Indexed OCR Text

Pages 21-40

يقول: ((خيراً تلقاه وشراً توقاه، خيراً لنا وشراً لأعداتنا)) فإنه إذا
أصاب العبد شر سر قلب عدوه ؛ فهو خير لهذا وشر لهذا ؛ ومن لم
يكن له ولياً ولا عدواً فليس في حقه خيراً ولا شراً، وليس فى
مخلوقات الله ما يؤلم الخلق كلهم دائماً، ولا ما يؤلم جمهورم دائماً؛ بل
مخلوقاته إما منعمة لهم أو الجمهورهم فى أغلب الأوقات ، كالشمس
والعافية ، فلم يكن في الموجودات التى خلقها الله ما هو شر
مطلقاً عاماً .
فعلم أن الشر المخلوق الموجود شر مقيد خاص ، وفيه وجه آخر
هو به خير وحسن، وهو أغلب وجهيه، كما قال تعالى: (أَحْسَنَ كُلَّ
شَىْءٍ خَلَقَهُ ) وقال تعالى: (صُنْعَالَّهِالَّذِىَ أَنْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ)
وقال تعالى: (مَاخَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَابَيْنَهُمَآ إِلَّا بِالْحَقّ)
وقال :
(وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا).
وقد علم المسلمون أن اللّه لم يخلق شيئاً ما إلا لحكمة ؛ فتلك
الحكمة وجه حسنه وخيره ، ولا يكون فى المخلوقات شر محض لا خير
فيه ولا فائدة فيه بوجه من الوجوه ؛ وبهذا يظهر معنى قوله: ((والشر
ليس إليك)) وكون الشر لم يضف إلى الله وحده؛ بل إما بطريق
العموم أو يضاف إلى السبب أو يحذف فاعله .
٢١

فهذا الشر الموجود الخاص المقيد سببه : إما عدم وإما وجود ؛
فالعدم مثل عدم شرط أو جزء سبب ، إذ لا يكون سببه عدماً محضاً ،
فإن العدم المحض لا يكون سبباً تاماً لوجود ؛ ولكن يكون سبب الخير
واللذة قد انعقد ، ولا يحصل الشرط فيقع الألم ؛ وذلك مثل عدم فعل
الواجبات الذي هو سبب النم والعقاب ، ومثل عدم العلم الذي هو سبب
ألم الجهل وعدم السمع والبصر والنطق الذي هو سبب الألم بالعمى والصمم
والبكم، وعدم الصحة والقوة، الذي هوسبب الألم والمرض، والضعف.
فهذه المواضع ونحوها يكون الشر أيضا مضافاً إلى العدم المضاف إلى
العبد، حتى يتحقق قول الخليل: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ) فإن
المرض وإن كان ألماً موجوداً فسببه ضعف القوة ، وانتفاء الصحة
الموجودة ، وذلك عدم هو من الإنسان المعدوم بنفسه ، حتى يتحقق
قول الحق (وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَن نَّفْسِكَ) وقوله: (قُلْتُ أَ هَذَا قُلّ
هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ )
ونحو ذلك فيما كان سببه عدم فعل الواجب
وكذلك قول الصحابي : وإن يكن خطأ فني ومن الشيطان .
يبين ذلك أن المحرمات جميعها من الكفر والفسوق والعصيان إنما
يفعلها العبد لجهله أو لحاجته ، فإنه إذا كان عالماً بمضرتها وهو
غني عنها امتنع أن يفعلها ، والجهل أصله عدم ، والحاجة أصلها العدم .
٢٢

