Indexed OCR Text

Pages 261-280

لهم بها الإيمان دون الكافرين: هو من نعمته . كما قال تعالى
(وَلَكِنَّاللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَنَ وَزَيَّنَهُ فِ قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَاُلْعِصْيَانَ
أُوْلَتِكَ هُمُ الرَّشِدُونَ * فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً ).
جميع ما يتقلب فيه العالم من خيري الدنيا والآخرة : هو نعمة
محضة منه بلا سبب سابق يوجب لهم حقاً . ولا حول ولا قوة لهم
من أنفسهم إلا به . وهو خالق نفوسهم ، وخالق أعمالها الصالحة ،
وخالق الجزاء.
حق من كل وجه ، ظاهراً
فقوله (مَآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍفَمِنَ اللَّهِ )
وباطناً على مذهب أهل السنة .
وأما ((السيئة )) فلا تكون إلا بذنب العبد . وذنبه من نفسه .
وهو لم يقل: إني لم أقدر ذلك ولم أخلقه . بل ذكر للناس ما ينفعهم.
فصل
فإذا تدبر العبد على أن ما هو فيه من الحسنات من فضل الله.
فشكر الله. فزاده الله من فضله عملا صالحاً، ونعماً يفيضها عليه .
٢٦١

وإذا علم أن الشر لا يحصل له إلا من نفسه بذنوبه : استغفر وتاب .
فزال عنه سبب الشر. فيكون العبد دائماً شاكراً مستغفراً . فلا يزال
الخير يتضاعف له ، والشر يندفع عنه . كما كان النبى صلى الله عليه
وسلم يقول في خطبته ((الحمد لله)) فيشكر الله. ثم يقول ((نستعينه
ونستغفره)) نستعينه على الطاعة . ونستغفره من المعصية . ثم يقول
(( ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا)) فيستعيذ به من
الشر الذي في النفس ، ومن عقوبة عمله . فليس الشر إلا من نفسه
ومن عمل نفسه . فيستعيذ الله من شر النفس : أن يعمل بسبب
سيئاته الخطايا . ثم إذا عمل استعاذ بالله من سيئات عمله ، ومن
عقوبات عمله . فاستعانه على الطاعة وأسبابها . واستعاذ به من
المعصية وعقابها .
فعلم العبد بأن ما أصابه من حسنة فمن الله ، وما أصابه من سيئة
فمن نفسه : يوجب له هذا وهذا . فهو سبحانه فرق بينهما هنا ، بعد
أن جمع بينها في قوله (قُلْكُلٌّ مِّنْ عِندِ الَّهِ ).
فبين أن الحسنات والسيئات : النعم والمصائب ، والطاعات والمعاصى،
على قول من أدخلها فى ((من عند الله)).
ثم بين الفرق الذي ينتفعون به . وهو أن هذا الخير : من
٢٦٢

نعمة الله، فاشكروه يزدكم. وهذا الشر: من ذنوبكم . فاستغفروه،
يدفعه عنكم.
(وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ
قال الله تعالى
وقال تعالى (الّرْكِتَبُّ أُخْكِمَتْ ءَايَتُهُ ثُمَّ
مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ )
أَلَّا تَقْبُدُ وَإِلَّا اللهُ إِنَِّلَكُ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ * وَأَنِ
*
فُصِّلَتْ مِن لَُّنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ
اُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ نُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَنِّعَّكُم مَّنَعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلِ مُسَتَّى وَبُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍ
فَضْلَهُ, ).
والمذنب إذا استغفر ربه من ذنبه فقد تأسى بالسعداء من الأنبياء
والمؤمنين ، كآدم وغيره . وإذا أصر، واحتج بالقدر : فقد تأسى
بالأشقياء ، كإبليس ومن اتبعه من الغاوين .
فكان من ذكره : أن السيئة من نفس الإنسان بذنوبه ، بعد
أن ذكر : أن الجميع من عند الله، تنبيهاً على الاستغفار والتوبة ،
والاستعاذة بالله من شر نفسه وسيئات عمله . والدعاء بذلك فى الصباح
والمساء ، وعند المنام ، كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك
أبا بكر الصديق ، أفضل الأمة، حيث علمه أن يقول (( اللهم فاطر
السموات والأرض ، عالم الغيب والشهادة ، أعوذ بك من شر نفسي
٢٦٣

