Indexed OCR Text
Pages 401-420
والثانى أن المراد بـ ((الَّذِينَ يَدْعُونَ)) عيسى وعزيراً والملائكة، الذين عبدم المشركون، لا يملك هؤلاء الشفاعة لأحد ((إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ )) وهي كلمة الإخلاص ((وَهُمْ يَعْلَمُونَ)) أن الله خلق عيسى وعزيرا والملائكة . وهذا مذهب قوم ، منهم مجاهد . وقال البغوي ((وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ الشَّفَعَةَ إِلَّ مَن شَهِدَ بِأَلْحَقِّ)) ثم عيسى وعزير والملائكة . فإنهم عبدوا من دون الله . ولهم الشفاعة. وعلى هذا تكون ((من)) فى محل رفع. وقيل (( من)) فى محل خفض . وأراد بالذين يدعون : عيسى وعزيراً والملائكة . يعنى : أنهم لا يملكون الشفاعة إلا لمن شهد بالحق . قال : والأول أصح . قلت : قد ذكر جماعة قول مجاهد وقتادة ، منهم ابن أبى حاتم . روى بإسناده المعروف - على شرط الصحيح - عن مجاهد عيسى وعزير ((وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ الشَّفَعَةَ » قوله والملائكة، يقول: لا يشفع عيسى وعزير والملائكة ((إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقّ)) يعلم الحق. هذا لفظه. جعل ((شفع)) متعديا بنفسه وكذلك لفظ (١). وعلى هذا فيكون منصوبا ، لا يكون مخفوضاً ، كما قاله البغوي . (١) بياض بالأصل . ٤٠١ فإن الحرف الخافض إذا حذف انتصب الاسم . ويكون على هذا يقال: شفعته، وشفعت له، كما يقال: نصحته، ونصحت له. و ((شفع)) أي صار شفيعاً للطالب. أي لا يشفعون طالباً ولا يعينون طالباً ((إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ )) أن الله ربهم . وروى بإسناده عن قتادة ((إِلَّامَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)) الملائكة وعيسى وعزير. أي أنهم قد عبدوا من دون الله، ولهم شفاعة عند الله ومنزلة . قلت : كلا القولين معناه صحيح . لكن التحقيق في تفسير الآية : أن الاستثناء منقطع . ولا يملك أحد من دون الله الشفاعة مطلقاً . لا يستثنى من ذلك أحد عند الله. فإنه لم يقل: ولا يشفع أحد . ولا قال : لا يشفع لأحد، بل قال (( وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَعَةَ» وكل من دعى من دون الله لا يملك الشفاعة ألبتة . والشفاعة بإذن ليست مختصة بمن عبد من دون الله ؛ وسيد الشفعاء صلى الله عليه وسلم لم يعبد كما عبد المسيح. وهو - مع هذا - له شفاعة، ليست لغيره . فلا يحسن أن تثبت الشفاعة لمن دعى من دون الله دون من لم يدع. ٤٠٢ فمن جعل الاستثناء متصلا ، فإن معنى كلامه : أن من دعى من دون الله لا يملك الشفاعة، إلا أن يشهد بالحق وهو يعلم ، أو لا يشفع إلا لمن شهد بالحق وهو يعلم. ويبقى الذين لم يدعوا من دون الله، لم تذكر شفاعتهم لأحد . وهذا المعنى لا يليق بالقرآن ولا يناسبه . وسبب نزول الآية ببطله أيضاً . ((وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ الشَّفَعَةَ)) يتناول وأيضاً فقوله كل معبود من دونه . ويدخل فى ذلك الأصنام . فإنهم كانوا يقولون : ثم يشفعون لنا . قال تعالى (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءٍ شُفَعَتُنَا عِندَ اللَّهِقُلْ أَتْنَبِقُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِ اَلْأَرْضِ ). فإذا قيل : إنه استثنى الملائكة والأنبياء ، كان فى هذا إطماع لمن عندم أن معبوديهم من دون الله يشفعون لهم . وهذا مما يبين فساد القول المذكور عن قتادة . فإنه إذا كان المعنى : أن المعبودين لا يشفعون إلا إذا كانوا ملائكة أو أنبياء كان فى هذا إثبات شفاعة المعبودين لمن عبدوم ، إذا كانوا ٤٠٣ صالحين . والقرآن كله