فأصل وقوع السيئات منه عدم العلم والغنى ، ولهذا يقول فى
القرآن: (مَاكَانُواْيَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ) ( أَفَلَمْ تَكُونُواْتَعْقِلُونَ )؟ ( إِنَّهُمْ
أَلْفَوْءَابَآءَ هُمْضَآلِينَ * فَهُمْ عَلَىْ ءَانَزِهِمْ يُهْرَعُونَ ) إلى نحو هذه المعاني.
وأما الموجود الذي هو سبب الشر الموجود الذي هو خاص
كالآلام ، مثل الأفعال المحرمة من الكفر الذي هو تكذيب أو
استكبار ، والفسوق الذي هو فعل المحرمات ونحو ذلك . فإن ذلك
سبب النم والعقاب ، وكذلك تناول الأغذية الضارة ، وكذلك الحركات
الشديدة المورثة للألم ، فهذا الوجود لا يكون وجوداً تاماً محضاً ؛ إذ
الوجود التام المحض لا يورث إلا خيراً ، كما قلنا إن العدم المحض
لا يقتضي وجوداً؛ بل يكون وجوداً ناقصاً إما فى السبب وإما في
المحل ، كما يكون سبب التكذيب عدم معرفة الحق والإقرار به ،
وسبب عدم هذا العلم والقول عدم أسبابه ، من النظر التام، والاستماع
التام لآيات الحق وأعلامه.
وسبب عدم النظر والاستماع : إما عدم المقتضى فيكون عدماً
محضاً، وإما وجود مانع من الكبر أو الحسد فى النفس (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ
كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) وهو تصور باطل ، وسببه عدم غنى النفس بالحق
فتعتاض عنه بالخيال الباطل .
٢٣

و «الحسد)) أيضاً سبه عدم النعمة التى يصير بها مثل المحسود
أو أفضل منه ؛ فإن ذلك يوجب كراهة الحاسد لأن يكافئه المحسود ،
أو يتفضل عليه .
وكذلك الفسوق كالقتل والزنا وسائر القبائح ، إنما سببها حاجة
النفس إلى الاشتفاء بالقتل والالتذاذ بالزنا ، وإلا فمن حصل غرضه بلا
قتل أو نال اللذة بلا زنا لا يفعل ذلك ، والحاجة مصدرها العدم ،
وهذا يبين - إذا تدبره الإنسان - أن الشر الموجود إذا أضيف
إلى عدم أو وجود فلا بد أن يكون وجوداً ناقصاً ، فتارة يضاف إلى
عدم كمال السبب أو فوات الشرط ، وتارة يضاف إلى وجود ، ويعبر
عنه تارة بالسبب الناقص والمحل الناقص ، وسبب ذلك إما عدم شرط
أو وجود مانع ، والمانع لا يكون مانعاً إلا لضعف المقتضى ، وكل
ما ذكرته واضح بين ، إلا هذا الموضع ففيه غموض بتبين عند التأمل
وله طرفان :
((أحدهما)» أن الموجود لا يكون سببه عدماً محضاً.
و((الثاني ((أن الموجود لا يكون سبباً للعدم المحض، وهذا
معلوم بالبديهة أن الكائنات الموجودة لا تصدر إلا عن حق موجود .
٢٤

ولهذا كان معلوماً بالفطرة أنه لا بد لكل مصنوع من صانع ،
كما قال تعالى: (أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِشَىْءٍ أَمْ هُمُ الْخَلِقُونَ)
يقول :
أخلقوا من غير خالق خلقهم أم م خلقوا أنفسهم ؟
ومن المتكلمين من استدل على هذا المطلوب بالقياس ، وضرب
المثال . والاستدلال عليه ممكن ، ودلائله كثيرة ، والفطرة عند محتها
أشد إقراراً به ، وهو لها أبده، وهي إليه أشد اضطراراً من المثال
الذي يقاس به .
وقد اختلف أهل الأصول فى العلة الشرعية ، هل يجوز تعليل
الحكم الوجودي بالوصف العدمى فيها مع قولهم : إن العدمي يعلل
بالعدمي ؟ فمنهم من قال : يعلل به ، ومنهم من أنكر ذلك ، ومنهم
من فصل بين ما لا يجوز أن يكون علة للوجود فى قياس العلة ،
ويجوز أن تكون علته له في قياس الدلالة فلا يضاف إليه فى قياس
الدلالة ، وهذا فصل الخطاب ، وهو أن قياس الدلالة يجوز أن يكون
العدم فيه علة وجزءاً من علة ؛ لأن عدم الوصف قد يكون دليلا على
وصف وجودي يقتضي الحكم .
وأما (( قياس العلة )) فلا يكون العدم فيه علة تامة ؛ لكن يكون
جزءاً من العلة التامة وشرطا للعلة المقتضية التى ليست بتامة ، وقلنا :
جزء من العلة التامة ، وهو معنى كونه شرطاً في اقتضاء العلة الوجودية،
٢٥

