Indexed OCR Text

Pages 241-260

بل هو قسم آخر ؛ ومن لم يعط كل مرتبة مما يستعمل فيها أداة الظرف
حقها فيفرق بين وجود الجسم في الحيز وفي المكان ، ووجود العرض
بالجسم ، ووجود الصورة بالمرآة ، ويفرق بين رؤية الشيء بالعين
يقظة ، وبين رؤيته بالقلب يقظة ومناما ، ونحو ذلك ، وإلا اضطربت
عليه الأمور .
وكذلك سؤال السائل عما فى المصحف هل هو حادث أو قديم؟
سؤال مجمل ؛ فإن لفظ القديم أولا ليس مأثوراً عن السلف ، وإنما
الذي اتفقوا عليه أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وهو كلام الله
حيث تلي، وحيث كتب ، وهو قرآن واحد ، وكلام واحد وإن
تنوعت الصور التى يتلى فيها ويكتب من أصوات العباد ومداده .
فإن الكلام كلام من قاله مبتدئاً ، لا كلام من بلغه مؤديا ، فإذا سمعنا
محدثاً يحدث بقول النبى صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات))
قلنا : هذا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لفظه ومعناه ، مع
علمنا أن الصوت صوت المبلغ ، لا صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم
وهكذا كل من بلغ كلام غيره من نظم ونثر .
ونحن إذا قلنا: هذا كلام الله لما نسمعه من القارئ، ونرى في
المصحف ، فالإشارة إلى الكلام من حيث هو هو ، مع قطع النظر
عما اقترن به البلاغ من صوت المبلغ ، ومداد الكاتب .
٢٤١

فمن قال : صوت القارئ ومداد الكاتب كلام الله الذي ليس
بمخلوق فقد أخطأ ، وهذا الفرق الذي بينه الإمام أحمد لمن سأله ،
وقد قرأ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ) فقال: هذا كلام الله غير مخلوق،
فقال : نعم . فنقل السائل عنه أنه قال : لفظى بالقرآن غير مخلوق ،
فدعا به وزبره زبراً شديداً ، وطلب عقوبته وتعزيره ، وقال : أنا
قلت لك لفظي بالقرآن غير مخلوق ؟! فقال : لا ، ولكن قلت لي لما
قرأت (قُلْ هُوَ اللَّهُأَحَدُّ): هذا كلام الله غير مخلوق. قال: فلم
تنقل عني مالم أقله ؟ ! .
فبين الإمام أحمد أن القائل إذا قال لما سمعه من المبلغين المؤدين :
هذا كلام الله. فالإشارة إلى حقيقته التى تكلم الله بها، وإن كنا إنما
سمعناها بلاغ المبلغ وحركته وصوته ؛ فإذا أشار إلى شيء من صفات
المخلوق لفظه أو صوته أو فعله ، وقال : هذا غير مخلوق فقد ضل
وأخطأ . فالواجب أن يقال : القرآن كلام الله غير مخلوق . فالقرآن فى
المصاحف ، كما أن سائر الكلام فى الصحف ، ولا يقال : إن شيئاً
من المداد والورق غير مخلوق ؛ بل كل ورق ومداد فى العالم فهو مخلوق ،
ويقال أيضاً : القرآن الذي في المصحف كلام الله غير مخلوق، والقرآن الذي
يقرؤه المسلمون كلام الله غير مخلوق .
ويتبين هذا الجواب بالكلام على ((المسألة الثانية)) وهي قوله :
٢٤٢

