Indexed OCR Text

Pages 341-360

وإما لكونه متواطئاً في الأصل لكن المراد به أحد النوعين أو أحد
(
◌ُمَّدَنَافَنَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْأَدْنَ
الشيئين كالضمائر فى قوله : (
وكلفظ: ( وَاَلْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرِ * وَالشَّفْعِ وَالَتْرِ ) وما أشبه ذلك.
فمثل هذا قد يجوز أن يراد به كل المعانى التى قالها السلف ،
وقد لا يجوز ذلك ، فالأول إما لكون الآية نزلت مرتين فأريد بها
هذا تارة وهذا تارة ، وإما تكون اللفظ المشترك يجوز أن يراد به
معنياه ، إذ قد جوز ذلك أكثر الفقهاء : المالكية ، والشافعية، والحنبلية
وكثير من أهل الكلام ، وإما لكون اللفظ متواطئاً فيكون عاماً إذا
لم يكن لتخصيصه موجب ، فهذا النوع إذا صح فيه القولان كان من
الصنف الثانى .
ومن الأقوال الموجودة عنهم ويجعلها بعض الناس اختلافاً أن
يعبروا عن المعانى بألفاظ متقاربة لا مترادفة ، فإن الترادف في اللغة
قليل ، وأما في ألفاظ القرآن فإما نادر وإما معدوم ، وقل أن يعبر
عن لفظ واحد بلفظ واحد يؤدي جميع معناه ؛ بل يكون فيه تقريب
لمعناه ، وهذا من أسباب إعجاز القرآن ، فإذا قال القائل : ( يَوْمَ
تَهُورُ السَّمَآءُ مَوْرًا ) إن المور هو الحركة كان تقريباً إذ المور حركة
خفيفة سريعة .
٣٤١

وكذلك إذا قال: ((الوحي)) الإعلام، أو قيل (أوحينا إليك) أنزلنا إليك
أو قيل: ( وَقَضَيْنَآ إِلَى بَنِىّإِسْرَّهِيلَ ) أي أعلمنا وأمثال ذلك، فهذا
كله تقريب لا تحقيق ، فإن الوحي هو إعلام سريع خفي ، والقضاء
إليهم أخص من الإعلام ، فإن فيه إنزالا إليهم وإيحاء اليهم .
والعرب تضمن الفعل معنى الفعل وتعديه تعديته ، ومن هنا غلط من
جعل بعض الحروف تقوم مقام بعض ، كما يقولون فى قوله: ( لَقَدْ
أي مع نعاجه و (مَنْ أَنْصَارِيِلَى الَّهِ)
ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَنِكَ إِلَى نِعَاجِهِ)
أي مع اللّه ونحو ذلك، والتحقيق ما قاله محاة البصرة من
التضمين فسؤال النعجة يتضمن جمعها وضمها إلى نعاجه ، وكذلك قوله :
( وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ) ضمن معنى يزيغونك
ويصدونك، وكذلك قوله: ( وَنَصَرْنَهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَتِنَآ
(
ضمن معنى نجيناه وخلصناء، وكذلك قوله: ( يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ
(
ضمن يروى بها ونظائره كثيرة .
ومن قال (لا ريب ) لا شك فهذا تقريب وإلا فالريب فيه اضطراب
وحركة، كما قال: (( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) وفي الحديث أنه مر بظبي
حاقف فقال: ((لا يريبه أحد)) فكما أن اليقين ضمن السكون والطمأنينة
فالريب ضده ضمن الاضطراب والحركة. ولفظ ((الشك)) وإن قيل :
إنه يستلزم هذا المعنى ؛ لكن لفظه لا يدل عليه .
٣٤٢