وشر الشيطان وشركه ، وأن أقترف على نفسي سوءاً، أو أجره
إلى مسلم )) .
فيستغفر مما مضى . ويستعيذ مما يستقبل . فيكون من
حزب السعداء .
وإذا على أن الحسنة من الله - الجزاء والعمل - سأله أن يعينه
على فعل الحسنات . بقوله (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيرٌ) وبقوله (أُهْدِنَا
( رَبَّنَا لَا تُرِعْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا )
وقوله
الصِرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)
ونحو ذلك .
وأما إذا أخبر أن الجميع من عند الله فقط، ولم يذكر الفرق
فإنه يحصل من هذا التسوية . فأعرض العاصى والمذنب عن ذم نفسه
وعن التوبة من ذنوبها ، والاستعاذة من شرها . بل وقام فى نفسه :
أن يحتج على الله بالقدر . وتلك حجة داحضة ، لا تنفعه . بل تزيده
( فَبِمَا أَغْوَيْتَنِ لَأَقْعُدَنَّلَهُمْ
عذاباً وشقاء ، كما زادت إبليس لما قال
صِرَطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ) وقال (رَبِّبِمَّ أَغْوَيْنَنِى لَأُزَيِّنَنَّلَهُمْ فِى الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَهُمْ
أَجْمَعِينَ ).
(لَوْأَنَّ اللَّهَ هَدَنِنِى لَكُنتُ مِنَ
وكالذين يقولون يوم القيامة
٢٦٤

اٌلْمُثَّقِينَ ) وكالذين قالوا (لَوْشَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا
مِنْ شَىْءٍ ) .
ثمن احتج بالقدر على ما فعله من ذنوبه ، وأعرض عما أمر الله
به، من التوبة والاستغفار ، والاستعانة بالله، والاستعاذة به ، واستهدائه:
كان من أخسر الناس فى الدنيا والآخرة . فهذا من فوائد ذكر الفرق
بين الجمع .
فصل
الفرق الثالث : أن الحسنة يضاعفها اللّه وينميها ، ويثيب على الهم
بها . والسيئة لا يضاعفها، ولا يؤاخذ على الهم بها. فيعطى صاحب
الحسنة : من الحسنات فوق ما عمل . وصاحب السيئة : لا يجزيه إلا
بقدر عمله . قال تعالى (مَن جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ، عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَآءَ بِالسَّبِئَةِ فَلَا
يُجْزَّ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ).
الفرق الرابع : أن الحسنة مضافة إليه ، لأنه أحسن بها من كل
وجه ، كما تقدم. فما من وجه من وجوهها : إلا وهو يقتضي
الإضافة إليه .
٢٦٥

وأما السيئة : فهو إنما يخلقها بحكمة . وهي باعتبار تلك الحكمة من
إحسانه . فإن الرب لا يفعل سيئة قط . بل فعله كله حسن وحسنات .
وفعله كله خير .
ولهذا كان النبى صلى الله عليه وسلم يقول فى دعاء الاستفتاح
((والخير بيديك. والشر ليس إليك)) فإنه لا يخلق شراً محضاً. بل
كل ما يخلقه : ففيه حكمة ، هو باعتبارها خير . ولكن قد يكون فيه
شر لبعض الناس . وهو شر جزئي إضافي . فأما شر كلي ، أو شر
مطلق : فالرب منزه عنه . وهذا هو الشر الذي ليس إليه .
وأما الشر الجزئى الإضافى: فهو خير باعتبار حكمته. ولهذا لايضاف
الشر إليه مفرداً قط . بل إما أن يدخل فى عموم المخلوقات ، كقوله
(وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ ).
وإما أن يضاف إلى السبب كقوله (مِن شَرِّ مَا خَلَقَ )
•
وإما أن يحذف فاعله ، كقول الجن (وَأَنَّا لَنَدْرِىَ أَشَرُّأُرِيدَ بِمَن فِىِ
اْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُهُمْ رَشَدًا).
وهذا الموضع ضل فيه فريقان من الناس الخائضين فى القدر بالباطل.
٢٦٦

