْتُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَالَّذِينَ هُم بِثَايَئِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ
يَشَبِعُونَ الرَّسُولَ النَِّّ الْأُمِنَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْنُوبَا عِندَهُمْ فِ التَّوْرَةِ
وَآلْإِنِجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنَّهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ
وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبِثَ ) .
ودعوته إلى الله هي بإذنه لم يشرع ديناً لم يأذن به الله، كما قال
تعالى: ( إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ، وَسِرَاجًا
مُنِيرًا ) خلاف الذين ذمهم في قوله: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَؤُأُ شَرَعُواْ
لَهُم مِّنَ الّذِينِ مَا لَمْ يَأْذَنَّ بِهِ اللَّهُ )
وقد قال تعالى :
( قُلْ أَرَءَ يْتُمِ مَّا أَنزَلَ اللهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلًا قُلْءَاللَّهُ أَذِنَ
لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَغْتَرُونَ)
١٦١

ومما يبين ما ذكرناه : أنه سبحانه يذكر أنه أمره بالدعوة إلى الله
تارة، وتارة بالدعوة إلى سبيله، كما قال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ
بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) وذلك أنه قد علم أن الداعي الذى يدعو غيره
إلى أمر لا بد فيما يدعو إليه من أمرين :
((أحدهما)) المقصود المراد.
و ((الثانى)) الوسيلة والطريق الموصل إلى المقصود ؛ فلهذا يذكر
الدعوة تارة إلى الله وتارة إلى سبيله: فإنه سبحانه هو المعبود المراد
المقصود بالدعوة .
والعبادة : اسم يجمع غابة الحب له ، وغاية الذل له، فمن ذل لغيره
مع بغضه لم يكن عابداً، ومن أحبه من غير ذل له لم يكن عابداً، والله
سبحانه يستحق أن يحب غاية المحبة ؛ بل يكون هو المحبوب المطلق ،
الذي لا يحب شيء إلا له ، وأن يعظم وبذل له غاية الذل ؛ بل لايذل
لشيء إلا من أجله ، ومن أشرك غيره فى هذا وهذا لم يحصل له حقيقة
الحب والتعظيم ، فإن الشرك يوجب نقص المحبة .
قال تعالى : (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبٍّ اللَّهِ
أي أشد حباً لله من هؤلاء
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْأَشَدُّ حُبَّالِلَّهِ )
١٦٢

الأندادهم، وقال تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاَ رَّجُلًا فِيهِ شُرَّكَآءُ مُتَشَكِسُونَ وَرَجُلًا
، وكذلك الاستكبار يمنع حقيقة
سَلَمَّا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا )
الذل اللّه ؛ بل يمنع حقيقة المحبة لله ، فإن الحب التام يوجب الذل والطاعة
فإن المحبب لمن يحب مطيع .
ولهذا كان الحب درجات أعلاها ((التيم))، وهو التعبد وتيم الله
أي عبد الله ؛ فالقلب المتيم هو المعبد لمحبوبه ، وهذا لا يستحقه إلا
الله وحده .
والإسلام أن يستسلم العبد لله لا لغيره، كما ينبيء عنه قول: ((لا
إله إلا الله))، فمن استسلم له ولغيره فهو مشرك، ومن لم يستسلم له
فهو مستكبر ، وكلاهما ضد الإسلام . والشرك غالب على النصارى ومن
ضاهام من الضلال والمنتسبين إلى الأمة .
وقد بسطنا الكلام على ما يتعلق بهذا الموضع في مواضع متعددة.
وذلك يتعلق بتحقيق الألوهية للّه وتوحيده ، وامتناع الشرك،
وفساد السموات والأرض بتقدير إله غيره ، والفرق بين الشرك فى
الربوبية والشرك فى الألوهية ، وبيان أن العباد فطروا على الإقرار به
ومحبته وتعظيمه ، وأن القلوب لا تصلح إلا بأن تعبد الله وحده ، ولا
١٦٣

