Indexed OCR Text

Pages 421-440

ومن لا يحصى عدده إلا الله.
وأما البدعة الثانية ــ المتعلقة بالقرآن المنزل تلاوة العباد له -
وهي ((مسألة اللفظية)) فقد أنكر بدعة ((اللفظية)) الذين يقولون :
إن تلاوة القرآن وقراءته واللفظ به مخلوق أئمة زمانهم ، جعلوم
من الجهمية ، وبينوا أن قولهم : يقتضى القول بخلق القرآن ، وفي كثير
من كلامهم تكفيرهم .
وكذلك من يقول : إن هذا القرآن ليس هو كلام الله ، وإنما
هو حكاية عنه ، أو عبارة عنه ، أو أنه ليس فى المصحف والصدور
إلا كما أن الله ورسوله في المصاحف والصدور، ونحو ذلك، وهذا
محفوظ عن الإمام أحمد ، وإسحق ، وأبى عبيد ، وأبى مصعب الزهري
وأبى ثور ، وأبى الوليد الجارودي ، ومحمد بن بشار ، ويعقوب بن
ابراهيم الدورقي ، ومحمد بن يحي بن أبى عمرو العدنى، ومحمد بن
يحي الذهلي ، ومحمد بن أسلم الطوسي، وعدد كثير لا يحصيهم إلا الله
من أئمة الإسلام وهداته .
وكذلك أنكر بدعة ((اللفظية المثبتة)) - الذين يقولون: إن لفظ
العباد ، أو صوت العباد به غير مخلوق ، أو يقولون ، إن التلاوة
التى هي فعل العبد وصوته غير مخلوقة - الأئمة الذين بلغتهم هذه
٤٢١

البدعة : مثل الإمام أحمد بن حنبل ، وأبى عبد الله البخاري صاحب
الصحيح ، وأبى بكر المروذي أخص أصحاب الإمام أحمد بن حنبل به،
وأخذ في ذلك أجوبة علماء الإسلام إذ ذاك : ببغداد ، والبصرة ،
والكوفة ، والحرمين ، والشام ، وخراسان ، وغيرهم : مثل عبد الوهاب
الوراق، وأبى بكر الأثرم ، ومحمد بن بشار بندار، وأبى الحسين علي
ابن مسلم الطوسي ، ويعقوب الدورقى ، ومحمد بن سهل بن عسكر ،
ومحمد بن عبد الله المخرمي الحافظ، ومحمد بن إسحق الصاغاني،
والعباس بن محمد الدوري ، وعلي بن داود القنطري ، ومثنى بن جامع
الأنباري ، وإسحق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد ، ومحمد بن يحي
الأزدي ، والحسن بن عبد العزيز الجروي ، وعبد الكريم بن الهيثم
العاقولي ، وأبي موسى بن أبي علقمة النفروني ، وغيره من علماء المدينة
ومحمد بن عبد الرحمن المقري ، وأبى الوليد بن أبى الجارود ، وأحمد
ابن محمد بن القاسم بن أبى مرة ، وغيرهم من أهل مكة ، وأحمد بن
سنان الواسطي ، وعلي بن حرب الموصلي ، ومن شاء الله تعالى من أئمة
أهل السنة وأهل الحديث من أصحاب الإمام أحمد بن حنبل وغيرهم
ينكرون على من يجعل لفظ العبد بالقرآن أو صوته به أو غير ذلك
من صفات العباد المتعلقة بالقرآن غير مخلوقة ، ويأمرون بعقوبته
بالهجر وغيره ، وقد جمع بعض كلامهم في ذلك أبو بكر الخلال
فى ((كتاب السنة))
٤٢٢

