Indexed OCR Text
Pages 221-240
ومن نازع في هذا من المعتزلة وغيرهم ، وقال إنه لا ينتهي إلى حد الوجوب ؛ بل يكون العقل بالوجود أولى منه بالعدم ، فإنه لم ينازع فى أن القادر المختار يمتنع أن يكون مقدوره المعين أزلياً ، مقارناً له ؛ بل هذا مما لم ينازع فيه لا هؤلاء ولا غيرهم . فتبين أنه لو كان شيء مما سوى الله أزليا للزم أن يكون له مؤثر تام ، مستلزم له في الأزل ؛ سواء سمى علة تامة ، أو موجبا بالذات ، أو قدر أنه فاعل بالإرادة ، وأن مراده المعين يكون أزليا مقارناً له . وإذا كان كذلك فنقول : ثبوت علة تامة أزلية ممتنع ، فإن العلمة التامة الأزلية تستلزم معلولها ، لا يتخلف عنها شيء من معلولها ؛ فإنه إن تخلف عنها لم تكن علة تامة لمعلولها ؛ فيمتنع في الشيء الواحد أن يكون موجباً بذاته ، وأن يتخلف عنه موجبه أو شيء من موجبه ؛ فإن الموجب بالذات لشىء لابد أن يكون ذلك الموجب جميعه مقارنا لذاته ، والعلة التامة هي التى يقارنها معلولها . ولا يتأخر عنها شيء من معلولها ، فلو تأخر عنها شيء من معلولها لم تكن علة تامة لذلك المستأخر . والفلاسفة يسلمون أن ليس علة تامة فى الأزل لجميع الحوادث التى تحدث شيئاً بعد شيء ، فإن ذلك جمع بين النقيضين؛ إذ يمتنع أن يكون علة نامة أزلية لأمر حادث عنه غير أزلي . ٢٢١ وإن شئت قلت : يمتنع أن يكون موجباً بذاته فى الأزل الأمر حادث ليس بأزلي ؛ سواء كان إيجابه بواسطة أو بغير واسطة ، فإن تلك الواسطة إن كانت أزلية كان اللازم لها أزلياً ، وإن كانت حادثة كان القول فيها كالقول فى الحادث بتوسطها ، وهذا الذي سلموه معلوم أيضاً بصريح العقل ، فالمقدمة برهانية مسلمة ؛ لكن يقولون : إنه علة تامة لما هو قديم كالأفلاك عندهم . وليس علة تامة للحوادث ، وهذا أيضاً باطل . وذلك أن كل ما يقال : إنه قديم كالأفلاك ، إما أن يجب أن يكون مقارناً للحوادث كما يقولون فى الفلك : إنه يجب له لزوم الحركة، وإنه لم يزل متحركاً ، وإما أنه لا يجب أن يكون مقارناً لشيء من الحوادث ، فإن كان الأول لزم أن يكون علة تامة للحوادث ، وكونه علة تامة للحوادث محال ؛ لأن ما قارنته الحوادث ولم يخل منها بل هي لازمة له امتنع صدوره عن الموجب بدونها ، ووجود الملزوم بدون اللازم محال ، وإذا كانت الحركة لازمة للفلك ، كما يقولون : فوجود الفلك بدون الحركة محال ، فالموجب بذاته الذي هو علة تامة للفلك ، يجب أن يكون علة تامة موجبة للوازمه ، وعلة تامة فى الأزل بحركته ، لكن العلة التامة الأزلية لا يجوز أن تكون علة تامة أزلية للحوادث ، لا الحركة ولا غيرها ، لأنه يجب وجود معلولها الذي هو موجبها ومقتضاها ٢٢٢ فى الأزل ، وألا يتأخر عنها شيء من موجبها ، ومقتضاها ، ومعلولها. والحركة التى توجد شيئاً فشيئاً هي وغيرها من الحوادث التى تحدث شيئاً بعد شيء ليس واحد منها قديماً ؛ بل كل منها حادث مسبوق بآخر؛ فيمتنع أن يكون شيء منها معلولاً للعلة التامة الأزلية ؛ لامتناع أن يكون حادث من الحوادث قديماً، ويمتنع وجود مجموع الحوادث فى الأزل ، ويمتنع وجود المستلزم للحوادث إلا مع حادث من الحوادث أو مع مجموع الحوادث ، وإذا كان كلاهما يمتنع أن يكون قديماً