وهذا نزاع لفظي ، فإذا حققت المعاني ارتفع . فهذا في بيان أحد الطرفين
وهو أن الموجود لا يكون سببه عدماً محضاً .
وأما (( الطرف الثاني)) وهو أن الموجود لا يكون سبباً لوجود
يستلزم عدماً فلأن العدم المحض لا يفتقر إلى سبب موجود ، بل يكفي
فيه عدم السبب الموجود ؛ ولأن السبب الموجود إذا أثر فلابد أن
يؤثر شيئاً ، والعدم المحض ليس بشيء ، فالأثر الذي هو عدم محض
بمنزلة عدم الأثر ؛ بل إذا أثر الإعدام فالإعدام أمر وجودي فيه عدم،
فإن جعل الموجود معدوماً والمعدوم موجوداً أمر معقول، أما جعل
المعدوم معدوماً فلا يعقل إلا بمعنى الإبقاء على العدم ، والإبقاء على
العدم يكفي فيه عدم الفاعل ، والفرق معلوم بين عدم الفاعل وعدم
الموجب فى عدم العلة ، وبين فاعل العدم ، وموجب العدم ، وعلة
العدم. والعدم لا يفتقر إلى الثاني ؛ بل يكفى فيه الأول .
فتبين بذلك الطرفان ، وهو أن العدم المحض الذي ليس فيه شوب
وجود لا يكون وجودا ما: لا سباً ولا مسبباً ولا فاعلا ولا مفعولا أصلا
فالوجود المحض التام الذي ليس فيه شوب عدم لا يكون سبباً لعدم
أصلا ولا مسبباً عنه ولا فاعلا له ولا مفعولا، أما كونه ليس مسبباً
عنه ولا مفعولا له فظاهر ، وأما كونه ليس سبباً له فإن كان سبباً
لعدم محض فالعدم المحض لا يفتقر إلى سبب موجود، وإن كان لعدم
٢٦

فيه وجود فذاك الوجود لا بد له من سبب ولو كان سببه تاماً وهو
قابل لما دخل فيه عدم ؛ فإنه إذا كان السبب تاماً والمحل قابلا وجب
وجود المسبب حيث كان فيه عدم فلعدم مافى السبب أو فى المحل فلا
يكون وجوداً محضاً .
فظهر أن السبب حيث تخلف حكمه إن كان لفوات شرط فهو
عدم، وإن كان لوجود مانع فإنما صار مانعاً لضعف السبب ، وهو
أيضاً عدم قوته وكاله ، فظهر أن الوجود ليس سبب العدم المحض ،
وظهر بذلك القسمة الرباعية ، وهي أن الوجود المحض لا يكون
إلا خيراً .
يبين ذلك أن كل شرفى العالم لا يخرج عن قسمين إما ألم وإما
سبب الألم ، وسبب الألم مثل الأفعال السيئة المقتضية للعذاب، والألم
الموجود لا يكون إلا لنوع عدم ، فكما يكون سببه تفرق الاتصال ؛
وتفرق الاتصال هو عدم التأليف والاتصال الذى بينهما ، وهو
الشر والفساد .
وأما سبب الألم فقد قررت فى ((قاعدة كبيرة)) أن أصل الذنوب
هو عدم الواجبات لا فعل المحرمات ، وأن فعل المحرمات إنما وقع
لعدم الواجبات ، فصار أصل الذنوب عدم الواجبات ، وأصل الألم
٢٧

