Indexed OCR Text

Pages 181-200

للشرك ، وتضمنت عدله المنافى للظلم ، وتضمنت عزته وحكمته المنافية
للذل والسفه، وتضمنت تنزيهه عن الشرك والظلم والسفه ، ففيها
إثبات التوحيد ، وإثبات العدل ، وإثبات الحكمة ، وإثبات القدرة .
والمعتزلة قد تحتج بها على ما يدعونه من التوحيد والعدل والحكمة
ولا حجة فيها لهم ؛ لكن فيها حجة عليهم ، وعلى خصومهم الجبرية أتباع
الجهم بن صفوان ؛ الذين يقولون : كل ما يمكن فعله فهو عدل ،
وينفون الحكمة . فيقولون : يفعل لا لحكمة ، فلا حجة فيها لهم ؛ فإنه
أخبر أنه لا إله إلا هو ، وليس فى ذلك نفي الصفات ، ولم يسمون
تفي الصفات توحيداً؛ بل الإله هو المستحق للعبادة، والعبادة لا تكون
إلا مع محجبة المعبود .
والمشركون جعلوا لله أنداداً يحبونهم حب الله ، والذين آمنوا
أشد حباً لله ؛ فدل ذلك على أن المؤمنين يحبون الله أعظم من محبة
المشركين لأندادهم ؛ فعلم أن الله محبوب لذاته ، ومن لم يقل بذلك لم
يشهد فى الحقيقة أن لا إله إلا هو .
والجهمية والمعتزلة يقولون : إن ذاته لا تحب ، فهم فى الحقيقة
منكرون إلهيته ، وهذا مبسوط في غير هذا الموضع .
١٨١

وقيامه بالقسط مقرون بأنه لا إله إلا هو ؛ فذكر ذلك على أنه
لا يماثله أحد فى شيء من أموره ، والمعتزلة تجعل القسط منه مثل
القسط من المخلوقين ؛ فما كان عدلا من المخلوقين كان عدلا من
الخالق ، وهذا تسوية منهم بين الخالق والمخلوق ؛ وذلك قدح فى أنه
لا إله إلا هو .
والجهمية عندم أي شيء أمكن وقوعه كان قسطاً ، فيكون قوله :
(قَائِمًا بِالْقِسْطِ ) كلاما لا فائدة فيه ولا مدح ؛ فإنه إذا كان كل مقدور
قسطا كان المعنى أنه قائم بما يفعله ، والمعنى أنه فاعل لما يفعله ، وليس
فى هذا مدح ، ولا هو المفهوم من كونه قائما بالقسط ؛ بل المفهوم منه
أنه يقوم بالقسط لا بالظلم مع قدرته عليه ؛ لكنه سبحانه مقدس منزه
أن يظلم أحداً، كما قال: (وَلَ يَظْلِمُرَبُّكَ أَحَدًا ) وقد أمر عباده
أن يكونوا قوامين بالقسط ، وقال: ( أَفَمَنْ هُوَ قَائِؤُ عَلَى كُلِّ نَفْسِ بِمَا كَسَبَتْ )
فهو يقوم عليها بكسبها لا بكسب غيرها ، وهذا من
قيامه بالقسط . وقال: (وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا نُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا)
الآية .
وأيضاً فمن قيامه بالقسط وقيامه على كل نفس بما كسبت :
أنه لا يظلم مثقال ذرة، كما قال: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًايَرَهُ)
إلى آخرها .
١٨٢

