Indexed OCR Text

Pages 481-500

((شفاعتى لأهل الكبائر من أمتى)) وأحاديثه فى إخراجه من النار
من قد دخلها .
وليس الغرض هنا تحرير هذه الأصول ، وإنما الغرض التنبيه عليها،
وكان ما أوقعهم في ذلك أنهم سمعوا نصوص الوعيد فرأوها عامة ، فقالوا :
يجب أن يدخل فيها كل من شملته ، وهو خبر ، وخبر الله صدق،
فلو أخلف وعيده كان كإخلاف وعده ، والكذب على الله محال ،
فعارضهم غالية المرجئة بنصوص الوعد ، فإنها قد تتناول كثيراً من أهل
الكبائر ، فعاد كل فريق إلى أصله الفاسد .
فقال الأولون : نصوص الوعد لا تتناول إلا مؤمنا ، وهؤلاء
ليسوا مؤمنين . وقال الآخرون : نصوص الوعيد لا تتناول إلا كافراً ،
وكل من القولين خطأ . فإن النصوص -- مثل قوله: (إِنَّالَّذِينَ
يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَمَى ◌ُظُلْمًا) - لم يشترط فيها الكفر؛ بل هى فى
حق المتدين بالإسلام. وقوله: (( من كان آخر كلامه لا إله إلا الله
دخل الجنة )) لم يشترط فيه فعل الواجبات ؛ بل قد ثبت فى الصحاح
((وإن زنى، وإن سرق ، وإن شرب الخمر ).
فهنا اضطرب الناس ، فأنكر قوم من المرجئة العموم ، وقالوا :
ليس فى اللغة عموم ، وهم الواقفية في العموم من المرجئة ، وبعض
٤٨١

الأشعرية والشيعية ، وإنما التزموا ذلك لثلا يدخل جميع المؤمنين فى
نصوص الوعيد .
وقالت المقتصدة : بل العموم صحيح، والصيغ صيغ عموم ؛ لكن
العام يقبل التخصيص ؛ وهذا مذهب جميع الخلائق ، من الأولين
والآخرين ، إلا هذه الشرذمة . قالوا : فمن عفى عنه كان مستثنى من
العموم . وقال قوم آخرون : بل إخلاف الوعيد ليس بكذب ، وإن
العرب لا تعد عاراً أو شناراً أن يوعد الرجل شراً ثم لا ينجزه ، كما
تعد عاراً أو شناراً أن يعد خيراً ثم لا ينجزه ، وهذا قول طوائف
من المتقدمين والمتأخرين ، وقد احتجوا بقول كعب بن زهير يخاطب
النبى صلى الله عليه وسلم :
نبئت أن رسول الله أوعدني
والعفو عند رسول الله مأمول
قالوا : فهذا وعيد خاص ، وقد رجا فيه العفو ، مخاطباً للنى
صلى الله عليه وسلم؛ فعلم أن العفو عن المتوعد جائز، وإن لم يكن من
باب تخصيص العام.
والتحقيق أن يقال : الكتاب والسنة مشتمل على نصوص الوعد
٤٨٢

والوعيد ، كما ذلك مشتمل على نصوص الأمر والنهي، وكل من النصوص
يفسر الآخر ويبينه ، فكما أن نصوص الوعد على الأعمال الصالحة مشروطة
بعدم الكفر المحبط ؛ لأن القرآن قد دل على أن من ارتد فقد حبط
عمله ، فكذلك نصوص الوعيد للكفار والفساق مشروطة بعدم التوبة؛
لأن القرآن قد دل على أن الله يغفر الذنوب جميعاً لمن تاب ، وهذا
متفق عليه بين المسلمين ، فكذلك فى موارد النزاع .
فإن الله قد بين بنصوص معروفة أن الحسنات يذهبن السيئات، وأن
من يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره، وأنه يجيب
دعوة الداعى إذا دعاه، وأن مصائب الدنيا تكفر الذنوب، وأنه يقبل شفاعة النبي
صلى الله عليه وسلم في أهل الكبائر ، وأنه لا يغفر أن يشرك به ، ويغفر
ما دون ذلك لمن يشاء ، كما بين أن الصدقة يبطلها المن والأذى ،
وأن الربا يبطل العمل ، وأنه إنما يتقبل الله من المتقين ؛ أي فى ذلك
العمل ونحو ذلك .
فجعل للسيئات ما يوجب رفع عقابها ، كما جعل للحسنات ما قد
يبطل ثوابها ، لكن ليس شيء يبطل جميع السيئات إلا التوبة ، كما أنه
ليس شيء يبطل جميع الحسنات إلا الردة .
(الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَمَى ظُلْمًا
وبهذا تبين أنا نشهد بأن
٤٨٣

