Indexed OCR Text

Pages 401-420

وعاصم ليست هي الأحرف السبعة التي أنزل القرآن عليها ، وذلك باتفاق
علماء السلف والخلف .
وكذلك ليست هذه القراءات السبعة هي مجموع حرف واحد من
الاحرف السبعة التى أنزل القرآن عليها باتفاق العلماء المعتبرين ؛ بل
القراءات الثابتة عن أئمة القراء - كالأعمش ويعقوب ، وخلف وأبى
جعفر يزيد بن القعقاع ، وشيبة بن نصاح ونحوم - هي بمنزلة
القراءات الثابتة عن هؤلاء السبعة عند من ثبت ذلك عنده، كما
ثبت ذلك .
وهذا أيضاً مما لم يتنازع فيه الأئمة المتبوعون من أئمة الفقهاء والقراء
وغيرهم ، وإنما تنازع الناس من الخلف فى المصحف العثمانى الإمام الذي
أجمع عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتابعون لهم
بإحسان ، والأمة بعده ، هل هو بما فيه من القراءات السبعة ، وتمام
العشرة ، وغير ذلك هل هو حرف من الأحرف السبعة التى أزل
القرآن عليها ؟ أو هو مجموع الأحرف السبعة ، على قولين مشهورين .
والأول قول أئمة السلف والعلماء ، والثاني قول طوائف من أهل الكلام
والقراء وغيرهم ، وم متفقون على أن الأحرف السبعة لا يخالف بعضها
بعضاً خلافا يتضاد فيه المعنى ويتناقض ؛ بل يصدق بعضها بعضاً كما
تصدق الآيات بعضها بعضاً .
٤٠١

وسبب تنوع القراءات فيما احتمله خط المصحف هو بجويز الشارع
وتسويغه ذلك لهم؛ إذ مرجع ذلك إلى السنة والاتباع ، لا إلى
الرأي والابتداع .
أما إذا قيل : إن ذلك هي الأحرف السبعة فظاهر ، وكذلك بطريق
الأولى إذا قيل : إن ذلك حرف من الأحرف السبعة ، فإنه إذا كان قد
سوغ لهم أن يقرؤوه على سبعة أحرف كلها شاف كاف مع تنوع الأحرف
فى الرسم ؛ فلأن يسوغ ذلك مع اتفاق ذلك فى الرسم وتنوعه فى اللفظ
أولى وأحرى ، وهذا من أسباب تركهم المصاحف أول ما كتبت غير
مشكولة ولا منقوطة ؛ لتكون صورة الرسم محتملة للأخرين ، كالتاء
والياء ، والفتح والضم ، وهم يضبطون باللفظ كلا الأمرين ، ويكون
دلالة الخط الواحد على كلا اللفظين المنقولين المسموعين المتلوين شبيهاً
بدلالة اللفظ الواحد على كلا المعنيين المنقولين المعقولين المفهومين ؛
فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تلقوا عنه ما أمره الله
بتبليغه إليهم من القرآن لفظه ومعناه جميعاً، كما قال أبو عبد الرحمن
السلمي - وهو الذي روى عن عثمان رضي الله عنه عن النى صلى الله
عليه وسلم أنه قال: (( خيركم من تعلم القرآن وعلمه )) كما رواه البخاري
في صحيحه، وكان يقرئ القرآن أربعين سنة . قال - حدثنا الذين
كانوا يقرئوننا عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما: أنهم كانوا
إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى
٤٠٢