والمعتزلة تحبط الحسنات العظيمة الكثيرة بكبيرة واحدة . وتحبط
إيمانه وتوحيده بما هو دون ذلك من الذنوب . وهذا مما تفردوا به
من الظلم الذي نزه الله نفسه عنه ، فهم ينسبون الله إلى الظلم لا إلى
العدل . والله أعلم .
فصل
وقوله: (هُوَالْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) إثبات لعزته وحكمته ، وفيها رد
على الطائفتين الجبرية والقدرية ؛ فإن الجبرية - أتباع جهم - ليس
له عندم فى الحقيقة حكمة ؛ ولهذا لما أرادت الأشعرية أن تفسر حكمته
فسروها إما بالقدرة ، وإما بالعلم ، وإما بالإرادة .
ومعلوم أنه ليس فى شيء من ذلك إثبات لحكمته ، فإن القادر
والعالم والمريد قد يكون حكيماً وقد لا يكون، والحكمة أمر زائد
على ذلك ، وهم يقولون : إن الله لا يفعل لحكمة ، ويقولون أيضاً:
الفعل لغرض إنما يكون ممن ينتفع ويتضرر ، ويتألم ويلتذ ؛ وذلك ينفى
عن الله .
والمعتزلة أثبتوا أنه يفعل لحكمة . وسموا ذلك غرضاً : م وطائفة
١٨٣

من المثبتة ؛ لكن قالوا : الحكمة أمر منفصل عنه لا يقوم به ، كما
قالوا في كلامه وإرادته ؛ فاستطال عليهم المجبرة بذلك، فقالوا : الحكيم
من يفعل لحكمة تعود إلى نفسه ، فإن لم تعد إلى نفسه لم يكن حكيماً :
بل كان سفيهاً .
فيقال للمجبرة : ما نفيتم به الحكمة هو بعينه حجة من نفى الإرادة
من المتفلسفة ونحوهم ، قالوا : الإرادة لا تكون إلا لمن ينتفع ويتضرر ،
ويتألم ويلتذ ، وإثبات إرادة بدون هذا لا يعقل، وأنتم تقولون: نحن
موافقون للسلف وسائر أهل السنة على إثبات الإرادة ، فما كان جوابا
لكم عن هذا السؤال فهو جواب سأر أهل السنة لكم حيث أنبتم
إرادة بلا حكمة يراد الفعل لها . وقد بسط هذا فى غير هذا الموضع ،
وبين ما في لفظ هذه الحجة من الكلمات المجملة . والله أعلم .
فصل
وإثبات شهادة أولي العلم يتضمن أن الشهادة له بالوحدانية يشهد
بها له غيره من المخلوقين ، الملائكة والبشر . وهذا متفق عليه ،
يشهدون أن لا إله إلا الله ، ويشهدون بما شهد به لنفسه .
١٨٤

وزعم طائفة من الاتحادية أنه لا يوحد أحد الله وأنشدوا :
ما وحد الواحد من واحد
إذكل من وحده جاحد
وهؤلاء حقيقة قولهم من جنس قول النصارى في المسيح ،
يدعون أن حقيقة التوحيد أن يكون الموحد هو الموحد ؛ فيكون الحق
هو الناطق على لسان العبد ، والله الموحد لنفسه لا العبد . وهذا فى
زعمهم هو السر الذي كان الخلاج يعتقده ، وهو بزعمهم قول خواص
العارفين ؛ لكن لا يصرحون به .
وحقيقة قولهم : أنهم اعتقدوا فى عموم الصالحين ما اعتقدته النصارى
فى المسيح ؛ لكن لم يمكنهم إظهاره ، فإن دين الإسلام يناقض ذلك
مناقضة ظاهرة، فصاروا يشيرون إليه، ويقولون: إنه من السر
المكتوم ، ومن على الأسرار الغيبية، فلا يمكن أن يباح به ، وإنما هو
قول ملحد ، وهو شر من قول النصارى ، فإن النصارى إنما قالوا ذلك
في المسيح لم يقولوه فى جميع الصالحين .
وقد بسط الكلام على ذلك فى غير موضع ؛ إذ المقصود التنبيه
على ما فى هذه الآية من أصول الإيمان ، والتوحيد وإبطال
قول المبتدعين .
١٨٥