إِنَّمَا يَأْ كُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَضْلَوْنَ سَعِيرًا ) على الإطلاق والعموم،
ولا نشهد لمعين أنه فى النار ؛ لأنا لا نعلم لحوق الوعيد له بعينه ؛ لأن
لحوق الوعيد بالعين مشروط بشروط وانتفاء موانع ، ونحن لا نعلم
ثبوت الشروط وانتفاء الموانع فى حقه ، وفائدة الوعيد بيان أن هذا
الذنب سبب مقتض لهذا العذاب ، والسبب قد يقف تأثيره على وجود
شرطه ، وانتفاء مانعه .
يبين هذا: أنه قد ثبت: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم
لعن الخمر ، وعاصرها ، ومعتصرها ، وحاملها ، والمحمولة إليه ، وشاربها
وساقيها ، وبائعها، ومبتاعها ، وآكل ثمنها)). وثبت عنه فى صحيح
البخاري عن عمر أن رجلا كان يكثر شرب الخمر ، فلعنه رجل فقال
النبى صلى الله عليه وسلم: ((لا تلعنه؛ فإنه يحب الله ورسوله)) فنهى عن
لعن هذا المعين ، وهو مدمن خمر ؛ لأنه يحب الله ورسوله ، وقد لعن
شارب الخمر على العموم .
فصل
إذا ظهرت هذه المقدمات فى اسم المؤمن والكافر ، والفاسق الملي
وفى حكم الوعد والوعيد ، والفرق بين المطلق والمعين ، وما وقع فى
٤٨٤

ذلك من الاضطراب، فـ ((مسألة تكفير أهل البدع والأهواء)
متفرعة على هذا الأصل .
ونحن نبدأ بمذهب أئمة السنة فيها قبل التنبيه على الحجة . فنقول:
المشهور من مذهب الإمام أحمد ، وعامة أئمة السنة تكفير الجهمية
وم المعطلة لصفات الرحمن ؛ فإن قولهم صريح في مناقضة ما جاءت
به الرسل من الكتاب ، وحقيقة قولهم جحود الصانع ، ففيه جحود
الرب ، وجحود ما أخبر به عن نفسه على لسان رسله ؛ ولهذا قال
عبد الله بن المبارك : إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ، ولا نستطيع
أن نحكي كلام الجهمية ، وقال غير واحد من الأئمة إنهم أكفر من
اليهود والنصارى ، يعنون من هذه الجهة ، ولهذا كفروا من يقول :
إن القرآن مخلوق، وإن الله لا يرى فى الآخرة، وإن الله ليس على
العرش، وإن اللّه ليس له علم، ولا قدرة ولا رحمة، ولا غضب، ونحو
ذلك من صفاته .
وأما ((المرجئة)): فلا تختلف نصوصه أنه لا يكفرهم ؛ فإن
بدعتهم من جنس اختلاف الفقهاء فى الفروع ، وكثير من كلامهم يعود
النزاع فيه إلى نزاع في الألفاظ والأسماء ؛ ولهذا يسمى الكلام فى
مسائلهم ((باب الأسماء )) وهذا من نزاع الفقهاء ، لكن يتعلق بأصل
٤٨٥