يتعلموا ما فيها من العلم والعمل . قالوا : فتعلمنا القرآن والعلم
والعمل جميعاً .
ولهذا دخل فى معنى قوله: ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه )) تعليم
حروفه ومعانيه جميعاً ؛ بل تعلم معانيه هو المقصود الأول بتعليم حروفه ،
وذلك هو الذي يزيد الإيمان ، كما قال جندب بن عبد الله وعبد الله بن
عمر وغيرهما : تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيماناً، وأنتم
تتعلمون القرآن ثم تتعلمون الإيمان .
وفى الصحيحين عن حذيفة قال : حدثنا رسول الله صلى الله
عليه وسلم حديثين رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدثنا ((أن
الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ونزل القرآن)) وذكر الحديث
بطوله ، ولا تتسع هذه الورقة لذكر ذلك . وإنما المقصود التنبيه على
أن ذلك كله مما بلغه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس .
وبلغنا أصحابه عنه الإيمان والقرآن ، حروفه ومعانيه، وذلك مما أوحاه
الله إليه ، كما قال تعالى:
( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآَ
إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ نَّدْرِى مَالْكِنَبُ وَلَ اْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَهُ نُورًّا نَهْدِى بِهِ، مَن نَّشَآءُ
مِنْ عِبَادِنَّأَ)
، وتجوز القراءة فى الصلاة وخارجها بالقراءات
الثابتة الموافقة لرسم المصحف ، كما ثبتت هذه القراءات ، وليست شاذة
حينئذ . والله أعلم.
٤٠٣

وسئل أيضا
عن ((جمع القراءات السبع)) هل هو سنة أم بدعة؟ وهل
جمعت على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أم لا ؟ وهل لجامعها
مزية ثواب على من قرأ برواية أم لا ؟.
فأجاب : الحمد لله. أما نفس معرفة القراءة وحفظها فسنة متبعة
بأخذها الآخر عن الأول ، فمعرفة القرآن التى كان النبى صلى الله عليه
وسلم يقرأ بها ، أو يقرم على القراءة بها ، أو بأذن لهم وقد أقروا
بها سنة . والعارف فى القراءات الحافظ لها له مزية على من لم يعرف
ذلك ولا يعرف إلا قراءة واحدة .
وأما جمعها فى الصلاة أو في التلاوة فهو بدعة مكروهة ، وأما
جمعها لأجل الحفظ والدرس فهو من الاجتهاد الذي فعله طوائف فى
القراءة . وأما الصحابة (١)
(١) بياض بالأصل .
٤٠٤

وقال شيخ الإسلام
فصل
فى ((تحزيب القرآن)) وفى ((كم يقرأ)) وفى ((مقدار الصيام
والقيام المشروع)). عن عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما قال :
((أنكحنى أبي امرأة ذات حسب، فكان يتعاهد ابنته فيسألها عن
بعلها فتقول : نعم الرجل لم يطأ لنا فراشاً ، ولم يفتش لنا كنفاً مذ
أتيناه ، فلما طال ذلك عليه ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال:
ألقن به فلقيته بعد ، فقال: كيف تصوم ؟ قلت : كل يوم . قال :
متى - أو كيف - تختم؟ قلت : كل ليلة . قال : صم من كل شهر
ثلاثة أيام ، واقرأ القرآن فى كل شهر . قلت : إني أطيق أكثر من
ذلك . قال : صم ثلاثة أيام من كل جمعة . قلت: إنى أطيق أكثر من
ذلك . قال : أفطر يومين وصم يوماً ، قال : قلت إنى أطيق أكثر من
ذلك . قال : صم أفضل الصوم صوم داود ، صيام يوم وإفطار يوم ،
واقرأ القرآن فى كل سبع ليال مرة . قال : فليتني قبلت رخصة رسول
الله صلى الله عليه وسلم؛ وذلك أنى كبرت وضعفت)) فكان يقرأ على
٤٠٥

