Indexed OCR Text
Pages 21-40
وسبب هذا عدم اقتران الخوف من الله بحبه وإرادته ؛ ولهذا قال بعض السلف : من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري ، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن . والمقصود أن تجريد الحب والذكر عن الخوف يوقع فى هذه المعاطب ، فإذا اقترن بالخوف جمعه على الطريق ورده إليها كلما كلها شىء كالخائف الذي معه سوط يضرب به مطيته ؛ لثلا يخرج عن الطريق . والرجا حاد يحدوها يطلب لها السير ، والحب قائدها وزمامها الذي بشوقها ، فإذا لم يكن للمطية سوط ولا عصا يردها إذا حادت عن الطريق خرجت عن الطريق وظلت عنها . فما حفظت حدود الله ومحارمه، ووصل الواصلون إليه بمثل خوفه ورجائه ومحبته ، فمتى خلا القلب من هذه الثلاث فسد فساداً لا يرجى صلاحه أبداً ، ومتى ضعف فيه شيء من هذه ضعف إيمانه بحسبه ، فتأمل أسرار القرآن وحكمته في اقتران الخيفة بالذكر ، والخفية بالدعاء ، مع دلالته على اقتران الخفية بالدعاء والخيفة بالذكر أيضاً ، وذكر الطمع الذى هو الرجاء فى آية الدعاء ؛ لأن الدعاء مبنى عليه ، فإن الداعي ما لم يطمع في سؤاله ومطلوبه لم تتحرك نفسه لطلبه ؛ إذ طلب مالا طمع له فيه ممتنع ، وذكر الخوف فى آية الذكر لشدة حاجة الخائف ٢١ إليه، فذكر فى كل آية ما هو اللائق بها من الخوف والطمع ، فتبارك من أنزل كلامه شفاء لما في الصدور . وقوله تعالى: ( إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) قيل المراد أنه لا يحب المعتدين فى الدعاء ، كالذي يسأل ما لا يليق به من منازل الأنبياء وغير ذلك. وقد روى أبو داود فى سننه عن عبد الله بن معقل أنه سمع ابنه يقول: ((اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها )) فقال : يابنى! سل الله الجنة وتعوذ به من النار ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((سيكون فى هذه الأمة قوم يعتدون فى الطهور والدعاء )) وعلى هذا فالاعتداء فى الدعاء تارة بأن يسأل ما لا يجوز له سؤاله من المعونة على المحرمات . وتارة يسأل ما لا يفعله الله ، مثل أن يسأل تخليد. إلى يوم القيامة ، أو يسأله أن يرفع عنه لوازم البشرية : من الحاجة إلى الطعام والشراب . ويسأله بأن يطلعه على غيبه ، أو أن يجعله من المعصومين ، أو يهب له ولداً من غير زوجة ، ونحو ذلك مما سؤاله اعتداء لا يحبه الله ، ولا يحب سائله. وفسر الاعتداء برفع الصوت أيضاً فى الدعاء . وبعد : فالآية أعم من ذلك كله ، وإن كان الاعتداء بالدعاء مرادا ٢٢ بها فهو من حملة المراد ( إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) في كل شيءٍ: دعاء كان أو غيره؛ كما قال تعالى: (وَلَا تَعْتَّدُ وَأَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) وعلى هذا : فيكون أمر بدعائه وعبادته ، وأخبر أنه لا يحب أهل العدوان ، وهم يدعون معه غيره ، فهؤلاء أعظم المعتدين عدواناً ؛ فإن أعظم العدوان الشرك ، وهو وضع العبادة فى غير موضعها ، فهذا العدوان لابد أن يكون داخلا في قوله تعالى: (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) ومن العدوان أن يدعوه غير متضرع : بل دعاء هذا كالمستغنى المدلى على ربه ، وهذا من أعظم الاعتداء لمنافاته لدعاء الذليل . فمن لم يسأل مسألة مسكين متضرع خائف فهو معتد . ومن الاعتداء أن يعبده بما لم يشرع ، ويشى عليه بما لم يكن به على نفسه ، ولا أذن فيه ، فإن هذا اعتداء في دعائه: الثناء والعبادة، وهو نظير الاعتداء في دعاء المسألة والطلب . وعلى هذا فتكون الآية دالة على شيئين : ((أحدهما)) محبوب للرب سبحانه وهو الدعاء تضرعا وخفية . ((الثاني)) مكروه له مسخوط وهو الاعتداء ، فأمر بما يحبه وندب إليه ، وحذر مما يبغضه وزجر عنه بما هو أبلغ طرق الزجر والتحذير ، ٢٣ وهو لا يحب فاعله ، ومن لا يحبه الله فأي خير يناله ؟ وقوله تعالى: (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) عقيب قوله: (أَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ) دليل على أن من لم يدعه تضرعا وخفية ، فهو من المعتدين الذين لا يحبهم ؛ فقسمت الآية الناس إلى قسمين : داع لله تضرعا وخفية ، ومعتد بترك ذلك . وقوله تعالى: ( وَلَا تُفْسِدُ وا فِى الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ) قال أكثر المفسرين : لا تفسدوا فيها بالمعاصي ، والداعي إلى غير طاعة الله بعد إصلاح الله إياها ببعث الرسل وبيان الشريعة والدعاء إلى طاعة الله [ مفسد] فإن عبادة غير اللّه والدعوة إلى غيره والشرك به هو أعظم الفساد فى الأرض ، بل فساد الأرض في الحقيقة إنما هو الشرك بالله ، ومخالفة أمره. قال الله تعالى: (ظَهَرَ اُلْفَسَادُ فِي الْبَرِّوَالْبَحْرِبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِِ ) قال عطية فى الآية: ولا تعصوا فى الأرض فيمسك الله المطر ، ويهلك الحرث بمعاصيكم . وقال غير واحد من السلف: إذا قحط المطر فالدواب تلعن عصاة بنى آدم ، فتقول : اللهم العنهم فبسببهم أجدبت الأرض ، وقحط المطر . و« بالجملة)) فالشرك والدعوة إلى غير الله وإقامة معبود غيره، أو مطاع متبع غير الرسول صلى الله عليه وسلم ، هو أعظم الفساد ٢٤ فى الأرض ، ولا صلاح لها ولأهلها إلا أن يكون اللّه وحده هو المعبود والدعوة له لا لغيره ، والطاعة والاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم وغيره إنما يجب طاعته إذا أمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن أمر بمعصيته فلا سمع ولا طاعة: فإن الله أصلح الأرض برسوله صلى الله عليه وسلم ودينه، وبالأمر بالتوحيد، ونهى عن فسادها بالشرك به ، ومخالفة رسوله صلى الله عليه وسلم . ومن تدبر أحوال العالم وجد كل صلاح فى الأرض فسببه توحيد الله وعبادته، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم. وكل شر فى العالم وفتنة وبلاء وقحط وتسليط عدو وغير ذلك ؛ فسببه مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم والدعوة إلى غير الله. ومن تدبر هذا حق التدبر وجد هذا الأمر كذلك فى خاصة نفسه ، وفى غيره عموماً وخصوصاً ولا حول ولا قوة إلا بالله . وقوله تعالى: ( وَأَدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ) إنما ذكر الأمر بالدعاء لما ذكره معه من الخوف والطمع ، فأمر أولا بدعائه تضرعا وخفية ، ثم أمر أيضاً أن يكون الدعاء خوفاً وطمعاً . وفصل الجملتين بجملتين : ((إحداهما)) خبرية ومتضمنة للنهي، وهي قوله: (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) ٢٥ و ((الثانية)) طلبية. وهي قوله تعالى: (وَلَا تُفْسِدُ واْ فِى الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا) والجملتان مقررتان للجملة الأولى ، مؤكدتان لمضمونها . ثم لما تم تقريرها وبيان ما يضاده أمر بدعائه خوفاً وطمعاً ؛ لتعلق قوله: ( إِنَّهُ لَايُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) بقوله تعالى: (أُدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ) . ولما كان قوله: (وَأَدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا) مشتملاً على جميع مقامات الإيمان والإحسان ، وهي الحب والخوف والرجاء : عقبها بقوله ( إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ) أي: إنما تنال من دعاه خوفاً وطمعاً ، فهو المحسن والرحمة قريب منه ؛ لأن مدار الإحسان على هذه الأصول الثلاثة . ولما كان دعاء التضرع والخفية يقابل الاعتداء بعدم التضرع والخفية عقب ذلك بقوله تعالى: ( إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) . وانتصاب قوله : ( تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ) (خَوْفًا وَطَمَعًا) على الحال ، أى ادعوه متضرعين إليه ، مختفين خائفين مطيعين . وقوله : (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ) فيه