فصل
وإذا كانت شهادة الله تتضمن بيانه للعباد ، ودلالته لهم ، وتعريفهم
بما شهد به لنفسه ، فلابد أن يعرفهم أنه شهد ، فإن هذه الشهادة أعظم
الشهادات ، وإلا فلو شهد شهادة لم يتمكن من العلم بها لم ينتفع بذلك،
ولم تقم عليهم حجة بتلك الشهادة كما أن المخلوق إذا كانت عنده شهادة
لم يبينها بل كتمها لم ينتفع أحد بها ، ولم تقم بها حجة.
ولهذا ذم سبحانه من كتم العلم الذي أنزله وما فيه من الشهادة ،
كما قال تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن كَتَمَ شَهِدَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ ) أي عنده
شهادة من الله وكتمها ، وهو العلم الذي بينه الله، فإنه خبر من الله
وشهادة منه بما فيه .
وقد ذم من كتبه كما كتم بعض أهل الكتاب ما عندم من الخبر
والشهادة لإبراهيم وأهل بيته ، وكتموا إسلامهم ، وما عندهم من الأخبار
مثل ما أخبر به محمد صلى الله عليه وسلم ، وبصفته وغير ذلك ، قال
تعالى : (إِنَّالَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَابَيِّنَهُ لِلنَّاسِ فِ
اُلْكِتَبِّ أُوْ لَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّعِنُونَ).
١٨٦

وقال تعالى: (الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ يَعْرِفُونَهُ، كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَ هُمِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ
لَيَكْثُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ )
والشهادة لا بد فيها من على الشاهد وصدقه وبيانه ، لا يحصل مقصود
الشهادة إلا بهذه الأمور ؛ ولهذا ذم من يكتم ويحرف ، فقال تعالى :
(يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْكُونُواْ قَوَّمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَلِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَلِدَيْنِ
وَاُلَّأَقْرَ بِنَّ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيْرًا فَاَللَّهُ أَوْلَى بِهِمَّا فَلَا تَتَّبِعُواْالْهَوَىَ أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُرا
أَوْتُعْرِضُواْ فَإِنَّاللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ) .
ج
وفى الصحيحين عن حكيم بن حزام عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال ((البيعان بالخيار مالم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما فى بيعهما ،
وإن كذبا وكنما محقت بركة بيعها )).
فصل
وإذا كان لا بد من بيان شهادته للعباد ؛ ليعلموا أنه قد شهد فهو
قد بينها بالطريقين: بالسمع والبصر . فالسميح بسمع آيات الله المتلوة
المنزلة ، والبصير يعاين آياته المخلوقة الفعلية ؛ وذلك أن شهادته تتضمن
١٨٧

بيانه ودلالته للعباد وتعريفهم ذلك، وذلك حاصل بآياته ، فإن آياته هي
دلالاته وبراهينه التى بها يعرف العباد خبره وشهادته ، كما عرفهم بها
أمره ونهيه، وهو عليم حكيم: حبره يتضمن أمره ونهيه، وفعله
بين حكمته .
فالأنبياء إذا أخبروا عنه بكلامه عرف بذلك شهادته وآياته القولية ،
ولابد أن يعرف صدق الأنبياء فيما أخبروا عنه ؛ وذلك قد عرفه
بآياته التى أيد بها الأنبياء ودل بها على صدقهم ، فإنه لم يبعث نييا إلا
بآية تبين صدقه ، إذ تصديقه بمالا يدل على صدقه غير جائز ، كما قال :
أي بالآيات البينات . وقال : ( وَمَآ
(لَقَدْأَرْسَلْنَارُسُلَنَا بِالْبَِّّنَتِ )
أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَِّجَالًا نُوحِىّ إِلَيْهِمْ فَسْئَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُمْ لَتَعْلَمُونَ * بِلْبِيِنَتِ
وَلُّبِ وَفَْ إِلَكَ الذِّكْرَ لِتُبَيْنَ لِلنَّاسِ مَانُزِلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَنَفَكَّرُونَ).
وقال: (قُلْ قَدْ جَآءَ كُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِ بِالْبَيِّنَتِ وَبِالَّذِى قُلْتُمْ)
وقال : (فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَاءُ وبِالْبَيِّنَتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَبِ الْمُنِيرِ).
وفى الصحيحين عن أبى هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه قال: (( ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أوتى من الآيات
ما آمن على مثله البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي،
١٨٨