عدم الصحة ؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمهم فى خطبة الحاجة
أن يقولوا: ((ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا))
فيستعيذ من شر النفس الذى نشأ عنها من ذنوبها وخطاياها ، ويستعيد
من سيئات الأعمال التى هي عقوباتها وآلامها ؛ فإن قوله : ((ومن
سيئات أعمالنا)) قد يراد به السيئات فى الأعمال ، وقد يراد به العقوبات ؛
فإن لفظ السيئات في كتاب الله يراد به ما يسوء الإنسان من الشر ،
وقد يراد به الأعمال السيئة ، قال تعالى: (إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةُ نَسُؤْهُمْ
وَإِن تُصِبِّكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا ) وقال تعالى: (وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ
أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنسَنَ كَفُورٌ ) .
ومعلوم أن شر النفس هو الأعمال السيئة فتكون سيئات الأعمال
هى الشر والعقوبات الحاصلة بها فيكون مستعيداً من نوعى السيئات :
الأعمال السيئة وعقوباتها ، كما فى الاستعاذة المأمور بها فى الصلاة :
(أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا
والمات، ومن فتنة المسيح الدجال )) فأمرنا بالاستعاذة من العذاب عذاب
الآخرة وعذاب البرزخ ، ومن سبب العذاب ، ومن فتنة المحيا والمات
وفتنة المسيح الدجال ، وذكر الفتنة الخاصة بعد الفتنة العامة فتنة المسيح
الدجال فإنها أعظم الفتن، كما فى الحديث الصحيح: ((ما من خلق
آدم إلى قيام الساعة فتنة أعظم من فتنة المسيح الدجال )).
٢٨

فصل
إذا ظهر أن العبد وكل مخلوق فقير إلى الله محتاج إليه ليس
فقيراً إلى سواء فليس هو مستغنياً بنفسه ولا بغير ربه ؛ فإن ذلك
الغير فقير أيضاً محتاج إلى الله، ومن المأثور عن أبي يزيد - رحمه
الله - أنه قال : استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق.
وعن الشيخ أبي عبد الله القرشي أنه قال: استغاثة المخلوق بالمخلوق
كاستغاثة المسجون بالمسجون . وهذا تقريب وإلا فهو كاستغاثة العدم
بالعدم ؛ فإن المستغاث به إن لم يخلق الحق فيه قوة وحولا وإلا فليس
له من نفسه شيء، قال سبحانه: (مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ، إِلَّا بِإِذْنِهِ)
وقال تعالى: (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ أَرْتَضَى) وقال تعالى:
(وَمَاهُمْ بِضَآرِّينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ إِلَّ بِإِذْنِ اللَّهِ )
واسم العبد بتناول
معنيين .
((أحدهما)) بمعنى العابد كرهاً كما قال: (إِن كُلُّ مَن فِىِ السَّمَوَتِ
وقال: (وَلَهُأَسْلَمَ مَن فِ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ إِلَّ ءَاتِى الرَّحْمَنِ عَبْدًا )
وَالْأَرْضِ لَوَعًا وَكَرْهَا ) وقال: (بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَاْلْأَرْضِ) (كُلٌّ
٢٩

وقال: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا ).
لَهُ,قَائِنُونَ )
و ((الثاني)) بمعنى العابد طوعاً وهو الذي يعبده ويستعينه، وهذا
هو المذكور في قوله: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا)
وقوله: (عَيْنَا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِرُونَهَاتَفْجِيرًا ) وقوله :
(إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ ) وقوله: (إِلَِّعِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)
وقوله : (يَعِبَادِ لَاخَوْفُ عَلَيْكُمُ اَلْيَوْمَ وَلَآ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ )
وقوله : (وَأَذَّكُرْ عِبَدَنَا إِبْرَهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ ) وقوله: (فَأَوْحَىّ إِلَى عَبْدِهِ، مَآ
أَوْحَى ) وقوله: (نِعْمَ الْعَبْدُّ إِنَّهُ أَوََّبُ) وقوله: (سُبْحَنَ الَّذِىَّ أَسْرَى
بِعَبْدِهِ، لَيْلًا) وقوله: ( وَأَنَّهُ لَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ ) .
وهذه العبودية قد يخلو الإنسان منها تارة ، وأما الأولى فوصف
لازم ، إذا أريد بها جريان القدر عليه وتصريف الخالق له ، قال
تعالى: ( أَفَغَيْرَ دِينِ اَللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُوَأَسْلَمَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوَّعًا
وَكَرْهَا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ) وعامة السلف على أن المراد بالاستسلام
استسلامهم له بالخضوع والذل، لا مجرد تصريف الرب لهم ، كما في
، وهذا
قوله: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا )
الخضوع والذل هو أيضاً لازم لكل عبد لابد له من ذلك ، وإن
٣٠