فرقة كذبت بهذا ، وقالت : إنه لا يخلق أفعال العباد ، ولا يشاء
كل ما يكون. لأن الذنوب قبيحة، وهو لا يفعل القبيح. وإرادتها
قبيحة ، وهو لا يريد القبيح .
وفرقة : لما رأت أنه خالق هذا كله ولم تؤمن أنه خلق هذا لحكمة
بل قالت : إذا كان يخلق هذا : فيجوز أن يخلق كل شر ، ولا
يخلق شيئاً لحكمة . وما ثم فعل ننزه عنه. بل كل ما كان ممكناً
جاز أن يفعله .
وجوزوا : أن يأمر بكل كفر ومعصية . وينهى عن كل إيمان
وطاعة ، وصدق وعدل . وأن يعذب الأنبياء ، وينعم الفراعنة والمشركين
وغير ذلك . ولم يفرقوا بين مفعول ومفعول .
وهذا منكر من القول وزور ، كالأول . قال تعالى (أَمْ حَسِبَ
الَّذِينَ اجْتَرَحُواْالسَّيِّئَاتِ أَنْ تَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ سَوَآءَ تَحْيَاهُمْ
وَمَمَانُهُمَّسَآءَ مَا يَحْكُمُونَ) وقال تعالى (أَفَتَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كَلِْمِينَ * مَالَكُمْ
كَيْفَ تَّحَّكُمُونَ ) وقال تعالى (أَمْتَجْعَلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِى
اُلْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ )
ونحو ذلك مما يوجب أنه يفرق بين الحسنات والسيئات ، وبين المحسن
٢٦٧

والمسيء. وأن من جوز عليه التسوية بينها: فقد أتى بقول منكر،
وزور ينكر عليه .
وليس إذا خلق ما يتأذى به بعض الحيوان: لا يكون فيه حكمة . بل
فيه من الحكمة والرحمة ما يخفى على بعضهم مما لا يقدر قدره
إلا الله .
وليس إذا وقع فى المخلوقات ما هو شر جزئي بالإضافة : يكون
شراً كلياً عاما . بل الأمور العامة الكلية : لا تكون إلا خيراً ومصلحة
للعباد . كالمطر العام وكإرسال رسول عام .
وهذا مما يقتضى : أنه لا يجوز أن يؤيد الله كذاباً عليه بالمعجزات
التى أيد بها أنبياءه الصادقين . فإن هذا شر عام للناس ، يضلهم ويفسد
عليهم دينهم ودنياه وآخرتهم.
وليس هذا كالملك الظالم ، والعدو . فإن الملك الظالم : لابد أن
يدفع الله به من الشر أكثر من ظلمه .
وقد قيل : ستون سنة بإمام ظالم : خير من ليلة واحدة
بلا إمام.
٢٦٨

وإذا قدر كثرة ظلمه : فذاك ضرر في الدين ، كالمصائب تكون
كفارة لذنوبهم ويثابون عليها ، ويرجعون فيها إلى الله، ويستغفرونه
ويتوبون إليه . وكذلك ما يسلط عليهم من العدو .
وأما من يكذب على الله ، ويقول - أي يدعى - أنه نبي :
غلو أبده اللّه تأييد الصادق : للزم أن يسوى بينه وبين الصادق .
فيستوى الهدى والضلال ، والخير والشر ، وطريق الجنة وطريق النار .
ويرتفع التمييز بين هذا وهذا . وهذا مما يوجب الفساد العام للناس فى
دينهم ودنياه وآخر تهم
ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم: بقتال من يقاتل على
الدين الفاسد من أهل البدع، كالخوارج. وأمر بالصبر على جور
الأئمة . ونهى عن قتالهم والخروج عليهم. ولهذا قد يمكن الله كثيراً من
الملوك الظالمين مدة .
وأما المتنبؤن الكذابون : فلا يطيل تمكنهم . بل لابد أن
يهلكهم. لأن فسادهم عام في الدين والدنيا والآخرة . قال تعالى (وَلَوْ
نَقَوَلَ عَلَيْنَا بَعْضَلْأَفَوِيلِ * لَأَخَذْنَامِنْهُ يِلْيَمِينِ * ثُمَ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَِّينَ )
وقال تعالى (أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِن يَشٍَ اللّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ )
٢٦٩