وكذلك اذا قيل : ذلك الكتاب هذا القرآن فهذا تقريب ؛ لأن
المشار إليه وان كان واحداً ، فالإشارة بجهة الحضور غير الإشارة بجهة
البعد والغيبة، ولفظ ((الكتاب)) يتضمن من كونه مكتوبا مضموماً
ما لا يتضمنه لفظ القرآن من كونه مقروءاً مظهراً بادياً ، فهذه الفروق
موجودة فى القرآن ، فإذا قال أحدم : ( ان تبسل ) أي تحبس
وقال الآخر : ترتهن ونحو ذلك لم يكن من اختلاف التضاد ، وإن
كان المحبوس قد يكون مرتهناً وقد لا يكون ، إذ هذا تقريب للمعنى
كما تقدم ، وجمع عبارات السلف فى مثل هذا نافع جداً، فان مجموع
عباراتهم أدل على المقصود من عبارة أو عبارتين ، ومع هذا فلا بد من
اختلاف محقق بينهم ، كما يوجد مثل ذلك فى الأحكام .
ونحن نعلم أن عامة ما يضطر إليه عموم الناس من الاختلاف معلوم
بل متواتر عند العامة أو الخاصة ، كما فى عدد الصلوات ومقادير ركوعها
ومواقيتها ، وفرائض الزكاة ونصبها ، وتعيين شهر رمضان ، والطواف ،
والوقوف ، ورمي الجمار ، والمواقيت وغير ذلك .
ثم اختلاف الصحابة في الجد والأخوة وفي المشركة ونحو ذلك
لا يوجب ريباً فى جمهور مسائل الفرائض ، بل ما يحتاج إليه عامة الناس
هو عمود النسب من الآباء والأبناء ، والكلالة ؛ من الإخوة والأخوات
ومن نسائهم كالأزواج ، فإن الله أنزل فى الفرائض ثلاث آيات مفصلة
٣٤٣

ذكر في الأولى الأصول والفروع ، وذكر فى الثانية الحاشية التى
ترث بالفرض كالزوجين وولد الأم ، وفى الثالثة الحاشية الوارثة بالتعصيب
وم الأخوة لأبوين أو لأب ، واجتماع الجد والأخوة نادر ؛ ولهذا لم
يقع فى الإسلام إلا بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، والاختلاف
قد يكون لخفاء الدليل أو لذهول عنه ، وقد يكون لعدم سماعه ، وقد
يكون للغلط فى فهم النص ، وقد يكون لاعتقاد معارض راجح ،
فالمقصود هنا التعريف بجمل الأمر دون تفاصيله .
فصل
الاختلاف فى التفسير على ((نوعين)) منه ما مستنده النقل فقط ،
ومنه ما يعلم بغير ذلك - إذ العلم إما نقل مصدق وإما استدلال محقق،
والمنقول إما عن المعصوم وإما عن غير المعصوم ، والمقصود بأن جنس
المنقول سواء كان عن المعصوم أو غير المعصوم ، وهذا هو - النوع
الأول منه ما يمكن معرفة الصحيح منه والضعيف ، ومنه مالا يمكن
معرفة ذلك فيه . وهذا ((القسم الثانى من المنقول)) وهو مالا طريق لنا
إلى الجزم بالصدق منه عامته مما لا فائدة فيه ، فالكلام فيه من
فضول الكلام .
٣٤٤

وأما ما يحتاج المسلمون إلى معرفته فإن الله نصب على الحق فيه
دليلا ، فمثال مالا يفيد ولا دليل على الصحيح منه اختلافهم فى لون
كلب أصحاب الكهف ، وفى البعض الذي ضرب به موسى من البقرة،
وفى مقدار سفينة نوح وما كان خشبها، وفى اسم الغلام الذي قتله
الخضر ونحو ذلك ، فهذه الأمور طريق العلم بها النقل ، فما كان من
هذا منقولا نقلا صحيحاً عن النبى صلى الله عليه وسلم - كاسم صاحب
موسى أنه الخضر - فهذا معلوم ، وما لم يكن كذلك بل كان مما
يؤخذ عن أهل الكتاب - كالمنقول عن كعب ووهب ومحمد بن
إسحق وغيرهم ممن يأخذ عن أهل الكتاب - فهذا لا يجوز تصديقه
ولا تكذيبه إلا بحجة ، كما ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم
أنه قال: ((إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوم ولا تكذبوم ،
فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه، وإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه))
وكذلك ما نقل عن بعض التابعين وإن لم يذكر أنه أخذه عن
أهل الكتاب ، فمتى اختلف التابعون لم يكن بعض أقوالهم حجة على
بعض ، وما نقل فى ذلك عن بعض الصحابة نقلا صحيحاً فالنفس إليه
أسكن مما نقل عن بعض التابعين ، لأن احتمال أن يكون سمعه من
النبى صلى الله عليه وسلم أو من بعض من سمعه منه أقوى ؛
ولأن نقل الصحابة عن أهل الكتاب أقل من نقل التابعين ، ومع جزم
٣٤٥