إن كلام اللّه هل هو حرف وصوت أم لا ؟ فإن إطلاق الجواب فى
هذه المسألة نفياً وإثباتاً خطأ ، وهي من البدع المولدة ، الحادثة بعد
المائة الثالثة ، لما قال قوم من متكلمة الصفاتية : إن كلام اللّه الذي
أنزل على أنبيائه - كالتوراة، والإنجيل، والقرآن ، والذي لم ينزله ،
والكلمات التى كون بها الكائنات ، والكلمات المشتملة على أمره ونهيه
وخبره ، ليست إلا مجرد معنى واحد ، هو صفة واحدة قامت بالله،
إن عبر عنها بالعبرانية كانت التوراة ، وإن عبر عنها بالعربية كانت
القرآن ، وإن الأمر والنهي والخبر صفات لها ، لا أقسام لها، وإن
حروف القرآن مخلوقة ، خلقها الله ولم يتكلم بها ، وليست من كلامه ؛
إذ كلامه لا يكون بحرف وصوت .
عارضهم آخرون من المثبتة فقالوا : بل القرآن هو الحروف
والأصوات ، وتوم قوم أنهم يعنون بالحروف المداد ، وبالأصوات أصوات
العباد ، وهذا لم يقله عالم .
والصواب الذي عليه سلف الأمة - كالإمام أحمد والبخاري صاحب
الصحيح، فى ((كتاب خلق أفعال العباد)) وغيره ، وسائر الآثمة قبلهم
وبعدم - أتباع النصوص الثابتة، وإجماع (١) سلف الأمة، وهو
(١) نسخة واتباع بدل وإجماع .
٢٤٣

أن القرآن جميعه كلام الله، حروفه ومعانيه، ليس شيء من ذلك كلاما
لغيره ؛ ولكن أنزله على رسوله ، وليس القرآن اسماً لمجرد المعنى ، ولا
لمجرد الحرف ؛ بل لمجموعها ، وكذلك سائر الكلام ليس هو الحروف
فقط ؛ ولا المعاني فقط . كما أن الإنسان المتكلم الناطق ليس هو مجرد
الروح، ولا مجرد الجسد : بل مجموعها . وأن الله تعالى يتكلم بصوت،
كما جاءت به الأحاديث الصحاح ، وليس ذلك كأصوات العباد ، لا صوت
القارئ ولا غيره . وأن الله ليس كمثله شيء، لافى ذاته، ولا في
صفاته، ولا فى أفعاله . فكما لا يشبه علمه وقدرته وحياته علم المخلوق
وقدرته وحياته : فكذلك لا يشبه كلامه كلام المخلوق ، ولا معانيه
تشبه معانيه ، ولا حروفه تشبه حروفه ، ولا صوت الرب بشبه صوت
العبد، فمن شبه الله بخلقه فقد ألحد في أسمائه وآياته، ومن جحد ما
وصف به نفسه فقد ألحد فى أسمائه وآياته .
وقد كتبت فى الجواب المبسوط المستوفى : مراتب مذاهب أهل
الأرض فى ذلك ، وأن المتفلسفة تزعم أن كلام الله ليس له وجود إلا
في نفوس الأنبياء، تفيض عليهم المعاني من العقل الفعال ، فيصير في
نفوسهم حروفاً، كما أن ملائكة الله عندم ما يحدث في نفوس الأنبياء
من الصور النورانية ، وهذا من جنس قول فيلسوف قريش الوليد
تفحقيقة قولهم إن القرآن تصنيف
ابن المغيرة : ( إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ )
٢٤٤

الرسول الكريم ؛ لكنه كلام شريف صادر عن نفس صافية .
وهؤلاء م الصابئة ؛ فتقربت منهم الجهمية . فقالوا : إن الله لم
يتكلم ولا يتكلم ، ولا قام به كلام ، وإنما كلامه ما يخلقه في الهواء أو
غيره، فأخذ ببعض ذلك قوم من متكلمة الصفاتية . فقالوا : بل نصفه
وهو المعنى كلام الله ، ونصفه وهو الحروف ليس هو كلام الله ، بل
هو خلق من خلقه .
وقد تنازع الصفاتية القائلون بأن القرآن غير مخلوق . هل يقال :
إنه قديم لم يزل ولا يتعلق بمشيئته ؟ أم يقال : يتكلم إذا شاء ويسكت
إذا شاء ؟ . على قولين مشهورين في ذلك ، وفي السمع والبصر ونحوهما،
ذكرهما الحارث المحاسبى عن أهل السنة، وذكرها أبو بكر عبد العزيز
عن أهل السنة ، من أصحاب الإمام أحمد وغيرم .
وكذلك النزاع بين أهل الحديث والصوفية ، وفرق الفقهاء : من
المالكية، والشافعية والحنفية، والحنبلية ؛ بل وبين فرق المتكلمين والفلاسفة،
في جنس هذا الباب . وليس هذا موضعاً لبسط ذلك . ( هذا لفظ
الجواب في الفتيا المصرية ) .
-
٢٤٥