بعض أهله السبع من القرآن بالنهار ، والذي يقرؤه بعرضه من النهار
ليكون أخف عليه بالليل ؛ فإذا أراد أن يتقوى أفطر أياماً وأحصى
وصام مثلهن كراهية أن يترك شيئاً فارق عليه النبى صلى الله عليه وسلم.
وقال بعضهم: في ثلاث وفى خمس، وأكثرهم على سبع . وفي
لفظ: (( اقرأ القرآن في شهر، قلت: إني أجد قوة . قال : فاقرأه
فى سبع ولا تزد على ذلك)) رواه بكاله البخاري وهذا لفظه . وروى
مسلم الحديث بنحوه واللفظ الآخر مثله . وفي رواية ألم أخبر أنك
تصوم الدهر وتقرأ القرآن كل ليلة فقلت: نعم يا نبي الله. وفيه قال:
(( اقرأ القرآن في كل شهر ، قال: قلت يا نبي الله إنى أطيق أفضل
من ذلك ، قال فاقرأه فى كل عشر ، قال : قلت يا نبي الله إنى أطيق
أفضل من ذلك ، قال : فاقرأ. في سبع ولا تزد على ذلك . قال :
فشددت فشدد علي)) وقال لي النبى صلى الله عليه وسلم: ((إنك
لا تدري لعلك يطول بك عمرك ، قال : فصرت إلى الذي قال النبي
صلى الله عليه وسلم ))، وعن عبد الله بن عمرو عن النبى صلى الله عليه
وسلم قال: ((اقرأ القرآن فى كل ثلاث)) رواه أحمد وأبو داود .
قلت هذه الرواية نبه عليها البخاري . وقال بعضهم : فى ثلاث ،
وهو معنى ما روى عن سعد بن المنذر الأنصاري أنه قال : يا رسول
الله أقرأ القرآن فى ثلاث؟ قال: ((نعم)، وكان يقرؤه حتى توفي
٤٠٦

رواه أحمد من طريق ابن لهيعة . وذكر أن بعضهم قال : فى خمس
وأكثرهم على سبع، فالصحيح عندهم فى حديث عبد الله بن عمرو
أنه انتهى به النبي صلى الله عليه وسلم إلى سبع، كما أنه أمره ابتداء
بقراءته فى الشهر ، فجعل الحد ما بين الشهر إلى الأسبوع ، وقد روى
أنه أمره ابتداء أن يقرأه فى أربعين ، وهذا فى طرف السعة يناظر
التثليث في طرف الاجتهاد .
وأما رواية من روى: ((من قرأ القرآن فى أقل من ثلاث لم
بفقه)) فلا تنافي رواية التسبيح فإن هذا ليس أمراً لعبد الله بن عمرو،
ولا فيه أنه جعل قراءته فى ثلاث دائماً سنة مشروعة ، وإنما فيه الإخبار
بأن من قرأه فى أقل من ثلاث لم يفقه ، ومفهومه مفهوم العدد ، وهو
مفهوم صحيح أن من قرأه فى ثلاث فصاعدا فحكمه نقيض ذلك ،
والتناقض يكون بالمخالفة ، ولو من بعض الوجوه .
فإذا كان من يقرؤه فى ثلاث أحياناً قد يفقهه حصل مقصود الحديث
ولا يلزم إذا شرع فعل ذلك أحياناً لبعض الناس أن تكون المداومة على
ذلك مستحبة ؛ ولهذا لم يعلم في الصحابة على عهده من دوام على ذلك
أعنى على قراءته دائماً فيا دون السبع، ولهذا كان الإمام أحمد - رحمه
الله - يقرؤه فى كل سبع.
٤٠٧

والمقصود بهذا الفصل أنه إذا كان التحزيب المستحب ما بين أسبوع
إلى شهر - وإن كان قد روى ما بين ثلاث إلى أربعين - فالصحابة
إنما كانوا يحزبونه سوراً تامة ، لا يحزبون السورة الواحدة ، كما روى
أوس بن حذيفة ، قال : قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى
وفد ثقيف ، قال : فنزلت الأحلاف على المغيرة بن شعبة ، ونزل رسول
الله صلى الله عليه وسلم بني مالك في قبة له ، قال : وكان كل ليلة يأتينا
بعد العشاء ، يحدثنا قائماً على رجليه حتى يراوح بين رجليه من طول
القيام ، وأكثر ما يحدثنا ما لقي من قومه من قريش . ثم يقول :
لا سواء كنا مستضعفين مستذلين بمكة ، فلما خرجنا إلى المدينة كانت
سجال الحرب بيننا وبينهم ندال عليهم وبدالون علينا ، فلما كانت ليلة
أبطأ عن الوقت الذي كان يأتينا فيه ، فقلنا : لقد أبطأت عنا الليلة ،
قال : إنه طرأ علي حربى من القرآن ، فكرهت أن أجيء حتى أتمه .
قال أوس : سألت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف
تحزبون القرآن ؟ قالوا : ثلاث ، وخمس ، وسبع، وتسع ، وإحدى
عشرة ، وثلاث عشرة ، وحزب المفصل واحد . رواه أبو داود وهذا
لفظه وأحمد وابن ماجه ، وفي رواية للإمام أحمد قالوا : تحزبه ثلاث
سور ، وخمس سور ، وسبع سور ، وتسع سور ، وإحدى عشرة ،
وثلاث عشرة ، وحزب المفصل من ( ق ) حتى يختم . ورواه الطبرانى
٤٠٨