يبطل هذا المعنى . ولهذا قال تعالى ( وَكَوْمِّن مَّلَكِ فِ السَّمَوَتِ لَاتُغْنِى شَفَعَهُهُمْ شَيْئًا إِلَّ مِنْ بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَى) وقال تعالى (وَقَالُواْاتَّخَذَّ الرَّحْمَنُ وَلَدَ أْسُبْحَنَّةً، بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَبْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ أَرْتَضَى وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ، مُشْفِقُونَ) فبين أنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى الرب . فعلم : أنه لا بد أن يؤذن لهم فيمن يشفعون فيه ، وأنهم لا يؤذن لهم إذن مطلق . وأيضاً فإن في القرآن : إذا نفى الشفاعة من دونه : نفاها مطلقاً . فإن قوله ((من دونه)) إما أن يكون متصلا بقوله ((يملكون)) أو بقوله (( يدعون)) أو بهما . فالتقدير: لا يملك الذين يدعونهم الشفاعة من دونه . أو لا يملك الذين يدعونهم من دونه أن يشفعوا . وهذا فأخر أظهر. لأنه قال ((وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَعَةَ)) ((الشفاعة)) وقدم ((من دونه)). ومثل هذا كثير فى القرآن ((يدعون من دون الله)) و((يعبدون من دون اللّه)) كقوله (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنَفَعُهُمْ) وقوله (وَلَا تَدْعُ مِن دُونِاللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُكَ ). بخلاف ما إذا قيل : لا يملك الذين يدعون الشفاعة من دونه . ٤٠٤ فإن هذا لا نظير له في القرآن. واللفظ المستعمل فى مثل هذا أن يقال : لا يملك الذين يدعون الشفاعة إلا بإذنه ، أو لمن ارتضى ، ونحو ذلك. لا يقال فى هذا المعنى ((من دونه)) فإن الشفاعة هي من عنده. فكيف تكون من دونه ؛ لكن قد تكون بإذنه ، وقد تكون بغير إذنه . وأيضاً، فإذا قيل ((الذين يدعون)) مطلقاً . دخل فيه الرب تعالى. فإنهم كانوا يدعون الله، ويدعون معه غيره . ولهذا قال (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَاءَاخَرَ). والتقدير الثالث : لا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة من دونه وهذا أجود من الذي قبله . لكن يرد عليه ما يرد على الأول . ومما يضعفها: ((أن الشفاعة)) لم تذكر بعدها صلة لها . بل قال فنفى ملكهم الشفاعة (( وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَعَةَ)) مطلقاً. وهذا هو الصواب . وأن كل من دعى من دون الله: لايملك الشفاعة . فإن المالك للشيء : هو الذي يتصرف فيه بمشيئته وقدرته . والرب تعالى لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه . فلا يملك أحد من المخلوقين الشفاعة بحال. ولا يقال فى هذا ((إلا بإذنه)) إنما يقال ذلك فى الفعل. فيقال (مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّ بِإِذْنِهِ). ٤٠٥ وأما فى الملك: فلا يمكن أن يكون غيره مالكا لها . فلا يملك مخلوق الشفاعة بحال ، ولا يتصور أن يكون نى فمن دونه مالكا لها . بل هذا ممتنع ، كما يمتنع أن يكون خالقاً وربا، وهذا كما قال (قُلِ أَدْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ اللَّهِلَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِى السَّمَوَتِ وَلَا فِى الْأَرْضِ وَمَا فنفى الملك لَهُمْ فِيهِمَا مِن ◌ِشِرَاءٍ وَمَا لَهُمِنْهُمْ مِّنْ ظَهِيرٍ ) فنفى نفع (وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ) مطلقاً . ثم قال الشفاعة إلا لمن استثناه . لم يثبت أن مخلوقا يملك الشفاعة . بل هو سبحانه له الملك وله الحمد . لا شريك له في الملك قال تعالى (تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ اَلْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا * الَّذِى لَهُوَهُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيٌِ فِ الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍفَقَدَّرَهُ نَقْدِيرًا). ولهذا - لما نفى الشفعاء من دونه - نقام نفياً مطلقاً بغير استثناء . وإنما يقع الاستثناء : إذا لم يقيدهم بأنهم من دونه . كما قال تعالى ( وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ، وَلِىٌّ وَلَا شَفِيْعٌ) وكما قال تعالى (وَذَكِّرْبِهِ: أَنْ تُبْسَلَ نَفْسُلُ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ فلما قال وَلِىٌّ وَلَا شَفِيعُ) وكما قال تعالى (مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ، مِن وَلِيٍّوَلَا شَفِيع ) ((من دونه)) نفى الشفاعة مطلقاً. وإذا ذكر ((بإذنه)» لم يقل ((من دونه)) كقوله (مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ، إِلَّبِإِذْنِ) ٤٠٦ وقوله (مَامِن شَفِيعِ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ). فمن تدبر القرآن: تبين له أنه كما قال تعالى (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ يشبه بعضه بعضاً . ويصدق بعضه بعضا . اْحَدِيثِ كِتَبًامُتَشَبِهَا مَثَانِىَ) ليس بمختلف ولا بمتناقض (وَلَوْكَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَفًّا كَثِيرًا). وهو (( مثانى)) يثني الله فيه الأقسام ، ويستوفيها . والحقائق: إما متماثلة. وهي ((المتشابه)) وإما ماثلة . وهي : الأصناف والأقسام والأنواع. وهي ((المثانى)). و ((التثنية)) يراد بها : جنس التعديد، من غير اقتصار على اثنين فقط. كما فى قوله تعالى (أَرْجِعِ الْصَرَّكَنَنِ) يراد به: مطلق العدد ، كما تقول : قلت له مرة بعد مرة. تريد : جنس العدد . وتقول : هو يقول كذا ، ويقول كذا . وإن كان قد قال مرات ، كقول حذيفة ابن اليمان رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ((جعل يقول بين السجدتين: رب اغفر لي . رب اغفر لي)) لم يرد : أن هذا قاله مرتين فقط، كما يظنه بعض الناس الغالطين. بل يريد: أنه جعل يثنى هذا القول ، ويردده ، ويكرره ، كما كان يثنى لفظ التسبيح . ٤٠٧ وقد قال حذيفة رضى الله عنه فى الحديث الصحيح الذي رواه مسلم ( إنه ركع نحواً من قيامه، يقول فى ركوعه : سبحان ربي العظيم. سبحان ربي العظيم)) وذكر أنه ((سجد نحواً من قيامه، يقول فى سجوده: رب اغفر لي. رب اغفر لي)). وقد صرح فى الحديث الصحيح (« أنه أطال الركوع والسجود بقدر البقرة والنساء وآل عمران)) فإنه قام بهذه السور كلها. وذكر ((أنه كان يقول: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى )). فعلم أنه أراد بتقنية اللفظ : جنس التعداد والتكرار ، لا الاقتصار على مرتين. فإن ((الاثنين)) أول العدد الكثير. فذكر أول الأعداد، يغنى أنه عدد هذا اللفظ ، لم يقتصر على مرة واحدة . فالتثنية التعديد. والتعديد يكون للأقسام المختلفة . وليس في القرآن تكرار محض ، بل لابد من فوائد في كل خطاب . فـ ((المتشابه)) فى النظائر المتماثلة. و((المثاني)) فى الأنواع. وتكون التثنية فى المتشابه ، أي هذا المعنى قد ثنى فى القرآن لفوائد أخر . ٤٠٨ فـ ((المثانى)) تعم هذا وهذا. وفاتحة الكتاب: هي ((السبع المثانى)) لتضمنها هذا وهذا . وبسط هذا له موضع آخر . والمقصود هنا: أن قوله ((وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَعَةَ)) قد تم الكلام هنا . فلا يملك أحد من المعبودين من دون الله الشفاعة ألبتة. ثم استثنى ((إِلَّمَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)) فهذا استثناء منقطع . والمنقطع يكون فى المعنى المشترك بين المذكورين . فلما نفى ملكهم الشفاعة ، بقيت الشفاعة بلا مالك لها . كأنه قد قيل : فإذا لم يملكوها ، هل يشفعون في أحد ؟ فقال: نعم ((مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)). وهذا يتناول الشافع والمشفوع له . فلا يشفع إلا من شهد بالحق وهم يعلمون . فالملائكة والأنبياء والصالحون - وإن كانوا لا يملكون الشفاعة - لكن إذا أذن الرب لهم شفعوا. وهم لا يؤذن لهم إلا في الشفاعة للمؤمنين ، الذين يشهدون أن لا إله إلا الله. فيشهدون بالحق وثم يعلمون . لا يشفعون لمن قال هذه الكلمة تقليداً للآباء والشيوخ. كماجاء الحديث الصحيح: ((إن الرجل يسأل فى قبره؟ ((ما تقول في هذا الرجل ؟ فأما المؤمن ، فيقول : هو عبد الله ورسوله . جاءنا بالبينات والهدى . وأما المرتاب ، فيقول: هاه هاه، لا أدري. سمعت ٤٠٩ الناس يقولون شيئاً فقلته)) فلهذا قال ((إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)). وقد تقدم قول ابن عباس: يعني من قال ((لا إله إلا الله)) يعنى: خالصا من قلبه . والأحاديث الصحيحة الواردة في الشفاعة كلها تبين : أن الشفاعة إنما تكون فى أهل «لا إله إلا الله)). وقد ثبت فى صحيح البخاري : أن أبا هريرة قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم (( من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة ؟ قال: يا أبا هريرة ، لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك ، لما رأيت من حرصك على الحديث . أسعد الناس بشفاعتى يوم القيامة: من قال ((لا إله إلا الله)) خالصا من قبل نفسه)). فبين أن المخلص لها من قبل نفسه : هو أسعد بشفاعته صلى الله عليه وسلم من غيره ممن يقولها بلسانه ، وتكذبها أقواله وأعماله . فهؤلاء هم الذين شهدوا بالحق، شهدوا ((أن لا إله إلا الله)) كما شهد الله لنفسه بذلك وملائكته وأولوا العلم (شَهِدَ اللهُأَنَّهُ لَا إِلَهَإِلََّ هُوَ ٤١٠ وَالْمَلَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِّ لَا إِلَهَ إِلََّ هُوَ الْعَيِزُ الْحَكِيمُ). فإذا شهدوا - وهم يعلمون - كانوا من أهل الشفاعة، شافعين، ومشفوعا لهم . فإن المؤمنين أهل التوحيد يشفع بعضهم فى بعض ، كما ثبت ذلك فى الأحاديث الصحيحة . كما ثبت فى الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :- في الحديث الطويل، حديث التجلي والشفاعة - (( حتى إذا خلص المؤمنون من النار . فوالذي نفسي بيده ، ما منكم من أحد بأشد مناشدة لله فى استيفاء الحق من المؤمنين الله يوم القيامة لإخوانهم الذين فى النار . يقولون : ربنا ، كانوا يصومون معنا ، ويصلون ، ويحجون. فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم. فتحرم صورهم على النار - وذكر تمام الحديث)). وسبب نزول الآية - على ما ذكروه - مؤيد لما ذكره . قال أبو الفرج ابن الجوزى: سبب نزولها : أن النضر بن الحارث ونفراً معه قالوا (( إن كان ما يقول محمد حقاً. فنحن نتولى الملائكة . فهم أحق بالشفاعة من محمد . فنزلت هذه الآية قاله مقاتل . ٤١١ وعلى هذا : فيقصد أن الملائكة وغيرهم لا يملكون الشفاعة . فليس توليكم إيام، واستشفاءكم بهم: بالذي يوجب أن يشفعوا لكم. فإن أحداً ممن يدعى من دون الله لا يملك الشفاعة. ولكن ((مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)) فإن الله يشفع فيه . فالذي تنال به الشفاعة : هى الشهادة بالحق . وهي شهادة أن لا إله إلا اللّه. لا تنال بتولى غير الله؛ لا الملائكة، ولا الأنبياء ولا الصالحين. فمن والى أحداً