فأخبر : أنه - بتقدير الافتراء - لا بد أن يعاقب من
افترى عليه .
فصل
وهذا الموضع مما اضطرب فيه الناس . فاستدلت القدرية النفاة
والمجبرة على أنه إذا جاز أن يضل شخصاً : جاز أن يضل كل الناس .
وإذا جاز أن يعذب حيواناً بلا ذنب ولا عوض : جاز أن يعذب كل
حي بلا ذنب ولا عوض . وإذا جاز عليه أن لا يعين واحداً ممن أمره
على طاعة أمره : جاز أن لا يعين كل الخلق . فلم تفرق الطائفتان بين
الشر الخاص والعام . وبين الشر الإضافي ، والشر المطلق. ولم يجعلوا
فى الشر الإضافى حكمة يصير بها من قسم الخير .
ثم قال النفاة: وقد علم أنه منزه عن تلك الأفعال . فإنا لو
جوزنا عليه هذا لجوزنا عليه تأييد الكذاب بالمعجزات ، وتعذيب الأنبياء
وإكرام الكفار ، وغير ذلك ، مما يستعظم العقلاء إضافته إلى
الله تعالى .
٢٧٠

فقالت المثبتة من الجهمية المجبرة : بل كل الأفعال جائزة عليه ، كما
جاز ذلك الخاص . وإنما يعلم أنه لا يفعل ما لا يفعل، أو يفعل ما يفعل:
بالخبر ، خبر الأنبياء عنه . وإلا فمهما قدر : جاز أن يفعله ، وجاز أن
لا يفعله . ليس فى نفس الأمر سبب ولا حكمة ، ولا صفة تقتضي
التخصيص ببعض الأفعال دون بعض . بل ليس إلا مشيئة ، نسبتها إلى
جميع الحوادث سواء . ترجح أحد المتماثلين بلا مرجح .
فقيل لهم : فيجوز تأييد الكذاب بالمعجز . فلا يبقى المعجز دليلا
على صدق الأنبياء . فلا يبقى خبر نى يعلم به الفرق . فيلزم - مع
الكفر بالأنبياء - أن لا يعلم الفرق، لا بسمع ولا بعقل .
فاحتالوا للفرق بين المعجزات وغيرها . بأن تجويز إتيان الكذاب
بالمعجزات يستلزم تعجيز الباري تعالى عما به يفرق بين الصادق
والكاذب . أو لأن دلالتها على الصدق معلوم بالاضطرار . كما قد
بسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع . وبين خطأ الطائفتين .
وأن هؤلاء الذين اتبعوا جها في الجبر - ونفوا حكمة الله ورحمته ،
والأسباب التى بها يفعل ، وما خلقه من القوى وغيرها - ثم مبتدعة
مخالفون للكتاب والسنة وإجماع السلف ، مع مخالفتهم لصريح المعقول.
كما أن القدربة النفاة : مخالفون للكتاب والسنة وإجماع السلف ، مع
مخالفتهم لصريح المعقول .
٢٧١

فصل
(مَآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَنَ اللَّهِ وَمَآ
والمقصود هنا : الكلام على قوله
أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةِ فَن نَّفْسِكَ )
وأن هذا يقتضي ، أن العبد لايزال
شاكراً مستغفراً .
وقد ذكر : أن الشر لا يضاف إلى الله ، إلا على أحد الوجوه
الثلاثة . وقد تضمنت الفاتحة للأقسام الثلاثة هو سبحانه الرحمن
الذي وسعت رحمته كل شيء . وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه
وسلم (( أنه أرحم بعباده من الوالدة بولدها)) وقد سبقت وغلبت رحمته
غضبه ، وهو الغفور الودود ، الحليم الرحيم .
فإرادته : أصل كل خير ونعمة ، وكل خير ونعمة فمنه (وَمَابِكُم
مِّن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ).
وقد قال سبحانه (نَبِ عِبَادِىّ أَنِى أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) ثم قال
( وَأَنَّ عَذَابِ هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ) وقال تعالى (أَعْلَمُوْ اْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ
فالمغفرة والرحمة من صفاته المذكورة
اَلْعِقَابِ وَأَنَّاللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)
٢٧٢