ومن المشهور في (( كتاب صريح السنة)) لمحمد بن جرير الطبري
وهو متواتر عنه، لما ذكر الكلام فى أبواب السنة ، قال : وأما القول
فى ((ألفاظ العباد بالقرآن)) فلا أثر فيه نعلمه عن صحابي مضى
ولا عن تابعي قفا ، إلا عمن فى قوله الشفاء والعفاء ، وفى اتباعه الرشد
والهدى ، ومن يقوم لدينا مقام الأئمة الأوائل: أبي عبد اللّه أحمد بن
محمد بن حنبل ، فإن أبا إسماعيل الترمذي حدثني قال سمعت أبا عبد الله
أحمد بن محمد بن حنبل يقول ((اللفظية)) جهمية، يقول الله: (حَتَّى يَسْمَعَ
كَلَ اللَّهِ ) ممن يسمع؟ قال ابن جرير: وسمعت جماعة من أصحابنا
- لا أحفظ أسماءهم - يحكون عنه أنه كان يقول : من قال : لفظي
بالقرآن مخلوق فهو جهمي ، ومن قال : غير مخلوق فهو مبتدع .
قال ابن جرير : ولا قول فى ذلك عندنا يجوز أن نقوله ، غير قوله ،
إذ لم يكن لنا إمام نأتم به سواه ، وفيه الكفاية والمقنع ، وهو
الإمام المتبع .
وقال أبو الفضل صالح بن أحمد بن حنبل فى ((كتاب المخنة))
تناهى إلي أن أبا طالب حكى عن أبي أنه يقول : لفظي بالقرآن غير
مخلوق ، فأخبرت أبى بذلك، فقال : من أخبرك ، فقلت : فلان ،
فقال : ابعث إلى أبي طالب ، فوجهت إليه ، فجاء ، وجاء فوران ،
فقال له أبى : أنا قلت لك : لفظى بالقرآن غير مخلوق؟ وغضب ،
٤٢٣

وجعل يرتعد ، فقال له: قرأت عليك: (قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ) فقلت
لي : هذا ليس بمخلوق ، قال له : فلم حكيت عني أني قلت : لفظي
بالقرآن غير مخلوق ؟ وبلغني : أنك وضعت ذلك فى كتابك ، وكتبت
به إلى قوم ، فإن كان فى كتابك فامحه أشد المحو ، واكتب إلى القوم
الذين كتبت إليهم: أني لم أقل هذا، وغضب ، وأقبل عليه، فقال:
تحكى عني مالم أقل لك ؟ فجعل فوران يعتذر له ، وانصرف من عنده
وهو مرعوب ، فعاد أبو طالب ، فذكر أنه حك ذلك من كتابه ،
وأنه كتب إلى القوم يخبرهم ؟ أنه وهم على أبى عبد الله فى الحكاية .
قال الفضل بن زياد : كنت أنا والبستى عند أبى طالب ، قال : فأخرج
إلينا كتابه وقد ضرب على المسألة ، وقال : كان الخطأ من قبلي ، وأنا
أستغفر الله ، وإنما قرأت على أبى عبد الله القرآن ، فقال : هذا غير
مخلوق ، كان الوهم من قبلي يا أبا العباس:
وقال الخلال فى: ((السنة)) حدثنا المروزي ، قال لي أبو عبد الله
قد غيظ قلبى على ابن شداد ، قلت : أي شيء حكى عنك ؟ قال :
حكى غني فى اللفظ ، فبلغ ابن شداد أن أبا عبد الله قد أنكر عليه ،
فجاءنا حمدون بن شداد بالرقعة فيها مسائل ، فأدخلتها على أبي عبد الله،
فنظر فرأى فيها : أن لفظي بالقرآن غير مخلوق - مع مسائل فيها --
فقال أبو عبد الله : فيها كلام ما تكلمت به ، فقام من الدهليز فدخل
٤٢٤

فأخرج المحبرة والقلم، وضرب أبو عبد الله على موضع: لفظي بالقرآن
غير مخلوق ، وكتب أبو عبد الله بخطه بين السطرين : القرآن حيث
تصرف غير مخلوق . وقال : ما سمعت أحداً تكلم فى هذا بشيء ،
وأنكر على من قال : لفظي بالقرآن غير مخلوق .
وقال الخلال فى ((كتاب السنة)): أخبرني زكريا بن الفرج
الوراق ، قال حدثنا أبو محمد فوران ، قال جاءني صالح - وأبو بكر
المروذي عندي - فدعاني إلى أبى عبد الله ، وقال : إنه قد بلغ أبى
أن أبا طالب قد حكى عنه أنه يقول : لفظي بالقرآن غير مخلوق ،
فقمت إليه ، فتبغني صالح ، فدار صالح من بابه ، فدخلنا على أبى
عبد الله، فإذا أبو عبد الله غضبان شديد الغضب، بين الغضب فى
وجهه ! ! فقال لأبى بكر : اذهب فيِّي بأبى طالب ، فجاء أبو طالب
وجعلت أسكن أبا عبد الله قبل مجيء أبى طالب ، وأقول: له حرمة،
فقعد بين يديه - وهو متغير اللون - فقال له أبو عبد الله :
حكيت عني أبى قلت : لفظي بالقرآن غير مخلوق ؟ فقال : إنما حكيت
عن نفسي ، فقال: لا نحك هذا عنك ولاغنى ، فما سمعت عالماً يقول
هذا - أو العلماء شك فوران - وقال له : القرآن كلام الله غير
مخلوق حيث تصرف ، فقلت لأبى طالب - وأبو عبد الله يسمع -
إن كنت حكيت هذا لأحد فاذهب حتى تخبره أن أبا عبد الله نهى عن
٤٢٥