من هؤلاء ودعاه ، وحج إلى قبره ، أو موضعه ، ونذر له، وحلف به ، وقرب له القرابين ليشفع له : لم يغن ذلك عنه من الله شيئاً. وكان من أبعد الناس عن شفاعته وشفاعة غيره . فإن الشفاعة إنما تكون : لأهل توحيد الله، وإخلاص القلب والدين له . ومن تولى أحدا من دون الله فهو مشرك . فهذا القول والعبادة الذي يقصد به المشركون الشفاعة : يحرم عليهم الشفاعة . فالذين عبدوا الملائكة والأنبياء والأولياء والصالحين - ليشفعوا لهم - كانت عبادتهم إيام وإشراكهم بربهم ، الذي به طلبوا شفاعتهم : به حرموا شفاعتهم ، وعوقبوا بنقيض قصدهم . لأنهم أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا . وكثير من أهل الضلال : يظن أن الشفاعة تنال بهذه الأمور التى ٤١٢ فيها شرك ، أو هي شرك خالص ، كما ظن ذلك المشركون الأولون . وكما يظنه النصارى ، ومن ضل من المنتسبين إلى الإسلام. الذين يدعون غير الله، ويحجون إلى قبره أو مكانه ، وينذرون له ، ويحلفون به . ويظنون: أنه بهذا بصير شفيعاً لهم. قال تعالى (قُلِ أَدْعُوْلَّذِينَ زَعَمْتُرِّن دُونِ، فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَّحْوِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَيِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ) . قال طائفة من السلف : كان أقوام يعبدون المسيح والعزير والملائكة فبين الله أنهم لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويله . كما بين أنهم لا يملكون الشفاعة . وهذا لا استثناء فيه، وإن كان الله يجيب دعاءم ثم قال «أُوْلَكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ آَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَبَرْجُونَ رَحْمَتَهُ. وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا)) فبين أن هؤلاء المزعومين ، الذين يدعونهم من دون الله كانوا يرجون رحمة الله ويخافون عذابه، ويتقربون إليه بالأعمال الصالحة ، كسائر عباده المؤمنين وقد قال تعالى (وَلَا يَأْمُرَّكُمْ أَنْ تَنَّخِذُواْلَمْلَئِكَةَ وَالنَِّنَ أَرْبَابًا أَيَأْ مُؤُكُمْ بِالْكُفْرِبَعْدَ إِذْ أَنْتُ مُسْلِمُونَ ). وللناس فى الشفاعة أنواع من الضلال ، قد بسطت في غير هذا الموضع . ٤١٣ فَكثير منهم : يظن أن الشفاعة هي بسبب اتصال روح الشافع بروح المشفوع له ، كما ذكر ذلك أبو حامد الغزالى وغيره . ويقولون : من كان أكثر صلاة على النبى صلى الله عليه وسلم ، كان أحق بالشفاعة من غيره . وكذلك من كان أحسن ظناً بشخص ، وأكثر تعظيماً له : كان أحق بشفاعته . وهذا غلط . بل هذا هو قول المشركين الذين قالوا : نتولى الملائكة ليشفعوا لنا . يظنون أن من أحب أحدا - من الملائكة والأنبياء والصالحين وتولاه - كان ذلك سبباً لشفاعته له. وليس الأمر كذلك. بل الشفاعة : سببها توحيد الله، وإخلاص الدين والعبادة بجميع أنواعها له فكل من كان أعظم إخلاصاً كان أحق بالشفاعة، كما أنه أحق بسائر أنواع الرحمة . فإن الشفاعة : من اللّه مبدؤها ، وعلى الله تمامها فلا يشفع أحد إلا بإذنه . وهو الذي يأذن للشافع . وهو الذي يقبل شفاعته فى المشفوع له . وإنما الشفاعة سبب من الأسباب التى بها يرحم الله من يرحم من عباده . وأحق الناس برحمته : هم أهل التوحيد والإخلاص له ، فكل من كان أكمل فى تحقيق إخلاص ((لا إله إلا اللّه)) علماً وعقيدة، وعملاً وبراءة ، وموالاة ومعاداة : كان أحق بالرحمة . ٤١٤ والمذنبون - الذين رجحت سيئاتهم على حسناتهم، فخفت موازينهم فاستحقوا النار -: من كان منهم من أهل ((لا إله إلا الله)) فإن النار قصيبه بذنوبه . ويميته الله فى النار