الصاحب فيما يقوله ، فكيف يقال إنه أخذه من أهل الكتاب وقد
نهوا عن تصديقهم ؟ والمقصود أن مثل هذا الاختلاف الذي لا يعلم
صحيحه ولا تفيد حكاية الأقوال فيه هو كالمعرفة لما يروى من الحديث
الذي لا دليل على صحته وأمثال ذلك .
وأما ((القسم الأول)) الذي يمكن معرفة الصحيح منه فهذا موجود
فيما يحتاج إليه ولله الحمد ، فكثيراً ما يوجد فى التفسير والحديث
والمغازي أمور منقولة عن نبينا صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء
صلوات الله عليهم وسلامه ، والنقل الصحيح يدفع ذلك ؛ بل هذا
موجود فيما مستنده النقل ، وفيما قد يعرف بأمور أخرى غير النقل .
فالمقصود أن المنقولات التى يحتاج إليها فى الدين قد نصب الله
الأدلة على بيان ما فيها من صحيح وغيره ، ومعلوم أن المنقول في
التفسير أكثره كالمنقول فى المغازي والملاحم ؛ ولهذا قال الإمام أحمد
ثلاثة أمور ليس لها إسناد : التفسير ، والملاحم ، والمغازي، ويروى
ليس لها أصل أي إسناد ؛ لأن الغالب عليها المراسيل ، مثل ما يذكره
عروة بن الزبير ، والشعبى ، والزهري ، وموسى بن عقبة . وابن
إسحاق ومن بعدهم ، كيحيى بن سعيد الأموي ، والوليد بن مسلم ،
والواقدي ونحوهم في المغازي ؛ فإن أعلم الناس بالمغازي أهل المدينة ،
ثم أهل الشام ، ثم أهل العراق ، فأهل المدينة أعلم بها لأنها كانت
٣٤٦

عندهم ، وأهل الشام كانوا أهل غزو وجهاد فكان لهم من العلم بالجهاد
والسير ما ليس لغيرهم ، ولهذا عظم الناس كتاب أبى إسحاق الفزاري
الذي صنفه في ذلك ، وجعلوا الأوزاعي أعلم بهذا الباب من غيره من
علماء الأمصار .
وأما (( التفسير) فإن أعلم الناس به أهل مكة ؛ لأنهم أصحاب
ابن عباس كمجاهد وعطاء بن أبي رباح ، وعكرمة مولى ابن عباس
وغيرهم من أصحاب ابن عباس ، كطاووس ، وأبى الشعثاء ، وسعيد بن
جبير وأمثالهم ؛ وكذلك أهل الكوفة من أصحاب ابن مسعود ، ومن
ذلك ما تميزوا به على غيرهم ، وعلماء أهل المدينة فى التفسير مثل زيد
ابن أسلم الذي أخذ عنه مالك التفسير ، وأخذه عنه أيضاً ابنه عبد
الرحمن ، وأخذه عن عبد الرحمن عبد الله بن وهب .
و (( المراسيل)) إذا تعددت طرقها وخلت عن المواطأة قصداً أو
الاتفاق بغير قصد كانت صحيحة قطعاً ، فإن النقل إما أن يكون
صدقاً مطابقاً للخبر ، وإما أن يكون كذبا تعمد صاحبه الكذب ، أو
أخطأ فيه : فتى سلم من الكذب العمد والخطأ كان صدقاً بلا ريب .
فإذا كان الحديث جاء من جهتين أو جهات ، وقد علم أن المخبرين
لم يتواطئاً على اختلاقه ، وعلم أن مثل ذلك لا تقع الموافقة فيه اتفاقاً
٣٤٧

بلا قصد على أنه صحيح ، مثل شخص يحدث عن واقعة جرت ،
ويذكر تفاصيل ما فيها من الأقوال والأفعال ، ويأتى شخص آخر قد
علم أنه لم يواطئ الأول ، فيذكر مثل ماذكره الأول من تفاصيل
الأقوال والأفعال، فيعلم قطعاً أن تلك الواقعة حق فى الجملة ، فإنه لو
كان كل منها كذبها عمداً أو خطأ ، لم يتفق فى العادة أن يأتى كل
منها بتلك التفاصيل التى تمنح العادة اتفاق الاثنين عليها بلا مواطأة من
أحدهما لصاحبه ، فإن الرجل قد يتفق أن ينظم بيتاً وينظم الآخر
مثله ، أو يكذب كذبة وبكذب الآخر مثلها ، أما إذا أنشأ قصيدة
طويلة ذات فنون على قافية وروي فلم تجر العادة بأن غيره ينشئ
مثلها لفظاً ومعنى مع الطول المفرط ، بل يعلم بالعادة أنه أخذها منه ،
وكذلك إذا حدث حديثاً طويلا فيه فنون ، وحدث آخر بمثله ، فإنه
إما أن يكون واطأء عليه أو أخذه منه ، أو يكون الحديث صدقاً ،
وبهذه الطريق يعلم صدق عامة ما تتعدد جهاته المختلفة على هذا الوجه
من المنقولات ، وان لم يكن أحدها كافياً إما لإرساله وإما لضعف
ناقله ، لكن مثل هذا لا تضبط به الألفاظ والدقائق التى لا تعلم بهذه
الطريق فلا يحتاج ذلك إلى طريق يثبت بها مثل تلك الألفاظ
والدقائق، ولهذا ثبتت بالتواتر غزوة بدر وأنها قبل أحد ، بل
يعلم قطعاً أن حمزة وعلياً وعبيدة برزوا إلى عتبة وشيبة والوليد ،
٣٤٨
!
1
!