كان قد يعرض له أحياناً الإعراض عن ربه والاستكبار ، فلا بد له
عند التحقيق من الخضوع والذل له ؛ لكن المؤمن يسلم له طوعاً فيحبه
ويطيع أمره ، والكافر إنما يخضع له عند رغبة ورهبة ، فإذا زال
عنه ذلك أعرض عن ربه، كما قال: (وَإِذَامَسَ الْإِنسَنَ الضُّرُّ دَعَانَا
لِجَنَّبِهِ: أَوْ قَاعِدًا أَوْقَائِمًا فَلَمَا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّكَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرِّمَّسَّهُ)
وقال: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُ فِ الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَنَّكُمْ إِلَى الْبَرِّأَعْرَضْتُمْ
وَكَانَ الْإِنسَنُ كَفُورًا ) .
وفقر المخلوق وعبوديته أمر ذاتي له لا وجود له بدون ذلك ،
والحاجة ضرورية لكل المصنوعات المخلوقات ، وبذلك هي أنها لخالقها
وفاطرها إذ لا قيام لها بدونه ، وإنما يفترق الناس فى شهود هذا الفقر
والاضطرار وعزوبه عن قلوبهم .
و ((أيضاً)) فالعبد يفتقر إلى الله من جهة أنه معبوده الذي يحبه
حب إجلال وتعظيم، فهو غاية مطلوبه ومراده ومنتهى همته ، ولا صلاح
له إلا بهذا ، وأصل الحركات الحب ، والذي يستحق المحبة لذاته هو
اللّه، فكل من أحب مع الله شيئاً فهو مشرك ، وحبه فساد ؛ وإنما
الحب الصالح النافع حب الله والحب الله، والإنسان فقير إلى الله من
جهة عبادته له ومن جهة استعانته به للاستسلام والانقياد لمن أنت إليه
فقير وهو ربك وإلهك .
٣١

وهذا العلم والعمل أمر فطري ضروري ؛ فإن النفوس تعلم
فقرها إلى خالقها ، وتذل لمن افتقرت إليه ، وغناه من الصمدية التى
وهو شهود
(يَسْئَلُهُ مَن فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ)
انفرد بها ، فإنه
الربوبية بالاستعانة والتوكل والدعاء والسؤال ، ثم هذا لا يكفيها حتى
تعلم ما يصلحها من العلم والعمل ، وذلك هو عبادته والإنابة إليه ؛ فإن
العبد إنما خلق لعبادة ربه فصلاحه وكماله ولذته وفرحه وسروره فى أن
يعبد ربه ويذيب إليه ، وذلك قدر زائد على مسألته والافتقار إليه ؛
فإن جميع الكائنات حادثة بمشيئته ، قائمة بقدرته وكلمته ، محتاجة إليه ،
فقيرة إليه ، مسلمة له طوعاً وكرهاً ، فإذا شهد العبد ذلك وأسلم له
وخضع فقد آمن بربوبيته ، ورأى حاجته وفقره إليه صار سائلا له
متوكلا عليه مستعيناً به إما بحاله أو بقاله ، بخلاف المستكبر عنه المعرض
عن مسألته .
ثم هذا المستعين به السائل له إما أن يسأل ما هو مأمور به ،
أو ما هو منهى عنه، أو ما هو مباح له؛ فـ ((الأول)) حال المؤمنين
السعداء الذين حالهم ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيرٌ) و((الثانى)) حال
الكفار والفساق والعصاة الذين فيهم إيمان به وإن كانوا كفاراً كما قال :
(وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِالَّهِ إِلَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ ) فهم مؤمنون ربوبيته ،
مشركون فى عبادته ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لحصين الخزاعى :
٣٢