في معجمه فسألنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف كان رسول
الله صلى الله عليه وسلم يحزب القرآن؟ فقالوا : كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم يحزبه ثلاثاً ، وخمساً ، فذكره.
وهذا الحديث يوافق معنى حديث عبد الله بن عمرو ، فى أن
المسنون كان عنده قراءته في سبع ؛ ولهذا جعلوه سبعة أحزاب ، ولم
يجعلوه ثلاثة ولا خمسة ، وفيه أنهم حزبوه بالسور ، وهذا معلوم بالتواتر؛
فإنه قد علم أن أول ما جزئ القرآن بالحروف تجزئة ثمانية وعشرين ،
وثلاثين ، وستين . هذه التى تكون رؤوس الأجزاء والأحزاب فى أثناء
السورة ، وأثناء القصة ونحو ذلك ، كان فى زمن الحجاج وما بعده ،
وروى أن الحجاج أمر بذلك . ومن العراق فشا ذلك ولم يكن أهل
المدينة يعرفون ذلك .
وإذا كانت التجزئة بالحروف محدثة من عهد الحجاج بالعراق ،
فمعلوم أن الصحابة قبل ذلك على عهد النبي صلى الله عليه وسلم
وبعده كان لهم تحزيب آخر : فإنهم كانوا يقدرون تارة بالآيات فيقولون:
خمسون آية، ستون آبة. وتارة بالسور لكن تسبيعه بالآيات لم يروه أحد
ولا ذكره أحد فتعين التحزيب بالسور .
فإن قيل : فترتيب سور القرآن ليس هو أمراً واجباً منصوصاً
٤٠٩

عليه وإنما هو موكول إلى الناس : ولهذا اختلف ترتيب مصاحف الصحابة
رضي الله عنهم ، ولهذا فى كراهة تتكيس السور روايتان عن الإمام
أحمد. ((إحداهما)) يكره لأنه خلاف المصحف العثماني المتفق عليه.
و ((الثانية)) لا يكره كما يلقنه الصبيان؛ إذ قد ثبت عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه قرأ بالبقرة، ثم النساء، ثم آل عمران .
قيل : لا ريب أن قراءة سورة بعد سورة لا بد أن يكون مرتباً ،
أكثر ما فى الباب أن الترتيب يكون أنواعاً، كما أنزل القرآن على
أحرف ، وعلى هذا فهذا التحزيب يكون تابعاً لهذا الترتيب . ويجوز
أيضاً أن يكون هذا التحزيب مع كل ترتيب ، فإنه ليس فى الحديث
تعيين السور .
وهذا الذي كان عليه الصحابة هو الأحسن ؛ لوجوه :
((أحدها)) أن هذه التحزيبات المحدثة تتضمن دائماً الوقوف على
بعض الكلام المتصل بما بعده ، حتى يتضمن الوقف على المعطوف دون
المعطوف عليه ، فيحصل القارئ فى اليوم الثانى مبتدئاً بمعطوف ، كقوله
وقوله :
تعالى : (وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَآءِ إِلَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ)
(وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّلِلَّهِ وَرَسُولِهِ ) وأمثال ذلك . ويتضمن الوقف على
بعض القصة دون بعض - حتى كلام المتخاطبين - حتى يحصل الابتداء
٤١٠