وأن علياً قتل الوليد، وأن حمزة قتل قرنه ، ثم يشك فى قرنه هل
هو عتبة أو شيبة .
وهذا الأصل ينبغي أن يعرف ، فإنه أصل نافع في الجزم بكثير
من المنقولات في الحديث والتفسير والمغازي ، وما ينقل من أقوال الناس
وأفعالهم وغير ذلك .
ولهذا إذا روي الحديث الذي يتأتى فيه ذلك عن النبى صلى الله
عليه وسلم من وجهين ، مع العلم بأن أحدهما لم يأخذه عن الآخر جزم
بأنه حق ، لا سيما إذا علم أن نقلته ليسوا ممن يتعمد الكذب، وانما
يخاف على أحدم النسيان والغلط ؛ فان من عرف الصحابة كابن مسعود
وأبي بن كعب ، وابن عمر ، وجابر ، وأبي سعيد وأبى هريرة وغيرهم
علم يقيناً أن الواحد من هؤلاء لم يكن ممن يتعمد الكذب على
رسول الله صلى الله عليه وسلم فضلا عمن هو فوقهم ، كما يعلم
الرجل من حال من جربه وخبره خبرة باطنة طويلة أنه ليس ممن بسرق
أموال الناس ، ويقطع الطريق ، ويشهد بالزور ونحو ذلك .
وكذلك التابعون بالمدينة ومكة ، والشام والبصرة ، فإن من عرف
مثل أبي صالح السمان ، والأعرج ، وسليمان بن يسار ، وزيد بن أسلم
وأمثالهم علم قطعاً أنهم لم يكونوا ممن يتعمد الكذب فى الحديث ،
٣٤٩

فضلا عمن هو فوقهم ، مثل محمد بن سيرين ، والقاسم بن محمد ، أو
سعيد بن المسيب ، أو عبيدة السلمانى ، أو علقمة ، أو الأسود أو
بحوم . وإنما يخاف على الواحد من الغلط ؛ فإن الغلط والنسيان كثيراً ما
يعرض للإنسان ، ومن الحفاظ من قد عرف الناس بعده عن ذلك
جداً ، كما عرفوا حال الشعبى والزهري وعروة وقتادة والثوري وأمثالهم
لاسيما الزهري فى زمانه والثوري في زمانه ، فإنه قد يقول القائل : إن
ابن شهاب الزهري لا يعرف له غلط مع كثرة حديثه وسعة حفظه .
و((المقصود)» أن الحديث الطويل إذا روي مثلا من وجهين
مختلفين، من غير مواطأة امتنع عليه أن يكون غلطاً، كما امتنع أن يكون كذبا؛
فإن الغلط لا يكون فى قصة طويلة متنوعة ، وإنما يكون فى بعضها ، فإذاروى هذا
قصة طويلة متنوعة ورواها الآخر مثلما رواها الأول من غير مواطأة
امتنع الغلط في جميعها ، كما امتنع الكذب فى جميعها من غير مواطأة .
ولهذا إنما يقع فى مثل ذلك غلط في بعض ما جرى فى القصة ،
مثل حديث اشتراء النبى صلى الله عليه وسلم البعير من جابر ؛ فإن من
تأمل طرقه على قطعاً أن الحديث صحيح ، وإن كانوا قد اختلفوا فى
مقدار الثمن . وقد بين ذلك البخاري فى صحيحه ، فإن جمهور ما في
البخاري ومسلم مما يقطع بأن النبي صلى الله عليه وسلم قاله ؛ لأن
غالبه من هذا النحو ؛ ولأنه قد تلقاه أهل العلم بالقبول والتصديق
٣٥٠