كمال لها ولا صلاح ولا لذة ولا سرور ولا فرح ولا سعادة بدون
ذلك ، وتحقيق الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين
والصديقين والشهداء والصالحين ، وغير ذلك مما يتعلق بهذا الموضع الذي
فى تحقيقه تحقيق مقصود الدعوة النبوية ، والرسالة الإلهية ، وهو لب
القرآن وزبدته ، وبيان التوحيد العلمي القولي ، المذكور فى قوله :
(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ * اَللَّهُ الصََّمَدُ) والتوحيد القصدي العملي المذكور فى
قوله تعالى: (قُلْ يَأَيُهَا الْكَفِرُونَ ) وما يتصل بذلك، فإن هذا
بيان لأصل الدعوة إلى اللّه وحقيقتها ومقصودها .
لكن المقصود فى الجواب ذكر ذلك على طريق الإجمال؛ إذ لايتسع
الجواب لتفصيل ذلك ، وكلما أحبه الله ورسوله من واجب ومستحب ،
من باطن وظاهر فمن الدعوة إلى الله الأمر به، وكلما أبغضه الله ورسوله
من باطن وظاهر ؛ فمن الدعوة إلى الله النهي عنه لا تتم الدعوة إلى الله
إلا بالدعوة إلى أن يفعل ما أحبه الله، ويترك ما أبغضه الله ، سواء كان
من الأقوال أو الأعمال الباطنة أو الظاهرة ، كالتصديق بما أخبر به
الرسول صلى الله عليه وسلم من أسماء الله وصفاته، والمعاد وتفصيل ذلك.
وما أخبر به عن سائر المخلوقات ، كالعرش، والكرسي، والملائكة،
والأنبياء، وأمهم، وأعدائهم، وكإخلاص الدين لله، وأن يكون الله
ورسوله أحب إلينا مما سواهما ، وكالتوكل عليه ، والرجاء لرحمته ،
١٦٤

وخشية عذابه ، والصبر لحكمه ، وأمثال ذلك ، وكصدق الحديث ،
وأداء الأمانة ، والوفاء بالعهد، وصلة الأرحام ، وحسن الجوار ، وكالجهاد
في سبيله بالقلب واليد واللسان .
إذا تبين ذلك : فالدعوة إلى الله واجبة على من اتبعه، وهم أمته
يدعون إلى الله، كما دعا إلى الله.
وكذلك يتضمن أمرم بما أمر به، ونهيهم عما ينهى عنه، وإخبارهم
بما أخبر به ؛ إذ الدعوة تتضمن الأمر، وذلك يتناول الأمر بكل
معروف ، والنهي عن كل منكر .
وقد وصف أمته بذلك في غير موضع ، كما وصفه بذلك فقال تعالى
(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ )
وقال تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
الآية وهذا الواجب واجب على مجموع
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ )
الأمة ، وهو الذي يسميه العلماء فرض كفاية إذا قام به طائفة منهم سقط
عن الباقين فالأمة كلها مخاطبة بفعل ذلك ؛ ولكن إذا قامت به طائفة سقط
عن الباقين . قال تعالى: (وَلْتَكُنْ مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ).
فمجموع أمته تقوم مقامه فى الدعوة إلى الله؛ ولهذا كان إجماعهم
١٦٥

حجة قاطعة ، فأمته لا تجتمع على ضلالة ، وإذا تنازموا في شيء ردوا
ما تنازعوا فيه إلى الله وإلى رسوله ، وكل واحد من الأمة يجب عليه
أن يقوم من الدعوة بما يقدر عليه إذا لم يقم به غيره ، فما قام به غيره
سقط عنه، وما عجز لم يطالب به . وأما ما لم يقم به غيره وهو قادر
عليه فعليه أن يقوم به ؛ ولهذا يجب على هذا أن يقوم بما لا يجب على
هذا ، وقد تقسطت الدعوة على الأمة بحسب ذلك تارة وبحسب غيره
أخرى ؛ فقد يدعو هذا إلى اعتقاد الواجب ، وهذا إلى عمل ظاهر
واجب ، وهذا إلى عمل باطن واجب ؛ فتنوع الدعوة يكون في الوجوب
قارة ، وفي الوقوع أخرى .
وقد تبين بهذا أن الدعوة إلى الله يجب على كل مسلم؛ لكنها
فرض على الكفاية ، وإنما يجب على الرجل المعين من ذلك ما يقدر
عليه إذا لم يقم به غيره، وهذا شأن الأمر بالمعروف، والنهي عن
المنكر وتبليغ ما جاء به الرسول ، والجهاد فى سبيل اللّه ، وتعليم
الإيمان والقرآن .
وقد تبين بذلك أن الدعوة نفسها أمر بالمعروف ، ونهي عن المنكر
فإن الداعى طالب مستدع مقتض لما دعى إليه ، وذلك هو الأمر به ؛
إذ الأمر هو طلب الفعل المأمور به ، واستدعاء له ودعاء إليه ، فالدعاء
١٦٦