تنبيه ظاهر على أن فعل هذا المأمور هو الإحسان المطلوب منكم ، ومطلوبكم أنتم من ٢٦ الله رحمته ، ورحمته قريب من المحسنين ، الذين فعلوا ما أمروا به من دعائه تضرعاً وخفية ، وخوفاً وطمعاً . فقرر مطلوبكم منه، وهو الرحمة بحسب أدائكم المطلوبه ، وإن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم . وقوله تعالى: ( إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ ) له دلالة منطوقه ، ودلالة بإيمائه وتعليله بمفهومه . فدلالته بمنطوقه على قرب الرحمة من أهل الإحسان ، ودلالته بإيمائه وتعليله على أن هذا القرب مستحق بالإحسان ، وهو السبب في قرب الرحمة منهم ، ودلالته بمفهومه على بعده من غير المحسنين . فهذه ثلاث دلالات لهذه الجملة ؛ وإنما اختص أهل الإحسان بقرب الرحمة ، لأنها إحسان من الله عز وجل أرحم الراحمين ، وإحسانه تبارك وتعالى إنما يكون لأهل الإحسان ؛ لأن الجزاء من جنس العمل وكلما أحسنوا بأعمالهم أحسن إليهم برحمته، وأما من لم يكن من أهل الإحسان فإنه لما بعد عن الإحسان بعدت عنه الرحمة ، بعد ببعد ، وقرب بقرب ، فمن تقرب إليه بالإحسان تقرب الله إليه برحمته ، ومن تباعد عن الإحسان تباعد اللّه عنه برحمته . واللّه سبحانه يحب المحسنين، ويبغض من ليس من المحسنين، ومن أحبه الله فرحمته أقرب شيء منه، ومن أبغضه الله فرحمته أبعد ٢٧ شيء منه ، والإحسان ههنا هو فعل المأمور به ، سواء كان إحساناً إلى الناس أو إلى نفسه ، فأعظم الإحسان الإيمان والتوحيد والإنابة إلى الله تعالى، والإقبال إليه والتوكل عليه، وأن يعبد الله كأنه راه إجلالا ومهابة . وحياء ومحبة وخشية . فهذا هو مقام ((الإحسان)) كما قال النبى صلى الله عليه وسلم وقد سأله جبريل عليه السلام عن الإحسان: فقال: ((أن تعبد الله كأنك تراه)) فإذا كان هذا هو الإحسان فرحمته قريب من صاحبه ؛ وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان ؟! يعني هل جزاء من أحسن عبادة ربه إلا أن بحسن ربه إليه ، قال ابن عباس - رضي الله عنها - هل جزاء من قال لا إله إلا اللّه وعمل بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم إلا الجنة؟. وقد ذكر ابن أبي شيبة وغيره من حديث الزبير بن عدي عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قرأ رسول الله صلى الله (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَنِ إِلَّا الْإِحْسَنُ) ثم قال: هل عليه وسلم: تدرون ما قال ربكم ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة)). آخر الكلام على الآيتين، والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على محمد، وآله وصحبه وسلم . ٢٨ وقال شيخ الإسلام وحمد الله (قَالَ الْعَلَأُ الَّذِينَ أُسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ، لَنُخْرِجَنَّكَ يَشُعَيْبُ قوله سبحانه : وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْلَتَعُودُنَّ فِىِ مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُتَّاكَِهِينَ * قَدِ اُفْتَرَيْنَا عَلَاَللّهِ كَذِّبَا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ غَثْنَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ تَّعُودَ فِيَهَا إِلَّ أَن يَشَآءَ اَللَّهُرَبُّنَا) ظاهره دليل على أن شعيبا والذين آمنوا معه كانوا على ملة قومهم : لقولهم : ( أَوْلَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ) ولقول شعيب: (أ) نعود فيها ( أَوَلَوْ كُتَّاكَرِهِينَ ) ولقوله: (قَدِ أَفْتَرَ ئِنَا عَلَى اللّهِ كَذِّبَا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّيِكُمْ ) فدل على أنهم كانوا فيها . ولقوله: (بَعْدَ إِذْ نَجَتْنَا اللَّهُ مِنْهَا). فدل على أن الله أنجاهٍ منها بعد التلوث بها ؛ ولقوله: (وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ تَّعُودَ فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللّهُ رَبُّنَا) ولا يجوز أن يكون الضمير عائداً على قومه ؛ لأنه صرح فيه بقوله : (لَتُخْرِجَّكَ يَشْعَيْبُ ) ولأنه هو المحاور له بقوله: ( أَوَلَوْ كُنَاكَرِهِينَ) إلى آخرها ، وهذا يجب أن يدخل (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ فيه المتكلم ، ومثل هذا فى سورة إبراهيم لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِّنْ أَرْضِنَا أَوْلَتَعُودَُ فِى مِلَّتِنَا فَأَوْحَىّ إِلَيْهِمْ رَيُّهُمْ لَتُهُلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ) الآية. ٢٩ وقال شيخ الإسلام هذا تفسير آيات أشكلت حتى لا يوجد فى طائفة من كتب التفسير (لَنُخْرِجَتَّكَ يَشُعَيْبُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ إلا ماهو خطأ . [ فيها ] ومنها قوله : مِن قَرْيَتِنَاً ) الآية وما في معناها . التحقيق : أن الله سبحانه إنما يصطفى لرسالته من كان خيار قومه حتى فى النسب ، كما في حديث هرقل . ومن نشأ بين قوم مشركين جهال ، لم يكن عليه نقص إذا كان على مثل دينهم ، إذا كان معروفا بالصدق والأمانة ، وفعل ما يعرفون وجوبه ، وترك ما يعرفون قبحه . (وَمَا كُتَّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا ) فلم يكن هؤلاء قال تعالى : مستوجبين العذاب . وليس في هذا ماينفر عن القبول منهم ؛ ولهذا لم بذكره أحد من المشركين قادما . وقد اتفقوا على جواز بعثة رسول لا يعرف ماجاءت به الرسل قبله من النبوة والشرائع ، وإن من لم يقر بذلك بعد الرسالة . فهو كافر ، ٣٠ والرسل قبل الوحى لا تعلمه فضلا عن أن تقربه . قال تعالى: ( يُنْزِّلُ الْمَلَمِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ ) الآيَةَ. وقال: (يُلْقِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، لِتُذِرَيَوْمَ النَّلَاقِ ) فجعل إنذارم بالتوحيد كالإنذار بيوم التلاق، وكلاهما عرفوه بالوحي . وما ذكر أنه صلى الله عليه وسلم بغضت إليه الأوثان لا يجب أن يكون لكل نى ، فإنه سيد ولد آدم ، والرسول الذي ينشأ بين أهل الكفر الذين لا نبوة لهم يكون أكمل من غيره ، من جهة تأييد الله له بالعلم والهدى ، وبالنصر والقهر ، كما كان نوح وإبراهيم . ولهذا يضيف اللّه الأمر إليها في مثل قوله: (وَلَقَدْأَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبَهِيَمَ ) الآيَةَ. (إِنَّاللّهَ اصْطَفَوَ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ ) الآيَةَ. وذلك أن نوحا أول رسول بعث إلى المشركين ، وكان مبدأ شركهم من تعظيم الموتى الصالحين . وقوم إبراهيم مبدأه من عبادة الكواكب، ذاك الشرك الأرضي ، وهذا السماوي ؛ ولهذا سد صلى الله عليه وسلم ذريعة هذا وهذا . ٣١ وقال شيخ الإسلام رحمه الله قد أخبر الله بأنه بارك فى أرض الشام فى آيات : منها قوله: ( وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْيُسْتَضْعَفُونَ مَشَرِفَ الْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا الَّتِى بَرَكْنَافِيَهَا ). ومنها قوله: (وَنَجَيْنَهُ وَلُوطًّا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِى بَرَّكْنَا فِيَهَا لِلْعَلَمِينَ). ومنها قوله: (تَجْرِى بِأَمْرِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِى بَرَّكْنَا فِيَهَا وَكُنَّابِكُلِّ شَىْءٍ عَلِمِينَ ) . ومنها قوله: (وَجَعَلْنَابَيْهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِى بَرَكْنَافِيهَا فُرَى ظَهِرَةً ) وهي قرى الشام ، وتلك قرى اليمن ، والتى بينهما قرى الحجاز ونحوها وبادت . ومنها قوله: ( إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِى بَرَّكْنَا حَوْلَهُ ). ٣٢ قال شيخ الإسلام رحمه الله: فصل قال الله تعالى: (وَأَذْكُرُرَبَّكَ فِنَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَالْجَهْرِ فأمر بذكر