فأرجو أن أكون أكثرم تابعاً يوم القيامة)).
فالآيات والبراهين التى أرسل بها الرسل دلالات الله على صدقهم
دل بها العباد ، وهي شهادة اللّه بصدقهم فيما بلغوا عنه، والذي بلغوه
فيه شهادته لنفسه فيما أخبر به ؛ ولهذا قال بعض النظار : إن المعجزة
تصديق الرسول ، وهي بجري مجرى المرسل ، صدقت فهي تصديق بالفعل ،
تجري مجرى التصديق بالقول ؛ إذ كان الناس لا يسمعون كلام الله
المرسل منه ، وتصديقه إخبار بصدقه ، وشهادة له بالصدق ، وشهادة
له بأنه أرسله ، وشهادة له بأن كلما يبلغه عنه كلامه .
وهو سبحانه اسمه المؤمن ، وهو في أحد التفسيرين المصدق ،
الذي بصدق أنبياءه فيما أخبروا عنه بالدلائل التى دل بها
على صدقه .
وأما الطريق العياني فهو أن يرى العباد من الآيات الأفقية والنفسية
ما يبين لهم أن الوحي الذي بلغته الرسل عن اللّه حق؛ كما قال تعالى:
(سَؤُرِيِهِمْ ءَيَقِنَا فِ آَلَّفَاقِ وَفِىَ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ
أي أو لم يكف بشهادته
بِرَبِّكَ أَنَّهُ, عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ )
المخبرة بما علمه ، وهو الوحي الذي أخبر به الرسول ؛ فإن الله على كل
شيء شهيد وعليم به ، فإذا أخبر به وشهد كان ذلك كافياً وإن لم ير
١٨٩

المشهود به ، وشهادته قد علمت بالآيات التى دل بها على صدق الرسول ،
فالعالم بهذه الطريق لا يحتاج أن ينظر الآيات المشاهدة، التى تدل على
أن القرآن حق ، بل قد يعلم ذلك بما علم به أن الرسول صادق فيما
أخبر به عن شهادة الله تعالى، وكلامه .
وكذلك ذكر الكتاب المنزل. فقال: (وَلَا تُحَدِلُواْأَهْلَ اُلْكِتَبِ
الآيات إلى قوله : ( إِلَّا
إِلَّا بِالَّتِ هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ)
،
الظَّالِمُونَ) فبين أن القرآن آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم
فإنه من أعظم الآيات البينة الدالة على صدق من جاء به ، وقد اجتمع فيه
من الآيات مالم يجتمع فى غيره ، فإنه هو الدعوة والحجة ، وهو الدليل
والمدلول عليه، والحكم، وهو الدعوى ، وهو البينة على الدعوى ، وهو
الشاهد والمشهود به .
وقوله: (فِ صُدُورِالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) سواء أريد به أنه بين
فى صدورهم، أو أنه محفوظ في صدورم ، أو أريد به الأمران وهو
الصواب فإنه محفوظ فى صدور العلماء ، بين في صدورهم ، يعلمون
(وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُواْعِلْمَ الَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ
أنه حق ، كما قال :
( أَفَمَنْ يَعْلَمْ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّكَمَنْ هُوَ أَعْمَ)
هُوَ الْحَقَّ ) وقال :
( وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ، فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمُّ
١٩٠