فى اليوم الثانى بكلام المجيب ، كقوله تعالى: (قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ
مَعِىَ صَبْرًا ).
ومثل هذه الوقوف لا يسوغ فى المجلس الواحد إذا طال الفصل
بينهما بأجنبى : ولهذا لو ألحق بالكلام عطف أو استثناء أو شرط ونحو
ذلك بعد طول الفصل بأجنبى لم يسخ باتفاق العلماء ، ولو تأخر القبول
عن الإيجاب بمثل ذلك بين المتخاطبين لم يسغ ذلك بلا نزاع، ومن حكى
عن أحمد خلاف ذلك فقد أخطأ ، كما أخطأ من نقل عن ابن عباس فى الأول
خلاف ذلك ، وذلك أن المنقول عن أحمد أنه فيما إذا كان المتعاقدان غائبين ، أو
أحدهما غائب والآخر حاضر فينقل الإيجاب أحدهما إلى الآخر ، فيقبل فى مجلس
البلاغ وهذا جائزٌ، بخلاف ما إذا كانا حاضرين ، والذي في القرآن نقل كلام
حاضرين متجاورين ، فكيف يسوغ أن يفرق هذا التفريق لغير حاجة؟
بخلاف ما إذا فرق فى التلقين لعدم حفظ المتلقن ونحو ذلك .
((الثانى)) أن النبى صلى الله عليه وسلم كانت عادته الغالبة وعادة
أصحابه أن يقرأ فى الصلاة بسورة كـ( ق) ونحوها ، وكما كان عمر
رضى الله عنه يقرأ ((بيونس)) و((يوسف)) و((النحل))، ولما قرأ
صلى الله عليه وسلم بسورة ((المؤمنين)) فى الفجر أدركته سعلة فركع فى
أثنائها. وقال: (( إنى لأدخل فى الصلاة وأنا أريد أن أطيلها . فأسمع
بكاء الصبي فأخفف لما أعلم من وجد أمه به ) .
٤١١

وأما ( القراءة بأواخر السور وأوساطها)) فلم يكن غالباً عليهم:
ولهذا يتورع فى كراهة ذلك ، وفيه النزاع المشهور في مذهب أحمد
وغيره ، ومن أعدل الأقوال قول من قال بكره اعتياد ذلك دون
فعله أحياناً ؛ لئلا يخرج عما مضت به السنة . وعادة السلف من
الصحابة والتابعين .
وإذا كان كذلك فعلوم أن هذا التحزيب والتجزئة فيه مخالفة السنة
أعظم مما فى قراءة آخر السورة ووسطها فى الصلاة ، وبكل حال فلا
ريب أن التجزئة والتحزيب الموافق لما كان هو الغالب على تلاوتهم أحسن.
و ((المقصود)) أن التحزيب بالسورة التامة أولى من التحزيب بالتجزئة .
((الثالث)) ان التجزئة المحدثة لا سبيل [فيها ] إلى التسوية بين
حروف الأجزاء ؛ وذلك لأن الحروف في النطق تخالف الحروف فى
الخط فى الزيادة والنقصان ، يزيد كل منهما على الآخر من وجه دون
وجه ، وتختلف الحروف من وجه ، وبيان ذلك بأمور :
((أحدها ، أن ألفات الوصل ثابتة في الخط، وهي في اللفظ تثبت
فى القطع وتحذف فى الوصل ، فالعاد إن حسبها انتقض عليه حال القارىء
إذا وصل وهو الغالب فيها ، وإن أسقطها انتقض عليه بحال القارىء
القاطع ، وبالخط .
٤١٢