بأسمائه . فهى من موجب نفسه المقدسة ، ومقتضاها ولوازمها .
وأما العذاب : فمن مخلوقاته ، الذي خلقه بحكمة، هو باعتبارها
حكمة ورحمة . فالإنسان لا يأتيه الخير إلا من ربه وإحسانه وجوده .
ولا يأتيه الشر إلا من نفسه. فما أصابه من حسنة: فمن الله. وما
أصابه من سيئة : فمن نفسه .
وقوله (( وَمَآ أَصَابَكَ)) إما أن تكون كاف الخطاب له صلى الله
عليه وسلم - كما قال ابن عباس وغيره - وهو الأظهر . لقوله
بعد ذلك (وَأَرْسَلْنَكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا ).
وإما أن تكون لكل واحد واحد من الآدميين ، كقوله ( يَأَيُّهَا
آلْإِنْسَنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ).
لكن هذا ضعيف . فإنه لم يتقدم هنا ذكر الإنسان ولا مكانه .
وإنما تقدم ذكر طائفة قالوا ما قالوه. فلو أريد ذكرم: لقيل ما أصابهم
من حسنة فمن الله وما أصابهم من سيئة.
لكن خوطب الرسول بهذا ، لأنه سيد ولد آدم . وإذا كان هذا
حكمه: كان هذا حكم غيره بطريق الأولى والأحرى . كما فى مثل قوله
وقوله تعالى (لَبِنْ أَشْرَّكْتَ
(أَتَّقِ اَللَّهَوَلَا تُطِعِ الْكَفِرِينَ وَالْمُنَفِقِينَ )
٢٧٣

لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ) وقوله (فَإِنْ كُنْتَ فِى شَكٍ مِّمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَهُونَ
اُلْكِتَبَ مِن قَبْلِكَ ).
ثم هذا الخطاب نوعان : نوع يختص لفظه به لكن يتناول غيره
بطريق الأولى، كقوله (يَأَيُّهَ النَِّىّ ◌ِمَ ◌ُِّمُ مَا أَصَلَ اللهُلَكِّ ◌َبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَجِكَ)
ثم قال (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَجِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ ) .
ونوع : قد يكون خطابه خطابا به لجميع الناس ، كما يقول كثير
من المفسرين : الخطاب له والمراد غيره .
وليس المعنى : أنه لم يخاطب بذلك . بل هو المقدم. فالخطاب له
خطاب لجميع الجنس البشري . وإن كان هو لا يقع منه ما نهى عنه. ولا
يترك ما أمر به . بل هذا يقع من غيره . كما يقول ولي الأمر للأمير:
سافر غداً إلى المكان الفلاني . أي أنت ومن معك من العسكر . وكما
ينهى أعز من عنده عن شيء . فيكون نهياً لمن دونه . وهذا معروف
من الخطاب .
فقوله (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَنَ اللَّهِوَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ)
الخطاب له صلى الله عليه وسلم. وجميع الخلق داخلون فى
٢٧٤

هذا الخطاب بالعموم، وبطريق الأولى. بخلاف قوله (وَأَرْسَلْنَكَ لِلنَّاسِ
رَسُولًا ) فإن هذا له خاصة . ولكن من يبلغ عنه يدخل في معنى
الخطاب. كما قال صلى الله عليه وسلم ((بلغوا عني ولو آية)) وقال
((نضر الله امرأ سمع منا حديثاً فبلغه إلى من لم يسمعه)) وقال ((ليبلغ
الشاهد الغائب)) وقال ((إن العلماء ورثة الأنبياء )) وقد قال تعالى فى
القرآن (وَأُوِْىَ إِلَ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنذِرَّكُمْ بِهِ، وَمَنْ ◌َلَغَ ).
والمقصود هنا: أن ((الحسنة)) مضافة إليه سبحانه من كل وجه .
و ((السيئة)) مضافة إليه لأنه خلقها. كما خلق ((الحسنة)) فلهذا قال
ثم إنه إنما خلقها لحكمة . ولا تضاف إليه من
(كُلُّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ)
جهة أنها سيئة ، بل تضاف إلى النفس التى تفعل الشر بها لا لحكمة.
فتستحق أن يضاف الشر والسيئة إليها . فإنها لا تقصد بما تفعله من
الذنوب خيراً يكون فعله لأجله أرجح . بل ما كان هكذا فهو من
باب الحسنات . ولهذا كان فعل الله حسناً. لا يفعل قبيحاً ولا
سيئاً قط .
وقد دخل فى هذا سيئات الجزاء والعمل . لأن المراد بقوله ( مَآ
أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ ) و (مِنْ سَيِّئَةٍ) النعم والمصائب ، كما تقدم. لكن إذا
كانت المصيبة من نفسه . لأنه أذنب ـ فالذنب من نفسه بطريق
الأولى . فالسيئات من نفسه بلا ريب . وإنما جعلها منه مع الحسنة بقوله
٢٧٥