إلى اللّه الدعاء إلى سبيله، فهو أمر بسبيله ، وسبيله تصديقه فيما أخبر،
وطاعته فيما أمر.
وقد تبين أنهما واجبان على كل فرد من أفراد المسلمين ، وجوب
فرض الكفاية ، لا وجوب فرض الأعيان ، كالصلوات الخمس ، بل
كوجوب الجهاد .
والقيام بالواجبات : من الدعوة الواجبة وغيرها يحتاج إلى شروط
يقام بها، كما جاء فى الحديث: ((ينبغي لمن أمر بالمعروف، ونهى عن
المنكر ، أن يكون فقيهاً فيما يأمر به ، فقيهاً فيما ينهى عنه، رفيقاً فيما
يأمر به ، رفيقاً فيما ينهى عنه، حليماً فيما يأمر به، حليما فيما ينهى عنه))
فالفقه قبل الأمر ليعرف المعروف وينكر المنكر ، والرفق عند الأمر
ليسلك أقرب الطرق إلى تحصيل المقصود ، والحلم بعد الأمر ليصبر على
أذى المأمور المنهى ، فإنه كثيراً ما يحصل له الأذى بذلك .
(وَأَمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأَصْبِرْ
:
ولهذا قال تعالى
عَلَى مَا أَصَابَكَ ) وقد أمر نبينا بالصبر في مواضع كثيرة ، كما قال تعالى
فى أول المدثر: (قُرْقَدِرْ * وَرَبَّكَ فَكَّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَفَاهْجُرْ *
(وَأَصْبِرْ لِحُكْمِ
وقال تعالى :
وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرٍ )
رَبِكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ) وقال: (وَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ) وقال تعالى:
١٦٧

( وَلَقَدْكُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَاكُذِّبُواْ وَأُوذُ واْحَتَّى أَنَّهُمْ نَصْرُنَا)
وقال: (فَاصِرْ لِحُكْرِرَيِكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ ).
وقد جمع سبحانه بين التقوى والصبر فى مثل قوله :
(لَتُبْلَوُنَ فِى أَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْالْكِتَبَ
مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذَى كَثِيرًاً وَإِن تَصْبِرُ واْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ
مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ) . والمؤمنون كانوا يدعون إلى الإيمان بالله وما أمر به
من المعروف ، وينهون عما نهى الله عنه من المنكر، فيؤذيهم المشركون
وأهل الكتاب . وقد أخبرهم بذلك قبل وقوعه ، وقال لهم: ( وَإِن
تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ) ، وقد قال يوسف عليه
السلام: (أَنَأْيُوسُفُ وَهَذَا أَخِى قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ
اللَّهَ لَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ).
فالتقوى تتضمن طاعة الله ومنها الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر،
والصبر يتناول الصبر على المصائب التى منها أذى المأمور المنهى
الآمر الناهي .
لكن الآمر الناهي أن يدفع عن نفسه ما يضره ، كما يدفع الإنسان
عن نفسه الصائل ، فإذا أراد المأمور المنهي ضربه أو أخذ ماله ونحو
ذلك وهو قادر على دفعه فله دفعه عنه ؛ بخلاف ما إذا وقع الأذى
١٦٨