وَإِنَّاللَّهَ لَهَاِالَّذِينَ ءَامَنُوْإِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ ).
وقال تعالى: (وَقَالُواْ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَتٌ مِّن رَّبِّهِ، قُلْ إِنَّمَا الْآَيَتُ
عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنْنَذِيٌِّ مُِّينُ)* أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ يُتْلَى
عَلَيْهِمْ إِنَ فِ ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِى
وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضُِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْبَطِلِ
وَكَفَرُواْ بِاللَّهِأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ).
فيها بيان ما يوجب السعادة
للمؤمنين وينجيهم من العذاب .
ثم قال: (قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَتِ
وَاْلْأَرْضِ) فإنه إذا كان عالماً بالأشياء ، كانت شهادته بعلم ،
وقد بين شهادته بالآيات الدالة على صدق الرسول ، ومنها القرآن
والله أعلم .
فصل
وأما كونه سبحانه صادقا فهذا معلوم بالفطرة الضرورية لكل أحد؛
فإن الكذب من أبغض الصفات عند بني آدم ، فهو سبحانه منزه عن
١٩١

ذلك ، وكل إنسان محمود يتنزه عن ذلك ؛ فإن كل أحد يذم الكذب،
فهو وصف ذم على الإطلاق .
وأما عدم على الإنسان ببعض الأشياء ، فهذا من لوازم المخلوق ،
ولا يحيط علما بكل شيء إلا الله، فلم يكن عدم العلم عند الناس
نقصا كالكذب ؛ فلهذا يبين الرب علمه بما يشهد به ، وأنه أصدق حديثا
من كل أحد ، وأحسن حكماً ، وأصدق قيلا؛ لأنه سبحانه أحق
بصفات الكمال من كل أحد (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ )
وهو يقول الحق، وهو يهدي السبيل، وهو سبحانه يتكلم
بمشيئته وقدرته .
و (وَمَنْ عِندَ مُعِمُ الْكِتَبِ ) وم أهل الكتاب فهم يشهدون بما
جاءت به الأنبياء قبل محمد؛ فيشهدون أنهم أنوا بمثل ما أتى به ، كالأمر
بعبادة الله وحده ، والنهي عن الشرك ، والإخبار بيوم القيامة ،
والشرائع الكلية . ويشهدون أيضاً بما في كتبهم من ذكر صفانه،
ورسالته ، وكتابه . وهذان الطريقان بها تثبت نبوة النبى صلى الله
عليه وسلم ، وهي الآيات والبراهين الدالة على صدقه أو شهادة نى آخر
قد علم صدقه له بالنبوة .
فذكر هذين النوعين بقوله: (قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًابَيْنِى وَبَيْنَكُمْ
١٩٢

وَمَنْ عِندَهُرِعِلْمُ الْكِتَبِ ) فتلك يعلم بها صدقه بالنظر العقلي فى آياته
وبراهينه ، وهذه يعلم بها صدقه بالخبر السمعي المنقول عن
الأنبياء قبله.
وكذلك قوله: (قُلْ أَُّ شَىْءٍ أَكْبرُ شَبَدَةً قُلِ اللَّهِ شَسِدٌ بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ )
فقوله : ( قُلِ اَللّهُ ) فيها وجهان :
قيل: هو جواب السائل ، وقوله ( شَهِيدٌ ) خبر مبتدأ : أي
هو شهيد .
وقيل : هو مبتدأ ، وقوله: (شَهِيدٌ ) خبره ؛ فأغنى ذلك عن
جواب الاستفهام. و((الأول)) على قراءة من يقف على قوله ( قُلِ
اللَّهُ) و ((الثانى)) على قراءة من لا يقف، وكلاهما صحيح ؛ لكن الثانى
أحسن وهو أتم .
وكل أحد يعلم أن الله أكبر شهادة، فلما قال: (قُلْ أَمٌ شَىْءٍ
علم أن الله أكبر شهادة من كل شيء ، فقيل له :
أَكْبُ شَهَدَةً )
( عُلِ اللَّهُ شَهِدٌ بَيْنِ وَبَيْنَّكُمْ) ولما قال: (اللّهُ شَهِيدٌ بَيْنِ وَبَيْنَّكُمْ)
كان فى هذا ما يغني عن قوله : إن الله أكبر شهادة . وذلك أن كون
الله أكبر شهادة هو معلوم، ولا يثبت بمجرد قوله (أَكْبُ شَهَدَةً)
١٩٣