كما تقدم. لأنها لا تضاف إلى الله مفردة. بل
(كُلُّ مِّنْ عِندِ اللّهِ )
فى العموم، كقوله ( كُلُّمِّنْ عِندِ اللَّهِ ).
وكذلك الأسماء التى فيها ذكر الشر ، لا تذكر إلا مقرونة ، كقولنا
((الضار النافع، المعطي المانع، المعز المذل)) أو مقيدة، كقوله (إِنَّا
مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ ) .
وكل ما خلقه - مما فيه شر جزئي إضافى - ففيه من الخير العام
والحكمة والرحمة أضعاف ذلك. مثل إرسال موسى إلى فرعون . فإنه
حصل به التكذيب والهلاك لفرعون وقومه. وذلك شر بالإضافة إليهم.
لكن حصل به - من النفع العام للخلق إلى يوم القيامة ، والاعتبار
بقصة فرعون - ماهو خير عام. فانتفع بذلك أضعاف أضعاف من استضر
به . كما قال تعالى (فَلَمَّآءَاسَفُونَا أَنْثَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَهُمْ أَجْمَعِينَ
فَجَعَلْنَهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآَخِرِينَ ) وقال تعالى بعد ذكر قصته (إِنَّ فِى ذَلِكَ
لَعِبْرَةً لِّمَنْ يَخْشَى ).
وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم : شقي برسالته طائفة من
مشركى العرب وكفار أهل الكتاب . وهم الذين كذبوه ، وأهلكهم الله
تعالى بسببه. ولكن سعد بها أضعاف أضعاف هؤلاء.
ولذلك من شقى به من أهل الكتاب كانوا مبدلين محرفين قبل أن
٢٧٦

يبعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم. فأهلك اللّه بالجهاد طائفة . واهتدى
به من أهل الكتاب أضعاف أضعاف أولئك .
والذين أذلهم الله من أهل الكتاب بالقهر والصغار ، أو من
المشركين الذين أحدث فيهم الصغار ، فهؤلاء كان قهرهم رحمة لهم .
لئلا يعظم كفرهم ، ويكثر شرم .
ثم بعدهم حصل من الهدى والرحمة لغيرم ما لا يحصيهم إلا الله .
وم دائماً يهتدى منهم ناس من بعد ناس ببركة ظهور دينه بالحجة واليد.
فالمصلحة بإرساله وإعزازه ، وإظهار دينه ، فيها من الرحمة التى
حصلت بذلك ما لا نسبة لها إلى ما حصل بذلك لبعض الناس من شر
جزئي إضافى ، لما فى ذلك من الخير والحكمة أيضاً . إذ ليس فيما خلقه
الله سبحانه شر محض أصلا ، بل هو شر بالإضافة .
فصل
الفرق الخامس : أن ما يحصل للإنسان من الحسنات التى يعملها
كلها أمور وجودية. أنعم الله بها عليه، وحصلت بمشيئة الله ورحمته
وحكمته وقدرته وخلقه ، ليس فى الحسنات أمر عدمي غير مضاف إلى
٢٧٧