الدين ؛ فكان المنازع فيه مبتدعاً .
وكذلك («الشيعة)) المفضلون لعلي على أبي بكر، لا يختلف قوله
إنهم لا يكفرون ؛ فإن ذلك قول طائفة من الفقهاء أيضاً ، وإن
كانوا يبدعون .
وأما ((القدرية)) المقرون بالعلم، و((الروافض)) الذين ليسوا
من الغالية ، والجهمية ، والخوارج: فيذكر عنه في تكفيرم روايتان
هذا حقيقة قوله المطلق ، مع أن الغالب عليه التوقف عن تكفير
القدرية المقرين بالعلم ، والخوارج ، مع قوله: ما أعلم قوماً شراً
من الخوارج .
ثم طائفة من أصحابه يحكون عنه في تكفير أهل البدع مطلقاً
روايتين ، حتى يجعلوا المرجئة داخلين فى ذلك ، وليس الأمر كذلك
وعنه فى تكفير من لا يكفّر روايتان ، أصحهما لا يكفر . وربما جعل
بعضهم الخلاف فى تكفير من لا يكفّر مطلقاً ، وهو خطأ محض .
والجهمية - عند كثير من السلف: مثل عبد الله بن المبارك، ويوسف
ابن أسباط ، وطائفة من أصحاب الإمام أحمد وغيرم ـ ليسوا من
الثنتين والسبعين فرقة ، التى افترقت عليها هذه الأمة ؛ بل أصول هذه
عند هؤلاء : م الخوارج والشيعة ، والمرجئة والقدرية ، وهذا المأثور
٤٨٦

عن أحمد ، وهو المأثور عن عامة أئمة السنة ، والحديث أنهم كانوا
يقولون : من قال : القرآن مخلوق فهو كافر ، ومن قال: إن الله لا يرى
فى الآخرة فهو كافر ، ونحو ذلك .
ثم حكى أبو نصر السجزي عنهم فى هذا قولين: ((أحدهما)» أنه
كفر ينقل عن الملة. قال: وهو قول الأكثرين. و((الثاني)) أنه
كفر لا ينقل . ولذلك قال الخطابي : إن هذا قالوه على سبيل التغليظ ،
وكذلك تنازع المتأخرون من أصحابنا فى تخليد المكفر من هؤلاء ؛
فأطلق أكثرم عليه التخليد ، كما نقل ذلك عن طائفة من متقدمي علماء
الحديث ؛ كأبي حاتم ، وأبي زرعة وغيرهم ، وامتنع بعضهم من
القول بالتخليد .
وسبب هذا التنازع تعارض الأدلة ، فإنهم يرون أدلة توجب إلحاق
أحكام الكفر بهم ، ثم إنهم يرون من الأعيان ، الذين قالوا تلك
المقالات من قام به من الإيمان ما يمتنع أن يكون كافراً ، فيتعارض
عندم الدليلان ، وحقيقة الأمر أنهم أصابهم في ألفاظ العموم فى كلام
الأئمة ما أصاب الأولين فى ألفاظ العموم فى نصوص الشارع، كلما
رأوم قالوا : من قال كذا فهو كافر ، اعتقد المستمع أن هذا اللفظ
شامل لكل من قاله ، ولم يتدبروا أن التكفير له شروط وموانع قد
تفتفي في حق المعين ، وأن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين ،
٤٨٧

إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع، يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة
الأئمة : الذين أطلقوا هذه العمومات ، لم يكفروا أكثر من تكلم
بهذا الكلام بعينه .
فإن الإمام أحمد - مثلا - قد باشر ((الجهمية)) الذين دعوه
إلى خلق القرآن ، ونفى الصفات ، وامتحنوه وسائر علماء وقته ، وفتنوا
المؤمنين والمؤمنات الذين لم يوافقوم على التجهم بالضرب والحبس، والقتل
والعزل عن الولايات ، وقطع الأرزاق ، ورد الشهادة ، وترك تخليصهم
من أيدي العدو ، بحيث كان كثير من أولي الأمر إذ ذاك من الجهمية
من الولاة والقضاة وغيرم : يكفرون كل من لم يكن جهمياً موافقاً لهم
على نفي الصفات، مثل القول بخلق القرآن، ويحكمون فيه بحكمهم في
الكافر ، فلا يولونه ولاية ، ولا يفتكونه من عدو ، ولا يعطونه شيئاً
من بيت المال ، ولا يقبلون له شهادة ، ولا فتيا ، ولا رواية ويمتحنون
الناس عند الولاية والشهادة ، والافتكاك من الأسر وغير ذلك . فمن
أقر بخلق القرآن حكموا له بالإيمان ، ومن لم يقر به لم يحكموا له
بحكم أهل الإيمان ، ومن كان داعياً إلى غير التجهم قتلوه أو
ضربوه وحبسوه .
ومعلوم أن هذا من أغلظ التجهم ، فإن الدعاء إلى المقالة أعظم من
٤٨٨