بخلاف كونه شهيدا بينه وبينهم ؛ فإن هذا مما يعلم بالنص والاستدلال ،
فينظر هل شهد الله بصدقه وكذبهم فى تكذيبه ؟ أم شهد
بكذبه وصدقهم في تكذيبه ؟ وإذا نظر فى ذلك علم أن الله شهد بصدقه
وكذبهم بالنوعين من الآيات : بكلامه الذي أنزله ، وبما بين أنه
رسول صادق .
ولهذا أعقبه بقوله: (وَأُوْحِىَ إِلَ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأَنْذِرَكُمْ بِهِ، وَمَنْ بَلَغَ)
فإن هذا القرآن فيه الإنذار ، وهو آية شهد بها أنه صادق ،
وبالآيات التى يظهرها فى الآفاق وفى الأنفس ، حتى يتبين لهم أن
القرآن حق .
وكذلك
(قُلِ اللَّهُشَهِيدُبَيْنِ وَبَيْنَكُمْ )
وقوله فى هذه الآية :
قوله : (قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًابَيْنِى وَبَيْنَكُمْ)، وكذلك قوله: ( قُلْ
كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا)، وكذلك قوله: (هُوَأَعْلَمُ بِمَا نُفِيضُونَ فِيَّهِ
فذكر سبحانه أنه شهيد بينه
كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ ).
وبينهم ، ولم يقل : شاهد علينا، ولا شاهد لي؛ لأنه ضمن الشهادة الحكم،
فهو شهيد يحكم بشهادته بيني وبينكم، والحكم قدر زائد على مجرد
الشهادة ؛ فإن الشاهد قد يؤدي الشهادة . وأما الحاكم فإنه يحكم بالحق
للمحق على المبطل ويأخذ حقه منه ، ويعامل المحق بما يستحقه ، والمبطل
بما يستحقه.
١٩٤

وهكذا شهادة اللّه بين الرسول ومتبعيه ، وبين مكذبيه، فإنها
تتضمن حكم الله للرسول وأتباعه، يحكم بما يظهره من الآيات الدالة
على صدق الرسول على أنها الحق ، وتلك الآيات أنواع متعددة، ويحكم
له أيضاً بالنجاة والنصر، والتأييد، وسعادة الدنيا والآخرة ، ولمكذبيه
بالهلاك والعذاب، وشقاء الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: (هُوَ الَّذِىّ
فيظهره
أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ ◌ِظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ)
بالدلائل والآيات العلمية التى تبين أنه حق، ويظهره أيضاً بنصره وتأييد.
على مخالفيه، ويكون منصوراً، كما قال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَارُسُلَنَا بِالْبَيِّنَتِ
وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِنَبَ وَاَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌِّ
فهذه شهادة حكم كما قدمنا ذلك فى قوله :
شَدِيدٌ )
( شَهِدَ اللَّهُ ).
قال مجاهد والفراء وأبو عبيدة: (شَهِدَ اللهُ) أي حكم وقضى ؛ لكن
الحكم فى قوله ( بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ) أظهر، وقد يقول الإنسان لآخر: فلان
شاهد بينى وبينك ، أي يتحمل الشهادة بما بيننا ، فالله يشهد بما أنزله
ويقوله ، وهذا مثل الشهادة على أعمال العباد ؛ ولكن المكذبون ما
كانوا ينكرون التكذيب ، ولا كانوا يتهمون الرسول بأنه ينكر دعوى
الرسالة ، فيكون الشهيد بتضمن الحكم أثبت وأشبه بالقرآن .
والله أعلم .
١٩٥

فصل
(لَِّكِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنَزَّلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ.
وكذلك قوله :
فإن شهادته بما أنزل إليه هي
وَالْمَلَئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا )
شهادته بأن الله أنزله منه، وأنه أنزله بعلمه ، فما فيه من الخبر هو خبر
عن علم اللّه ليس خبراً عمن دونه، وهذا كقوله: (فَإِلَّْ يَسْتَجِيبُوالَكُمْ
فَأَعْلَمُوَ أْ أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ )
وليس معنى مجرد كونه أنزله أنه هو معلوم
له ، فإن جميع الأشياء معلومة له ، وليس فى ذلك ما يدل على أنها
حق ؛ لكن المعنى أنزله فيه علمه ، كما يقال فلان يتكلم بعلم ، ويقول
بعلم ، فهو سبحانه أنزله بعلمه ، كما قال :
(قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ الشِرَّ
فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ ) ولم يقل تكلم به بعلمه؛ لأن ذلك لا يتضمن نزوله
إلى الأرض .
فإذا قال: ( أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ) تضمن أن القرآن المنزل إلى الأرض
فيه على اللّه، كما قال: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ كَ مِنَ الْعِلْمِ)
وذلك يتضمن أنه كلام الله نفسه ، منه نزل ولم ينزل من عند غيره ؛
لأن غير الله لا يعلم ما فى نفس الله من العلم - ونفسه هي ذاته
١٩٦

المقدسة - إلا أن يعلمه الله بذلك، كما قال المسيح عليه السلام:
(تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَُّمُ الْغُيُوبِ )
، وقالت الملائكة: (لَا ◌ِعِلْمَ لَنَا إِلَّ مَا عَلَّمْتَنَآ ) وقال: (وَلَا يُحِيطُونَ
بِشَىْءٍ مِنْ عِلْمِهِ، إِلَّا بِمَا شَآءَ) وقال: (فَلَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْسِهِ أَحَدًا * إِلَّا
مَنِ أَرْتَضَى مِن رَّسُولٍ )
فغيبه الذي اختص به لا يظهر عليه أحداً
إلا من ارتضى من رسول ، والملائكة لا يعلمون غيب الرب
الذي اختص به .
وأما ما أظهره لعباده فإنه يعلمه من شاء ، وما تتحدث به
الملائكة فقد تسترق الشياطين بعضه ؛ لكن هذا ليس من غيبه وعلم
نفسه الذي يختص به ، بل هذا قد أظهر عليه من شاء من خلقه ،
وهو سبحانه قال : (لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنَزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ) فشهد
أنه أنزله بعلمه بالآيات والبراهين التى تدل على أنه كلامه ، وأن
الرسول صادق .
وكذلك قال فى هود: (فَأَتُواْ بِعَشْرِ سُوَرِ مِثْلِهِ، مُفْتَرَيَتٍ وَأَدْعُواْ مَنِ
لما تحدام بالإتيان بمثله
اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِإِنْ كُمْ صَدِقِينَ)
في قوله: (فَلْيَأْتُواْمِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ ) ثم تحدام أن يأتوا بعشر سور
مثله ، فعجزوا عن ذا وذاك ، ثم تحدام أن يأتوا بسورة مثله فعجزوا
فإن الخلائق لا يمكنهم أن يأتوا بمثله ولا بسورة مثله ؛ وإذا كان
١٩٧