((الثانى)) أن الحرف المشدد حرفان فى اللفظ، أولهما ساكن وهذا
معروف بالحس واتفاق الناس ، وهما متماثلان فى اللفظ ، وأما في الخط
فقد يكونان حرفاً واحداً مثل ( إياك ) و ( إياك ) ، وقد يكونان
حرفين مختلفين مثل: ( الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ
صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) و(حينئذ) - و (قد سمع) -
فالعاد إن حسب اللفظ فالإدغام إنما يكون فى حال الوصل دون حال
القطع ، ويلزمه أن يجعل الأول من جنس الثانى ، وهذا مخالف لهذا
الحرف المعاد بها . وإن حسب الخط كان الأمر أعظم اضطراباً ، فإنه
يلزمه أن يجعل ذلك تارة حرفاً وتارة حرفين مختلفين ، وهذا وإن
كان هو الذي يتهجى فالنطق بخلافه .
((الثالث)) أن تقطيع حروف النطق من جنس تقطيع العروضيين،
وأما حروف الخط فيخالف هذا من وجوه كثيرة ، والناس فى العادة
إنما يتهجون الحروف مكتوبة لا منطوقة ، وبينها فرق عظيم .
((الرابع)) أن النطق بالحروف ينقسم إلى ترتيل وغير ترتيل،
ومقادير المدات والأصوات من القراء غير منضبطة ، وقد يكون في أحد
الحزبين من حروف المد أكثر مما في الآخر فلا يمكن مراعاة التسوية
في النطق ، ومراعاة مجرد الخط لا فائدة فيه ؛ فإن ذلك لا يوجب تسوية
زمان القراءة .
٤١٣

وإذا كان تحزيبه بالحروف إنما هو تقريب لا تحديد ، كان ذلك
من جنس تجزئته بالسور هو أيضا تقريب ، فإن بعض الأسباع قد
يكون أكثر من بعض فى الحروف ، وفى ذلك من المصلحة العظيمة
بقراءة الكلام المتصل بعضه ببعض ، والافتتاح بما فتح الله به السورة،
والاختتام بما ختم به ، وتكميل المقصود من كل سورة ما ليس فى ذلك
التحزيب . وفيه أيضاً من زوال المفاسد الذي فى ذلك التحزيب ما
تقدم التنبيه على بعضها ، فصار راجحاً بهذا الاعتبار .
ومن المعلوم أن طول العبادة وقصرها يتنوع بتنوع المصالح ، فتستحب
إطالة القيام تارة وتخفيفه أخرى في الفرض والنفل بحسب الوجوه الشرعية ،
من غير أن يكون المشروع هو التسوية بين مقادير ذلك في جميع
الأيام فعلم أن التسوية فى مقادير العبادات البدنية فى الظاهر لا اعتبار به إذا
قارنه مصلحة معتبرة ، ولا يلزم من التساوي فى القدر التساوي في
الفضل ؛ بل قد ثبت فى الصحاح من غير وجه عن النبى صلى الله
عليه وسلم أن ( قُلْ هُوَ الَهُأَحَدَّ ) تعدل ثلث القرآن، وثبت فى
الصحيح أن فاتحة الكتاب لم ينزل في التوراة ، ولا في الإنجيل ، ولا
فى القرآن مثلها ، وثبت فى الصحيح أن آية الكرسي أعظم آية في
القرآن ، وأمثال ذلك .
فإذا قرأ القارئ. في اليوم الأول البقرة ، وآل عمران ، والنساء
٤١٤

بكالها ، وفى اليوم الثانى إلى آخر براءة، وفى اليوم الثالث إلى آخر
النمل : كان ذلك أفضل من أن يقرأ في اليوم الأول إلى قوله : (بليغاً )
وفى اليوم الثاني إلى قوله: (إِنَّالَا تُضِيعُ أَجْرَالْمُصْلِينَ ) فعلى هذا
إذا قرأه كل شهر كما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن
عمرو أولا عملاً على قياس تحزيب الصحابة ؛ فالسورة التى تكون نحو
جزء أو أكثر بنحو نصف أو أقل بيسير يجعلها حزبا ، كآل عمران،
والنساء ، والمائدة ، والأنعام ، والأعراف .
وأما البقرة فقد يقال: يجعلها حزبا وإن كانت بقدر حزبين وثلث ؛
لكن الأشبه أنه يقسمها حزبين للحاجة ؛ لأن التحزيب لابد أن يكون
متقاربا ؛ بحيث يكون الحزب مثل الأجزاء ومثله مرة ودون النصف ،
وأما إذا كان مرتين وشيئاً فهذا تضعيف وزيادة .
وعلى هذا فإلى الأعراف سبعة أجزاء ، والأنفال جزء، وبراءة
جزء، فإن هذا أولى من جعلها جزءاً؛ لأن ذلك يفضى إلى أن يكون نحو الثلث
فى ثمانية والذي رجحناء يقتضى أن يكون نحو الثلث في تسعة، وهذا أقرب إلى
العدل. وتحزيب الصحابة أوجب أن يكون الحزب الأول أكثر، ويكون إلى
آخر العنكبوت العشر الثانى سورتين سورتين .
وأما يونس وهود فجزءان أيضاً أو جزء واحد، لأنهما أول
٤١٥

