Indexed OCR Text
Pages 501-520
البدعة أشد من بعض ، وبعض المبتدعة يكون فيه من الإيمان ما ليس في بعض ، فليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين ، وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة ، وتبين له المحجة . ومن ثبت إيمانه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك ؛ بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة ، وإزالة الشبهة . وهذا الجواب لا يحتمل أكثر من هذا . واللّه المسؤول أن يوفقنا وسائر إخواننا لما يحبه ويرضاه ، واللّه سبحانه أعلم. ٥٠١ وسئل شيخ الإسلام رحمه الله فى رجل قال : إن الله لم يكلم موسى تكليما ، وإنما خلق الكلام والصوت فى الشجرة، وموسى عليه السلام سمع من الشجرة لا من الله، وأن الله عز وجل لم يكلم جبريل بالقرآن وإنما أخذه من اللوح المحفوظ . فهل هو على الصواب أم لا ؟ فأجاب : الحمد لله، ليس هذا على الصواب ؛ بل هذا ضال مفتر كاذب باتفاق سلف الأمة وأمتها ؛ بل هو كافر يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل ، وإذا قال : لا أكذب بلفظ القرآن - وهو قوله: (وَكَلَّمَ اَللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) - بل أقر بأن هذا اللفظ حق ، لكن أنفي معناه وحقيقته ؛ فإن هؤلاء ثم الجهمية الذين اتفق السلف والأئمة على أنهم من شرأهل الأهواء والبدع ، حتى أخرجهم كثير من الأئمة عن الثنتين والسبعين فرقة . وأول من قال هذه المقالة فى الإسلام كان يقال له الجعد بن درم . ٥٠٢ فضحى به خالد بن عبد الله القسري يوم أضحى ؛ فإنه خطب الناس فقال فى خطبته : ضحوا أيها الناس ! تقبل الله ضحاياكم ، فإنى مضح بالجعد بن درهم ، أنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما ، تعالى الله عما يقول الجعد علواً كبيراً. ثم نزل فذبحه . وكان ذلك فى زمن التابعين فشكروا ذلك ، وأخذ هذه المقالة عنه جهم ابن صفوان ، وقتله بخراسان سلمة بن أحوز ، وإليه نسبت هذه المقالة التى تسمى ((مقالة الجهمية )) وهي نفي صفات الله تعالى، فإنهم يقولون: إن الله لا يرى فى الآخرة ، ولا يكلم عباده، وأنه ليس له علم ولا حياة ولا قدرة ونحو ذلك من الصفات ، ويقولون : القرآن مخلوق . ووافق الجهم على ذلك ((المعتزلة)) أصحاب عمرو بن عبيد، وضموا إليها بدءا أخرى فى القدر وغيره ؛ لكن المعتزلة يقولون إن الله كلم موسى حقيقة وتكلم حقيقة ؛ لكن حقيقة ذلك عندم أنه خلق كلاما فى غيره ، إما فى شجرة وإما فى هواء ، وإما في غير ذلك ، من غير أن يقوم بذات الله عنده كلام ولا علم ، ولا قدرة ولا رحمة ، ولا مشيئة ولا حياة ، ولا شيء من الصفات . والجهمية تارة يبوحون بحقيقة القول ، فيقولون: إن الله لم يكلم موسى تكليما ، ولا يتكلم . وتارة لا يظهرون هذا اللفظ ؛ لما فيه من الشناعة المخالفة لدين الإسلام واليهود والنصارى ، فيقرون باللفظ ، ٥٠٣ ولكن يقرنونه بأنه خلق فى غيره كلاما . وأئمة الدين كلهم متفقون على ماجاء به الكتاب والسنة ، وانفق عليه سلف الأمة ، من أن الله كلم موسى تكليما ، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق ، وأن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة ، كما تواترت به الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الله علماً وقدرة ونحو ذلك . ونصوص الأمة فى ذلك مشهورة متواترة، حتى أن أبا القاسم الطبري الحافظ لما ذكر في كتابه