Indexed OCR Text
Pages 61-80
وقال هذه تفسير آيات أشكلت حتى لا يوجد فى طائفة من كتب التفسير إلا ما هو خطأ [ فيها ]. منها قوله: (وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكَآءَ) ظن طائفة أن (ما) نافية، وهو خطأ . بل هي استفهام ، فأنهم يدعون معه شركاء ، كما أخبر عنهم فى غير موضع . فالشركاء يوصفون فى القرآن بأنهم يدعون ، لأنهم يتبعون وإنما يتبع الأئمة . ولهذا قال: (إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الََّنَّ ) ولو أراد النفي لقال: إن يتبعون إلا من ليسوا شركاء ، بل بين أن المشرك لا علم معه إن هو إلا الظن والحرص، كقوله: ( قُئِلَ الْخَرَّصُونَ). ٦١ سورة هود وقال . فصل وقوله تعالى: ( أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ، وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌمِنْهُ ) وهذا يعم جميع من هو على بينة من ربه ، ويتلوه شاهد منه . فالبينة العلم النافع ، والشاهد الذي يتلوه العمل الصالح ، وذلك يتناول الرسول ومن اتبعه إلى يوم القيامة ، فإن الرسول على بينة من ربه ، ومتبعيه على بينة من ربه . وقال فى وقال فى حق الرسول : ( قُلْ إِنِ عَلَبَيِّنَةٍمِّنرَّبِ ) حق المؤمنين: ( أَفَتَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ، كَمَنْ زُيِّنَ لَهُسُوءُ عَمَلِهِ، وَبَعُوْأَهْوَهُم) فذكر هذا بعد أن ذكر الصنفين في أول السورة، فقال: ( الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّ واعَن سَبِيلِ اَلَّهِ أَضَلَّ أَعْمَلَهُمْ * وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَءَامَنُواْبِمَا نُزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ اْحَقُّ مِنْ زَّبِهِمْ كَفَّرَعَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَمْ * ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوْ أَتَّبَعُواْ الْبَطِلَ وَأَنَّالَّذِينَءَامَنُوْتَبَعُوْ اَلْحَقَّ مِنْرَّيْهِمْ ) الآيات . إلى قوله: ( أَفَنْ كَانَ عَلَى ◌َبَيِّنَةٍ مِّنْ زَّيِّهِ ). ٦٢ وقال أبو الدرداء: لا تهلك أمة حتى يتبعوا أهواءم ويتركوا ما جاءتهم به أنبياؤهم من البينات والهدى ، وقال تعالى: (قُلْ هَذِهِ، فمن اتبعه يدعو إلى سَبِيلِيَّ أَدْ عُوَّمْإِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ أَثَّبَعَنِى ) الله على بصيرة ، والبصيرة هي البينة. وقال: ( أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًايَمْشِى بِهِ فِي النَّاسِ ) الآية. فالنور الذي يمشي به فى الناس هو البينة والبصيرة، وقال: (اُللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ ) الآية. قال أبى بن كعب وغيره : هو مثل نور المؤمن وهو نوره الذي فى قلب عبده المؤمن الناشئ عن العلم النافع، والعمل الصالح . وذلك بيئة من ربه . وقال: (أَفَمَن شَرَحَ اَللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِفَهُوَعَلَى نُورِمِنِرَّهِ ) فهذا النور الذي هو عليه وشرح الصدر للاسلام هو البينة من ربه، وهو الهدى المذكور في قوله: (أُوْلَتِكَ عَلَى هُدَّى مِّن رَّبِّهِمْ ) واستعمل في هذا حرف الاستعلاء لأن القلب لايستقر ولا يثبت إلا إذا كان عالماً موقناً بالحق ، فيكون العلم والإيمان صبغة له ينصغ بها، كما قال: (صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ) ويصير مكانة له، كما قال: (قُلْ يَقَوْمِ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّ عَمِلُ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) والمكان والمكانة قد يراد به ما يستقر الشيء عليه وإن لم يكن محيطا به كالسقف مثلا، وقد يراد به ما يحيط به . فالمهتدون لما كانوا على هدى من ربهم ونور وبينة وبصيرة صار ٦٣ . مكانة لهم استقروا عليها ، وقد تحيط بهم ، بخلاف الذين قال فيهم ( وَمِنْ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ، خَيِّالْمَأَنَّبِهِمْوَإِنْ أَصَابَتْهُ فِنْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ ) فإن هذا ليس ثابتا مستقراً مطمئناً ، بل هو كالواقف على حرف الوادي وهو جانبه ، فقد يطمئن إذا أصابه خير وقد ينقلب على وجهه ساقطاً فى الوادي . وكذلك فرق بين من (أَسَّسَ بُلْيَنَهُ, عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ ) وبين ( مَّنْ أَسَّسَ بُلْيَنَهُ, عَلَى شَفَاجُرُفٍ هَارٍفَاتِهَارَبِهِ فِ نَارِجَهَنَّمَ ( وكذلك الذين كانوا على شفا حفرة من النار فأنقذم منها ، وشواهد هذا كثير . فقد تبين أن الرسول ومن اتبعه على بينة من ربهم وبصيرة ، وهدى ونور ، وهو الإيمان الذي فى قلوبهم ، والعلم والعمل الصالح ، ثم قال: ( وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌمِّنْهُ ) والضمير فى (منه) عائد إلى الله تعالى ، أي : ويتلو هذا الذي هو على بينة من ربه شاهد من الله ، والشاهد من الله كما أن البينة التى هو عليها المذكورة من الله أيضاً. وأما قول من قال: ((الشاهد)) من نفس المذكور وفسره بلسانه ، أو بعلي بن أبى طالب ، فهذا ضعيف ، لأن كون شاهد الإنسان منه لا يقتضى أن يكون الشاهد صادقاً ، فإنه مثل شهادة ٦٤ الإنسان لنفسه ، بخلاف ما إذا كان الشاهد من الله، فإن الله يكون هو الشاهد، وهذا كما قيل فى قوله: ( قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِنَبِ ) إنه علي فهذا ضعيف ، لأن شهادة قريب له قد اتبعه على دينه ولم يهتد إلا به لا تكون برهاناً للصدق ، ولا حجة على الكفر ، بخلاف شهادة من عنده علم الكتاب الأول فإن هؤلاء شهادتهم برهان ورحمة ، كما قال في هذه السورة : (وَمِنقَبْلِهِ، كِتَبُ مُوسَىَّ إِمَامًا وَرَحْمَةً ) وقال: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِىّ إِسْرَّهِيَلَ عَلَى مِثْلِهِ) وقال: ( فَإِن كُنْتَ فِى شَكٍ مِّمَّا أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَهُونَ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكَ ) الآية . وقال: ( وَاُلَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ اُلْكِنَبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ) وهذا الشاهد من اللّه هو القرآن. ومن قال : إنه جبريل فيبريل لم يقل شيئاً من تلقاء نفسه ، بل هو الذي بلغ القرآن عن الله، وجبريل يشهد أن القرآن منزل من اللّه، وأنه حق، كما قال: (لَِّكِنِ اَللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنَزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ، وَالْمَلَئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ) والذي قال هو جبريل . قال : أي إذا قرأ. يتلوه، أي يقرأه، كما قال: ( فَإِذَا قَرَأْتَهُ فَنََّعْ قُرْءَانَهُ ) جبريل فاتبع ما قرأه . وقال: ( عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى). ومن قال : الشاهد لسانه وجعل الضمير المذكور عائداً على القرآن ولم يذكر ، لأنه جعل البينة هي القرآن ، ولو كانت البينة هي القرآن ٦٥ لما احتاج إلى ذلك وقد قال : على بينة من ربه ، فقد ذكر أن القرآن من الله، وقد علم أنه نزل به جبريل على محمد، وكلا [ هما ] بلغه وقرأه ، فقوله: (وَيَتْلُوهُ) جبريل أو محمد تكرير لا فائدة فيه ، ولهذا لم يذكر مثل ذلك في القرآن . وأيضاً فكونه على القرآن لم يجد لذلك نظيراً في القرآن ، فإن القرآن كلام الله واحد لا يكون عليه، وإذا [ كان ] المراد على الإيمان