وناب منه : فإن هذا مقام الصبر والحلم ، والكمال فى هذا الباب حال
نبينا صلى اللّه عليه وسلم، كما فى الصحيحين عن عائشة أنها قالت ((ما
ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده خادما له، ولا امرأة
ولا دابة ولا شيئاً قط إلا أن يجاهد فى سبيل الله، ولا نيل منه
فانتقم لنفسه إلا أن تنتهك محارم الله فإذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه
شيء حتى ينتقم لله)) فقد تضمن خلقه العظيم أنه لا ينتقم لنفسه إذا
نيل منه، وإذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم الله ،
ومعلوم أن أذى الرسول من أعظم المحرمات ، فإن من آذاه فقد آذى
اللّه، وقتل سابه واجب باتفاق الأمة، سواء قيل إنه قتل لكونه
ردة ، أو لكونه ردة مغلظة أوجبت أن صار قتل الساب حداً
من الحدود .
والمنقول عن النبى صلى الله عليه وسلم في احتماله وعفوه عمن كان
يؤذيه كثير كما قال تعالى: (وَدَكَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِنَبِ لَوْيَرُدُّونَكُم
مِّنْ بَعْدٍ إِيمَنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندٍ أَنْفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَانَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ
فالآمر الناهي إذا أوذى
وَأَصْفَحُواْحَتَّى يَأْتِىَ اللَّهُ بِأَمْرِهٍ ) .
وكان أذاه تعديا لحدود الله وفيه حق لله يجب على كل أحد النهي عنه،
وصاحبه مستحق للعقوبة ؛ لكن لما دخل فيه حق الآدمي كان له العفو
عنه ، كما له أن يعفو عن القاذف والقاتل وغير ذلك ، وعفوه عنه لا
١٦٩

يسقط عن ذلك العقوبة التى وجبت عليه لحق الله ؛ لكن يكمل لهذا
الآمر الناهي مقام الصبر والعفو الذي شرع الله لمثله ، حتى يدخل في
قوله تعالى: (وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ اَلْأُمُورِ ) وفى
قوله: (فَاعْفُواْ وَأَصْفَحُواْحَتَّى يَأْتِىَ اَللَّهُ بِأَمْرِهِ ).
ثم هنا فرق لطيف : أما الصبر فإنه مأمور به مطلقاً ، فلا ينسخ.
وأما العفو والصفح فإنه جعل إلى غاية ، وهو : أن يأتى الله بأمره
فلما أتى بأمره: بتمكين الرسول ونصره - صار قادراً على الجماد
لأولئك ، وإلزامهم بالمعروف ، ومنعهم عن المنكر - صار يجب عليه
العمل باليد فى ذلك ما كان عاجزاً عنه ، وهو مأمور بالصبر فى ذلك ،
كما كان مأموراً بالصبر أولا.
والجهاد مقصوده أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون
الدين كله لله؛ فمقصوده إقامة دين الله لا استيفاء الرجل حظه ؛ ولهذا
كان ما يصاب به المجاهد فى نفسه وماله أجره فيه على الله ؛ فإن الله
اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ، بأن لهم الجنة، حتى إن الكفار
إذا أسلموا أو عاهدوا لم يضمنوا ما أتلفوه للمسلين من الدماء والأموال ؛
بل لو أسلموا وبأيديهم ما غنموه من أموال المسلمين كان ملكا لهم
عند جمهور العلماء : كمالك وأبى حنيفة وأحمد ، وهو الذي مضت به
سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسنة خلفائه الراشدين .
١٧٠