قولها، وإثابة قائلها وعقوبة تاركها أعظم من مجرد الدعاء إليها ، والعقوبة
بالقتل لقائلها أعظم من العقوبة بالضرب .
ثم إن الإمام أحمد دعا للخليفة وغيره . ممن ضربه وحبسه ،
واستغفر لهم ، وحللهم مما فعلوه به من الظلم والدعاء إلى القول الذي
هو كفر، ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لم يجز الاستغفار لهم ؛ فإن
الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسنة والإجماع ، وهذه الأقوال
والأعمال منه ومن غيره من الأئمة صريحة في أنهم لم يكفروا المعينين
من الجهمية ، الذين كانوا يقولون: القرآن مخلوق ، وإن الله لا يرى
فى الآخرة ، وقد نقل عن أحمد ما يدل على أنه كفر به قوماً معينين
فأما أن يذكر عنه في المسألة روايتان ففيه نظر ، أو يحمل الأمر على
التفصيل . فيقال : من كفره بعينه ؛ فلقيام الدليل على أنه وجدت فيه
شروط التكفير ، وانتفت موانعه، ومن لم يكفره بعينه؛ فلانتفاء
ذلك في حقه ، هذا مع إطلاق قوله بالتكفير على سبيل العموم .
والدليل على هذا الأصل : الكتاب، والسنة، والإجماع، والاعتبار.
أما الكتاب: فقوله سبحانه وتعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ
أَخْطَأْتُم بِهِ ) وقوله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ).
٤٨٩

وقد ثبت فى صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله
عليه وسلم (( أن اللّه تعالى قال: قد فعلت)) لما دعا النبي صلى
الله عليه وسلم والمؤمنون بهذا الدعاء . وروى البخاري في صحيحه عن
ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أعطيت فاتحة الكتاب
وخواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش)) و(( أنه لم يقرأ بحرف
منها إلا أعطيه)).
وإذا ثبت بالكتاب المفسر بالسنة أن الله قد غفر لهذه الأمة الخطأ
والنسيان فهذا عام عموما محفوظاً ، وليس فى الدلالة الشرعية ما يوجب
أن الله يعذب من هذه الأمة مخطئاً على خطئه، وأن عذب المخطئء
من غير هذه الأمة .
و ((أيضاً)) قد ثبت فى الصحيح من حديث أبى هريرة أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((إن رجلا لم يعمل خيراً قط فقال
لأهله : إذا مات فأحرقوه ، ثم اذروا نصفه في البر ، ونصفه في البحر
فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابا لا يعذبه أحداً من العالمين، فلما مات
الرجل فعلوا به كما أمرهم، فأمر الله البر فجمع ما فيه وأمر البحر فجمع ما فيه،
فإذا هو قائم بين بدله. ثم قال: لم فعلت هذا ؟ قال من خشيتك يارب وأنت
أعلى ؛ فغفر الله له)).
٤٩٠