هذا ؟ فرج أبو طالب فأخبر غير واحد - بنهي أبى عبد الله -
منهم أبو بكر بن زنجويه ، والفضل بن زياد القطان ، وحمدان بن علي
الوراق، وأبو عبيد، وأبو عامر ، وكتب أبو طالب بخطه إلى أهل
نصيبين - بعد موت أبى عبد الله - يخبرهم أن أبا عبد الله نهى أن
يقال : لفظي بالقرآن غير مخلوق ، وجاءفى أبو طالب بكتابه وقد ضرب
على المسألة من كتابه ، قال زكريا بن الفرج : فمضيت إلى عبد
الوهاب الوراق ، فأخذ الرقعة فقرأها ، فقال لي : من أخبرك بهذا
عن أحمد ، فقلت له : فوران بن محمد ، فقال : الثقة المأمون على أحمد
قال زكريا : وكان قبل ذلك قد أخبر أبو بكر المروذي عبد الوهاب،
فصار عند عبد الوهاب شاهدان. قال زكريا وسمعت عبد الوهاب ،
قال : من قال : لفظي بالقرآن غير مخلوق يهجر ولا يكلم ويحذر
عنه ، وكان قبل ذلك قال : هو مبتدع.
وروى الخلال عن أبى الحارث قال سمعت رجلا يقول لأبى عبد الله
يا أبا عبد الله ! أليس نقول : القرآن كلام الله ليس بمخلوق بمعنى من
المعانى ، وعلى كل حال وجهة ؟ فقال أبو عبد الله: نعم.
واستيعاب هذا يطول .
وكذلك فى كلام الإمام أحمد وأئمة أصحابه وغيره من إضافة صوت
٤٢٦

العبد بالقرآن إليه ما يطول كما جاء الحديث النبوي بذلك : مثل قول
النبى صلى الله عليه وسلم: ((زينوا القرآن بأصواتكم)) وقوله: (( لله
أشد أذنا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته))
فذكر الخلال في ( كتاب القرآن ) عن إسحاق بن إبراهيم ، قال قال لي
أبو عبد الله يوماً - وكنت سألته عنه -: تدري ما معنى من لم
يتغن بالقرآن ؟ قلت : لا . قال : هو الرجل يرفع صوته ، فهذا معناه
إذا رفع صوته فقد تغنى به ، وعن منصور بن صالح أنه قال لأبيه :
يرفع صوته بالقرآن بالليل؟ قال : نعم ! إن شاء رفعه )) ثم ذكر
حديث أم هانى: «كنت أسمع قراءة النبى صلى الله عليه وسلم، وأنا
على عريش من الليل)) وعن صالح بن أحمد أنه قال لأبيه: (( زينوا
القرآن بأصواتكم)) فقال: ((التزيين)) أن يحسنه . وعن الفضل بن
زياد ، قال سمعت أبا عبد الله يسئل عن القراءة : فقال يحسنه بصوته
من غير تكلف ، وقال أبو بكر الأثرم سألت أبا عبد الله عن
القراءة بالألحان ؟ فقال : كل شيء محدث ؛ فإنه لا يعجبني ، إلا أن
يكون صوت الرجل لا يتكلفه ،، قال القاضي أبو يعلى فيما علقه
بخطه على ((جامع الخلال)): هذا يدل من كلامه على أن صوت القارئ
ليس هو الصوت القديم ؛ لأنه أضافه إلى القاري الذي هو طبعه من
غير أن يتعلم الألحان .
٤٢٧