وقال الإمام العلامة المحقق أبو العباس
أحمد بن تیمیة - رحمه الله تعالی ورفی عنه-
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
أما بعد فهذا ((فصل فى نزول القرآن)) ولفظ ((النزول)) حيث
ذكر فى كتاب الله تعالى، فإن كثيراً من الناس فسروا النزول في
مواضع من القرآن ، بغير ما هو معناه المعروف لاشتباء المعنى في تلك
المواضع ، وصار ذلك حجة لمن فسر نزول القرآن بتفسير أهل البدع .
فمن الجهمية من يقول: أنزل بمعنى خلق كقوله تعالى: (وَأَنَزَلْنَا
الْحَدِيدَ فِيهِ بَأَسٌ شَدِيدٌ ) أو يقول: خلقه فى مكان عال ثم أنزله من
ذلك المكان .
(١) تسمى : التبيان في نزول القرآن .
٢٤٦

ومن الكلابية من يقول نزوله بمعنى الإعلام به وإفهامه للملك ،
أو نزول الملك بما فهمه .
وهذا الذي قالوه باطل فى اللغة والشرع والعقل .
و((المقصود هنا)) ذكر النزول .
فنقول وبالله التوفيق: النزول فى كتاب الله عز وجل ((ثلاثة
أنواع )): نزول مقيد بأنه منه، ونزول مقيد بأنه من السماء، ونزول
غير مقيد لا بهذا ولا بهذا .
فالأول لم يرد إلا فى القرآن، كما قال تعالى: (وَاُلَّذِينَ ءَاتَّيْنَهُمُ
(نَزَّلَهُ رُوحُ
وقال تعالى
اُلْكِتَبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ)
اُلْقُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالْحَقّ) وقال تعالى: (تَِيلُ الْكِتَبِ مِنَ الَِّالْعَزِيزِ الْحَكِيمِ )
وفيها قولان :
(«أحدهما)) لا حذف في الكلام، بل قوله: (تَنِيلُ الْكِتَبِ )
مبتدأ، وخبره ( مِنَّاللَّهِالْعَزِيزِ الْحَكِيمِ)
و ((الثانى)) أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هذا (تَزِيلُ الْكِتَبِ )
وعلى كلا القولين فقد ثبت أنه منزل منه ، وكذلك قوله : ( حمّ
٢٤٧

(حمّ * تَنزِيلٌ مِّنَ
وكذلك
* تَزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِالْعَزِيزِالْحَكِيمِ )
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (حَمَ * تَنزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِالْعَزِيزِ الْعَلِيمِ )
والتنزيل بمعنى المنزل ، تسمية للمفعول باسم المصدر ، وهو كثير ؛ ولهذا
قال السلف: القرآن كلام الله ليس بمخلوق ، منه بدأ . قال أحمد
وغيره : وإليه يعود ، أي: هو المتكلم به . وقال كلام الله من الله
ليس بيأن منه ، أي لم يخلقه فى غيره فيكون مبتدأ منزلا من ذلك
المخلوق ؛ بل هو منزل من الله ، كما أخبر به ومن الله بدأ لا من مخلوق،
فهو الذي تكلم به لخلقه .
وأما النزول ((المقيد)) بالسماء فقوله: (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ)
والسماء اسم جنس لكل ماعلا ، فإذا قيد بشيء معين [ تقيد به ] فقوله فى
غير موضع من السماء مطلق أي في العلو ؛ ثم قد بينه فى موضع
آخر بقوله (َنْتُمْأَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ) وقوله (فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ
مِنْ ◌ِلَالِهِ ) أي أنه منزل من السحاب، ومما يشبه نزول القرآن
قوله: (يُنَزِّلُّ الْمَلَبِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ)
فنزول الملائكة هو نزولهم بالوحي من أمره ، الذي هو كلامه وكذلك
قوله: (نَزَّلُ الْمَلَبِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا ) يناسب قوله: (فِيَهَا يُفْرَقُ كُلُّ
فهذا شبيه بقوله : ( قُلْ
أَمْرِحَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِندِنَآ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ)
نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ )
٢٤٨