((يا حصين، كم تعبد ؟ قال : سبعة آلهة : ستة فى الأرض وواحدا فى
السماء ، قال : فمن الذي تعد لرغبتك ورهبتك ؟ قال : الذي فى السماء،
قال : أسلم حتى أعلمك كلمة ينفعك اللّه تعالى بها، فأسلم ، فقال :
قل: ((اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي)) رواه أحمد وغيره .
ولهذا قال سبحانه وتعالى: ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِنِّي قَرِيبٌ
أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِإِذَا دَعَانٍ فَلْيَسْتَجِيبُواْلِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ )
أخبر سبحانه أنه قريب من عباده يجيب دعوة الداعى إذا دعاه ، فهذا
إخبار عن ربوبيته لهم ، وإعطائه سؤلهم ، وإجابة دعائهم ؛ فإنهم إذا
دعوه فقد آمنوا بربوبيته لهم ، وإن كانوا مع ذلك كفاراً من وجه
آخر، وفساقاً أو عصاة، قال تعالى: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِ الْبَحْرِضَلَّ مَن تَدْعُونَ
إِلَّ إِنَُّ قَاتَّنَّكُمْ إِلَى الْبَرِّأَغْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنسَنُ كَفُورًا)
وقال تعالى : (وَإِذَامَسَ آلْإِنسَنَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنَِّهِ: أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا
عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّكَأَنْ لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرِّ مَّسَةٌ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُو ◌ْيَعْمَلُونَ)
ونظائره في القرآن كثيرة ، ثم أحرم بأمرين فقال:
فـ (( الأول))
(فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ )
أن يطيعوه فيما أمرهم به من العبادة والاستعانة. و((الثانى)) الإيمان
بربوبيته وألوهيته، وأنه ربهم وإلههم .
ولهذا قيل : إجابة الدعاء تكون عن صحة الاعتقاد ، وعن كمال
٣٣

الطاعة ؛ لأنه عقب آية الدعاء بقوله : (فَلْيَسْتَجِيبُواْلِى وَلْيُؤْمِنُواْبِى )
والطاعة والعبادة هي مصلحة العبد التى فيها سعادته ونجانه ، وأما إجابة
دعائه وإعطاء سؤاله فقد يكون منفعة وقد يكون مضرة ، قال تعالى :
وقال
(وَيَدْعُ الْإِنسَنُ بِالشَّرِّدُ عَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنسَنُ عَجُولًا)
تعالى: (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ أَسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ)
وقال تعالى عن المشركين: (وَإِذْقَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ
عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِأَثْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ )
وقال :
( إِن تَسْتَفْئِحُواْ فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِن تَنَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌلَّكُمْ ) وقال :
ج
( ادْعُواْرَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ )
وقال: (وَأَتْلُ
*
عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِى ءَاتَيْنَهُ ءَايَئِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَنُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ.
وَلَوْشِتْنَا لَرَفَعْنَهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَهَ إِلَى الْأَرْضِ وَأَتَّبَعَ هَوَنُهُ) الآية
وقال: (فَمَنْ حَاجَكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ كَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْنَدْعُ أَبْنَآءَنَا
وَأَبْنَاءَ كُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَ كُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّنَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى
اُلْكَذِبِين) وقال النبى صلى الله عليه وسلم لما دخل على أهل جابر
فقال: (( لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير؛ فإن الملائكة يؤمنون على
ما تقولون )).
٣٤

فصل
فالعبد كما أنه فقير إلى الله دائماً فى إعانته وإجابة دعوته وإعطاء
سؤاله وقضاء حوائجه فهو فقير إليه فى أن يعلم ما يصلحه وما هو الذي
يقصده ويريده وهذا هو الأمر والنهي والشريعة ، وإلا فإذا قضيت
حاجته التى طلبها وأرادها ولم تكن مصلحة له كان ذلك ضرراً عليه ،
وإن كان في الحال له فيه لذة ومنفعة فالاعتبار بالمنفعة الخالصة أو الراجحة
وهذا قد عرفه الله عباده برسله وكتبه: علموم، وزكوم، وأحروم
بما ينفعهم ، ونهوم عما يضرم ، وبينوا لهم أن مطلوبهم ومقصودم
ومعبودهم يجب أن يكون هو الله وحده لا شريك له ؛ كما أنه هو ربهم
وخالقهم ، وأنهم إن تركوا عبادته أو أشركوا به غيره خسروا خسراناً
مبيناً ، وضلوا ضلالا بعيداً ، وكان ما أوتوه من قوة ومعرفة وجاه
ومال وغير ذلك - وإن كانوا فيه فقراء إلى الله مستعينين به عليه ،
مقرين بربوبيته - فإنه ضرر عليهم . ولهم بئس المصير وسوء الدار .
وهذا هو الذي تعلق به الأمر الديني الشرعى والإرادة الدينية
٣٥

الشرعية، كما تعلق بالأول الأمر الكونى القدري والإرادة
الكونية القدرية .
والله سبحانه قد أنعم على المؤمنين بالإعانة والهداية ؛ فإنه بين لهم
هدام بإرسال الرسل ، وإنزال الكتب ، وأعانهم على اتباع ذلك علماً
وعملا، كما من عليهم وعلى سائر الخلق بأن خلقهم ورزقهم وعافاه ،
ومن على أكثر الخلق بأن عرفهم ربوبيته لهم وحاجتهم إليه ، وأعطاه
سؤلهم، وأجاب دعاءهم، قال تعالى: (يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ كُلّ يَوْمِ هُوَ
فِي شَأَنٍ ) فكل أهل السموات والأرض يسألونه ، فصارت الدرجات
أربعة .
((قوم)) لم يعبدوه ولم يستعينوه، وقد خلقهم ورزقهم وعافاهم.
و ((قوم)) استعانوه فأعلنهم ولم يعبدوه.
و ((قوم)) طلبوا عبادته وطاعته ولم يستعينوه ولم يتوكلوا عليه .
و ((الصنف الرابع)) الذين عبدوه واستعانوه فأعانهم على عبادته
وطاعته ، وهؤلاء هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات . وقد بين سبحانه
ما خص به المؤمنين فى قوله: (حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَنَ وَزَيَّنَهُ فِ قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَإِلَيْكُ
اُلْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الَّشِدُونَ).
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على أفضل المرسلين محمد وآله
وصحبه أجمعين .
٣٦

قال شيخ الإسلام
أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى
فصل
والعبد مضطر دائما إلى أن يهديه الله الصراط المستقيم ، فهو مضطر
إلى مقصود هذا الدعاء ؛ فإنه لا تجاة من العذاب ولا وصول إلى السعادة
إلا بهذه الهداية ، فمن فاته فهو إما من المغضوب عليهم، وإما من الضالين
وهذا الهدى لا يحصل إلا بهدى الله ، وهذه الآية مما يبين فساد
مذهب القدرية .
وأما سؤال من يقول فقد هدام فلا حاجة بهم إلى السؤال ،
وجواب من أجابه بأن المطلوب دوامها كلام من لم يعرف حقيقة الأسباب ،
وما أمر الله به؛ فإن (الصراط المستقيم) أن يفعل العبد فى كل وقت
ما أمر به فى ذلك الوقت من علم وعمل ، ولا يفعل ما نهي عنه ،
وهذا يحتاج في كل وقت إلى أن يعلم ويعمل ما أمر به في ذلك الوقت
٣٧