الخلق كلهم عاجزين عن الإتيان بسورة مثله ومحمد منهم علم أنه منزل
من الله، نزله بعلمه ، لم ينزله بعلم مخلوق ، فما فيه من الخبر فهو خبر
عن علم الله .
وقوله: (قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ السِّرَّ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ)
لأن فيه [ من ] الأسرار التى لا يعلمها إلا الله ما يدل على أن الله
أنزله ، فذكره ذلك يستدل به تارة على أنه حق منزل من الله، لكن
تضمن من الأخبار عن أسرار السموات والأرض والدنيا والأولين
والآخرين وسر الغيب ما لا يعلمه إلا الله. فمن هنا نستدل بعلمنا
بصدق أخباره أنه من الله .
وإذا ثبت أنه أنزله بعلمه تعالى استدللنا بذلك على أن خبره
حق ، وإذا كان خبراً بعلم الله فما فيه من الخبر يستدل به عن الأنبياء
وأممهم ، وتارة عن يوم القيامة وما فيها ، والخبر الذي يستدل به لا بد
أن نعلم صحته من غير جهته ، وذلك كإخباره بالمستقبلات فوقعت كما
أخبر ، وكإخباره بالأمم الماضية بما يوافق ما عند أهل الكتاب من غير
تعلم منهم ، وإخباره بأمور هي سر عند أصحابها ، كما قال : ( وَإِذْ
أَسَرَّالنَّبِىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَ جِسْحَدِيثًا) إلى قوله: (نََّفِى الْعَلِمُ الْخَبِيرُ)
استدلال
فقوله: ( أَنْزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ السِّرَّ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ)
بأخباره؛ ولهذا ذكره تكذيباً لمن قال هو (إِفْكُ أَفْتَرَهُ وَأَعَنَهُ, عَلَيْهِ قَوْمُ
١٩٨

ءَآخَرُونَ ) وقوله: ( أَنَزَلَهُ ) استدلال على أنه حق ، وأن
الخبر الذي فيه عن الله حق ؛ ولهذا ذكر ذلك بعد ثبوت التحدي،
وظهور عجز الخلق عن الإتيان بمثله .
فصل
ومن شهادته ما يجعله في القلوب من العلم ، وما تنطق به الألسن
من ذلك ، كما في الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم حر عليه
بجنازة فأثنوا عليها خيراً، فقال: ((وجبت ، وجبت)) وحر عليه
بجنازة فأتنوا عليها شراً، فقال: ((وجبت، وجبت )) قالوا يا رسول
الله ! ما قولك: وجبت وجبت؟ قال: ((هذه الجنازة أثنيتم عليها
خيراً فقلت وجبت لها الجنة ، وهذه الجنازة أثنيتم عليها شراً فقلت
وجبت لها النار، أنتم شهداء الله فى الأرض)) فقوله: ((شهداء الله))
أضافهم إلى الله تعالى.
والشهادة تضاف تارة إلى من يشهد له . وإلى من يشهد عنده ،
فتقبل شهادته كما يقال : شهود القاضي وشهود السلطان ونحو ذلك من
الذين تقبل شهادتهم ، وقد يدخل فى ذلك من يشهد عليه بما تحمله
١٩٩

من الشهادة ، ليؤديها عند غيره ، كالذين يشهد الناس عليهم
بعقودهم أو أقاريرم .
فشهداء الله الذين يشهدون له بما جعله وفعله ، ويؤدون الشهادة
عنه، فإنهم إذا رأوا من جعله الله براً تقياً يشهدون أن الله جعله
كذلك ، ويؤدون عنه الشهادة ، فهم شهداء الله فى الأرض ، وهو
سبحانه الذي أشهدم بأن جعلهم يعلمون ما يشهدون به ، وينطقون
به ، وإعلامه لهم بذلك هو شهادة منه بذلك ، فهذا أيضاً من شهادته.
وقد قال تعالى: (لَهُمُ الْبُشْرَى فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ )
وفسر النبى صلى اللّه عليه وسلم البشرى بالرؤيا الصالحة ، وفسرها بثناء
الناس وحمده ، والبشرى خبر بما يسر ، والخبر شهادة بالبشرى من
شهادة اللّه تعالى. والله سبحانه أعلم.
٢٠٠