وأما (( المطلق)) ففي مواضع . منها : ماذكره من إنزال السكينة؛
بقوله: (فَأَنزَلَ اَللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ) وقوله: (هُوَ
الَّذِىّ أَنْزَلَ السَّكِينَ فِ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ ) إلى غير ذلك .
ومن ذلك ((إنزال الميزان)) ذكره مع الكتاب في موضعين ،
وجمهور المفسرين على أن المراد به العدل ، وعن مجاهد - رحمه الله -
هو ما يوزن به ، ولا منافاة بين القولين . وكذلك العدل ، وما يعرف
به العدل ، منزل في القلوب ، والملائكة قد تنزل على قلوب المؤمنين ؛
كقوله: (إِذْيُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَبِكَةِ أَنِى مَعَكُمْ فَشَبِتُواْالَّذِينَ ءَامَنُواْ)
فذلك الثبات نزل في القلوب بواسطة الملائكة ، وهو السكينة . قال
النبى صلى الله عليه وسلم: (( من طلب القضاء واستعان عليه وكل إليه
ومن لم يطلب القضاء ولم يستعن عليه أنزل الله عليه ملكا يسدده ) فالله
ينزل عليه ملكا ، وذلك الملك يلهمه السداد ، وهو ينزل فى قلبه .
ومنه حديث حذيفة رضي الله عنه، الذي في الصحيحين عن النبى صلى
اللّه عليه وسلم قال: ((إن الله أنزل الأمانة في جذر قلوب الرجال
فعلموا من القرآن وعلموا من السنة )) والأمانة هي الإيمان أنزلها في
أصل قلوب الرجال ، وهو كلزال الميزان والسكينة ، وفي الصحيح عن
النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما اجتمع قوم فى بيت من
بيوت الله يتلون كتاب الله)) الحديث إلى آخره، فذكر أربعة غشيان
٢٤٩

الرحمة ، وهى أن تغشام كما يغشى اللباس لابسه ، وكما يغشى الرجل
المرأة، والليل النهار. ثم قال: ((ونزلت عليهم السكينة)) وهو إنزالها
فى قلوبهم ((وحفتهم الملائكة)) أي جلست حولهم ((وذكرهم الله فيمن
عنده)) من الملائكة .
وذكر الله الغشيان فى مواضع مثل قوله تعالى: (يُغْشِىِ اُلَّيِّلَ
النَّهَارَ ) وقوله: ( فَلَمَّا تَغَشَّهَا حَمَلَتْ حَمْلَا خَفِيفًا) وقوله: (وَالْمُؤْنَفِكَةَ
أَهْوَى * فَفَشَّنَهَا مَا غَشَى ) وقوله: (أَلَاحِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ
وَمَا يُعْلِنُونَ ) هذا كله فيه إحاطة من كل وجه .
وذكر تعالى إنزال النعاس في قوله: (ثُمَّأَنَزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً
هذا يوم أحد . وقال فى يوم بدر :
تُفَاسًا يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنَكُمْ )
( إِذْيُغَشِيَكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ ) والنعاس ينزل في الرأس بسبب نزول
الأبخرة ، التى تدخل في الدماغ ، فتنعقد فيحصل منها النعاس .
وطائفة من أهل الكلام - منهم أبو الحسن الأشعري ومن اتبعه
من أصحاب مالك والشافعي وأحمد - جعلوا النزول والإتيان والمجيء
حدثاً يحدثه منفصلا عنه ، فذاك هو إتيانه واستواؤه على العرش ،
فقالوا استواؤه فعل يفعله في العرش بصير به مستويا عليه من غير فعل
٢٥٠

يقوم بالرب ، لكن أكثر الناس خالفوم . وقالوا : المعروف أنه لا يجيء
شيء من الصفات والأعراض إلا بمجىء شيء ، فإذا قالوا: جاء البرد أو
جاء الحر فقد جاء الهواء الذي يحمل الحر والبرد ، وهو عين قائمة
بنفسها . وإذا قالوا: جاءت الحمى فالحمى حر أو برد تقوم بعين قائمة
بسبب أخلاط تتحرك وتتحول من حال إلى حال ، فيحدث الحر والبرد
بذلك ، وهذا بخلاف العرض الذي يحدث بلا تحول من حامل ، مثل
لون الفاكهة ، فإنه لا يقال في هذا : جاءت الحمرة والصفرة والخضرة،
بل يقال: أحمر وأصفر وأخضر . وإذا كان كذلك فإنزاله تعالى العدل
والسكينة ، والنعاس والأمانة - وهذه صفات تقوم بالعباد - إنما
تكون إذا أفضى بها إليهم ، فالأعيان القائمة توصف بالنزول ، كما توصف
الملائكة بالنزول بالوحى والقرآن ، فإذا نزل بها الملائكة قيل
إنها نزلت.
وكذلك لو نزل غير الملائكة، كالهواء الذي نزل بالأسباب، فيحدث الله منه
البخار الذي يكون منه النعاس، فكان قد أزل النعاس سبحانه بغزال ما يحمله.
وقد ذكر سبحانه إنزال الحديد ، والحديد بخلق فى المعادن .
وما يذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن آدم عليه السلام
٢٥١

نزل من الجنة ومعه خمسة أشياء من حديد ، السندان والكلبتان والمنقعة ،
والمطرقة ، والإبرة ، فهو كذب لايثبت مثله .
وكذلك الحديث الذي رواه الثعلى عن ابن عمر رضي الله عنهما عن
النبى صلى الله عليه وسلم (( أن الله أنزل أربع بركات من السماء
إلى الأرض فأزل الحديد والماء والنار والملح)» حديث موضوع مكذوب،
فى إسناده سيف بن محمد بن أخت سفيان الثوري رحمه اللّه وهو من
الكذابين المعروفين بالكذب .
قال ابن الجوزي: هو سيف بن محمد ابن أخت سفيان الثوري
يروي عن الثوري وعاصم الأحول والأعمش، قال أحمد رحمه الله: هو كذاب
يضع الحديث وقال مرة : ليس بشيء وقال يحيى: كان كذابا خييثاً وقال
مرة ليس بثقة وقال أبو داود كذاب وقال زكريا الساجي يضع الحديث
وقال النسائي : ليس بثقة ولا مأمون وقال الدار قطني ضعيف متروك .
والناس يشهدون أن هذه الآلات تصنع من حديد المعادن . فإن قيل :
إن آدم عليه السلام نزل معه جميع الآلات فهذه مكابرة للعيان . وإن
قيل بل نزل معه آلة واحدة وتلك لا تعرف فأي فائدة في هذا لسائر
الناس ؟! ثم ما يصنع بهذه الآلات إذا لم يكن ثم حديد موجود يطرق
بهذه الآلات وإذا خلق الله الحديد صنعت منه هذه الآلات مع أن
٢٥٢

المأثور: ((إن أول من خط وخاط إدريس عليه السلام )» وآدم عليه
السلام لم يخط ثوبا فما يصنع بالإبرة .
ثم أخبر أنه أزل الحديد، فكان المقصود الأكبر بذكر الحديد
هو اتخاذ آلات الجهاد منه كالسيف والسنان والنصل وما أشبه ذلك
الذي به ينصر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وهذه لم تنزل من
السماء . فإن قيل نزلت الآلة التى يطبع بها ، قيل فالله أخبر أنه أنزل
الحديد لهذه المعانى المتقدمة والآلة وحدها لا تكفي، بل لابد من مادة
يصنع بها آلات الجهاد ؛ لكن لفظ النزول أشكل على كثير من الناس
حتى قال قطرب رحمه الله: معناه جعله نزلا، كما يقال أنزل الأمر على
فلان نزلا حسنا أي جعله نزلا . قال ومثله قوله تعالى: ( وَأَنْزَلَ لَكُم
مِّنَ الْأَنْعَمِ ثَمَنِيَةَ أَزْوَجِ ) وهذا ضعيف ؛ فإن النزل إنما يطلق على ما
يؤكل لا على ما يقاتل به قال الله تعالى (فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ ) والضيافة
سميت نزلا لأن العادة أن الضيف يكون راكباً فينزل فى مكان يؤتى
إليه بضيافته فيه فسميت نزلا لأجل نزوله ونزل ببني فلان ضيف ؛
( رَّتِّ أَنْزِلْفِى مُنْزَ لَّ مُّبَكَاوَأَنْتَ خَّرُ
ولهذا قال نوح عليه السلام :
الْمُنْزِلِينَ ) لأنه كان راكباً فى السفينة، وسميت المواضع التى ينزل
بها المسافرون منازل لأنهم يكونون ركبانا فينزلون والمشاة تبع للركبان
وتسمى المساكن منازل .
٢٥٣