والأمة لا تجتمع على خطأ ؛ فلو كان الحديث كذبا في نفس الأمر؛ والأمة
مصدقة له قابلة له لكانوا قد أجمعوا على تصديق ما هو في نفس الأمر
كذب ، وهذا إجماع على الخطا وذلك ممتنع ، وإن كنا نحن بدون
الإجماع نجوز الخطأ أو الكذب على الخبر ، فهو كنجويزنا قبل أن نعلم
الإجماع على العلم الذي ثبت بظاهر أو قياس ظنى أن يكون الحق فى
الباطن ؛ بخلاف ما اعتقدناه ، فإذا أجمعوا على الحكم جزمنا بأن الحكم
ثابت باطناً وظاهراً .
ولهذا كان جمهور أهل العلم من جميع الطوائف على أن ((خبر
الواحد )) إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقاً له أو عملاً به أنه يوجب العلم،
وهذا هو الذي ذكره المصنفون في أصول الفقه، من أصحاب أبي حنيفة،
ومالك ، والشافعى ، وأحمد ، إلا فرقة قليلة من المتأخرين اتبعوا في
ذلك طائفة من أهل الكلام أنكروا ذلك : ولكن كثيراً من أهل
الكلام أو أكثرم يوافقون الفقهاء ، وأهل الحديث والسلف على
ذلك ، وهو قول أكثر الأشعرية، كأبي إسحق وابن فورك، وأما ابن
الباقلاني فهو الذي أنكر ذلك ، وتبعه مثل أبي المعالي وأبي حامد وابن
عقيل وابن الجوزي وابن الخطيب والآمدي ونحو هؤلاء ، والأول هو
الذي ذكره الشيخ أبو حامد وأبو الطيب وأبو إسحق وأمثاله من أئمة
الشافعية ، وهو الذي ذكره القاضي عبد الوهاب وأمثاله من المالكية ،
٣٥١

وهو الذي ذكره أبو يعلى، وأبو الخطاب، وأبو الحسن بن الزاغوني،
وأمثالهم من الحنبلية . وهو الذي ذكره شمس الدين السرخسي وأمثاله
من الحنفية ، وإذا كان الإجماع على تصديق الخبر موجباً للقطع به
فالاعتبار فى ذلك بإجماع أهل العلم بالحديث ، كما أن الاعتبار فى الإجماع
على الأحكام بإجماع أهل العلم بالأمر والنهي والإباحة .
و((المقصود هنا)) أن تعدد الطرق مع عدم القشاعر أو الاتفاق
فى العادة يوجب العلم بمضمون المنقول ؛ لكن هذا ينتفع به كثيراً في
علم أحوال الناقلين . وفي مثل هذا ينتفع برواية المجهول والسيء
الحفظ ، وبالحديث المرسل ونحو ذلك ؛ ولهذا كان أهل العلم يكتبون
مثل هذه الأحاديث ، ويقولون : إنه يصلح للشواهد والاعتبار مالا يصلح
لغيره ، قال أحمد : قد أكتب حديث الرجل لأعتبره ومثل هذا بعبد
الله بن لهيعة قاضي مصر ؛ فإنه كان من أكثر الناس حديثاً ومن
خيار الناس ؛ لكن بسبب احتراق كتبه وقع فى حديثه المتأخر غلط ،
فصار يعتبر بذلك ويستشهد به ، وكثيراً ما يقترن هو والليث بن سعد
والليث حجة ثبت إمام .
وكما أنهم يستشهدون ويعتبرون بحديث الذي فيه سوء حفظ فإنهم
أيضاً يضعفون من حديث الثقة الصدوق الضابط أشياء تبين لهم أنه
غلط فيها بأمور يستدلون بها، ويسمون هذا ((علم علل الحديث))
٣٥٢