إماتة. فتحرقه النار إلا موضع السجود . ثم يخرجه الله من النار بالشفاعة. ويدخله الجنة ، كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة . فبين أن مدار الأمر كله: على تحقيق كلمة الإخلاص، وهي ((لا إله إلا الله)) لا على الشرك بالتعلق بالموتى وعبادتهم، كما ظنه الجاهليون. وهذا مبسوط فى غير هذا الموضع . والمقصود هنا: أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين ((الحمد)) الذي هو رأس الشكر، وبين ((التوحيد والاستغفار)) إذا رفع رأسه من الركوع فيقول ((ربنا ولك الحمد، ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد . أهل الثناء والمجد . أحق ما قال العبد - وكلنا لك عبد ـ: لا مانع لما أعطيت . ولا معطى لما منعت. ولا ينفع ذا الجد منك الجد)» ثم يقول ((اللهم طهرفي بالثلج والبرد. والماء البارد . اللهم طهرنى من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس )) كما رواه مسلم في الصحيح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم - إذا رفع رأسه ٤١٥ من الركوع - قال : اللهم ربنا لك الحمد ، ملء السموات ، وملء الأرض ، وملء ما شئت من شيء بعد ، أهل الثناء والمجد . أحق ماقال العبد - وكلنا لك عبد ـ لا مانع لما أعطيت ، ولا معطى لما منعت. ولا ينفع ذا الجد منك الجد )». وروى مسلم أيضاً عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم - إذا رفع رأسه من الركوع - قال : سمع الله لمن حمده . اللهم ربنالك الحمد ، ملء السموات ، وملء الأرض ، وملء ما شئت من شيء بعد . اللهم طهرفى بالثلج والبرد والماء البارد . اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الوسخ )). وقد روى مسلم فى صحيحه أيضاً عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول ((اللهم لك الحمد)) وقال ((وملء الأرض، وملء ما بينهما)). ولم يذكر في بعض الروايات. لأن ((السموات والأرض)) قد يراد بهما : العلو والسفل مطلقاً . فيدخل فى ذلك الهواء وغيره . فإنه عال بالنسبة إلى ما تحته ، وسافل بالنسبة إلى ما فوقه . فقد يجعل من السماء . كما يجعل السحاب سماء، والسقف سماء . وكذا قال فى القرآن (هُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضَ فِ سِنَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّأَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ) ٤١٦ ولم يقل ((وما بينهما)) كما يقول (اللَّهُ الَّذِىِ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَاسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ، مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيع ). فتارة يذكر قوله ((وما بينهما)) فيما خلقه فى ستة أيام . وتارة لا يذكره. وهو مراد. فإن ذكره كان إيضاحاً وبياناً، وإن لم يذكره دخل في لفظ ((السموات والأرض)) ولهذا كان النبى صلى الله عليه وسلم تارة يقول ((ملء السموات وملء الأرض)) ولا يقول ((وما بينها)) وتارة يقول ((وما بينهما)) وفيها كلها ((وملء ما شئت من شىء بعد)) وفى رواية أبى سعيد ((أحق ما قال العبد)) إلى آخره . وفي رواية ابن أبي أوفى ((الدعاء بالطهارة من الذنوب)). ففى هذا الحمد رأس الشكر والاستغفار . فإن ربنا غفور شكور . فالحمد بإزاء النعمة . والاستغفار : بإزاء الذنوب . وذلك تصديق قوله تعالى (مَآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَنَ اللَّهِوَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَين نَّفْسِكَ ) . ففي سيد الاستغفار («أبوء لك بنعمتك علي، وأبوه بذنبى)» وفى حديث أبي سعيد ((الحمد رأس الشكر والتوحيد)) كما