ذوات ( الر ) ، ويكون على هذا الثلث الأول سورة سورة ، والثاني
سورتين سورتين ؛ لكن الأول أقرب إلى أن يكون قريب الثلث الأول
فى العشر الأول ، فإن الزيادة على الثلث بسورة أقرب من الزيادة
بسورتين ، وأيضاً فيكون عشرة أحزاب سورة سورة ، وهذا أشبه
بفعل الصحابة ، ويوسف والرعد جزء ، وكذلك إبراهيم والحجر ،
وكذلك النحل وسبحان ، وكذلك الكهف ومريم، وكذلك طه والأنبياء،
وكذلك الحج والمؤمنون، وكذلك النور والفرقان ، وكذلك ذات (طس)
الشعراء والنمل والقصص، وذات (الم) العنكبوت والروم ولقمان
والسجدة جزء، والأحزاب وسبأ وفاطر جزء، و (يسّ) و (الصافات)
و (ص) جزء، والزمر وغافر و (حمّ) السجدة جزء، والخمس
البواقى من آل ( حمّ ) جزء.
والثلث الأول أشبه بتشابه أوائل السور ، والثاني أشبه بمقدار
جزء من تجزئة الحروف وهو المرجح. ثم ((القتال)) و((الفتح)) و
((الحجرات)) و((قَ)) و((الذاريات)) جزء، ثم الأربعة الأجزاء
المعروفة ، وهذا تحزيب مناسب مشابه لتحزيب الصحابة رضي الله عنهم،
وهو مقارب لتحزيب الحروف ، وإحدى عشرة سورة حزب حزب ؛
إذ البقرة كسورتين ؛ فيكون إحدى عشر سورة ، وهي نصيب إحدى
عشرة ليلة . والله أعلم .
٤١٦

وسئل رحمه الله
عن جماعة اجتمعوا فى ختمة وم يقرؤون لعاصم وأبى عمرو ، فإذا
وصلوا إلى سورة الضحى لم يهللوا ولم يكبروا إلى آخر الختمة ، ففعلهم
ذلك هو الأفضل أم لا ؟ وهل الحديث الذي ورد فى التهليل والتكبير
صحيح بالتواتر أم لا ؟ .
فأجاب: الحمد لله . نعم إذا قرؤوا بغير حرف ابن كثير كان تركهم
لذلك هو الأفضل ؛ بل المشروع المسنون ، فإن هؤلاء الأئمة من القراء
لم يكونوا يكبرون لا في أوائل السور ولا فى أواخرها .
فإن جاز لقائل أن يقول : إن ابن كثير نقل التكبير عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم باز لغيره أن يقول: إن هؤلاء نقلوا تركه عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم، إذ من الممتنع أن تكون قراءة الجمهور التى نقلها أكثر
من قراءة ابن كثير قد أضاعوا فيها ما أمرهم به رسول الله صلى الله
عليه وسلم ؛ فإن أهل التواتر لا يجوز عليهم كنان ما تتوفر الهمم والدواعى
إلى نقله ، فمن جوز على جماهير القراء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أقرأم بتكبير زائد ، فعصوا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
٤١٧