وأما ما في كلام أحمد والأئمة من إنكارم على من يقول إن هذا
القرآن مخلوق ، وإن القراءة مخلوقة ، وتعظيمهم لقول من يقول : إنه
ليس فى الصدور قرآن ولا في المصاحف قرآن ، وزعم من زعم أن من
قال ذلك فقد قال بقول النصارى والحلولية ، فإنكار أحمد وغيره هذه
المقالات كثير شائع موجود فى كتب كثيرة ، ولم تكن هذه الفتيا محتاجة
إلى تقرير هذا الأصل ، فلم يحتج إلى تفصيل الكلام فيه ؛ بخلاف
الأصل الآخر ، وقد ذكرنا من ذلك ما يسره الله فى غير هذا الموضع
ولو ذكرت ما في كلام أحمد وأئمة أصحابه وغيرم : من الرد على من
يقول : لفظ العبد أو صوته غير مخلوق ، أو يقول : إن الصوت المسموع
من القاري قديم لطال .
وهذا أبو نصر السجزى قد صنف ((الإبانة)) المشهورة ، وهو
من أعظم القائلين : بأن التلاوة هي المتلو ، واللفظ بالقرآن هو القرآن
وهو غير مخلوق ، وأنكر ما سوى ذلك عن أحمد ، ومع هذا فقد
قال : فإن اعترض خصومنا فقالوا : أنتم وإن قلتم : القراءة قرآن
وكلام اللّه فلا تطلقون أن الصوت المسموع من القاري صوت الله؛ بل
تنسبوله إلى القاري ، وإذا لم يمكنكم إطلاق ذلك دل على أنه
غير القرآن ؟ ! ،
قال أبو نصر : فالجواب أن اعتصامنا فى هذا الباب بظاهر الشرع
٤٢٨

وقولنا فى القراءة والصوت غير مختلف، وإذا قرأ القارئ القرآن
لا يقول: إن هذه قراءة اللّه، ولا يجيز ذلك بوجه ؛ بل ينسب
القراءة إلى القارئ توسعاً لوجود التحويل منه ، وإنما يقول إن قراءة
القارئ قرآن ، وقد ثبت ذلك في الشرع باتفاق الكل ؛ فإن الأشعري
مع مخالفته لنا يقول : المسموع من القاري قرآن ، وقد بينا : أن
التمييز بين القراءة والقرآن فى هذا الموضع الذي اختلفنا فيه غير ممكن
وكذلك يقول : إن الصوت المسموع من قارئ القرآن قراءة وقرآن ،
والشرع يوجب ما قلناه لا أعلم خلافا بين المسلمين في ذلك .
فصل
وأما نصوص الإمام أحمد على ((خلق كلام الآدميين)) و (( خلق
أفعال العباد )) فموجودة فى مواضع كثيرة ، كما نص على ذلك سائر
الأئمة . وليس بين أهل السنة فى ذلك اختلاف ؛ ولهذا قال يحيى بن
سعيد القطان شيخ الإمام أحمد : مازلت أسمع أصحابنا يقولون : أفعال
العباد مخلوقة ، وقد سئل الإمام أحمد عن أفاعيل العباد مخلوقة هي ؟
فقال نعم . ونص على كلام الآدميين فى رواية أحمد بن الحسن
الترمذي، كما سيأتي، وفيما خرجه على ((الزنادقة والجهمية)) وهو
٤٢٩

مروي من طريق ابنه عبد الله (وحاده (١) )، وقد ذكره الخلال
أيضاً في ((كتاب السنة)) ونقل منه القاضي أبو يعلى وغيره، وقد حكى
إجماع الخلق على ذلك غير واحد منهم أبو نصر السجزي فى ((الإبانة))
وهو من أشد الناس إنكاراً على من يقول : إن ألفاظ العباد بالقرآن
مخلوقة ، أو يقول : إن المسموع من القارئ ليس هو القرآن.
قال أبو نصر : وأما نسبة الأصوات إلى القراء - فيما ذكرنا في
هذا الباب وفى غيره من كتابنا هذا - ونسبة القراءة إليهم ، وإن
فرح بها الزائغون فلا حجة لهم فيها ؛ وذلك أنا لم تختلف فى إضافة
الصوت إلى الإنسان ، وأنه إذا صاح ، أو تكلم بكلام الناس ، أو
نادى إنساناً فصوته مخلوق . قال: وهذا لا يشتبه : وإنما وقع الاختلاف
فى أن المستمع من قارئ القرآن ماذا يستمع ؟ وساق الكلام ، إلى
آخره. وذكر فى موضع آخر «الإجماع)) أيضا على ذلك .
فصل
وإنما نبهت على أصل مقالة الإمام أحمد وسائر أئمة السنة وأهل
الحديث فى ((مسألة تلاوتنا للقرآن)) لأنها أصل ما وقع من الاضطراب
(١) كذا بالأصل
٤٣٠