فالآمر الناهي إذا نيل منه وأوذى ، ثم إن ذلك المأمور المنهى
تاب وقبل الحق منه: فلا ينبغى له أن يقتص منه ، ويعاقبه
على أذاه ، فإنه قد سقط عنه بالتوبة حق الله كما يسقط عن الكافر إذا
أسلم حقوق الله تعالى، كما ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه
وسلم أنه قال: ((الإسلام يهدم ما كان قبله ، والتوبة تهدم ما كان
قبلها )) والكافر إذا أسلم هدم الإسلام ما كان قبله : دخل في ذلك ما
اعتدى به على المسلمين في نفوسهم وأموالهم ؛ لأنه ما كان يعتقد ذلك
حراما ؛ بل كان يستحله ، فلما تاب من ذلك غفر له هذا الاستحلال ،
وغفرت له توابعه .
فالمأمور المنهى إن كان مستحلا لأذى الآمر الناهي كأهل البدع
والأهواء ، الذين يعتقدون أنهم على حق ، وأن الآمر الناهي لهم معتد
عليهم ، فإذا تابوا لم يعاقبوا بما اعتدوا به على الآمر الناهي من أهل
السنة ، كالرافضي الذي يعتقد كفر الصحابة أو فسقهم وسبهم على ذلك،
فإن تاب من هذا الاعتقاد وصار يحبهم ويتولام لم يبق لهم عليه حق ،
بل دخل حقهم في حق الله ثبوناً وسقوطاً؛ لأنه تابع لاعتقاده .
ولهذا كان جمهور العلماء - كأبى حنيفة ومالك وأحمد فى أصح
الروايتين ، والشافعي في أحد القولين على - أن أهل البغي المتأولين
لا يضمنون ما أتلفوه على أهل العدل بالتأويل، كما لا يضمن أهل العدل
ما أتلفوه على أهل البغي بالتأويل باتفاق العلماء .
١٧١

وكذلك أصح قولي العلماء فى المرتدين ، فإن المرتد والباغي المتأول
والمبتدع كل هؤلاء يعتقد أحدهم أنه على حق ، فيفعل ما يفعله
متأولا ، فإذا تاب من ذلك كان كتوبة الكافر من كفره ؛ فيغفر له ما
سلف مما فعله متأولا ، وهذا بخلاف من يعتقد أن ما يفعله بغي وعدوان
كالمسلم إذا ظلم المسلم ، والذمي إذا ظلم المسلم، والمرتد الذي أتلف
مال غيره ، وليس بمحارب بل هو فى الظاهر مسلم أو معاهد ، فإن
هؤلاء يضمنون ما أتلفوه بالاتفاق .
فالمأمور المنهي إن كان يعتقد أن أذى الآمر الناهي جائزٌ له فهو
من المتأولين وحق الآمر الناهي داخل فى حق اللّه تعالى، فإذا تاب
سقط الحقان ، وإن لم يتب كان مطلوبا بحق الله المتضمن حق الآدمي،
فإما أن يكون كافراً ، وإما أن يكون فاسقاً ، وإما أن يكون عاصياً .
فهؤلاء كل يستحق العقوبة الشرعية بحسبه ، وإن كان مجتهداً مخطئاً
فهذا قد عفى الله عنه خطأه ، فإذا كان قد حصل بسبب اجتهاده
الخطأ أذى الآمر الناهي بغير حق فهو كالحاكم إذا اجتهد فأخطأ ،
وكان فى ذلك ما هو أذى للمسلم ، أو كالشاهد ، أو كالمفتى .
فإذا كان الخطأ لم يتبين لذلك المجتهد المخطئ كان هذا مما ابتلى الله
به هذا الآمر الناهي. قال تعالى: (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونٌَ
وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا) فهذا مما يرتفع عنه الإثم فى نفس الأمر، وكذلك
١٧٢

الجزاء على وجه العقوبة ؛ ولكن قد يقال : قد يسقط الجزاء على وجه
القصاص الذي يجب فى العمد ، ويثبت الضمان الذي يجب فى الخطأ،
كما تجب الدية في الخطأ، وكما يجب ضمان الأموال التى يتلفها الصبى
والمجنون فى ماله ، وإن وجبت الدية على عاقلة القاتل خطأ ؛ معاونة له
فلا بد من استيفاء حق المظلوم خطأ ؛ فكذلك هذا الذي ظلم خطأ ؛
لكن يقال: يفرق بين ما كان الحق فيه لله وحق الآدمي نبح له، وما
كان حقاً لآدمى محضاً أو غالباً، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
والجهاد من هذا الباب موافق لقول الجمهور الذين لا يوجبون على أهل
البغي ضان ما أتلفوه لأهل العدل بالتأويل ، وإن كان ذلك خطأ منهم
ليس كفراً ولا فسقاً .
وإذا قدر عليهم أهل العدل لم يتبعوا مدبرهم ، ولم يجهزوا على
جريحهم ، ولم يسبوا حريمهم ، ولم يغنموا أموالهم ، فلا يقاتلونهم على
ما أتلفوه من النفوس والأموال إذا أنلفوا مثل ذلك ، أو
تملكوا عليهم.
فتبين أن القصاص ساقط فى هذا الموضع ؛ لأن هذا من باب
الجهاد الذي يجب فيه الأجر على اللّه، وهذا مما يتعلق بحق العبد
الآمر الناهي .
وأما قول السائل : هل يقتص منه لئلا يؤدي إلى طمع منه فى
١٧٣