وهذا الحديث متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم، رواه أصحاب
الحديث والأسانيد من حديث أبى سعيد ، وحذيفة وعقبة بن عمرو ،
وغيرم عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة ، يعلم أهل
الحديث أنها تفيدهم العلم اليقيني ، وإن لم يحصل ذلك لغيرهم ممن لم
يشركهم فى أسباب العلم . فهذا الرجل كان قد وقع له الشك والجهل
فى قدرة الله تعالى على إعادة ابن آدم ، بعد ما أحرق وذري، وعلى
أنه يعيد الميت ويحشره إذا فعل به ذلك ، وهذان أصلان عظيمان :
((أحدهما)) متعلق بالله تعالى، وهو الإيمان بأنه على كل
شيء قدير .
و ((الثاني)) متعلق باليوم الآخر . وهو الإيمان بأن الله يعيد
هذا الميت ، ويجزيه على أعماله، ومع هذا فلما كان مؤمناً بالله في
الجملة، ومؤمناً باليوم الآخر فى الجملة ، وهو أن اللّه يثيب ويعاقب بعد
الموت ، وقد عمل عملا صالحاً - وهو خوفه من الله أن يعاقبه على
ذنوبه - غفر الله له بما كان منه من الإيمان بالله، واليوم الآخر
والعمل الصالح .
وأيضاً : فقد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم
((أن اللّه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان))
٤٩١

وفي رواية: (( مثقال دينار من خير ، ثم يخرج من النار من كان فى
قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان)) وفى رواية ((من خير)) ((ويخرج
من النار من كان فى قلبه مثقال ذرة من إيمان، أو خير )) وهذا وأمثاله
من النصوص المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، يدل أنه لا يخلد
فى النار من معه شيء من الإيمان والخير وإن كان قليلا ، وأن
الإيمان مما يتبعض ويتجزأ . ومعلوم قطعاً أن كثيراً من هؤلاء المخطئين
معهم مقدارما من الإيمان بالله ورسوله ، إذ الكلام فيمن يكون كذلك.
وأيضاً فإن السلف أخطأ كثير منهم فى كثير من هذه المسائل ،
واتفقوا على عدم التكفير بذلك ، مثل ما أنكر بعض الصحابة أن يكون
الميت يسمع نداء الحي ، وأنكر بعضهم أن يكون المعراج يقظة ، وأنكر
بعضهم رؤية محمد ربه ، ولبعضهم في الخلافة ، والتفضيل كلام معروف ،
وكذلك لبعضهم فى قتال بعض ، ولعن بعض ، وإطلاق تكفير بعض،
أقوال معروفة .
وكان القاضي شريح ينكر قراءة من قرأ: (بل عجبتُ ) ويقول:
إن الله لا يعجب ؛ فبلغ ذلك إبراهيم النخعي فقال : إنما شريح شاعر
يعجبه علمه . كان عبد الله أفقه منه، فكان يقول : ( بل عجبتُ )
فهذا قد أنكر قراءة ثابتة ، وأنكر صفة دل عليها الكتاب والسنة ،
وأنفقت الأمة على أنه إمام من الأئمة ، وكذلك بعض السلف أنكر
٤٩٢

بعضهم حروف القرآن، مثل إنكار بعضهم قوله : (أَفَلَمْ يَأيَِّسِ الَّذِينَ
ءَامَنُوا) وقال: إنما هي: أو لم يتبين الذين آمنوا، وإنكار الآخر
قراءة قوله: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُ وَاْإِلَّ إِنَّهُ ) وقال: إنما هي:
ووصى ربك . وبعضهم كان حذف المعوذتين ، وآخر يكتب سورة
القنوت . وهذا خطأ معلوم بالإجماع والنقل المتواتر ، ومع هذا فلما لم
يكن قد تواتر النقل عندهم بذلك لم يكفروا ، وإن كان يكفر بذلك من
قامت عليه الحجة بالنقل المتواتر .
وأيضاً فإن الكتاب والسنة قد دل على أن الله لا يعذب أحداً،
إلا بعد إبلاغ الرسالة ، فمن لم تبلغه جملة لم يعذبه رأساً ، ومن بلغته
جملة دون بعض التفصيل لم يعذبه إلا على إنكار ما قامت عليه
الحجة الرسالية .
وذلك مثل قوله تعالى: (لِتَلَّايَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ)
وقوله: (يَمَعْشَرَ الْجِنِ وَالْإِنسِ اَلَّ يَأْتِّكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُصُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِى)
الآية. وقوله: (أَوْلَمْ نُعَمِّرَّكُمْ مَّايَتَذَكَّرُفِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَ كُمُ النَّذِيرُ )
وقولهم: (وَقَالَ لَهُمْ خَُهَا أَمَّ بَأْيِّكُمْرُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْءَايَتِ رَيِّكُمْ )
الآية. وقوله: (وَمَا كُنَّامُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا )
وقوله: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِىّ أُمِّهَا رَسُولًا يَنْلُواْ عَلَيْهِمْءَايَتِنَا)
وقوله: (كُلَّمَا أُلْفِىَ فِيَهَ فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَُهَا أَ يَأْتِّكُمْنَذِيرٌ * قَالُواْبَلَى قَدْجَآءَنَانَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا
٤٩٣

وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللهُ مِن شَىْءٍ )
وقوله : (وَلَوْأَنَّا أَهْلَكْنَهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ، لَقَالُواْرَبَّنَا لَوْلًا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا
فَتَِّعَءَايَلِئِكَ مِن قَبْلِ أَنْ تَذِلَّ وَمَّخْزَى )
: (وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلَاً
وقوله
أَرْسَلْتَ إِلَيْنَارَسُولًا فَتَتَّبِعَ ءَايَئِكَ وَنَّكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ )
ونحو هذا فى القرآن فى مواضع متعددة .
فمن كان قد آمن بالله ورسوله ، ولم يعلم بعض ما جاء به
الرسول ، فلم يؤمن به تفصيلا ؛ إما أنه لم يسمعه . أو سمعه من طريق
لا يجب التصديق بها ، أو اعتقد معنى آخر لنوع من التأويل الذي
يعذر به . فهذا قد جعل فيه من الإيمان بالله وبرسوله ما يوجب أن
يثيبه الله عليه، وما لم يؤمن به فلم تقم عليه به الحجة التى
يكفر مخالفها .
وأيضاً فقد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن من الخطأ فى الدين
مالا يكفر مخالفه ؛ بل ولا يفسق ؛ بل ولا يأثم ؛ مثل الخطأ فى
الفروع العملية ؛ وإن كان بعض المتكلمة والمتفقهة يعتقد أن المخطئ فيها
آثم ، وبعض المتكلمة والمتفقهة يعتقد أن كل مجتهد فيها مصيب ،
فهذان القولان شاذان ، ومع ذلك فلم يقل أحد بتكفير المجتهدين
المتنازعين فيها ، ومع ذلك فبعض هذه المسائل قد ثبت خطأ المنازع
٤٩٤

فيها بالنصوص والإجماع القديم ، مثل استحلال بعض السلف والخلف
لبعض أنواع الربا، واستحلال آخرين لبعض أنواع المخمر، واستحلال
آخرين للقتال فى الفتنة .
وأهل السنة والجماعة متفقون على أن المعروفين بالخير ، كالصحابة
المعروفين ، وغيرهم من أهل الجمل وصفين من الجانبين ، لا يفسق أحد
منهم ، فضلا عن أن يكفر ، حتى عدى ذلك من عداه من الفقهاء
إلى سائر أهل البغي ، فإنهم مع إيجابهم لقتالهم منعوا أن يحكم بفسقهم
لأجل التأويل ، كما يقول هؤلاء الأئمة : إن شارب النبيذ المتنازع فيه
(وَدَاوُودَوَسُلَيْمَنَ إِذْ
متأولا لا يجلد ولا يفسق . وقد قال تعالى :
يَحْكُمَانِ فِىِ الْحَزَّثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّاِحُكْمِهِمْ شَهِدِينَ *
فَفَهَّمْنَهَا سُلَيْمَنَّ وَكُلَاءَانَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا) وقال تعالى: (مَا قَطَعْتُممِّن
لِيِنَةٍ أَوْتَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللّهِ ).
وثبت فى الصحاح من حديث عمرو بن العاص وأبي هريرة عن
النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله
أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر)). وثبت فى الصحيح عن بريدة
ابن الحصيب أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا حاصرت أهل
حصن فسألوك أن تعزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن
أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك ، فإنك لاندري ما حكم الله فيهم))
٤٩٥