وتركوا ما أمرهم به استحق العقوبة البليغة التى تردعه وأمثاله عن
مثل ذلك .
وأبلغ من ذلك البسملة ؛ فإن من القراء من يفصل بها ، ومنهم
من لا يفصل بها وهي مكتوبة فى المصاحف، ثم الذين يقرؤون بحرف
من لا يبسمل لا يبسملون ، ولهذا لا ينكر عليهم ترك البسملة إخوانهم من
القراء الذين يبسملون ، فكيف ينكر ترك التكبير على من يقرأ قراءة
الجمهور ؟ وليس التكبير مكتوبا فى المصاحف وليس هو في القرآن باتفاق
المسلمين . ومن ظن أن التكبير من القرآن فإنه يستتاب فإن تاب
وإلا قتل .
بخلاف البسملة ؛ فإنها من القرآن ، حيث كتبت في مذهب الشافعي
وهو مذهب أحمد المنصوص عنه فى غير موضع ، وهو مذهب أبى
حنيفة عند المحققين من أصحابه وغيرهم من الأئمة ؛ لكن مذهب أبي
حنيفة وأحمد وغيرهما أنها من القرآن ، حيث كتبت البسملة ، وليست
من السورة . ومذهب مالك ليست من القرآن إلا فى سورة النمل ،
وهو قول فى مذهب أبى حنيفة وأحمد .
ومع هذا فالنزاع فيها من مسائل الاجتهاد ، فمن قال : هي من
القرآن حيث كتبت ، أو قال : ليست هي من القرآن إلا فى سورة
٤١٨

النمل كان قوله من الأقوال التى ساغ فيها الاجتهاد .
وأما التكبير : فمن قال: إنه من القرآن فإنه ضال باتفاق الأمة ،
والواجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل ، فكيف مع هذا ينكر على
من تركه؟! ومن جعل تارك التكبير مبتدعا أو مخالفاً للسنة أو عاصياً
فإنه إلى الكفر أقرب منه إلى الإسلام، والواجب عقوبته ؛ بل إن
أصر على ذلك بعد وضوح الحجة وجب قتله .
ولو قدر أن النبي صلى الله علية وسلم أمر بالتكبير لبعض من أقرأه
كان غاية ذلك يدل على جوازه ، أو استحبابه ، فإنه لو كان واجباً لما
أهمله جمهور القراء ، ولم يتفق أئمة المسلمين على عدم وجوبه ، ولم ينقل
أحد من أئمة الدين أن التكبير واجب ، وإنما غاية من يقرأ بحرف
ابن كثير أن يقول : إنه مستحب، وهذا خلاف البسملة، فإن قراءتها
واجبة عند من يجعلها من القرآن ومع هذا فالقراء يسوغون ترك قراءتها
لمن لم ير الفصل بها، فكيف لا يسوغ ترك التكبير لمن ليس
داخلاً فى قراءته .
وأما ما يدعيه بعض القراء من التواتر فى جزئيات الأمور فليس
هذا موضع تفصيله .
٤١٩

وسئل معمن يقول
عن الإمام مالك أنه قال : من كتب مصحفاً على غير رسم المصحف
العثمانى فقد أثم، أو قال : كفر. فهل هذا صحيح؟ وأكثر المصاحف
اليوم على غير المصحف العثمانى ، فهل يحل لأحد كتابته على غير المصحف
العثمانى بشرط ألا يبدل لفظاً ، ولا يغير معنى، أم لا ؟؟
فأجاب : أما هذا النقل عن مالك في تكفير من فعل ذلك فهو
كذب على مالك ، سواء أريد به رسم الخط أو رسم اللفظ ، فإن
مالكاً كان يقول عن أهل الشورى إن لكل منهم مصحفاً يخالف
رسم مصحف عثمان ، وهم أجل من أن يقال فيهم مثل هذا الكلام،
وهم علي بن أبى طالب ، والزبير ، وطلحة ، وسعد ، وعبد الرحمن بن
عوف مع عثمان .
وأيضاً فلو قرأ رجل بحرف من حروفهم التى تخرج عن مصحف
عثمانى ففيه روايتان عن مالك وأحمد ، وأكثر العلماء يحتجون بما ثبت
من ذلك عنهم، فكيف يكفر فاعل ذلك؟ !.
٤٢٠