جانب الحق ؟ فيقال : متى كان فيما فعله إفساد لجانب الحق كان الحق
فى ذلك لله ورسوله ، فيفعل فيه ما يفعل في نظيره ، وإن لم يكن فيه
أذى الآمر الناهي .
والمصلحة فى ذلك تتنوع ؛ فتارة تكون المصلحة الشرعية القتال ،
وتارة تكون المصلحة المهادنة ، وتارة تكون المصلحة الإمساك والاستعداد
بلا مهادنة ، وهذا يشبه ذلك ؛ لكن الإنسان تزين له نفسه أن عفوه
عن ظالمه يجريه عليه ، وليس كذلك ؛ بل قد ثبت عن النبى صلى الله
عليه وسلم فى الصحيح أنه قال: (( ثلاث إن كنت لحالفاً عليهن ، مازاد
الله عبداً بعفو إلاعزا ، وما نقصت صدقة من مال ، وما تواضع أحد
لله إلا رفعه الله)).
فالذي ينبغي فى هذا الباب أن يعفو الإنسان عن حقه ، ويستوفى
(وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْىُ
حقوق الله بحسب الإمكان . قال تعالى :
هُمْ بَصِرُونَ ) قال إبراهيم النخعي : كانوا يكرهون أن يستغلوا، فإذا
قدروا عفوا. قال تعالى: (هُمْيَصِرُونَ) يمدحهم ، بأن فيهم همة
الانتصار للحق والحمية له ؛ ليسوا بمنزلة الذين يعفون عجزاً وذلا ؛ بل
هذا ممايذم به الرجل ، والممدوح العفو مع القدرة والقيام لما
يجب من نصر الحق . لا مع إهمال حق الله وحق العباد . والله
تعالى أعلم .
١٧٤

وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه
فصل
(حَتََّ إِذَا أُسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ
في قوله تعالى :
جَآءَ هُمْ نَصْرُنَا) الآية: قراءتان فى هذه الآية؛ بالتخفيف والتثقيل. وكانت
عائشة رضي الله عنها تقرأ بالتثقيل وشكر التخفيف . كما فى الصحيح
عن الزهري قال : أخبرنى عروة عن عائشة، قالت له - وهو يسألها عن
قوله: (وَظَنُّوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ.) مخففة قالت - معاذ الله! لم تكن
الرسل تظن ذلك بربها - قلت: فما هذا النصر - (حََّ إِذَا
أَسْتَيَْسَ الرُّسُلُ) بمن كذبهم من قومهم ، وظنت الرسل أن أتباعهم
قد كذبوم جاءهم نصر الله عند ذلك ، لعمري لقد استيقنوا أن قومهم
كذبوم فما هو بالظن .
وفى الصحيح أيضاً عن ابن جريج سمعت ابن أبى مليكة يقول قال ابن
خفيفة
(حَتَّقَ إِذَا أَسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ )
عباس :
ذهب بها هنالك، ونلا (حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ, مَتَى نَصْرُ اللَّهِ
١٧٥