وأدلة هذا الأصل كثيرة لها موضع آخر .
وقد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن من بلغته رسالة النبى صلى
اللّه عليه وسلم فلم يؤمن به فهو كافر ، لا يقبل منه الاعتذار بالاجتهاد،
لظهور أدلة الرسالة ، وأعلام النبوة ؛ ولأن العذر بالخطأ حكم شرعي ،
فكما أن الذنوب تنقسم إلى كبار وصغار، والواجبات تنقسم إلى أركان
وواجبات ليست أركانً : فكذلك الخطأ ينقسم إلى مغفور وغير مغفور،
والنصوص إنما أوجبت رفع المؤاخذة بالخطأ لهذه الأمة، وإذا كان
كذلك فالمخطئ فى بعض هذه المسائل : إما أن يلحق بالكفار ، من
المشركين وأهل الكتاب مع مباينته لهم فى عامة أصول الإيمان . وإما
أن يلحق بالمخطئين فى مسائل الإيجاب والتحريم ، مع أنها أيضا من
أصول الإيمان .
فإن الإيمان بوجوب الواجبات الظاهرة المتواترة ، وتحريم المحرمات
الظاهرة المتواترة : هو من أعظم أصول الإيمان ، وقواعد الدين والجاحد
لها كافر بالاتفاق ، مع أن المجتهد فى بعضها ليس بكافر بالاتفاق
مع خطئه .
وإذا كان لابد من إلحاقه بأحد الصنفين : فمعلوم أن المخطئين من
المؤمنين بالله ورسوله ، أشد شبها منه بالمشركين وأهل الكتاب ،
٤٩٦

فوجب أن يلحق بهم ، وعلى هذا مضى عمل الأمة قديماً وحديثاً ، في أن
عامة المخطئين من هؤلاء يجري عليهم أحكام الإسلام التى يجري على
غيرهم ، هذا مع العلم بأن كثيراً من المبتدعة منافقون النفاق الأكبر ،
وأولئك كفار فى الدرك الأسفل من النار ، فما أكثر ما يوجد في
الرافضة والجهمية ونحوهم زنادقة منافقون ، بل أصل هذه البدع هو
من المنافقين الزنادقة ، ممن يكون أصل زندقته عن الصابئين والمشركين،
فهؤلاء كفار فى الباطن ، ومن على حاله فهو كافر فى الظاهر أيضاً .
وأصل ضلال هؤلاء الإعراض عما جاء به الرسول من الكتاب والحكمة .
وابتغاء الهدى في خلاف ذلك ، فمن كان هذا أصله فهو بعد بلاغ
الرسالة كافر لا ريب فيه ، مثل من يرى أن الرسالة للعامة دون الخاصة ،
كما يقوله قوم من المتفلسفة ، وغالية المتكلمة والمتصوفة ، أو يرى
أنه رسول إلى بعض الناس دون بعض ، كما يقوله كثير من
اليهود والنصارى .
فهذا الكلام يمهد أصلين عظيمين :
((أحدهما)) أن العلم والإيمان والهدى فيما جاء به الرسول ، وأن
خلاف ذلك كفر على الإطلاق . فنفي الصفات كفر ، والتكذيب بأن
اللّه يرى فى الآخرة، أو أنه على العرش، أو أن القرآن كلامه، أو
٤٩٧

أنه كلم موسى ، أو أنه اتخذ إبراهيم خليلا كفر، وكذلك ما كان في
معنى ذلك، وهذا معنى كلام أئمة السنة وأهل الحديث .
و ((الأصل الثانى)» أن التكفير العام - كالوعيد العام -
يجب القول بإطلاقه وعمومه .
وأما الحكم على المعين بأنه كافر ، أو مشهود له بالنار : فهذا
يقف على الدليل المعين ، فإن الحكم يقف على ثبوت شروطه ،
وانتفاء موانعه .
ومما ينبغي أن يعلم فى هذا الموضع أن الشريعة قد تأمرنا بإقامة
الحد على شخص في الدنيا؛ إما بقتل أو جلد أو غير ذلك ، ويكون في
الآخرة غير معذب ، مثل قتال البغاة والمتأولين ، مع بقائهم على العدالة،
ومثل إقامة الحد على من تاب بعد القدرة عليه توبة صحيحة ، فإنا
نقيم الحد عليه مع ذلك كما أقامه النبى صلى الله عليه وسلم على ماعن
ابن مالك، وعلى الغامدية، مع قوله: (( لقد تابت توبة لو نابها
صاحب مكس لغفر له )) ومثل إقامة الحد على من شرب النبيذ المتنازع
فيه متأولا ، مع العلم بأنه باق على العدالة .
بخلاف من لا تأويل له ، فإنه لما شرب الخمر بعض الصحابة
٤٩٨