وجعل بعضهم نزول الحديد بمعنى الخلق لأنه أخرجه من المعادن
وعلمهم صنعته ، فإن الحديد إنما يخلق فى المعادن ، والمعادن إنما تكون فى
الجبال، فالحديد ينزله الله من معادنه التى فى الجبال لينتفع به بنو آدم
وقال تعالى: (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَمِ ثَمَنِيَّةَ أَزْوَجٍ ) .
وهذا مما أشكل أيضا. فمنهم من قال : جعل ، ومنهم من قال:
خلق لكونها تخلق من الماء فإن به يكون النبات الذي ينزل أصله من
السماء وهو الماء ، وقال قطرب: جعلناه نزلا . ولا حاجة إلى إخراج
اللفظ عن معناه المعروف لغة ؛ فإن الأنعام تنزل من بطون أمهاتها ومن
أصلاب آبائها تأتى بطون أمهاتها ، ويقال للرجل: قد أنزل الماء ،
وإذا أنزل وجب عليه الغسل ، مع أن الرجل غالب إزاله وهو على
جنب إما وقت الجماع، وإما بالاحتلام، فكيف بالأنعام التى غالب إزالها
مع قيامها على رجليها وارتفاعها على ظهور الإناث ؟!
ومما يبين هذا أنه لم يستعمل النزول فيما خلق من السفليات ، فلم
يقل أنزل النبات ولا أنزل المرعى وإنما استعمل فيما يخلق فى محل عال
وأنزله الله من ذلك المحل كالحديد والأنعام .
(يَبَنِىّءَادَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْلِبَاسًا يُؤْرِى سَوْءَ اتَّكُمْ
وقال تعالى :
وَرِيشًا ) الآية وفيها قراءتان إحداهما بالنصب فيكون لباس التقوى أيضاً
٢٥٤

منزلاً . وإما على قراءة الرفع فلا، وكلاهما حق . وقد قيل فيه خلقناه
وقيل أنزلنا أسبابه وقيل ألهمنام كيفية صنعته ، وهذه الأقوال ضعيفة ؛
فإن النبات الذي ذكروا لم يجئ فيه لفظ أنزلنا، ولم يستعمل فى كل
ما يصنع أنزلنا فلم يقل: أنزلنا الدور وأنزلنا الطبخ ونحو ذلك ، وهو
لم يقل إنا أنزلنا كل لباس ورياش ، وقد قيل : إن الريش
والرياش المراد به اللباس الفاخر كلاهما بمعنى واحد مثل اللبس
واللباس ، وقد قيل : هما المال والخصب والمعاش ، وارتاش فلان
حسنت حالته .
والصحيح أن (( الريش)) هو الأثاث والمتاع، قال أبو عمر
والعرب تقول : أعطانى فلان ريشه أي كسوته وجهازه . وقال غيره :
الرياش في كلام العرب الأثاث وما ظهر من المتاع والثياب والفرش
ونحوها وبعض المفسرين أطلق عليه لفظ المال ، والمراد به مال مخصوص،
قال ابن زيد : جمالا ؛ وهذا لأنه مأخوذ من ريش الطائر وهو مايروش
به ويدفع عنه الحر والبرد وجمال الطائر ريشه ، وكذلك مايبيت فيه
الإنسان من الفرش وما يبسطه تحته ونحو ذلك ، والقرآن مقصوده جنس
اللباس الذي يلبس على البدن وفى البيوت كما قال تعالى ( وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ
مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا) الآية، فامتن سبحانه عليهم بما ينتفعون به من الأنعام
فى اللباس والأثاث، وهذا - والله أعلم - معنى إنزاله ؛ فإنه ينزله
٢٥٥