والتنازع فى هذا الباب مثل ((مسألة الإيمان)) هل هو مخلوق أو غير
مخلوق؟ و((مسألة نور الإيمان)) و((الهدى)) ونحو ذلك من المسائل
التى يكثر تنازع أهل الحديث والسنة فيها ، ويتمسك كل فريق ببعض
من الحق ، فيصيرون بمنزلة الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ، مختلفين فى
الكتاب ، كل منهم بمنزلة الذي يؤمن ببعض ويكفر ببعض ، وم عامتهم
في جهل وظلم : جهل بحقيقة الإيمان والحق ، وظلم الخلق . ويقع بسبيها
بين الأمة من التكفير والتلاعن ما يفرح به الشيطان ، ويغضب له
الرحمن ، ويدخل به من فعل ذلك فيما نهى الله عنه من التفرق
والاختلاف، ويخرج عما أمر الله به من الاجتماع والائتلاف.
وأصل ذلك القرب والاتصال الحاصل بين ما أنزله الله تعالى من
القرآن والإيمان الذي هو من صفاته ، وبين أفعال العباد وصفاتهم ؛
فلعسر الفرق والتمييز يميل قوم إلى زيادة فى الإثبات ، وآخرون إلى
زيادة فى النفي ؛ ولهذا كان مذهب الإمام أحمد والأئمة الكبار : النهي
عن الإثبات العام ، والتفي العام ؛ بل إما الإمساك عنهما - وهو
الأصلح للعموم وهو جمل الاعتقاد . وأما التفصيل المحقق فهو لذى
العلم من أهل الإيمان ، كما أن الأول لعموم أهل الإيمان .
وهذه المسألة لها أصلان .
٤٣١

(أحدهما) أن ((أفعال العباد مخلوقة))، وقد نص عليها الأئمة
أحمد وغيره ، وسائر أئمة أهل السنة والجماعة المخالفين للقدرية ، واتفقت
الأمة على أن أفعال العباد محدثة .
و (الأصل الثاني) مسألة ((تلاوة القرآن وقراءته واللفظ به))
هل يقال إنه مخلوق أو غير مخلوق؟ والإمام أحمد قد نص على رد المقالتين هو
وسائر أئمة السنة من المستقدمين والمستأخرين ؛ لكن كان رده على
((اللفظية النافية)) أكثر وأشهر وأغلظ لوجهين.
( أحدهما ) أن قولهم يفضي إلى زيادة التعطيل والنفي ، وجانب
النفي - أبداً - شر من جانب الإثبات؛ فإن الرسل جاءوا بالإثبات
المفصل فى صفات الله، و بالنفي المجمل: فوصفوه بالعلم، والرحمة،
والقدرة والحكمة، والكلام ، والعلو ، وغير ذلك من الصفات ، وفى
التفي: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ) (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوَا أَحَدٌ). وأما الخارجون
عن حقيقة الرسالة : من الصابئة ، والفلاسفة ، والمشركين ، وغيرهم ،
ومن تجهم من أتباع الأنبياء، فطريقتهم ((النفي المفصل)) ليس كذا
ليس كذا ، وفي الإثبات أمر مجمل ، ولهذا يقال : المعطل أعمى ،
والمشبه أعشى. فأهل التشبيه مع ضلالهم خير من أهل التعطيل .
( الوجه الثانى ) أن أحمد إنما ابتلى بالجهمية المعطلة فهم خصومه ،
٤٣٢

فكان همه منصرفا إلى رد مقالاتهم ؛ دون أهل الإثبات ؛ فإنه لم يكن
في ذلك الوقت والمكان من هو داع إلى زيادة فى الإثبات ؛ كما ظهر من
كان يدعو إلى زيادة فى النفي. والإنكار يقع بحسب الحاجة، والبخاري
لما ابتلى ((باللفظية المثبتة)) ظهر إنكاره عليهم كما فى تراجم آخر ((كتاب
الصحيح)) وكما فى (( كتاب خلق الأفعال)) مع أنه كذب من نقل عنه أنه
قال : لفظي بالقرآن مخلوق من جميع أهل الأمصار ، وأظنه حلف
على ذلك ، وهو الصادق البار .
فصل
وقد نص أحمد على نفس هذه ((المسألة)) فى غير موضع فروى
أبو القاسم اللالكائي فى ((أصول السنة)) قال: أخبرنا الحسن بن عثمان
قال ، حدثنا عمرو بن جعفر قال: حدثنا أحمد بن الحسن الترمذي
قال : قلت لأحمد بن حنبل : إن الناس قد وقعوا فى القرآن فكيف
أقول ؟ فقال أليس أنت مخلوقا ؟ قلت : نعم ! قال : فكلامك منك
مخلوق ؟ قلت : نعم ! قال: أفليس القرآن من كلام اللّه؟ قلت:
نعم ! قال : وكلام اللّه من الله؟ قلت : نعم! قال : فيكون من الله
شيء مخلوق ؟ !.
٤٣٣