فلقيت عروة فذكرت ذلك له ،
أَلَا إِنَّ نَصْرَ اَللَّهِ قَرِيبٌ )
فقال : قالت عائشة : معاذ الله، والله ما وعد الله رسوله من شيء قط إلا
علم أنه كائن قبل أن يكون ؛ ولكن لم يزل البلاء بالرسل ، حتى ظنوا
وخافوا أن يكون من معهم يكذبهم؛ فكانت تقرؤها: (وَظَنُّوَأَنَهُمْ
قَدْ كُذِبُواْ ) مثقلة .
فعائشة جعلت استيأس الرسل من الكفار للمكذبين ، وظنهم
التكذيب من المؤمنين بهم، ولكن القراءة الأخرى ثابتة لا يمكن إنكارها،
وقد تأولها ابن عباس ، وظاهر الكلام معه، والآية التى تليها إنما
فيها استبطاء النصر، وهو قولهم: (مَتَى نَصْرُاللَّهِ) فإن هذه كلمة
تبطئ لطلب التعجيل .
وقوله : (وَظَنُّواْأَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ) قد يكون مثل قوله:
والظن
(إِذَا تَمَنَّ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فىِ أُمْنِّيَّتِهِ، فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَايُلْقِى الشَّيْطَانُ)
لا يراد به في الكتاب والسنة الاعتقاد الراجح ، كما هو في اصطلاح
طائفة من أهل الكلام فى العلم ، ويسمون الاعتقاد المرجوح وهما ،
بل قد قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((إياكم والظن ، فإن الظن
أكذب الحديث )، وقد قال تعالى :
(وَإِنَّ الظَّنَّلَا يُغْنِ مِنَ
الْحَقِّ شَيْئًا ).
١٧٦

فالاعتقاد المرجوح هو ظن ، وهو وم ، وهذا الباب قد يكون
من حديث النفس المعفو عنه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله
تجاوز لأمتى ما حدثت به أنفسها ما لم تكلم أو تعمل )) وقد يكون
من باب الوسوسة التى هي صريح الإيمان ، كما ثبت فى الصحيح أن
الصحابة قالوا يا رسول الله: ((إن أحدنا ليجد فى نفسه ما لأن يحرق
حتى بصير حممة، أو يخر من السماء إلى الأرض : أحب إليه من أن
يتكلم به . قال : أو قد وجدتموه ؟ قالوا : نعم . قال ذلك صريح
الإيمان)) وفى حديث آخر: ((إن أحدنا ليجد ما يتعاظم أن يتكلم
به. قال: الحمد لله الذي ردكيده إلى الوسوسة))
فهذه الأمور التى هي تعرض ثلاثة أقسام : منها ما هو ذنب
يضعف به الإيمان ، وإن كان لا يزيله . واليقين فى القلب له مراتب
ومنه ما هو عفو يعفى عن صاحبه ، ومنه ما يكون يقترن به
صريح الإيمان .
ونظير هذا : ما فى الصحيح عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب
وأبى سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، قال : قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (( يرحم الله لوطا ! لقد كان يأوي إلى ركن شديد ؛
ولو لبثت في السجن مالبث يوسف لأجبت الداعي . ونحن أحق بالشك
من إبراهيم إذ قال له ربه : (أَوَلَمْ تُؤْمِنٌ قَالَ بَلَى وَلَكِن لِيَطْمَيِنَّ قَلْبِى )
١٧٧

)) وقد ترك البخاري ذكر قوله: ((بالشك)) لما خاف فيها من توم
بعض الناس .
ومعلوم أن إبراهيم كان مؤمناً كما أخبر اللّه عنه بقوله: (أَوَلَمْ
ولكن طلب طمأنينة قلبه ، كما قال: (وَلَكِن
تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى )
لْيَطْمَبِنَّ قَلْبى) فالتفاوت بين الإيمان والاطمئنان سماء النبي صلى الله عليه
وسلم شكا لذلك بإحياء الموتى ، كذلك الوعد بالنصر فى الدنيا : يكون
الشخص مؤمناً بذلك ؛ ولكن قد يضطرب قلبه فلا يطمئن ، فيكون
فوات الاطمئنان ظنا أنه قد كذب ، فالشك مظنة أنه يكون من باب واحد
وهذه الأمور لا تقدح فى الإيمان الواجب ، وإن كان فيها ما هو ذنب
فالأنبياء عليهم السلام معصومون من الإقرار على ذلك ، كما فى أفعالهم
على ما عرف من أصول السنة والحديث .
وفى قصص هذه الأمور عبرة للمؤمنين بهم ، فإنهم لا بد أن يبتلوا
بما هو أكثر من ذلك ، ولا ييأسوا إذا ابتلوا بذلك ، ويعلمون أنه
قد ابتلى به من هو خير منهم ، وكانت العاقبة إلى خير ، فليتيقن
المرتاب ، ويتوب المذنب ويقوى إيمان المؤمنين فيها يصح الانساء بالأنبياء
(لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُوْاللَّهَ
كما فى قوله :
وَأَلْيَوْمَ الْآَخِرَ )
١٧٨