وهو من أشرف علومهم بحيث يكون الحديث قد رواه ثقة ضابط وغلط
فيه ، وغلطه فيه عرف؛ إما بسبب ظاهر كما عرفوا (( أن النبي صلى
اللّه عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال))، وأنه ((صلى فى البيت
ركعتين)) وجعلوا رواية ابن عباس لتزوجها حراما؛ ولكونه لم يصل مما
وقع فيه الغلط، وكذلك أنه (( اعتمر أربع عمر )) وعلموا أن قول ابن
عمر: ((إنه اعتمر فى رجب)) مما وقع فيه الغلط، وعلموا أنه تمتع
وهو آمن فى حجة الوداع، وأن قول عثمان لعلي: ((كنا يومئذ خائفين))
مما وقع فيه الغلط ، وأن ما وقع فى بعض طرق البخاري (( أن النار
لا تمتلئ حتى ينشئ الله لها خلقاً آخر)» مما وقع فيه الغلط ،
وهذا كثير .
والناس فى هذا الباب طرفان : طرف من أهل الكلام ونحوم ممن
هو بعيد عن معرفة الحديث وأهله لا يميز بين الصحيح والضعيف ،
فيشك فى صحة أحاديث ، أو فى القطع بها مع كونها معلومة مقطوعا بها
عند أهل العلم به ، وطرف ممن يدعى اتباع الحديث والعمل به كما
وجد لفظاً في حديث قد رواه ثقة أو رأى حديثا بإسناد ظاهره
الصحة يريد أن يجعل ذلك من جنس ما جزم أهل العلم بصحته ،
حتى إذا عارض الصحيح المعروف أخذ يتكلف له التأويلات الباردة ،
أو يجعله دليلاً له في مسائل العلم ، مع أن أهل العلم بالحديث يعرفون
أن مثل هذا غلط .
٣٥٣

وكما أن على الحديث أدلة يعلم بها أنه صدق وقد يقطع بذلك ،
فعليه أدلة يعلم بها أنه كذب ويقطع بذلك ، مثل ما يقطع بكذب ما
يروبه الوضاءون من أهل البدع والغلو فى الفضائل ، مثل حديث يوم
عاشوراء وأمثاله مما فيه أن من صلى ركعتين كان له كأجر كذا
وكذا نبياً .
وفي (( التفسير )) من هذه الموضوعات قطعة كبيرة ، مثل الحديث
الذي يرويه الثعلى والواحدي والزمخشري فى فضائل سور القرآن سورة
سورة فإنه موضوع باتفاق أهل العلم .
و «التعلی » هو فی نفسه كان فيه خیر ودین، وكان حاطب ليل
ينقل ما وجد في كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع ،
و ((الواحدي)) صاحبه كان أبصر منه بالعربية؛ لكن هو أبعد عن السلامة
واتباع السلف ، والبغوي تفسيره مختصر من الثعلى لكنه صان تفسيره
عن الأحاديث الموضوعة والآراء المبتدعة .
والموضوعات فى كتب التفسير كثيرة مثل الأحاديث الكثيرة الصريحة
في الجهر بالبسملة ، وحديث علي الطويل فى تصدقه بخاتمه فى الصلاة ،
فإنه موضوع باتفاق أهل العلم، ومثل ما روى فى قوله: (وَلِكُلّ
قَوْمٍ هَادٍ ) أنه علي (وَعِيَهَا أُذُنِّ وَعِيَةٌ ) أذنك يا علي .
٣٥٤

فصل
وأما النوع الثانى من مستندي الاختلاف وهو ما يعلم بالاستدلال
لا بالنقل ، فهذا أكثر ما فيه الخطأ من جهتين - حدثنا بعد تفسير
الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان ؛ فإن التفاسير التى يذكر فيها كلام
هؤلاء صرفا لا يكاد يوجد فيها شيء من هاتين الجهتين ، مثل تفسير
عبد الرزاق، ووكيع ، وعبد بن حميد ، وعبد الرحمن بن إبراهيم
دحيم . ومثل تفسير الإمام أحمد ، وإسحق بن راهويه ، وبقي بن مخلد ،
وأبي بكر بن المنذر ، وسفيان بن عيينة ، وسنيد ، وابن جرير ، وابن
أبى حاتم، وأبي سعيد الأشج، وأبي عبد الله بن ماجه، وابن مردويه
- ((إحداهم)) قوم اعتقدوا معاني ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها.
و ((الثانية)) قوم فسروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده بكلامه من
كان من الناطقين بلغة العرب، من غير نظر إلى المتكلم بالقرآن ،
والمنزل عليه والمخاطب به .
فـ ((الأولون)) راعوا المعنى الذي رأوه من غير نظر إلى ما تستحقه
ألفاظ القرآن من الدلالة والبيان .
٣٥٥