بين أحمد للسائل : أن الكلام من المتكلم وقائم به ؛ لا يجوز
أن يكون الكلام غير متصل بالمتكلم ، ولا قائم به ؛ بدليل أن كلامك
أيها المخلوق منك ؛ لا من غيرك ، فإذا كنت أنت مخلوقا وجب أن
يكون كلامك أيضاً مخلوقا ، وإذا كان اللّه تعالى غير مخلوق امتنع أن
يكون ماهو منه وبه مخلوقا .
وقصده بذلك الرد على (( الجهمية)» الذين يزعمون أن كلام الله
ليس من اللّه ولا متصل به. فبين أن هذا الكلام ليس هو معنى كون
المتكلم متكلما، ولا هو حقيقة ذلك ، ولا هو مراد الرسل والمؤمنين ،
من الإخبار عن أن الله قال ، ويقول ، وتكلم بالقرآن ، ونادى ،
وناجى ، ودعا ، ونحو ذلك مما أخبرت به عن اللّه رسله ، واتفق عليه
المؤمنون به من جميع الأمم ؛ ولهذا قال تعالى: (وَلَكِنْحَقَّ الْقَوْلُ مِى )،
(تَنزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ الَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ )، وقال تعالى:
(وَإِنَّكَ لَتْلَقَى الْقُرْءَانَ مِن لَُّنْ حَكِيمٍ عَلِيٍ )، وقال تعالى: (الَرَكِتَبُ
ج
وقال :
أُحْكِمَتْ ءَايَتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن ◌َُّنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) .
وليس القرآن عينا من الأعيان القائمة بنفسها حتى يقال : هذا
وإنما
(وَسَخَّرَلَكُ مَّا فِالسَّمَوَتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ◌َمِيعًامِنْهُ )
مثل قوله :
هو صفة كالعلم ، والقدرة ، والرحمة ، والغضب ، والإرادة ، والنظر ،
والسمع ونحو ذلك ؛ وذلك لا يقوم إلا بموصوف ، وكل معنى له اسم
٤٣٤

وهو قائم بمحل وجب أن يشتق لمحله منه اسم ، وأن لا يشتق لغير محله منه اسم.
فكما أن الحياة، والعلم، والقدرة إذا قام بموصوف وجب أن يشتق
له منه اسم الحي ، والعالم ، والقادر؛ ولا يشتق الحي ، والعالم ، والقادر
لغير من قام به العلم ، والقدرة ، فكذلك القول ، والكلام ، والحب ،
والبغض ، والرضا ، والرحمة ، والغضب ، والإرادة ، والمشيئة إذا قام
بمحل وجب أن يشتق لذلك الموصوف منه الاسم والفعل ، فيقال : هو
الصادق ، والشهيد، والحكيم، والودود ، والرحيم، والآمر، ولا يشتق
لغيره منه اسم .
فلو لم يكن الله سبحانه وتعالى هو القائل بنفسه: (أَنَا الَهُلَآ إِلَهَ
إِلَّأَنَأ ) بل أحدث ذلك في غيره لم يكن هو الآمر بهذه الأمور ،
ولا المخبر بهذا الخبر ، ولكان ذلك المحل هو الآمر بهذا الأمر ، المخبر
بهذا الخبر ، وذلك المحل: إما الهواء، وإما غيره فيكون ذلك المحل
المخلوق هو القائل لموسى: (إِنَِّى أَنَا ◌َللّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَاْ فَاعْبُدْنِى ) ولهذا
كان السلف يقولون فى هذه الآية وأمثالها : من قال : إنه مخلوق فقد
كفر. ويستعظمون القول بخلق هذه الآية وأمثالها أكثر من غيرها
يعظم عليهم أن تقوم دعوى الإلهية والربوبية لغير الله تعالى.
ولهذا كان مذهب جماهير ((أهل السنة والمعرفة)) - وهو المشهور
عند أصحاب الإمام أحمد ، وأبي حنيفة، وغيرم: من المالكية . والشافعية،
٤٣٥