فى ((شرح أصول السنة)) مقالات السلف والأئمة فى الأصول : ذكر من قال : القرآن كلام الله غير مخلوق. وقال: فهؤلاء خمسمائة وخمسون نفسا أو أكثر من التابعين والأئمة المرضين سوى الصحابة ، على اختلاف الأعصار ومضي السنين والأعوام ، وفيهم نحو من مائة إمام ممن أخذ الناس بقولهم ، وتدينوا بمذاهبهم . ولو اشتغلت بنقل قول أهل الحديث لبلغت أسماؤهم ألوفا : لكني اختصرت فنقلت عن هؤلاء عصراً بعد عصر لا ينكر عليهم منكر ، ومن أنكر قولهم استتابوه أو أمروا بقتله أو نفيه أو صلبه ، قال: ولا خلاف بين الأمة أن أول من قال القرآن مخلوق جعد بن درهم في سني نيف وعشرين ومائة ، ثم جهم بن صفوان ، فأما جعد فقتله خالد بن عبد الله القسري . وأما جهم فقتل بمرو فى خلافة هشام بن عبد الملك . ٥٠٤ وروى بإسناده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه من وجهين أنهم قالوا له يوم صفين : حكمت رجلين ؟ فقال : ما حكمت مخلوقا ما حكمت إلا القرآن ، وعن عكرمة قال كان ابن عباس في جنازة ، فلما وضع الميت فى لحده قام رجل وقال : اللهم رب القرآن اغفر له، فوثب إليه ابن عباس فقال: مه؟ ! القرآن منه. وعن عبد الله بن مسعود قال : من حلف بالقرآن فعليه بكل آية يمين . وهذا ثابت عن ابن مسعود، وعن سفيان بن عيينة قال : سمعت عمرو بن دينار يقول: أدركت مشايخنا والناس منذ سبعين سنة يقولون: القرآن كلام الله، منه بدأ وإليه يعود ، وفي لفظ يقولون : القرآن كلام الله غير مخلوق ، وقال حرب الكرماني ثنا إسحق بن إبراهيم يعنى ابن راهوبه عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال : أدركت الناس منذ سبعين سنة أدركت أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فمن دونهم يقولون : الله الخالق وما سواه مخلوق ، إلا القرآن فإنه كلام الله، منه خرج وإليه يعود. وهذا قد رواه عن ابن عيينة إسحق ، وإسحق إما أن يكون سمعه منه أو من بعض أصحابه عنه ، وعن جعفر بن محمد الصادق - وهو مشهور عنه - أنهم سألوه عن القرآن أخالق هو أم مخلوق ؟ فقال : ليس بخالق ولا مخلوق ولكنه كلام الله. وهكذا روى عن الحسن البصري ، وأيوب السختيانى ، وسليمان ٥٠٥ التيمي ، وخلق من التابعين . وعن مالك بن أنس ، والليث بن سعد وسفيان الثوري ، وابن أبي ليلى ، وأبي حنيفة، والشافعي ، وأحمد بن حنبل، واسحق بن راهويه، وأمثال هؤلاء من الأئمة، وكلام هؤلاء الأئمة وأتباعهم في ذلك كثير مشهور ، بل اشتهر عن أئمة السلف تكفير من قال : القرآن مخلوق ، وأنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، كما ذكروا ذلك عن مالك بن أنس وغيره ، ولذلك قال الشافعي لحفص الفرد - وكان من أصحاب ضرار بن عمرو ممن يقول : القرآن مخلوق ، فلما ناظر الشافعي ، وقال له : القرآن مخلوق ، قال له الشافعي - كفرت بالله العظيم : ذكره ابن أبى حاتم فى الرد على الجهمية ، قال : كان في كتابى عن الربيع بن سليمان قال: حضرت الشافعي ، أو حدثني أبو شعيب ، إلا أنى أعلم أنه حضر عبد الله بن عبد الحكم ، ويوسف بن عمرو بن يزيد، فسأل حفص عبد الله قال: ما تقول فى القرآن؟ فأبى أن يجيبه ، فسأل يوسف بن عمرو فلم يجبه ، وكلاهما أشار إلى الشافعي فسأل الشافعي فاحتج عليه وطالت فيه المناظرة ، فقام الشافعي بالحجة بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وكفر حفصا الفرد. قال الربيع : فلقيت حفصا فى المسجد بعد هذا فقال: أراد الشافعي قتلي . وأما مالك بن أنس فنقل عنه من غير وجه الرد على من يقول القرآن مخلوق واستتابته ، وهذا المشهور عنه متفق عليه بين أصحابه . ٥٠٦ وأما أبو حنيفة وأصحابه فقد ذكر أبو جعفر الطحاوي فى الاعتقاد الذي قال فى أوله: ((ذكر بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة)): أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي ، وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني قال فيه: « وإن القرآن كلام الله ، منه بدأ بلاكيفية قولا ، وأنزله على نبيه وحيا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقا، وأثبتوا أنه كلام اللّه تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق ككلام البرية ، فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر ، وقد ذمه الله وعابه وأوعده عذابه وتوعده حيث قال: (سَأُصْلِيهِ سَقَّرَ) فلما أوعد اللّه سقر لمن قال: (إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ) علمنا أنه قول خالق البشر ولا يشبه قول البشر)). وأما أحمد بن حنبل فكلامه في مثل هذا مشهور متواتر ، وهو الذي اشتهر بمحنة هؤلاء الجهمية ، فإنهم أظهروا القول بإنكار صفات الله تعالى، وحقائق أسمائه، وأن القرآن مخلوق، حتى صار حقيقة قولهم تعطيل الخالق سبحانه وتعالى ، ودعوا الناس إلى ذلك ، وعاقبوا من لم يجبهم إما بالقتل وإما بقطع الرزق وإما بالعزل عن الولاية ، وإما بالحبس أو بالضرب ، وكفروا من خالفهم ، فثبت الله تعالى الإمام أحمد حتى أخمد الله به باطلهم، ونصر أهل الإيمان والسنة عليهم، وأذلهم بعد العز، وأحملهم بعد الشهرة ، واشتهر عند خواص الأمة وعوامها أن القرآن كلام ٥٠٧ الله غير مخلوق ، وإطلاق القول أن من قال إنه مخلوق فقد كفر. وأما إطلاق القول بأن الله لم يكلم موسى فهذه مناقضة لنص القرآن ، فهو أعظم من القول بأن القرآن مخلوق ، وهذا بلا ريب يستتاب فإن تاب وإلا قتل، فإنه أنكر نص القرآن، وبذلك أفتى الأمة والسلف فى مثله ، والذي يقول القرآن مخلوق هو فى المعنى موافق له، فلذلك كفره السلف . قال البخاري فى كتاب (( خلق الأفعال )) قال سفيان الثوري : من قال القرآن مخلوق فهو كافر ، قال : وقال عبد الله بن المبارك: من مخلوق ، فهو كافر ، ولا ينبغي لمخلوق قال (إِنَّنِيّ ◌َنَ اللّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا أَنَاْ) أن يقول ذلك ، قال وقال ابن المبارك : لا نقول كما قالت الجهمية إنه فى الأرض ههنا ، بل على العرش استوى ، وقيل له : كيف نعرف ربنا؟ قال فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه . وقال: من قال ((لا إله إلا الله)) مخلوق فهو كافر، وانا نحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية . قال وقال علي بن عاصم : ما الذين قالوا إن لله ولداً أكفر من الذين قالوا إن الله لا يتكلم . قال البخاري : وكان إسماعيل بن أبي إدريس يسميهم زنادقة العراق ، ٥٠٨ وقيل له : سمعت أحداً يقول القرآن مخلوق ؟ فقال : هؤلاء الزنادقة . قال : وقال أبو الوليد سمعت يحيى بن سعيد - وذكر له أن قوماً يقولون القرآن مخلوق - فقال كيف يصنعون بـ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) كيف يصنعون بقوله: ( إِنَّنِى أَنَا اللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلََّنَا )؟ قال: وقال أبو عبيد القاسم بن سلام نظرت فى كلام اليهود والمجوس فما رأيت قوماً أضل فى كفرهم منهم ، وإنى لأستجهل من لا يكفرم إلا من لا يعرف كفرم . قال : وقال سليمان بن داود الهاشمي : من قال القرآن مخلوق فهو كافر ، وإن كان القرآن مخلوقاً كما زعموا فلم صار فرعون أولى بان يخلد فى النار إذ قال ( أَنَارَتُّكُمُ الْأَعْلَى ) ؟ وزعموا أن هذا مخلوق والذي قال: ( إِنِّىَ أَ اللهُلَآ إِلَهَإِلَّا أَنَا فَأَعْبُدْنِ ) هذا أيضاً قد ادعى ما ادعى فرعون ، فلم صار فرعون أولى أن يخلد فى النار من هذا ؟ وكلاهما عنده مخلوق . فأخبر بذلك أبو عبيد فاستحسنه وأعجبه . ومعنى كلام هؤلاء السلف رضي الله عنهم : أن من قال إن كلام اللّه مخلوق خلقه فى الشجرة أو غيرها - كما قال هذا الجهمي المعتزلي المسؤول عنه - كان حقيقة قوله : إن الشجرة هي التى قالت لموسى ﴿ إِنَِّى أَنَا اللَّهُ لَآ إِلَهَإِلََّ أَنَأْ فَعْبُدْنِ ) ومن قال: هذا مخلوق قال ذلك، فهذا المخلوق عنده كفرعون الذي قال: (أَنَارَبُّكُم ◌ْأَعَْى ) كلاهما مخلوق وكلاهما قال ذلك . فإن كان قول فرعون كفراً فقول هؤلاء أيضاً كفر. ٥٠٩ ولا ريب أن قول هؤلاء يؤول إلى قول فرعون ؛ وإن كانوا لايفهمون ذلك ؛ فإن فرعون كذب موسى فيما أخبر به : من أن ربه هو الأعلى وأنه كله كما قال تعالى: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَهَمَنُ أَبْنِ لِ صَرْحًا لَّعَلِى أَبْلُغُ الْأَسْبَبَ أَسْبَبَ السَّمَوَتِ فَأَطَّلِعَ إِلَ إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَذِبًا ) وهو قد * كذب موسى فى أن الله كله. ولكن هؤلاء يقولون إذا خلق كلاماً فى غيره صار هو المتكلم به وذلك باطل وضلال من وجوه كثيرة : (أحدها ) أن الله سبحانه أنطق الأشياء كلها نطقاً معتاداً ونطقاً خارجا عن المعتاد، قال تعالى: ( اُلْتَّوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ) وقال تعالى: (حَتَّىَ إِذَا مَاجَآءُ وهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبَصَرُهُمْ وَجُلُودُ هُمْ بِمَا كَانُواْيَعْمَلُونَ * وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدُمْ عَلَيْنَاقَالُواْأَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِىّ أَنْطَقَ كُلَّ شَىْءٍ) وقال تعالى: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَيْدِهِمْ وَأَرْجُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) وقد قال تعالى: ( إِنَّ سَخَّرْنَا اُلْجِبَالَ مَعَهُ يُسَّحْنَ بِالْعَشِ وَالْإِشْرَاقِ )، وقد ثبت أن الحصى كان يسبح في يد النبى صلى الله عليه وسلم، وأن الحجر كان يسلم عليه وأمثال ذلك من إنطاق الجمادات ؛ فلو كان إذا خلق كلاما في غيره كان هو المتكلم به كان هذا كله كلام الله تعالى ، ويكون قد كلم من سمع هذا الكلام كما كلم موسى بن عمران ، بل قد ثبت أن الله خالق ٥١٠ أفعال العباد . فكل ناطق فالله خالق نطقه وكلامه فلو كان متكلما بما خلقه من الكلام لكان كل كلام في الوجود كلامه حتى كلام إبليس والكفار وغيرهم ، وهذا نقوله غلاة الجهمية كابن عربى وأمثاله يقولون: وکل کلام فى الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه وهكذا أشباه هؤلاء من غلاة المشبهة الذين يقولون : إن كلام الآدميين غير مخلوق ؛ فإن كل واحدة من الطائفتين يجعلون كلام المخلوق بمنزلة كلام الخالق فأولئك يجعلون الجميع مخلوقا وأن الجميع كلام اللّه، وهؤلاء يجعلون الجميع كلام الله وهو غير مخلوق، ولهذا كان قد حصل اتصال بين شيخ الجهمية الحلولية وشيخ المشبهة الحلولية . وبسبب هذه البدع وأمثالها من المنكرات المخالفة لدين الإسلام سلط الله أعداء الدين فإن الله يقول (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُوَإِنَّ اللَّهَلَقَوِىُّ عَزِيزُ * الَّذِينَ إِن ◌َّكَّتَهُمْ فِ الْأَرْضِ أَقَامُواْالصََّلَوَةَ وَءَاتَوْالزَّكَوَةَ وَأَمَرُواْبِلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْ عَنِ الْمُنْكَرِّ وَلِلَّهِ عَدِقِبَةُ الْأُمُورِ )، وأي معروف أعظم من الإيمان بالله وأسمائه وآياته ؟ وأي منكر أعظم من الإلحاد في أسماء الله وآياته ؟ ( الوجه الثاني ) أن يقال لهؤلاء الضالين : ما خلقه الله في غيره ٥١١ من الكلام وسائر الصفات فإنما يعود حكمه على ذلك المحل لا على غيره فإذا خلق الله فى بعض الأجسام حركة أو طما أو لوناً أو ريحاً كان ذلك الجسم هو المتحرك المتلون المتروح المطعوم ، وإذا خلق بمحل حياة أو علماً أو قدرة أو إرادة أو كلاما كان ذلك المحل هو الحي العالم القادر المريد المتكلم . فاذا خلق كلاما في الشجرة أو في غيرها من الأجسام كان ذلك الجسم هو المتكلم بذلك الكلام ، كما لو خلق فيه إرادة أو حياة أو علماً، ولا يكون الله هو المتكلم به ، كما إذا خلق فيه حياة أو قدرة أو سمعاً أو بصراً كان ذلك المحل هو الحي به والقادر به والسميح به والبصير به . فكما أنه سبحانه لا يجوز أن يكون متصفاً بما خلقه من الصفات المشروطة بالحياة وغير المشروطة بالحياة ، فلا يكون هو المتحرك بما خلقه فى غيره من الحركات ، ولا المصوت بما خلقه فى غيره من الأصوات ، ولا سمعه ولا بصره وقدرته ما خلقه فى غيره من السمع والبصر والقدرة ، فكذلك لا يكون كلامه ما خلقه فى غيره من الكلام ولا يكون متكلماً بذلك الكلام . ( الوجه الثالث ) أن الاسم المشتق من معنى لا يتحقق بدون ذلك المعنى ، فاسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة وأفعال التفضيل يمتنع ثبوت معناها دون معنى المصدر التى هي مشتقة منه، والناس ٥١٢ متفقون على أنه لا يكون متحرك ولا متكلم إلا بحركة وكلام ، فلا يكون مريد إلا بإرادة ، وكذلك لا يكون عالم إلا بعلم ولا قادر إلا بقدرة ونحو ذلك . ثم هذه الأسماء المشتقة من المصدر إنما يسمى بها من قام به مسمى المصدر ، فإنما يسمى بالحي من قامت به الحياة ، وبالمتحرك من قامت به الحركة ، وبالعالم من قام به العلم ، وبالقادر من قامت به القدرة . فأما من لم يقم به مسمى المصدر فيمتنع أن يسمى باسم الفاعل ونحوه من الصفات . وهذا معلوم بالاعتبار في جميع النظائر . وذلك لأن اسم الفاعل ونحوه من المشتقات هو مركب يدل على الذات وعلى الصفة. والمركب يمتنع تحققه بدون تحقق مفرداته . وهذا كما أنه ثابت فى الأسماء المشتقة ، فكذلك في الأفعال : مثل تكلم وكلم ويتكلم ويكلم وعلم ويعلم وسمع ويسمع ورأى ويرى ونحو ذلك، سواء قيل : إن الفعل المشتق من المصدر، أو المصدر مشتق من الفعل ، لا نزاع بين الناس أن فاعل الفعل هو فاعل المصدر . فإذا قيل كلم أو علم أو تكلم أو تعلم ففاعل التكليم والتعليم هو المكلم والمعلم ، وكذلك التعلم والتكلم ، والفاعل هو الذي قام به المصدر الذي هو التكليم والتعليم والتكلم والتعلم فإذا قيل : تكلم فلان أو كلم فلان فلاناً ففلان هو المتكلم والمكلم، فقوله تعالى: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى ٥١٣ تَكْلِيمًا) وقوله: ( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ) وقوله: (وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَئِنَا وَكَلَّمَهُ. رَبُّهُ ) يقتضي أن الله هو المكلم ، فكما يمتنع أن يقال : هو متكلم بكلام قائم بغيره يمتنع أن يقال كلم بكلام قائم بغيره . فهذه خمسة أوجه : ( أحدها ) أنه يلزم الجهمية على قولهم أن يكون كل كلام خلقه الله كلاماً له؛ إذ لا معنى لكون القرآن كلام الله إلا كونه خلقه، وكل من فعل كلاماً ولو فى غيره كان متكلماً به عندهم ، وليس للكلام عندم مدلول يقوم بذات الرب تعالى لو كان مدلول ((قائماً)) يدل لكونه خلق صوتاً فى محل والدليل يجب طرده فيجب أن يكون كل صوت بخلقه له كذلك ، وم يجوزون أن يكون الصوت المخلوق على جميع الصفات ، فلا يبقى فرق بين الصوت الذي هو كلام الله تعالى على قولهم والصوت الذي هو ليس بكلام . ( الثاني ) أن الصفة إذا قامت بمحل كالعلم والقدرة والكلام والحركة عاد حكمها إلى ذلك المحل ولا يعود حكمها إلى غيره . ( الثالث ) أن يشتق منه المصدر واسم الفاعل والصفة المشبهة به ٥١٤ ونحو ذلك ولا يشتق ذلك لغيره . وهذا كله بين ظاهر وهو ما يبين قول السلف والأئمة أن من قال إن الله خلق كلاماً فى غيره لزمه أن يكون حكم التكلم عائداً إلى ذلك المحل لا إلى الله . ( الرابع) أن الله أكد تكليم موسى بالمصدر فقال (تَكْلِيمًا) قال غير واحد من العلماء : التوكيد بالمصدر ينفي المجاز ، لئلا يظن أنه أرسل إليه رسولا أو كتب إليه كتاباً بل كله منه إليه . ( والخامس ) أن الله فضل موسى بتكليمه إياه على غيره ممن لم يكلمه وقال: ( وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّ وَحْيَا أَوْ مِن وَرَآٍحِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا ) الآية ، فكان تكليم موسى من وراء الحجاب ، وقال : (يَمُوسَىّ إِ اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِسَلَتِى وَبِكَمِى) وقال (إِنَّا أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَاً إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّنَ مِنْ بَعْدِهِ - إلى قوله تعالى - وَكَلَّمَ اَللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) والوحي هو ما نزله الله على قلوب الأنبياء بلا واسطة ، فلو كان تكليمه لموسى إنما هو صوت خلقه في الهواء لكان وحي الأنبياء أفضل منه ؛ لأن أولئك عرفوا المعنى المقصود بلا واسطة . وموسى إنما عرفه بواسطة ، ولهذا كان غلاة الجهمية من الاتحادية ونحوهم يدعون أن ما يحصل لهم من الإلهام أفضل مما حصل لموسى ابن عمران ، وهذا من أعظم الكفر باتفاق المسلمين . ٥١٥ ولما فهم السلف حقيقة مذهب هؤلاء وأنه يقتضى تعطيل الرسالة فإن الرسل إنما بعثوا ليبلغوا كلام اللّه ؛ بل يقتضي تعطيل التوحيد ، فإن من لا يتكلم ولا يقوم به علم ولا حياة هو كالموات ، بل من لا تقوم به الصفات فهو عدم محض إذ ذات لا صفة لها إنما يمكن تقديرها فى الذهن لا في الخارج كتقدير وجود مطلق لا يتعين ولا يتخصص . فكان قول هؤلاء مضاهياً لقول ((المتفلسفة الدهرية)) الذين يجعلون وجود الرب وجوداً مطلقاً بشرط الإطلاق لاصفة له . وقد علم أن المطلق بشرط الإطلاق لا يوجد إلا في الذهن . وهؤلاء الدهرية ينكرون أيضاً حقيقة تكليمه لموسى ويقولون إنما هو فيض فاض عليه من العقل الفعال ، وهكذا يقولون في الوحي إلى جميع الأنبياء ، وحقيقة قولهم : إن القرآن قول البشر لكنه صدر عن نفس صافية شريفة . وإذا كانت المعتزلة خيراً من هؤلاء وقد كفر السلف من يقول بقولهم فكيف هؤلاء ؟! وكلام السلف والأئمة فى مثل هؤلاء لا يحصى قال حرب بن إسماعيل الكرماني : سمعت إسحاق بن راهويه يقول : ليس بين أهل العلم اختلاف أن القرآن كلام الله وليس بمخلوق، وكيف يكون شيء من الرب عز ذكره مخلوقا ؟ ولو كان كما قالوا لزمهم أن يقولوا: علم الله وقدرته ومشيئته مخلوقة، فإن قالوا ذلك لزمهم أن يقولوا كان الله ٥١٦ - تبارك اسمه - ولا علم ولا قدرة ولا مشيئة، وهو الكفر المحض الواضح؛ لم يزل الله عالماً متكلما له المشيئة والقدرة في خلقه، والقرآن كلام الله وليس بمخلوق ، فمن زعم أنه مخلوق فهو كافر . وقال وكيع بن الجراح : من زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أن شيئاً من الله مخلوق . فقيل له : من أين قلت هذا ؟ قال لأن اللّه يقول ( وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنَّى ) ولا يكون من الله شيء مخلوق. وهذا القول قاله غير واحد من السلف . وقال أحمد بن حنبل : كلام الله من الله ليس ببائن منه ، وهذا معنى قول السلف: القرآن كلام الله منه بدأ ومنه خرج وإليه يعود كما في الحديث الذي رواه أحمد وغيره عن جبير بن نفير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إنكم لن ترجعوا إلى الله بشيء أفضل مما خرج منه)) يعنى القرآن وقد روي أيضاً عن أبي أمامة مرفوعا . وقال أبو بكر الصديق لأصحاب مسيلمة الكذاب لما سمع قرآن مسيلمة ((ويحكم! أين يذهب بعقولكم؟ إن هذا كلام لم يخرج من إلى)) أي من رب . وليس معنى قول السلف والأئمة : إنه منه خرج ومنه بدأ . أنه فارق ذاته وحل بغيره فإن كلام المخلوق إذا تكلم به لا يفارق ذاته ٥١٧ ويحل بغيره، فكيف يكون كلام اللّه؟ قال تعالى: (كَبُرَتْ كَلِمَةُ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَهِهِمَّ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا ) فقد أخبر أن الكلمة تخرج من أفواههم، ومع هذا فلم تفارق ذاتهم . و ((أيضاً)) فالصفة لا تفارق الموصوف وتحل بغيره ، لا صفة الخالق ولا صفة المخلوق ، والناس إذا سمعوا كلام النبي صلى الله عليه وسلم ثم بلغوه عنه كان الكلام الذي بلغوه كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بلغوه بحركاتهم وأصواتهم فالقرآن أولى بذلك ، فالكلام كلام الباري والصوت صوت القارئ قال تعالى: ( وَإِنْ أَحَدٌمِّنَ اَلْمُشْرِكِينَ أُسْتَجَارَكَ فَأَجِرُهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اللَّهِ ) وقال صلى الله عليه وسلم ((زينوا القرآن بأصواتكم) ولكن مقصود السلف الرد على هؤلاء الجهمية فإنهم زعموا أن القرآن خلقه الله فى غيره فيكون قد ابتدأ وخرج من ذلك المحل الذي خلق فيه لا من الله ، كما يقولون: كلامه لموسى خرج من الشجرة فبين السلف والأئمة أن القرآن من الله بدأ وخرج ، وذكروا قوله ( وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّى ) فأخبر أن القول منه لا من غيره من المخلوقات . و ((من)) هي لابتداء الغاية، فإن كان المجرور بها عينا يقوم بنفسه لم ٥١٨ يكن صفة لله كقوله: (وَسَخَّرَلَكُمَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًامِنْهُ ) وقوله فى المسيح: (وَرُوٌ مِنْهُ ) وكذلك ما يقوم بالأعيان كقوله: (وَمَا بِكُم مِّن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ). وأما إذا كان المجرور بها صفة ولم يذكر لها محل كان صفة الله كقوله ( وَلَكِنْحَقَّ الْقَوْلُ مِنّى ). وكذلك قد أخبر فى غير موضع من القرآن أن القرآن نزل منه وأنه نزل به جبريل منه رداً على هذا المبتدع المفتري وأمثاله ممن يقول: إنه لم ينزل منه، قال تعالى: (أَفَغَيْرَاللّهِ أَبْتَغِى حَكَمًا وَهُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَبَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْخِّ) وقال تعالى: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالْحَقِّ ) وروح القدس هو جبريل ، كما قال فى الآية الأخرى ( نَزَلَ بِهِ الُوعُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلِكَ) وقال (مَن كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ, عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ) وقال هنا (نَزَّلَهُ رُوُ اُلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ) فبين أن جبريل نزله من الله لا من هواء ولا من لوح ولا غير ذلك، وكذلك سائر آيات القرآن كقوله: (تَنْزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِالْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ) وقوله (حَمَ * تَنِزِيلُ الْكِنَبِ مِنَ اللَّهِالْعَزِيزِالْعَلِيمِ ) وقوله (حَمّ تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) وقوله (الّ * تَزِلُ الْكِتَبِ لاَرَيْبَ فِيهِ مِن * رَّبِّ الْعَلَمِينَ ) وقوله (يََّيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ). ٥١٩ فقد بين فى غير موضع أنه منزل من الله ، فمن قال : إنه منزل من بعض المخلوقات كاللوح والهواء فهو مفتر على الله، مكذب لكتاب الله، متبع لغير سبيل المؤمنين، ألا ترى أن الله فرق بين ما نزل منه وما نزله من بعض المخلوقات كالمطر بأن قال: ( أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ )؟ فذكر المطر في غير موضع وأخبر أنه نزله من السماء ، والقرآن أخبر أنه منزل منه، وأخبر بتنزيل مطلق في مثل قوله (وَأَنَزَلْنَا الْحَدِيدَ ) لأن الحديد ينزل من رؤوس الجبال لا ينزل من السماء ، وكذلك الحيوان ؛ فإن الذكر ينزل الماء في الإناث . فلم يقل فيه من السماء، ولو كان جبريل أخذ القرآن من اللوح المحفوظ لكان اليهود أكرم على الله من أمة محمد ، لأنه قد ثبت بالنقل الصحيح أن الله كتب لموسى التوراة بيده وأنزلها مكتوبة . فيكون بنو إسرائيل قد قرأوا الألواح التى كتبها الله، وأما المسلمون فأخذوه عن محمد صلى الله عليه وسلم، ومحمد أخذه عن جبريل وجبريل عن اللوح ، فيكون بنو إسرائيل بمنزلة جبريل ، وتكون منزلة بني إسرائيل أرفع من منزلة محمد صلى الله عليه وسلم على قول هؤلاء الجهمية ، والله سبحانه جعل من فضائل أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه أنزل عليهم كتابا لا يغسله الماء وأنه أنزله عليهم تلاوة لا كتابة، وفرقه عليهم لأجل ذلك. فقال: ( وَقُرْءَانَا فَرَقْتَهُ لِنَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَهُ تَنْزِيلاً ) وقال تعالى: ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْ لَوْلَا نُزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَحِدَةً كَذَلِكَ لِنُتَّتَ بِهِ، فُؤَادَفْ وَرَتَّْتَهُ تَرْبِيلًا) . ٥٢٠