وفى القرآن من قصص المرسلين التى فيها تسلية وتثبيت ، ليتأسى
بهم في الصبر على ماكذبوا وأوذوا ، كما قال تعالى: (وَلَقَدْكُذِّبَتْ
رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَاكُذِّبُواْوَأُوذُواْ حَتََّ أَنَّهُمْ نَصْرَنَا ﴾ (١)
ولنا لأنه أسوة فى ذلك ما هو كثير فى القرآن ؛ ولهذا قال: ( لَقَدْ
كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِ الْأَلْبَبِ ) وقال: (مَّأْيُقَالُ لَكَ إِلَّمَا قَدْقِيلَ
(فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْالْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ
وقال :
لِلِرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ)
( وَكُلَّا نَّقُصُ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَّتُ بِهِ،فُؤَادَكَ)
وَلَا تَسْتَعْجِل ◌َّهُمْ )
وإذا كان الانساء بهم مشروعا فى هذا وفى هذا ثمن المشروع التوبة
من الذنب ، والثقة بوعد الله، وإن وقع فى القلب ظن من الظنون
وطلب مزيد الآيات لطمأنينة القلوب ، كما هو المناسب للانساء والاقتداء
دون ما كان المتبوع معصوماً مطلقاً . فيقول التابع : أنا لست من
جنسه ، فإنه لا يذكر بذنب، فإذا أذنب استيأس من المتابعة والاقتداء؛
لما أتى به من الذنب الذي يفسد المتابعة على القول بالعصمة، بخلاف
ما إذا قيل : إن ذلك مجبور بالتوبة ، فإنه تصح معه المتابعة ، كما قيل :
أول من أذنب وأجرم ثم تاب وندم آدم أبو البشر ، ومن أشبه
أباه ما ظلم .
(١) بياض بالأصل .
١٧٩

والله تعالى قص علينا قصص توبة الأنبياء لنقتدي بهم فى المتاب ،
وأما ما ذكره سبحانه أن الاقتداء بهم فى الأفعال التى أقروا عليها فلم
ينهوا عنها ، ولم يتوبوا منها ، فهذا هو المشروع . فأما ما نهوا عنه وتابوا
منه فليس بدون المنسوخ من أفعالهم ، وإن كان ما أمروا به أبيح لهم ،
ثم نسخ تنقطع فيه المتابعة؛ فما لم يؤمروا به أحرى وأولى .
وأيضاً فقوله : (وَظَنُّوَاْأَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ ) قد يكونون ظنوا فى
الموعود به ما ليس هو فيه بطريق الاجتهاد منهم ؛ فتبين الأمر بخلافه،
فهذا جائز عليهم كما سنبينه ، فإذا ظن بالموعود به ما ليس هو فيه ، ثم
تبين الأمر بخلافه ظن أن ذلك كذب ، وكان كذبا من جهة ظن
في الخبر ما لا يجب أن يكون فيه .
فأما الشك فيما يعلم أنه أخبر به فهذا لا يكون ، وسنوضح ذلك
إن شاء الله تعالى.
ومما ينبغي أن يعلم أنه سبحانه ذكر هنا شيئين: ((أحدهما)) استيئاس
الرسل. و((الثانى)) ظن أنهم كذبوا. وقد ذكرنا لفظ ((الظن))،
فأما لفظ ( أُسْتَيْئَسُوا ) فإنه قال سبحانه: (حَتَّىَ أَسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ )
ولم يقل يئس الرسل ، ولا ذكر ما استيأسوا منه ، وهذا اللفظ قد
ذكره فى هذه السورة (فَلَمَّا أَسْتَيْئَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيَّا قَالَ كَبِيرُهُمْ
١٨٠