اللّه. بل كلها أمر وجودي. وكل موجود وحادث فالله هو الذي يحدثه.
وذلك : أن الحسنات إما فعل مأمور به ، أو ترك منهى عنه .
والترك : أمر وجودي . فترك الإنسان لما نهى عنه ، ومعرفته بأنه
ذنب قبيح ، وبأنه سبب للعذاب ، وبغضه وكراهته له ، ومنع نفسه
منه إذا هويته، واشتهته وطلبته . كل هذه أمور وجودية . كما أن
معرفته بأن الحسنات - كالعدل والصدق - حسنة ، وفعله لها
أمور وجودية .
ولهذا إنما يثاب الإنسان على فعل الحسنات إذا فعلها محبا لها بنية
وقصد فعلها ابتغاء وجه ربه . وطاعة لله ولرسوله ، ويثاب على ترك
السيئات إذا تركها بالكراهة لها ، والامتناع منها . قال تعالى (وَلَكِنَّاللَّهَ
حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَنَ وَزَّيَّنَّهُ فِ قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَإلَُّ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَّ أُوْلَتِكَ هُمُ
اُلَّشِدُونَ) وقال تعالى (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ مَوَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَوَى
*
فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى) وقال تعالى (إِنَ الضَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ
وَالْمُنكَرِ ) .
وفى الصحيحين عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال
(( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : من كان الله ورسوله أحب
إليه مما سواهما. ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا الله . ومن كان يكره
٢٧٨

أن يرجع فى الكفر _ بعد إذ أنقذه الله منه ــ كما يكره أن يلقى في النار)).
وفى السنن عن البراء بن عازب عن النبى صلى الله عليه وسلم
((أوثق عرى الإيمان: الحب فى الله، والبغض فى الله)).
وفيها عن أبي أمامة عن النبى صلى الله عليه وسلم ((من أحب الله،
وأبغض لله، وأعطى اللّه، ومنع الله، فقد استكمل الإيمان)).
وفى الصحيح عن أبى سعيد الخدري عن النى صلى الله عليه وسلم
قال ((من رأي منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه .
فإن لم يستطع فبقلبه. وذلك أضعف الإيمان)).
وفى الصحيح من حديث ابن مسعود رضي الله عنه - لما ذكر
الخلوف - قال (( من جاهدم بيده فهو مؤمن . ومن جاهدم بلسانه
فهو مؤمن . ومن جاهدم بقلبه فهو مؤمن . ليس وراء ذلك من
الإيمان حبة خردل )) وقد قال تعالى (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ فِ إِّزْهِيمَ
وَاُلَّذِينَ مَعَهُ إِذْقَا أُوْلِقَوْمِهِمْ إِنَّابُرَءَوُاْ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْوَبَدَابَيْنَنَا وَيَبْنَكُمُ
اُلْعَدَوَةُ وَاُلْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَهِيَمَ لِأَبِيهِ لَأَ سْتَغْفِرَنَّلَكَ وَمَا أَمْلُِ
لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَىْءٍ ).
٢٧٩

وقال على لسان الخليل ( إِنَّنِى بَآءُمِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِى فَطَرَنِ فَإِنَّهُ,
وقال ( أَفَرَءَيْتُمُ مَاكُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَءَابَآؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ
سَيَهْدِينِ )
: فَإَِهُمْ عَدُوٌّلِ إِلََّ رَبَّ الْعَلَمِينَ ) وقال (فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَقَوْمِ إِّ بَرِىٌّمِّمَّا
*
تُشْرِكُونَ * إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَآ أَنَاْ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ )
فهذا البغض والعداوة والبراءة مما يعبد من دون الله ومن عابديه :
هي أمور موجودة فى القلب ، وعلى اللسان والجوارح ، كما أن حب
الله وموالاته وموالاة أوليائه : أمور موجودة فى القلب ، وعلى اللسان
والجوارح. وهي تحقيق قول ((لا إله إلا الله)) وهو إثبات تأليه القلب
لله حياً خالصاً وذلا صادقاً. ومنع تأليهه لغير الله، وبغض ذلك
وكراهته . فلا يعبد إلا الله. ويحب أن يعبده ، ويبغض عبادة غيره
ويجب التوكل عليه وخشيته ودعاءه ويبغض التوكل على غيره
و خشيته ودعاءه .
فهذه كلها أمور موجودة فى القلب . وهي الحسنات التى يثيب
الله عليها .
وأما مجرد عدم السيئات ، من غير أن يعرف أنها سيئة ، ولا
يكرهها، بل لا يفعلها لكونها لم تخطر بباله، أو تخطر كما تخطر
٢٨٠