جمع بينها في ٤١٧ أم القرآن. فأولها تحميد، وأوسطها: توحيد، وآخرها: دعاء. وكما في قوله (هُوَ الْحَىُّ لَا إِلَهَ إِلََّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينُ الْحَمْدُ لِلَّهِرَبِّ اُلْعَلَمِينَ ). وفى حديث الموطأ («أفضل ما قلت. أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير . من قالها : كتب الله له ألف حسنة . وحط عنه ألف سيئة وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك . ولم يأت أحد ، بأفضل مما جاء به إلا رجل قال مثلها ، أو زاد عليه . ومن قال فى يوم مائة مرة: سبحان الله وبحمده، حطت خطاياه، ولو كانت مثل زبد البحر )) . وفضائل هذه الكلمات فى أحاديث كثيرة. وفيها : التوحيد والتحميد. فقوله ((لا إله إلا الله، وحده لا شريك له)) توحيد . وقوله ((له الملك وله الحمد)» تحميد. وفيها معان أخرى شريفة . وقد جاء الجمع بين التوحيد ، والتحميد ، والاستغفار ، فى مواضع مثل حديث كفارة المجلس ((سبحانك اللهم وبحمدك. أشهد أن لا إله إلا أنت . أستغفرك وأتوب إليك)) فيه: التسبيح ، والتحميد ، ٤١٨ والتوحيد ، والاستغفار . من قالها فى مجلس ، إن كان مجلس لغط ، كانت كفارة له ، وإن كان مجلس ذكر : كانت كالطابع له . وفى حديث أبضاً (( إن هذا يقال عقب الوضوء)). ففى الحديث الصحيح فى مسلم وغيره من حديث عقبة عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء ، ثم يقول : أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له . وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية. يدخل من أيها شاء)) وفى حديث آخر أنه يقول ((سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك)). وقد روى عن طائفة من السلف ، فى الكلمات التى تلقاها آدم من ربه ، نحو هذه الكلمات . روى ابن جرير عن مجاهد أنه قال ((اللهم لا إله إلا أنت ، سبحانك وبحمدك . رب إني ظلمت نفسي ، فاغفر لي . إنك خير الغافرين. اللهم لا إله إلا أنت . سبحانك وبحمدك . رب إنى ظلمت نفسي فارحمني. فأنت خير الراحمين . لا إله إلا أنت . سبحانك وبحمدك . رب إني ظلمت نفسي، فتب علي . إنك أنت التواب الرحيم)). ٤١٩ فهذه الكلمات من جنس خاتمة الوضوء . وخاتمة الوضوء : فيها التسبيح ، والتحميد ، والتوحيد ، والاستغفار . فالتسبيح ، والتحميد ، والتوحيد لله . فإنه لا يأتي بالحسنات إلا هو. والاستغفار من ذنوب النفس ، التى منها تأتى السيئات . وقد قرن الله فى كتابه بين التوحيد ، والاستغفار فى غير موضع ( كقوله (فَأَعْلَنَّهُ لَ إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْمِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ أَلَّا تَقْبُدُ وَإِلَّا اللَّه ◌ِقَّتِ لَكُمِّنْهُ نَذِيْرٌ وَبَشِيرٌ * وَأَنِ أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ وفى قوله ( ( قُلْ إِنَّمَا أَنْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وفى قوله ( ثُمَّتُوبُواْإِلَتْهِ يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُواْ إِلَيْهِ وَأَسْتَغْفِرُوهُ . ( وفى حديث رواه ابن أبي عاصم وغيره (يقول الشيطان : أهلكت الناس بالذنوب ، وأهلكونى بالاستغفار ، وبلا إله إلا الله فلما رأيت ذلك بثنت فيهم الأهواء . فهم يذنبون ولا يستغفرون . لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً )) . و ((لا إله إلا الله)) تقتضى الإخلاص والتوكل. والإخلاص [يقتضى] الشكر . فهي أفضل الكلام . وهي أعلى شعب الإيمان. كما ثبت في الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم، أنه قال (( الإيمان بضع ٤٢٠ ٠