وما نهى عنه ، وإلى أن يحصل له إرادة جازمة لفعل المأمور ، وكراهة
جازمة لترك المحظور ، فهذا العلم المفصل والإرادة المفصلة لا يتصور أن
تحصل للعبد فى وقت واحد، بل كل وقت يحتاج إلى أن
يجعل الله فى قلبه من العلوم والإرادات ما يهتدي به في ذلك
الصراط المستقيم .
نعم ! حصل له هدى مجمل بأن القرآن حق ، والرسول حق ،
ودين الإسلام حق ، وذلك حق ؛ ولكن هذا المجمل لا يغنيه إن لم
يحصل له هدى مفصل في كل ما يأتيه ويذره من الجزئيات التى يحار فيها
أكثر عقول الخلق، ويغلب الهوى والشهوات أكثر عقولهم لغلبة
الشهوات والشبهات عليهم .
والإنسان خلق ظلوما جهولا ، فالأصل فيه عدم العلم وميله إلى ما
بهواه من الشر، فيحتاج دائماً إلى علم مفصل يزول به جهله ، وعدل
فى محبته وبغضه ورضاه وغضبه وفعله وتركه وإعطائه ومنعه وأكله وشربه
ونومه ويقظته، فكل ما يقوله ويعمله يحتاج فيه إلى علم ينافى جهله ، وعدل
ينافى ظلمه ، فإن لم يمن الله عليه بالعلم المفصل والعدل المفصل
كان فيه من الجهل والظلم ما يخرج به عن الصراط المستقيم ، وقد
قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بعد صلح الحديبية وبيعة الرضوان :
إلى قوله تعالى: (وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا
( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحَامُبِينًا )
٣٨

مُسْتَقِيمًا) فإذا كان هذه حاله فى آخر حياته أو قريباً منها فكيف
حال غيره .
و (الصراط المستقيم ) قد فسر بالقرآن ، وبالإسلام ، وطريق
العبودية، وكل هذا حق. فهو موصوف بهذا وبغيره، فـ((القرآن))
مشتمل على مهات وأمور دقيقة، ونواهي وأخبار وقصص وغير ذلك
إن لم يهد الله العبد إليها فهو جاهل بها ضال عنها، وكذلك ((الإسلام))
وما اشتمل عليه من المكارم والطاعات والخصال المحمودة ، وكذلك
((العبادة وما اشتملت عليه)).
فحاجة العبد إلى سؤال هذه الهداية ضرورية في سعادته ونجانه
وفلاحه ؛ بخلاف حاجته إلى الرزق والنصر فإن الله يرزقه، فإذا انقطع
رزقه مات ، والموت لابد منه ، فإذا كان من أهل الهدى به كان سعيداً
قبل الموت وبعده ، وكان الموت موصلا إلى السعادة الأبدية ، وكذلك
النصر إذا قدر أنه غلب حتى قتل فإنه يموت شهيداً وكان القتل من
تمام النعمة ، فتبين أن الحاجة إلى الهدى أعظم من الحاجة إلى النصر
والرزق ؛ بل لا نسبة بينهما ؛ لأنه إذا هدي كان من المتقين ( وَمَن
وكان ممن
يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ )
ينصر الله ورسوله ومن نصر الله نصره الله، وكان من جند الله،
وهم الغالبون ؛ ولهذا كان هذا الدعاء هو المفروض .
٣٩

و ((أيضاً)) فإنه يتضمن الرزق والنصر؛ لأنه إذا هدى ، ثم أمر
وهدى غيره بقوله وفعله ورؤيته فالهدى التام أعظم ما يحصل به الرزق
والنصر ، فتبين أن هذا الدعاء جامع لكل مطلوب ، وهذا مما يبين
لك أن غير الفاتحة لا يقوم مقامها ، وأن فضلها على غيرها من الكلام
أعظم من فضل الركوع والسجود على سائر أفعال الخضوع ، فإذا
تعينت الأفعال فهذا القول أولى والله أعلم .
وصلى الله على نبيه محمد وسلم تسليما كثيراً .
٤٠