من ظهور الأنعام ، وهو كسوة الأنعام من الأصواف والأوبار والأشعار ،
وينتفع به بنو آدم من اللباس والريش . فقد أنزلها عليهم، وأكثر أهل
الأرض كسوتهم من جلود الدواب فهي لدفع الحر والبرد ، وأعظم مما
يصنع من القطن والكتان ، والله تعالى ذكر فى سورة النحل إنعامه
على عباده ، فذكر فى أول السورة أصول النعم التى لا يعيش بنو آدم
إلا بها ، وذكر فى أثنائها تمام النعم التى لا يطيب عيشهم إلا بها ،
فذكر فى أولها الرزق الذي لابد لهم منه ، وذكر ما يدفع البرد من
الكسوة بقوله: ( وَالْأَنْعَمَ خَلَقَهَ أْلَكُمْ فِيهَادِفْءٌ وَمَنَفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ)
ثم فى أثناء السورة ذكر لهم المساكن والمنافع التى يسكنونها : مساكن
الحاضرة والبادية ومساكن المسافرين فقال تعالى: ( وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ
مِنْ بُوتِكُمْ سَكَنًا) الآية، ثم ذكر إنعامه بالظلال التى تقيهم الحر
والبأس فقال: (وَاَللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَلًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الْجِبَالِ
أَكْتَنَّا )، إلى قوله: (كَذَلِكَ يُنِؤُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ).
ولم يذكر هنا ما يقي من البرد، لأنه قد ذكره فى أول السورة ،
وذلك فى أصول النعم ؛ لأن البرد يقتل فلا يقدر أحد أن يعيش فى
البلاد الباردة بلا دفء بخلاف الحر فإنه أذى، لكنه لا يقتل كما يقتل
البرد ، فإن الحر قد يتقى بالظلال واللباس وغيرهما ، وأهله أيضاً لا يحتاجون
إلى وقایة کما يحتاج إليه البرد ؛ بل أدنى وقاية تكفيهم وم في الليل وطرفى
٢٥٦

النهار لا يتأذون به تأذيا كثيرا؛ بل لا يحتاجون إليه أحياناً حاجة قوية
فجمع بينها فى قوله (سَرَبِلَ تَفِيكُمُ الْحَزَّوَسَرَبِيلَ تَقِيكُمْبَأْسَكُمْ ). ولا حذف
فى اللفظ ولا قصور فى المعنى كما يظنه من لم يحسن حقائق معانى القرآن؛
بل لفظه أتم لفظ ، ومعناه أكمل المعاني ؛ فإذا كان اللباس والرياش ينزل
من ظهور الأنعام، وكسوة الأنعام منزلة من الأصلاب والبطون كما تقدم
فهو منزل من الجهتين ، فإنه على ظهور الأنعام لا ينتفع به بنوا آهم
حتی بنزل .
فقد تبين أنه ليس فى القرآن ولا فى السنة لفظ نزول إلا وفيه
معنى النزول المعروف وهذا هو اللائق بالقرآن ، فإنه نزل بلغة العرب ولا
تعرف العرب نزولاً إلا بهذا المعنى ولو أريد غير هذا المعنى لكان
خطابا بغير لغتها ، ثم هو استعمال اللفظ المعروف له معنى فى معنى آخر
بلا بيان، وهذا لا يجوز بما ذكرنا؛ وبهذا يحصل مقصود القرآن واللغة
الذي أخبر الله تعالى أنه بينه وجعله هدى للناس، وليكن هذا آخره،
والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
وسلم تسليما كثيراً .
٢٥٧

وسئل شيخ الإسلام
رحمه الله
(وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ أَسْتَجَارَكَ فَأَجِرُهُ حَتَّى
عن قوله تعالى :
يَسْمَعَ كَمَ اللَّهِ) فسماء هنا كلام الله، وقال في مكان آخر: (إِنَّهُ لَقَوْلُ
رَسُولٍ كَرِيمٍ ) فما معنى ذلك ؟ فإن طائفة ممن يقول بالعبارة يدعون أن
هذا حجة لهم ، ثم يقولون : أنتم تعتقدون أن موسى - صلوات الله
عليه - سمع كلام اللّه عز وجل حقيقة من الله من غير واسطة،
وتقولون : إن الذي تسمعونه كلام الله حقيقة ، وتسمعونه من وسائط
بأصوات مختلفة ، فما الفرق بين هذا وهذا ؟ وتقولون : إن القرآن صفة
للّه تعالى، وأن صفات الله تعالى قديمة؛ فإن قلتم إن هذا نفس كلام
اللّه تعالى فقد قلتم بالحلول وأنتم تكفرون الحلولية والاتحادية، وإن قلتم:
غير ذلك قلتم بمقالتنا ، ونحن نطلب منكم فى ذلك جوابا نعتمد عليه إن
شاء الله تعالى.
فأجاب: الحمد لله رب العالمين. هذه الآية حق كما ذكر الله، وليست
٢٥٨