والصوفية، وأهل الحديث، وطوائف من أهل الكلام: من الكرامية وغيرهم
- أن كون الله سبحانه وتعالى خالقا، ورازقا، ومحيا، وميتاً، وباعثاً، ووارثا،
وغير ذلك من صفات فعله، وهو من صفات ذاته؛ ليس من يخلق كمن لا يخلق.
ومذهب الجمهور أن الخلق غير المخلوق ، فالخلق فعل الله القائم به
والمخلوق هو المخلوقات المنفصلة عنه .
وذهب طوائف من ((أهل الكلام)) من المعتزلة والأشعرية ومن
وافقهم : من الفقهاء الحنبلية ، والشافعية، والمالكية، وغيرم إلى أنه ليس
الله صفة ذانية من أفعاله ، وإنما الخلق هو المخلوق، أو مجرد نسبة وإضافة
وهذا اختيار ابن عقيل ، وأول قولي القاضي أبي يعلى ، وهؤلاء عندم
حال الذات التى تخلق وترزق أو لا تخلق ولا ترزق سواء.
وبهذا نقضت المعتزلة على من ناظرها من الصفاتية الأشعرية ونحوم؛
لما استدلت الصفاتية بما تقدم من ((القاعدة الشريفة)) فقالوا : ينتقض
عليكم بالخالق ، والرازق وغير ذلك من أسماء الأفعال؛ فإن الخلق
والرزق قائم بغيره، وقد اشتق له منه اسم الخالق والرازق ، ولم يقم به
صفة فعل أصلا ، فكذلك الصادق، والحكيم ، والمتكلم ، والرحيم، والودود
وهذا النقض لا يلزم جماهير الأمة وعامة أهل السنة والجماعة : فإن
الباب عندهم واحد ، وليس هذا قولا بقدم مخلوقاته أو مفعولاته ، سواء
قيل : إن نفس فعله القائم به قديم فقط، كما يقوله كثير من هؤلاء
٤٣٦

- الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنبلية ، وأهل الحديث ، والكلام ،
والصوفية - أو يقولون له عند إحداث المخلوقات أحوال ونسب كما يقوله كثير
من هؤلاء: الفقهاء ، وأهل الحديث ، والصوفية ، وأهل الكلام من
الطوائف كلها .
وذلك لأن القول فى ذلك كالقول في مشيئته وإرادته ، فإنه وإن
كان مذهب أهل السنة وسائر الصفاتية أنها قديمة ، فليست مراداته
قديمة ، وكذلك صفة الخلق والتكوين ؛ وذلك لأن الشرع والعقل
يدل على أن حال الخالق ، والرازق ، الفاطر ، المحي ، المميت ،
الهادي ، النصير ليس حاله فى نفسه كماله لو لم يبدع هذه الأمور ؛
ولهذا قال سبحانه وتعالى: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَن ◌َّا يَخْلُقُ ). فالفرق بين
الخالق وغير الخالق كالفرق بين القادر وغير القادر .
والمخالف يقول إنما هو موصوف بالقدرة التى تتناول ما يخلقه
وما لا يخلقه ، سواء فى نفسه كان خالقا أو لم يكن خالقا ، ليس له من
كونه خالقاً ((صفة ثبوتية)) لا صفة كمال، ولا صفة وجود مطلق ، كما
له بكونه قادرا . ونصوص الكتاب والسنة توجب أن تكون أسماء أفعاله
من أسمائه الحسنى التى تقتضي أن يكون بها محموداً مثنى عليه محجدا ؛
وذلك يقتضي أنها من صفات الكمال ،
وليس الغرض هنا ذكر هذه ((المسألة)) وإنما هي طرد حجة
٤٣٧