الله فى نفسه ، فقد يقال: مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ ) هو ذكره في قلبه بلا لسانه؛ لقوله بعد ذلك: (وَدُونَ الْجَهْرِمِنَ اُلْقَوّلِ ) وقد يقال وهو أصح: بل ذكر الله فى نفسه باللسان مع القلب، وقوله : ( وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَالْقَوْلِ) كقوله: (وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتِْهَا وَأَبْتَخْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ). وفى الصحيح عن عائشة قالت نزلت في الدعاء ، وفى الصحيح عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يجهر بالقرآن . فإذا سمعه المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ، ومن أنزل عليه ، فقال الله: لا تجهر بالقرآن فيسمعه المشركون فيسبوا القرآن، ولا تخافت به عن أصحابك فلا يسمعوه ، فنهاه عن الجهر والمخافتة . فالمخافتة هي ذكره فى نفسه ، والجهر المنهى عنه هو الجهر المذكور فى قوله: ( وَدُونَ الْجَهْرِ ) ٣٣ فإن الجهر هو الإظهار الشديد ، يقال : رجل جهوري الصوت ورجل جهير . وكذلك قول عائشة فى الدعاء، فإن الدعاء كما قال تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ) وقال: (إِذْنَادَى رَبَّهُ نِدَآءَ خَفِيًا ) فالإخفاء قد يكون بصوت يسمعه القريب وهو المناجاة ، والجهر مثل المناداة المطلقة ، وهذا كقوله صلى اللّه عليه وسلم لما رفع أصحابه أصواتهم بالتكبير ، فقال: (( أيها الناس، لربعوا على أنفسكم ، فإنكم لاتدعون أصم ولا غائباً، إنما تدعون سميعاً قريباً . إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته )) ونظير قوله: ( وَاذْكُرُرَّكَ فِى نَفْسِكَ) قوله صلى الله عليه وسلم فيما روى عن ربه (( من ذكرني فى نفسه ذكرته في نفسي . ومن ذكرنى فى ملأ ذكرته فى ملأ خير منه )) وهذا يدخل فيه ذكره باللسان فى نفسه ، فإنه جعله قسيم الذكر فى الملأ ، وهو نظير قوله : (وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ ) والدليل على ذلك أنه قال: (بِالْغُدُوِّ وَاْأَصَالِ ) ومعلوم أن ذكر الله المشروع بالغدو والآصال في الصلاة، وخارج الصلاة هو باللسان مع القلب ، مثل صلاتي الفجر والعصر : والذكر المشروع عقب الصلاتين ، وما أمر به النبى صلى الله عليه وسلم وعلمه وفعله من الأذكار والأدعية المأثورة من عمل اليوم والليلة المشروعة ٣٤ طرفي النهار بالغدو والآصال . وقد يدخل فى ذلك أيضاً ذكر الله بالقلب فقط ؛ لكن يكون الذكر فى النفس كاملا وغير كامل ؛ فالكامل باللسان مع القلب ، وغير الكامل بالقلب فقط . (وَيَقُولُونَ فِى أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّ بُنَا اللَّهُ ويشبه ذلك قوله تعالى : بِمَانَقُولُ ) فإن القائلين بأن الكلام المطلق كلام النفس استدلوا بهذه الآية ، وأجاب عنها أصحابنا وغيرهم بجوابين: ((أحدهما)) أنهم قالوا بألسنتهم قولا خفياً. و ((الثاني)) أنه قيده بالنفس ، وإذا قيد القول بالنفس فإن دلالة المقيد خلاف دلالة المطلق. وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم: ((إن اللّه تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به)) فقوله حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به دليل على أن حديث النفس ليس هو الكلام المطلق ، وأنه ليس باللسان . ( وَأَسِرُ وا قَوْلَكُمْ أَوِأَجْهَرُ واْيَِّإِنَّهُ. وقد احتج بعض هؤلاء بقوله : وجعلوا القول المسر في القلب دون اللسان : عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) لقوله: (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) وهذه حجة ضعيفة جداً ؛ لأن ٣٥ يبين أن القول يسر به تارة (وَأَسِرُ واقَوْلَكُمْ أَوِأَجْهَرُواْبِهِ ) قوله : ويجهر به أخرى ، وهذا إنما هو فيما يكون فى القول الذي هو بحروف مسموعة . وقوله بعد ذلك: (إِنَّهُ, عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى فإنه إذا كان عليماً بذات الصدور فعلمه بالقول المسر والمجهور به أولى . ونظيره قوله: (سَوَاءٌ مِّنكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَبِهِ، وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِأَلَيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ ). ٣٦ سورة الأنفال وقال شيخ الإسلام فصل قال سبحانه في قصة بدر: ( إِذْتَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِى مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَتَبِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّبُشْرَى وَلِتَطْمَیِنَّبِهِ، فوعدم بالإمداد بألف وعداً مطلقاً ، وأخبر أنه قُلُوبُكُمْ ) جعل إمداد الألف بشرى ولم يقيده ، وقال فى قصة أحد : ( إِذْتَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمَِّّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ ءَالَفٍ مِّنَ الْمَلَئِكَةِ مُنْزَلِينَ بَنْ إِن تَصْبِرُ واْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِذَّكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِءَ الَفٍمِنَ اُلْمَلَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ ) فإن هذا أظن فيه قولين: ((أحدهما)) أنه متعلق بأحد؛ لقوله بعد ذلك: (لِيَقْطَعَ طَرَفَا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ ) الآية. ولأنه وعد مقيد ، وقوله فيه : ( وَمَا ٣٧ جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِنَطْمَيِنَّ قُلُوبُكُمبِهِ ) يقتضى خصوص البشرى بهم . وأما قصة بدر فإن البشرى بها عامة ، فيكون هذا كالدليل على ما روى من أن ألف بدر باقية فى الأمة ، فإنه أطلق الإمداد والبشرى وقدم ( به ) على ( لكم) عناية بالألف ، وفى أحد كانت العناية بهم لو صبروا فلم يوجد الشرط . ٣٨ وقال رحمه الله فصل في قوله : (فَلَمْ تَّقْتُلُوهُمْ) الآية ثلاثة أقوال : ((أحدها)) أنه مبني على أن الفعل المتولد ليس من فعل الآدمي؛ بل من فعل الله والقتل هو الإزهاق ، وذاك متولد ، وهذا قد يقوله من ينفى التولد وهو ضعيف ؛ لأنه نفى الرمى أيضاً ، وهو فعل مباشر، ولأنه قال: (فَأَقْنُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ) وقال: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا) فأثبت القتل. ولأن القتل هو الفعل الصالح للإزهاق، ليس هو الزهوق ؛ بخلاف الإماتة . ((الثاني)» أنه مبنى على خلق الأفعال ، وهذا قد يقوله كثير من الصوفية ، وأظنه مأثوراً عن الجنيد سلب العبد الفعل، نظراً إلى الحقيقة؛ لأن الله هو خالق كل صانع وصنعته ، وهذا ضعيف لوجهين . ((أحدهما)) أنا وإن قلنا يخلق الفعل فالعبد لا يسلبه ، بل يضاف ٣٩ الفعل إليه أيضاً ، فلا يقال ما آمنت ولا صليت ، ولا صمت ، ولا صدقت ، ولا علمت ، فإن هذا مكابرة ؛ إذ أقل أحواله الاتصاف وهو ثابت . وأيضاً فإن هذا لم يأت فى شيء من الأفعال المأمور بها إلا في القتل والرمي بيدر ، ولو كان هذا لعموم خلق الله أفعال العباد لم يختص بيدر . ((الثالث)» أن الله سبحانه خرق العادة فى ذلك ، فصارت رؤوس المشركين تطير قبل وصول السلاح إليها بالإشارة ، وصارت الجريدة تصير سيفاً يقتل به . وكذلك رمية رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابت من لم يكن فى قدرته أن يصيبه ، فكان ما وجد من القتل وإصابة الرمية خارجاً عن قدرتهم المعهودة، فسلبوه لانتفاء قدرتهم عليه، وهذا أصح ، وبه يصح اتجمع بين النفي والإثبات (وَمَارَمَيْتَ) أي ما أصبت (إِذْرَمَيْتَ ) إذ طرحت ( وَلَكِنَّ اللَّهَ رَفَى ) أُصاب . وهكذا كل ما فعله اللّه من الأفعال الخارجة عن القدرة المعتادة ، بسبب ضعيف ، كإنباع الماء وغيره من خوارق العادات ، أو الأمور الخارجة عن قدرة الفاعل ، وهذا ظاهر ، فلا حجة فيه لا على الجبر ولا على نفي التولد . ٤٠