إحدى الآيتين معارضة للأخرى بوجه من الوجوه ، ولا فى واحدة منهما
حجة لقول باطل، وإن كان كل من الآيتين قد يحتج بها بعض الناس
على قول باطل ، وذلك أن قوله: ( وَإِنْ أَحَدٌمِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ
فَأَجِرْهُ حَّ يَسْمَعَ كَمَاللَّهِ ) فيه دلالة على أنه يسمع كلام الله من
التالي المبلغ، وأن ما يقرؤه المسلمون هو كلام اللّه، كما فى حديث جابر فى
السنن: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرض نفسه على الناس فى الموقف
ويقول: ألارجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي؟ فإن قريشا منعوني أن أبلغ
كلام ربى)) وفى حديث أبى بكر الصديق رضي الله عنه أنه لما خرج على المشركين
فقرأ عليهم: (الّ * غُلِبَتِ الزُّوُ * فِ أَدْنَ الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ)
قالوا له هذا كلامك أم كلام صاحبك ؟ فقال: ليس بكلامي ولا بكلام
صاحبى ؛ ولكنه كلام الله .
( ذَرْنِ وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ
وقد قال تعالى :
لَهُوَمَا لَا مَعْدُودًا * وَبَنِيِنَ شُهُودًا * وَمَهَدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَيَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ
كََّ إِنَّهُ كَانَ لَئِنَا عَنِيدًا * سَأُزْهِقُهُ صَعُودًا * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ
*
◌ُمَّ ◌ُئِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَنَظَرَ * ثُمَّعَبَسَ وَبَرَ * ثُمَّأَذَرَ وَاُسْتَكْبَ *
*
قَدَّرَ
فمن قال : إن
فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّاسِرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ اَلْبَشَرِ )
هذا القرآن قول البشر كان قوله مضاهياً لقول الوحيد الذي أصلاه الله
سقر . ومن المعلوم لعامة العقلاء أن من بلغ كلام غيره كالمبلغ لقول
٢٥٩

النبى صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل
امرىء ما نوى )) إذا سمعه الناس من المبلغ قالوا : هذا حديث رسول
الله صلى الله عليه وسلم، وهذا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولو قال المبلغ هذا كلامي وقولي لكذبه الناس لعلمهم بأن الكلام
كلام لمن قاله مبتدئاً منشئاً ؛ لا لمن أداء راويا مبلغاً . فإذا كان مثل
هذا معلوماً فى تبليغ كلام المخلوق فكيف لا يعقل فى تبليغ كلام الخالق
الذي هو أولى أن لا يجعل كلاماً لغير الخالق جل وعلا ؟ !.
وقد أخبر تعالى بأنه منزل منه فقال: (وَاُلَّذِينَءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ
وقال: ( حَمّ * تَنِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ
يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّيِّكَ بِالْحَقِّ )
الرَّحِيمِ) (حمّ * تَنِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِالْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ). فجبريل رسول
الله من الملائكة جاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من البشر،
واللّه يصطفى من الملائكة رسلاً ومن الناس ، وكلاهما مبلغ له ، كما قال:
وقال :
(يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ )
﴿ إِلَّا مَنِ أَرْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا *
لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ
وهو مع هذا كلام الله ليس لجبريل ولا
أَبْلَغُواْ رِسَلَتِ رَبِّهِمْ )
لمحمد فيه إلا التبليغ والأداء ، كما أن المعلمين له فى هذا الزمان والتالين
له فى الصلاة أو خارج الصلاة ليس لهم فيه إلا ذلك لم يحدثوا شيئاً من
حروفه ولا معانيه قال الله تعالى: (فَإِذَاقَرَأْتَ الْقُرْءَنَ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ
٢٦٠