الإمام أحمد وغيره من أئمة السلف الثقات، وسائر الصفاتية ؛ ولهذا قال
الإمام أحمد فى رواية حنبل فى ((كتاب المحنة)): لم يزل اللّه عالما متكلما
غفوراً. فبين اقصافه بالعلم - وهو صفة ذاتية محضة - و((بالمغفرة))
وهي من ((الصفات الفعلية)) والكلام الذي يشبه هذا وهذا، وذكر
أنه لم يزل متصفا بهذه الصفات والأسماء، وقال الإمام أحمد فيما خرجه
فى ((الرد على الزنادقة والجهمية)) لما ذكر قول جهم: إنه يتكلم ؛
ولكن كلامه مخلوق. قال أحمد قلنا له: وكذلك بنو آدم كلامهم مخلوق
ففي مذهبكم كان الله فى وقت من الأوقات لا يتكلم حتى خلق
الكلام ، وكذلك بنو آدم لا يتكلمون حتى خلق لهم كلاما، فقد جمعتم
بين كفر وتشبيه، وكذلك ذكروا فى ((المحنة)) فيما استدل به الإمام
أحمد فى المناظرة واستدل بقوله: (وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِى ) قال : فإن
يكن القول من غير الله فهو مخلوق .
فصل
وأما قول القائل : إن أحمد إنما قال ذلك خوفا من الناس ،
فبطلان هذا يعلمه كل عاقل بلغه شىء من أخبار أحمد ، وقائل هذا إلى
العقوبة البليغة التى يفتري بها على الأمة أحوج منه إلى جوابه ؛ فإن
٤٣٨

الإمام أحمد صار مثلا سائرا يضرب به المثل فى المحنة والصبر على الحق
وأنه لم تكن تأخذه فى الله لومة لائم، حتى صار اسم الإمام مقروناً باسمه
فى لسان كل أحد ، فيقال : قال الإمام أحمد . هذا مذهب الإمام أحمد.
لقوله تعالى: (وَحَعَلْنَامِنْهُمْأَبِمَّةً بَهْدُونَ بِأَمِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْبِعَايَتِنَا
يُوقِنُونَ ) ؛ فإنه أعطى من الصبر واليقين ما يستحق به الإمامة
فى الدين .
وقد تداوله (( ثلاثة خلفاء)) مسلطون من شرق الأرض إلى
غربها ، ومعهم من العلماء المتكلمين ، والقضاة ، والوزراء ، والسعاة
والأمراء، والولاة من لا يحصيهم إلا الله. فبعضهم بالحبس، وبعضهم
بالتهديد الشديد بالقتل وبغيره ، وبالترغيب في الرياسة والمال ما شاء الله،
وبالضرب ، وبعضهم بالتشريد والنفي ، وقد خذله في ذلك عامة أهل
الأرض - حتى أصحابه العلماء ، والصالحون والأبرار ، وهو مع ذلك
لم يعطهم كلمة واحدة مما طلبوه منه ، وما رجع عما جاء به الكتاب
والسنة ، ولا كتم العلم ، ولا استعمل النقية ؛ بل قد أظهر من سنة
رسول الله صلى الله عليه وسلم وآثاره، ودفع من البدع المخالفة لذلك
ما لم يتأت مثله لعالم : من نظراته ، وإخوانه المتقدمين والمتأخرين ؛
ولهذا قال بعض شيوخ الشام : لم يظهر أحد ما جاء به الرسول صلى
الله عليه وسلم كما أظهره أحمد بن حنبل، فكيف يظن به أنه كان يخاف
فى هذه الكلمة التى لا قدر لها ؟ !
٤٣٩

و((أيضاً)) فمن أصوله أنه لا يقول فى الدين قولا مبتدعا، وقد
جعلوا يطالبونه بما ابتدعوه، فيقول لهم: كيف أقول ما لم يقل؟!
فكيف بكتم كمة ما قالها أحد قبله من خلق الله .
و(( أيضاً)) فإن أحمد بن الحسن الترمذي من خواص أصحابه
وأعيانهم فما الموجب لأن يستعمل النقية معه .
و «أيضاً)، فلم يكن به حاجة إلى أن يقول: كلام الآدمي مخلوق،
وإنما هو ذكر ذلك مستدلا به ضارباً به المثل ، فكيف يبتدئ بكلام
هو عنده باطل لم يسأله عنه أحد ؟ !
و ((أيضاً)) فقد كان يسعه أن يسكت عن هذا ؛ فإن الإنسان
إذا خاف من إظهار قول كتمه . أما إظهاره لقول لم يطلب منه ، وهو
باطل عنده ، فهذا لا يفعله أقل الناس عقلا وعلما وديناً .
فمن بسب ((الإمام أحمد)) الذي موقفه من الإسلام وأهله فوق
ما يصفه الواصف ؛ ويعرفه العارف ، فقد استوجب من غليظ العقوبة
ما يكون نكالا لكل مفتر كاذب راجم بالظن قاذف ، قائل على الله
ورسوله والمؤمنين وأئمتهم ما لا يقوله العدو المنافق .
و ((أبضاً)) فقد ذكر ذلك فيما صنفه من («الرد على الزنادقة
٤٤٠