بالقرآن والعمل به ، فهذا الذي ذكرناه : أن البينة هي الإيمان بما جاء به الرسول ، وهو إخباره أنه رسول الله ، وأن الله أنزل القرآن عليه . ولما أنزلت هذه السورة وهي مكية، لم يكن قد نزل من القرآن قبلها إلا بعضه ، وكان المأمور به حينئذ هو الإيمان بما نزل منه ، فمن آمن حينئذ بذلك ومات على ذلك كان من أهل الجنة . وأيضاً فتسمية جبريل شاهداً لا نظير له فى القرآن ، وكذلك تسمية لسان الرسول شاهداً، وتسمية على شاهداً لا يوجد مثل ذلك في الكتاب والسنة ، بخلاف شهادة الله ، فإن الله أخبر بشهادته لرسوله فى غير موضع ، وسمى ما أنزله شهادة منه فى قوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَدَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ) فدل على أن كلام اللّه الذي أنزله وأخبر فيه بما أخبر شهادة منه . ٦٦ وهو سبحانه بحكم ويشهد ، ويفتى ويقص ، ويلشر وهدى بكلامه ، ويصف كلامه بأنه يحكم ويفتى ، ويقص ويهدى ، ويلشير وينذر، كما قال: (قُلِ اَللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ) (قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى الْكَلَةِ) وقال : (إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَقُضُّ عَلَى بَنِ إِسْرَّهِيَلَ أَكْثَ الَّذِى هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) وقال: ( نَحْنُ نَقُصُ عَلَيْكَ أَحْسَنَ اَلْفَصَصِ) وقال: (قُلْ إِنِّى عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبٍِ وَكَذَّ بْتُمْبِهِ، مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِّ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّ ◌ِلَّهِيَقُضُّ اُلْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَصِلِينَ ) وقال: (إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ ). وكذلك سمى الرسول هادياً فقال: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) كما سماه بشيراً ونذيراً، وسمى القرآن بشيراً ونذيراً، فكذلك لما كان هو يشهد للرسول والمؤمنين بكلامه الذي أنزله ، وكان كلامه شهادة منه : كان كلامه شاهداً منه، كما كان يحكم ويفتى ، ويقص ويبشر وينذر . ولما قيل لعلي بن أبي طالب حكمت مخلوقاً قال : ما حكمت مخلوقاً وإنما حكمت القرآن . فإن الذي يحكم به القرآن هو حكم الله ، والذي يشهد به القرآن هو شهادة الله عز وجل . قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم - وقد كان إماماً ، وأخذ التفسير عن أبيه زيد ، وكان زيد إماماً فيه ، ومالك وغيره أخذوا عنه التفسير ، وأخذه عنه عبد الله ٦٧ ابن وهب صاحب مالك ، وأصبغ بن الفرج الفقيه . قال - فى قوله تعالى: ( أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ، وَبَتْلُوهُ شَاهِدٌمِنْهُ ) : قال رسول الله: ((كان على بينة من ربه)) والقرآن بتلو. شاهد أيضاً؛ لأنه من الله . وقد ذكر الزجاج فيما ذكره من الأقوال : ويتلو رسول الله القرآن، وهو شاهد من الله. وقال أبو العالية: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ ) هو محمد (وَيَتْلُهُ شَاهِدٌمِنْهُ ) القرآن، قال ابن أبى حاتم وروى عن ابن عباس ، ومحمد بن الحنفية، ومجاهد، وأبى صالح ، وإبراهيم ، وعكرمة ، والضحاك ، وقتادة ، والسدي، وخصيف ، وابن عينة نحو ذلك . وهذا الذي قالوه صحيح ؛ ولكن لا يقتضى ذلك أن المتبعين له ليسوا على بينة من ربهم ؛ بل هم على بينة من ربهم . وقد قال الحسن البصري: ( أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّهِ ) قال: المؤمن على بينة من ربه ، ورواه ابن أبى حاتم، وروى عن الحسين بن علي ( وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌمِّنْهُ ) يعنى محمداً شاهد من الله ؛ وهي تقتضى أن يكون الذي على البينة من شهد له . وقول القائل : من قال هو محمد كقول من قال هو جبريل ؛ فإن كلاهما بلغ القرآن ، واللّه يصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس، ٦٨ فاصطفى جبريل من الملائكة ، واصطفى محمداً من الناس . وقال فى جبريل: ( إِنَّهُ لَقَوَّلُ رَسُولٍكَرِمٍ) وقال في محمد: (إِنَّهُ لَقَوَّلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) وكلاهما رسول من الله؛ كما قال (حَّ تَأْفِيَهُمُ الْبَيْنَةُ * رَسُولٌ مِّنَ فكلاهما رسول من الله اللَّهِيَنْلُواْصُحُفَّا مُطَهَّرَةً * فِيَهَاَ كُنُبٌ قَيِّمَةٌ ) بلغ ما أرسل به ، وهو يشهد أن ما جاء به هو كلام الله، وأما شهادتهم بما شهد به القرآن فهذا قدر مشترك بين كل من آمن بالقرآن، فإنه يشهد بكل ما شهد به القرآن ؛ لكونه آمن به ، سواء كان قد بلغه أو لم يبلغه . ولهذا كان إيمان الرسول بما جاء به غير تبليغه له ، وهو مأمور بهذا وبهذا وله أجر على هذا وهذا، كما قال: (ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ ولهذا كان يقول أشهد أنى عبد الله إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ )؛ ورسوله ، فشهادة جبريل ومحمد بما شهد به القرآن من جهة إيمانها به، لا من جهة كونهما مرسلين به ، فإن الإرسال به يتضمن شهادتهما أن الله قاله ، وقد يرسل غير رسول بشيء فيشهد الرسول أن هذا كلام المرسل وإن لم يكن المرسل صادقاً ولا حكيماً ؛ ولكن علم أن جبريل ومحمداً يعلمان [أن ] اللّه صادق حكيم ، فها يشهدان بما شهد الله به . وكذلك الملائكة والمؤمنون يشهدون بأن ما قاله الله فهو حق ، ٦٩ وأن اللّه صادق حكيم، لا يخبر إلا بصدق، ولا يأمر إلا بعدل (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ). فقد تبين أن شهادة جبريل ومحمد هي شهادة القرآن ، وشهادة القرآن هي شهادة اللّه تعالى، والقرآن شاهد من الله، وهذا الشاهد يوافق ويتبع ذلك الذي على بينة من ربه ؛ فإن البينة والبصيرة والنور والهدى الذي عليه النبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنون قد شهد القرآن المنزل من اللّه بأن ذلك حق . (وَيَتْلُوُهُ) معناه يتبعه، كما قال: (الَّذِينَءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ يَتْلُونَهُ. حَقَّتِلَا وَتِهِ ) أي يتبعونه حق اتباعه، وقال: ( وَاُلْقَمَرِ إِذَانَلَهَا ) أي تبعها، وهذا قفاه إذا تبعه. وقد قال: (وَلَا نَقْفُ مَالَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ ) فهذا الشاهد يتبع الذي على بينة من ربه ، فيصدقه ويزكيه ، ويؤيده ويثبته ، كما قال: ( قُلْ نَزَّلَهُ رُوعُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُنَّبِّتَ الّذِينَ ءَامَنُواْ ) وقال: ( وَكُلَّا تَّقُصُ عَلَيَّكَ مِنْ أَنْبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ،فُؤَادَكَ وقال : ( أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِ قُلُوبِهِمُ الْإِيمَنَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوجِ مِنْهُ) . وقد سمى الله القرآن سلطاناً في غير موضع ، فإذا كان السلطان المنزل من الله يتبع هذا المؤمن كان ذلك مما يوجب قوته وتسلطه علماً وعملا، وقال: ( وَنُنْزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَاهُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) ٧٠ (وَإِذَامَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ، إِيمَنًا ) الآية . وقال جندب بن عبد الله، وعبد الله بن عمر: تعلمنا الإيمان، ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيماناً ، فهم كانوا يتعلمون الإيمان ، ثم يتعلمون القرآن. وقال بعضهم فى قوله: ( ثُ عَلَى نُورٍ ) قال : نور القرآن على نور الإيمان، كما قال: ( وَلَكِنْ جَعَلْتَهُ نُورًّا نَّهْدِى بِهِ، مَن نَشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا) وقال السدي فى قوله: ( تُورٌ عَلَى نُورٍ ) نور القرآن ونور الإيمان حين اجتمعا ، فلا يكون واحد منهما إلا بصاحبه . فتبين أن قوله : (أَفَمَنكَانَ عَلَى بَيْنَةٍ مِّنرَّهِ ) یعنی ھدی الإيمان، (وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌمِّنْهُ ) أي من الله يعنى القرآن شاهد من الله يوافق الإيمان ويتبعه ، وقال: (يَتْلُوهُ ) لأن الإيمان هو المقصود ؛ لأنه إنما يراد بيزال القرآن الإيمان وزيادته . ولهذا كان الإيمان بدون قراءة القرآن ينفع صاحبه ويدخل به الجنة ، والقرآن بلا إيمان لا ينفع في الآخرة؛ بل صاحبه منافق ؛ كما فى الصحيحين عن أبى موسى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة ، طعمها طيب وريحها طيب ، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها ، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها حر ، ٧١ ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها )). ولهذا جعل الإيمان ((بينة))، وجعل القرآن شاهداً ؛ لأن البينة من البيان، و((البينة)) هي السبيل البينة ، وهي الطريق البينة الواضحة ، وهي أيضاً ما يبين بها الحق ، فهي بينة فى نفسها مبينة لغيرها وقد تفسر بالبيان وهى الدلالة والإرشاد ؛ فتكون كالهدى ، كما يقال : فلان على هدى وعلى علم ؛ فيفسر بمعنى المصدر والصفة والفاعل. ومنه أي بيان ما فيها أو ( قوله: ( أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِنَةُ مَافِ الصُّحُفِ الْأُولَى يبين ما فيها ، أو الأمر البين فيها ، وقد سمى الرسول بينة كما قال : ( خَّ ◌َأَنِيَهُمُ الْبِنَةُ * رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ) فإنه يبين الحق، والمؤمن على سبيل بينة ونور من ربه ، والشاهد المقصود به شهادته للمشهود له ، فهو يشهد للمؤمن بما هو عليه ، وجعل الإيمان من اللّه كما جعل الشاهد من اللّه، لأن الله أنزل الإيمان فى جذر قلوب الرجال، كما فى الصحيحين عن حذيفة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله أنزل الإيمان في جذر قلوب الرجال ، فعلموا من القرآن وعلموا من السنة )). وأيضاً : فالإيمان ما قد أمر الله به . وأيضاً فالإيمان إنما هو ما أخبر به الرسول، وهذا أخبر به الرسول لكن الرسول له وحيان ، وحي تكلم الله به يتلى، ووحي لا يتلى فقال: ٧٢ الآية . وهو يتناول القرآن (وَكَذَلِكَ أَوْ حَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ) والإيمان. وقيل الضمير فى قوله: (جَعَلْنَهُ نُورَّا نَهْدِى بِهِ، مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا) يعود إلى الإيمان ، ذكر ذلك عن ابن عباس . وقيل: إلى القرآن. وهو قول السدي، وهو يتناولهما ، وهو في اللفظ يعود إلى الروح الذي أوحاه ، وهو الوحي الذي جاء بالإيمان والقرآن. فقد تبين أن كلاهما من الله نور وهدى منه ، هذا يعقل بالقلب ؛ لما قد بشاهد من دلائل الإيمان ، مثل دلائل الربوبية والنبوة ، وهذا يسمع بالآذان ، والإيمان الذي جعل للمؤمن هو مثل ما وعد الله به فى قوله: ( سَؤُرِيِهِمْ ءَايَتِنَا فِ آلَْفَاقِ وَفِىَّ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ) أي أن القرآن حق ، فهذه الآيات متأخرة عن نزول القرآن ، وهو مثل ما فعل من نصر رسوله والمؤمنين يوم بدر ، وغير يوم بدر ، فإنه آيات مشاهدة ، صدقت ما أخبر به القرآن ، ولكن المؤمنون كانوا قد آمنوا قبل هذا . وقيل : نزول أكثر القرآن الذي ثبت الله به لنبيه وللمؤمنين: ولهذا قال: ( أَوَلَمْ يَكْفٍ بِرَبِّكَ أَنَّهُعَلَىكُلِّشَىْءٍشَهِیدُ ) فهو يشهد لرسوله بأنه صادق بالآيات الدالة على نبوته ، وتلك آمن بها المؤمنون ثم أنزل من القرآن شاهداً له، ثم أظهر آيات معاينة تبين لهم أن القرآن حق . ٧٣ فالقرآن وافق الإيمان ، والآيات المستقبلة وافقت القرآن والإيمان ؛ ولهذا قال: ( وَمِن قَبْلِهِ كِنَبُ مُوسَىَ إِمَامًا وَرَحْمَةً ) فقوله: (وَمِن قَبْلِهِ ) يعود الضمير إلى الشاهد الذي هو القرآن ، كما قال تعالى : ( قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ الَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ، وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِىّ إِسْرَِّيلَ عَلَى مِثْلِهِ ) الآية، الآية . ثم قال: (وَمِن قَبْلِهِ، كِنَبُ مُوسَىَّ إِمَامًا وَرَحْمَةً ) فقوله ( وَمِن قَبْلِهِ ) الضمير يعود إلى القرآن، أي : من قبل القرآن، كما قاله ابن زيد . وقيل : يعود إلى الرسول ، كما قاله مجاهد ، وهما متلازمان. وقوله : (وَمِن قَبْلِهِ، كِنَبُ مُوسَى ) فيه وجهان قيل: هو عطف مفرد ، وقيل : عطف جملة. قيل المعنى (وَيَتْلُوُهُ شَاهِدٌمِّنْهُ ) ، ويتلوه أيضاً من قبله كتاب موسى ، فإنه شاهد بمثل ما شهد به القرآن ، وهو شاهد من اللّه، وقيل: (وَمِن قَبْلِ كِشَبُ مُوسَى ) جملة؛ ولكن مضمون الجملة فيها تصديق القرآن ، كما قال فى الأحقاف . وقوله تعالى: (أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ) يدل على أن قوله: (أَفَمَن كَانَ عَلَى بِنَةٍ مِّن رَّبِّهِ ) تتناول المؤمنين، فإنهم آمنوا بالكتاب الأول والآخر ، كما تتناول النبى صلى الله عليه وسلم، وأولئك يعود إليهم الضمير ، فإنهم مؤمنون به بالشاهد من الله ، فالإيمان به إيمان بالرسول والكتاب الذي قبله . ٧٤ ثم قال: ( وَمَن يَكْفُرْبِهِ، مِنَ الْأَخْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ ) وروی الإمام أحمد وابن أبى حاتم وغيرهما عن أيوب عن سعيد بن جبير قال : ما بلغنى حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه إلا وجدت تصديقه فى كتاب الله؛ حتى بلغنى أنه قال: ((لا يسمع بي أحد من هذه الأمة لا يهودي ولا نصرانى ثم لم يؤمن بما أرسلت به إلا دخل النار)) قال سعيد: فقلت أبن هذا فى كتاب اللّه حتى أتيت على هذه الآية: ( وَمَن يَكْفُرْبِهِ، مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوِْدُهُ ) قال الأحزاب هي الملل كلها . وقوله تعالى: (أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ) أي كل من كان على بينة من ربه ، فإنه يؤمن بالشاهد من الله، والإيمان به إيمان بما جاء به موسى، قال : ( أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ) وم المتبعون لمحمد صلى الله عليه وسلم من أصحابه وغيرم إلى قيام الساعة ، ثم قال : (وَمَن يَكْفُرْبِهِ، مِنَ والأحزاب هم أصناف الأمم ، الذين بحزبوا اُلْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ ) وصاروا أحزاباً، كما قال تعالى: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمِّ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَِّ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ ) . وقد ذكر الله طوائف الأحزاب فى مثل هذه السورة وغيرها ، وقد قال تعالى عن مكذبى محمد صلى الله عليه وسلم: (جُنْدٌ مَّا هُنَالِكَ مَهُزُومٌ مِّنَ اْلْأَحْزَابِ) وهم الذين قال فيهم: ( فَقِمْ وَجْهَكَ لِلِينِ حَنِيفًا ٧٥ فِطْرَتَ اُللَّهِالَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * مُنِيِينَ إِلَيْهِ وَأَتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُوْشِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَالَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) ، وقال عن أحزاب النصارى: (فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَدْنِهِمٌ فَوَيِلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) الآيات . وأما من قال: الضمير فى قوله: (أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ) يعود على أهل الحق قال: إنه موسى وعيسى ومحمد . فإنه إن أراد بهم من كان مؤمناً بالكتابين قبل نزول القرآن فلم يتقدم لهم ذكر ، والضمير فى قوله ( به ) مفرد ، ولو آمن مؤمن بكتاب موسى دون الإنجيل بعد نزوله وقيام الحجة عليه به لم يكن مؤمناً . وهذان القولان حكاها أبو الفرج ولم يسم قائلها ، والبغوي وغيره لم يذكروا نزاعا فى أنهم من آمن بمحمد ، ولكن ذكروا قولا إنهم من آمن به من أهل الكتاب ، وهذا قريب . ولعل الذي حكى قولهم أبو الفرج أرادوا هذا ، وإلا فلا وجه لقولهم . ومن العجب أن أبا الفرج ذكر بعد هذا في الأحزاب أربعة أقوال : ((أحدها)) أنهم جميع الملل ، قاله سعيد بن جبير . ٧٦ و((الثانى)) اليهود والنصارى، قاله قتادة . و ((الثالث)) قريش ، قاله السدى . و ((الرابع)) بنوا أمية وبنوا المغيرة. قال [أي ] أبى طلحة بن عبد العزى قاله مقاتل . وهذه الآية تقتضي أن الضمير يعود إلى القرآن فى قوله : ( وَمَن يَكْفُرْبِهِ )، وكذلك: (أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ) إنه القرآن ، ودليله قوله تعالى: ( فَلَتَكُ فِى مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ أَ لْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ) وهذا هو القرآن بلا ريب ، وقد قيل: هو الخبر المذكور ، وهو أنه من يكفر به من الأحزاب ، وهذا أيضا هو القرآن ، فعلم أن المراد هو الإيمان بالقرآن ، والكفر به باتفاقهم ، وأنه من قال في أولئك إنهم غير من آمن بمحمد لم يتصور ما قال . وقد تقدم في قوله : (وَمِن قَبْلِهِ كِنَبُ مُوسَى ) وجهان . هل هو عطف جملة أو مفرد ؛ لكن الأكثرون على أنه مفرد . وقال الزجاج المعنى : وكان من قبل هذا كتاب موسى . دليل على أمر محمد ، فيتلون كتاب موسى عطفا على قوله : (وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌمِّنْهُ ) أي ويتلو كتاب موسى ؛ لأن موسى وعيسى بشرا بمحمد في التوراة والإنجيل ، ونصب إما ما على الحال . ٧٧ قلت : قد تقدم أن الشاهد يتلو على من كان على بينة من ربه ، أي يتبعه شاهداً له بما هو عليه من البينة. وقوله: ( أَفَمَنْ كَانَ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ ) كمن لم يكن، قال الزجاج: وترك المعادلة ؛ لأن فيما بعده دليلا عليه، وهو قوله: (مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيع ) قال ابن قتيبة : لما ذكر قبل هذه الآية قوما ركنوا إلى الدنيا وأرادوها جاء بهذه الآية ، وتقدير الكلام : أهمن كانت [ هذه ] حاله كمن يريد الدنيا ؟ فاكتفى من الجواب بما تقدم إذ كان دليلا عليه ، وقال ابن الأنباري : إنما حذف لانكشاف المعنى ، وهذا كثير فى القرآن. قلت : نظير هذه الآية من المحذوف: ( أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُسُوَءُ عَمَلِهِ، فَرَءَاهُ حَسَنًا ) كمن ليس كذلك، وقد قال بعد هذا : (وَمَن يَكْفُرْبِهِ، مِنَ الْأَحْزَابِ ) وهذا هو القسم الآخر المعادل لهذا الذي هو على بينة من ربه، وعلى هذا يكون معناها ( أَفَن كَانَ عَلَى بِنَةٍ مِّن ◌َّبِّهِ، كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوْءُ ويكون أيضاً معناها: (أَفَ كَانَ عَلَى بِنَةٍ عَمَلِهِ، وَنَّبَعُوْأَهْوَآءَ هُمْ )، أي بصيرة فى دينه ، كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها ، مِّنرَِّّهِ ) وهذا كقوله: ( أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ ) الآية. وكقوله (أَفَنْ كَانَ عَلَى بَيَِّةٍ مِّن رَّيِّهِ، كَمَن زُيِّنَ لَهُرُسُوءُ عَمَلِهِ) وقوله: ( أَفَمَنْ يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُنَّبَعَ أَمَّنْ لَّاَهِدّىّ ) الآية . والمحذوف فى مثل هذا النظم قد يكون غير ذلك، كقوله : ( أَوَمَن ٧٨ يُنَشَؤُّافِى الْحِلْيَةِ ) أي تجعلون له من ينشأ فى الحلية ، ولابد من دليل على المحذوف، وقد يكون المحذوف ، مثل أن يقال: أفمن هذه حاله يذم أو يطعن عليه أو يعرض عن متابعته ، أو يفتن أو يعذب ، كما قال: ( أَفَنْ زُيِنَ لَهُسُوءُ عَمَلِهِ، فَرَءَاهُ حَسَنَّا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ). وقد قيل فى هذه الآية إن المحذوف: ( أَفَمَنْ زُيِنَّ لَهُسُوْءُ عَمَلِهِ ) فرأى الباطل حقاً؟ والقبيح حسناً كمن هداه الله فرأى الحق حقاً والباطل باطلا والقبيح قبيحاً والحسن حسناً ؟ وقيل: جوابه تحت قوله: ( فَلَا نَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَتٍ ) ؛ لكن يرد عليه أن يقال : الاستفهام ما معناه إلا أن تقدر . أي : هذا تقدر أن تهديه ، أو ربك؟ أو تقدر أن تجزبه كما قال: (أَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ, هَوَنَهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ) ولهذا قال: (فَإِنَّاللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ) وكما قال: ( أَفَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَا إِلَهَهُ هَوَنُهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ) الآية. وعلى هذا يكون معناها كمعنى قوله: ( أَفَنْ كَانَ عَلَى بِنَةٍ مِّن رَّيِّهِ كُمَن زُيِّنَ لَهُسُوْءُ عَمَلِهِ ). وعلى هذا فالمعنى هنا : ( أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ، وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌمِّنْهُ يذم ويخالف ويكذب ونحو ذلك ، كقوله : وَمِن قَبْلِهِ، كِنَبُ مُوسَى) وحذف جواب (قُلْ إِنِ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّ وَكَذَّبْتُمبِهِ ) ٧٩ الشرط ، وكقوله : أَرَيْتَ إِنَ كَذَّبَ وَتَوَّ ) . ( أَرَءَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَىّ * أَوْأَمَرَ بِالنَّقْوَى * فقد تبين أن معنى الآية من أشرف المعانى وهذا هو الذي ينتفع به كل أحد ، وأن الآية ذكرت من كان على بينة من ربه ، من الإيمان الذي شهد له القرآن ، فصار على نور من ربه وبرهان من ربه على مادلت عليه البراهين العقلية والسمعية ، كما قال: (وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُورَّا مُبِينًا ) فالنور المبين المنزل يتناول القرآن. قال قتادة : بينة من ربكم ، وقال الثوري : هو النبى صلى الله عليه وسلم، وقال البغوي: هذا قول المفسرين ولم أجده منقولا عن غير الثانى ، ولا ذكره ابن الجوزي عن غيره . وذكر فى البرهان ثلاثة أقوال : أحدها : أنه الحجة . والثاني : أنه الرسول، وذكر أنه القرآن عن قتادة . والذي رواه ابن أبى حاتم عن قتادة بالإسناد الثابت أنه بينة من الله، والبينة والحجة تتناول آيات الأنبياء التى بعثوا بها ، فكل ما دل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فهو برهان. قال تعالى: ( فَذَنِكَ بُرْهَنَانِ مِن رَّكَ ) وقال لمن قال : لا يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ، قل : هاتوا برهانكم . ومحمد هو الصادق المصدوق ، قد أقام الله على صدقه براهين كثيرة ٨٠