واعتقدوا أنها تحل للخاصة تأول قوله: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُوا
الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوْاْ إِذَا مَا أَتَّقَوْوَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ ثُمَ اتَّقَواْ وَءَامَنُواْتُمَ اتَّقَواْ
وَّأَحْسَنُواْ ) اتفق الصحابة مثل عمر بن الخطاب، وعلى بن أبى طالب
وغيرهما ، على أنهم إن أقروا بالتحريم جلدوا وإن أصروا على
الاستحلال قتلوا .
وكذلك نعلم أن خلقاً لا يعاقبون فى الدنيا مع أنهم كفار فى الآخرة،
مثل أهل الذمة المقرين بالجزية على كفرهم . ومثل المنافقين المظهرين
الإسلام ، فإنهم تجري عليهم أحكام الإسلام ، وم فى الآخرة كافرون ،
كما دل عليه القرآن فى آيات متعددة، كقوله: (إِنَّ الْنَفِقِينَ فِ الذَّرْكِ
اُلْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ) الآية. وقوله: (يَوْمَ يَقُولُ اَلْمُنَفِقُونَ
وَالْمُنَفِقَتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْظُرُونَا نَقْنَبِسْ مِن نُّوْرِكُمْقِيلَ آَرْجِعُوا وَرَآءَ كُمْ فَالْتَمِسُوْنُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم
◌ِسُورٍلَُّبَابُ بَالِبُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَ ظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْأَمْ تَكُن ◌َّعَكُمْ قَالُواْبَى
وَلَكِنَّكُمْ فَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَضْتُمْ وَأَرْبَّبْتُمْ وَغَرَّتَّكُمُ الْأَمَانِىُّ حَتَّى جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَزَّكُمْ بِاللَّهِ
اَلْغَرُوُرُ * قَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ ) الآية .
وهذا لأن الجزاء فى الحقيقة إنما هو فى الدار الآخرة ، التى هي
دار الثواب والعقاب . وأما الدنيا فإنما يشرع فيها من العقاب ما يدفع
٤٩٩

به الظلم والعدوان ، كما قال تعالى: (وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ وَيَكُونَ
ل
الدِّينُ لِلَّهِ فَإِ أَنَهَوْ فَلَاَ عُدْ وَانَ إِلَّا عَلَى الَّلِينَ) وقال تعالى: (إِنََّا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ
يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ) وهذا لأن المقصود بإرسال الرسل
وإنزال الكتب، هو إقامة القسط، كما قال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَارُسُلَنَا
◌ِالْبَّيِّنَتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِنَبَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا
اْحَدِيدَ فِيهِ بَأَسُ شَدِيدٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّاللَّهَ
فَوِىُّعَزِيرٌ ) .
وإذا كان الأمر كذلك فعقوبة الدنيا غير مستلزمة لعقوبة الآخرة ،
ولا بالعكس . ولهذا أكثر السلف يأمرون بقتل الداعي إلى البدعة ،
الذي يضل الناس لأجل إفساده فى الدين ، سواء قالوا : هو كافر ، أو
ليس بكافر .
وإذا عرف هذا فتكفير ((المعين)) من هؤلاء الجمال وأمثالهم
- بحيث يحكم عليه بأنه من الكفار - لا يجوز الإقدام عليه، إلا بعد
أن تقوم على أحدثم الحجة الرسالية ، التى يتبين بها أنهم مخالفون
للرسل ، وإن كانت هذه المقالة لا ريب أنها كفر .
وهكذا الكلام فى تكفير جميع ((المعينين)) مع أن بعض هذه
٥٠٠