و ((الآخرون)) راعوا مجرد اللفظ ، وما يجوز عندهم أن يريد به
العربى، من غير نظر إلى ما يصلح للمتكلم به ولسياق الكلام . ثم
هؤلاء كثيراً ما يغلطون فى احتمال اللفظ لذلك المعنى في اللغة ، كما يغلط
فى ذلك الذين قبلهم ، كما أن الأولين كثيراً ما يغلطون فى صحة المعنى
الذي فسروا به القرآن ، كما يغلط فى ذلك الآخرون، وإن كان نظر
الأولين إلى المعنى أسبق ، ونظر الآخرين إلى اللفظ أسبق .
والأولون ((صنفان)): تارة يسلبون لفظ القرآن ما دل عليه وأريد به،
وتارة يحملونه على مالم يدل عليه ولم يرد به ، وفى كلا الأمرين قد
يكون ما قصدوا نفيه أو إثباته من المعنى باطلا ، فيكون خطؤهم فى
الدليل والمدلول ، وقد يكون حقاً فيكون خطؤم فى الدليل لا
فى المدلول .
وهذا كما أنه وقع في تفسير القرآن فإنه وقع أيضاً فى تفسير
الحديث ، فالذين أخطأوا في الدليل والمدلول - مثل طوائف من
أهل البدع - اعتقدوا مذهباً يخالف الحق الذي عليه الأمة الوسط
الذين لا يجتمعون على ضلالة ، كسلف الأمة وأئمتها ، وعمدوا إلى
القرآن فتأولوه على آرائهم . تارة يستدلون بآيات على مذهبهم ولا دلالة
فيها ، وتارة يتأولون ما يخالف مذهبهم بما يحرفون به الكلم عن
٣٥٦

مواضعه ، ومن هؤلاء فرق الخوارج ، والروافض . والجهمية، والمعتزلة،
والقدرية ، والمرجئة ، وغيرهم .
وهذا كالمعتزلة مثلا فإنهم من أعظم الناس كلاماً وجدالا ، وقد
صنفوا تفاسير على أصول مذهبهم ؛ مثل تفسير عبد الرحمن بن كيسان
الأصم شيخ إبراهيم بن إسماعيل بن علية الذي كان يناظر الشافعي ،
ومثل كتاب أبي علي الجبائي . والتفسير الكبير للقاضي عبد الجبار بن
أحمد الهمداني ، ولعلى بن عيسى الرمانى ، والكشاف لأبى القاسم
الزمخشري ، فهؤلاء وأمثالهم اعتقدوا مذاهب المعتزلة .
وأصول المعتزلة ((خمسة)) يسمونها م: التوحيد ، والعدل .
والمنزلة بين المنزلتين. وإنفاذ الوعيد، والأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر .
و ((توحيدم)) هو توحيد الجهمية الذي مضمونه نفي الصفات
وغير ذلك ، قالوا : إن الله لا يرى ، وإن القرآن مخلوق ، وإنه ليس
فوق العالم ، وإنه لا يقوم به علم ولا قدرة ، ولا حياة ولا سمع ، ولا
بصر ولا كلام ، ولا مشيئة ولا صفة من الصفات .
وأما (( عدلهم)) فمن مضمونه أن اللّه لم يشأ جميع الكائنات ولا
خلقها كلها . ولا هو قادر عليها كلها : بل عندهم أن أفعال العباد لم
٣٥٧

يخلقها اللّه لا خيرها ولا شرها، ولم يرد إلا ما أمر به شرعاً، وما
سوى ذلك فإنه يكون بغير مشيئته ، وقد وافقهم على ذلك متأخروا
الشيعة ، كالمفيد، وأبى جعفر الطوسي وأمثالها ، ولأبى جعفر هذا
تفسير على هذه الطريقة ؛ لكن يضم إلى ذلك قول الإمامية الإثني عشرية ؛
فإن المعتزلة ليس فيهم من يقول بذلك ولا من ينكر خلافة أبى بكر
وعمر وعثمان وعلي .
ومن أصول المعتزلة مع الخوارج ((إنفاذ الوعيد فى الآخرة)) وأن
الله لا يقبل فى أهل الكبائر شفاعة ، ولا يخرج منهم أحداً من النار .
ولا ريب أنه قد رد عليهم طوائف من المرجئة والكرامية والكلابية
وأتباعهم ؛ فأحسنوا تارة وأساءوا أخرى ، حتى صاروا فى طرفى نقيض،
كما قد بسط فى غير هذا الموضع .
والمقصود أن مثل هؤلاء اعتقدوا رأياً ثم حملوا ألفاظ القرآن عليه،
وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ، ولا من أئمة
المسلمين لا فى رأيهم ولا فى تفسيرهم ، وما من تفسير من تفاسيرم
الباطلة إلا وبطلانه يظهر من وجوه كثيرة ، وذلك من جهتين : ثارة من
العلم بفساد قولهم ، وتارة من العلم بفساد ما فسروا به القرآن ، إما
دليلا على قولهم أو جواباً على المعارض لهم .
ومن هؤلاء من يكون حسن العبارة فصيحاً ويدس البدع في
٣٥٨

كلامه ، وأكثر الناس لا يعلمون كصاحب الكشاف ونحوه ، حتى إنه
يروج على خلق كثير ممن لا يعتقد الباطل من تفاسيرم الباطلة ما شاء
الله. وقد رأيت من العلماء المفسرين وغيرهم من يذكر فى كتابه
وكلامه من تفسيرهم ما يوافق أصولهم التى يعلم أو يعتقد فسادها ولا
يهتدي لذلك .
ثم إنه لسبب تطرف هؤلاء وضلالهم دخلت الرافضة الإمامية ، ثم
الفلاسفة ، ثم القرامطة وغيرهم فيما هو أبلغ من ذلك ، وتفاقم الأمر فى
الفلاسفة والقرامطة والرافضة ، فإنهم فسروا القرآن بأنواع لا يقضي
العالم منها عجبه ، فتفسير الرافضة كقولهم: (تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ ) هما
أبو بكر وعمر، و (لَبِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ) أي بين أبى بكر
هي عائشة ،
(إِنَّاللَّهَيَأْمُ كُمْ أَنْ تَذْ بَحُوْ أَبَقَرَةً )
وعلي في الخلافة ، و
و (فَقَئِلُواْ أَبِعَةَ الْكُفْرِ) طلحة والزبير، و (مَجَالْبَحْرَيْنِ) علي
وفاطمة، و (الُؤلُ وَالْمَرْجَاتُ) الحسن والحسين، (وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَهُ
(عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ
في علي بن أبى طالب ، و
فِىَ إِمَا مِمُّبِينٍ )
(إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ وَالَّذِينَءَامَنُواْالَّذِينَ
اُلْعَظِيمِ ) علي بن أبى طالب ، و
هو علي، ويذكرون
يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُمْ رَّكِعُونَ)
الحديث الموضوع بإجماع أهل العلم وهو تصدقه بخاتمه فى الصلاة ،
وكذلك قوله (أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ) نزلت فى علي
لما أصيب بحمزة .
٣٥٩

ومما يقارب هذا من بعض الوجوه ما يذكره كثير من المفسرين
في مثل قوله: ( الصَّبِينَ وَالضَدِّقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ
بِالْأَسْخَارِ ) أن الصابرين رسول الله، والصادقين أبو بكر ، والقانتين
عمر. والمنفقين عثمان، والمستغفرين على، وفى مثل قوله: (مُحَمَّدٌرَّسُولُ
اللهِوَالَّذِينَ مَعَهُ ) أبو بكر (أَشِدَاءُ عَلَى الْكُفَّارِ ) عمر ( رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)
عثمان ( تَرَّهُمْ رَكَعَا سُجَّدًا ) علي.
وأعجب من ذلك قول بعضهم: (وَالِّينِ) أبو بكر (وَلَيْتُونِ)
عمر ( وَطُورِسِنَ ) عثمان ( وَهَذَا الْبَدِالأَمِينِ ) علي ، وأمثال هذه
الخرافات التى تتضمن تارة تفسير اللفظ بما لا يدل عليه بحال ، فإن هذه
الألفاظ لا تدل على هؤلاء الأشخاص، وقوله تعالى: ( وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَاءُ
عَلَى الْكُفَّارِ رُ حَمَاءُبَيْنَهُمّ تَرَنَّهُمْ رُكَّعَا سُجَّدًا )
كل ذلك نعت للذين
معه، وهي التى بسميها النحاة خبراً بعد خبر. و((المقصود هنا)) أنها
كلها صفات لموصوف واحد وهم الذين معه ، ولا يجوز أن يكون كل
منها مراداً به شخص واحد ، وتتضمن تارة جعل اللفظ المطلق العام
( إِنَّهَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
منحصراً في شخص واحد کقوله : إن قوله :
وَالَّذِينَءَامَنُواْ ) أريد بها علي وحده ، وقول بعضهم : أن قوله :
( وَالَّذِى جَآءَبِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ) أريد بها أبو بكر وحده، وقوله:
أريد بها أبو بكر
(لَا يَسْتَوِى مِنكُ مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلَ )
٣٦٠