امتنع أن يكون شيء مما يستلزم الحوادث قديماً ، فامتنع أن يكون لشيء من الحوادث أو ما يستلزم الحوادث علة تامة قديمة ؛ فامتنع صدور الحوادث أو شيء منها ، أو من ملزوماتها عن علة تامة قديمة ؛ فامتنع أن يكون شيء لا يخلو عن الحوادث صادراً عن علة تامة أزلية ؛ فامتنع أن يكون الفلك المقارن للحوادث علة تامة أزلية قديمة . ولو كان قديماً لصدر عن علة تامة قديمة ، فإذا لم يكن قديماً إلا إذا كان المقتضى التام ثابتاً فى الأزل ، وثبوت المقتضى التام له ممتنع ، كما أن قدمه ممتنع . وأما إن قيل : إن القديم شيء غير مقارن للحوادث ، ولا مستلزم لها ، مثل أن يقال : القديم أعيان ساكنة ، هي المعلول الأول ، فيقال ذلك المعلول إما أن يجوز حدوث حال من الأحوال ، إما فيه ، أو عنه، أو غير ذلك . وإما ألا يجوز . ٢٢٣ فإن جاز حدوث حال من الأحوال له امتنع حدوث ذلك الحادث عن علة تامة أزلية - وهو الموجب بالذات كما تقدم ، وكما هو معلوم ومتفق عليه بين العقلاء - ولا بد من محدث، والمحدث إن كان سوى الله فالقول فى حدوثه إن كان محدثاً، أو فى حدوث ذلك الإحداث له بعد أن لم يكن ، كالقول فى حدوث ذلك الحادث، وإن كان هو الله تعالى امتنع أن يكون موجباً بالذات له ؛ إذ القديم لا يكون موجباً بالذات الحادث - كما بين - فامتنع ثبوت العلة القديمة . وإذا لم يكن الصانع موجباً بالذات - فلا يكون علة تامة - امتنع قدم شيء من العالم ؛ لأنه لا يكون قديم إلا عن علة تامة ، وإن قيل إنه لا يجوز حدوث لما فرض قديماً معلولا للأول ؛ فهذا مع أنه لم يقل به أحد من العقلاء فهو باطل ؛ لوجوه : ((أحدها)) أن واجب الوجود تحدث له النسب والإضافات باتفاق العقلاء ؛ فحدوث ذلك لغيره أولى. ((الثانى)) أن الحوادث مشهودة فى العالم العلوي والسفلي ، وهذه الحوادث صادرة عن الله : إما بوسط أو بغير وسط ، فإذا كانت بوسط فتلك الوسائط حدثت عنها أمور بعد أن لم تكن ؛ فلزم حدوث الأحوال للقديم ، سواء كان هو الصانع أو كان هو الوسائط للصانع . ٢٢٤ وإن قيل: القديم هو شيء ليس بواسطة فى شيء آخر. قيل: لا بد أن يكون ذلك قابلا لحدوث الأحوال ، فإنه يمكن حدوث النسب والإضافات لله عز وجل بالضرورة واتفاق العقلاء ، فإمكان ذلك لغيره أولى ، وإذا كان قابلا لها أمكن أن تحدث له الأحوال ، كما تحدث لغيره من الممكنات ؛ فإن الله لا يمتنع حدوث الحوادث عنه: إما بوسط وإما بغير وسط ؛ فإذا كان ذلك قابلا، وصدور مثل ذلك عن الصانع ممكن أمكن حدوث الحوادث عنه أو فيه بعد أن لم يكن . وحينئذ فالقول فى حدوثها كالقول فى حدوث سائر ما يحدث عنه، وذلك محال من العلة التامة المستلزمة لمعلولها ، فقد بين هذا البرهان الباهر أن كون الأول علة تامة لشيء من العالم - محال، لا فرق فى ذلك بين الفلك وغيره ؛ سواء قدر ذلك الغير جسما أو غير جسم ، وسواء قدر مستلزما للحوادث فيه أو عنه - كما يقوله الفلاسفة الدهرية : كالفارابى ، وابن سينا وأمثالهما ، وسلفها من اليونان . فإنهم يقولون : الفلك مستلزم للحوادث القديمة ، والعقول والنفوس مستلزمة للحوادث التى تحدث عنها ، فكل منها مقارن للحوادث، لا يجوز تقدمه عليها مع كون ذلك جميعه معلولا للموجب بذاته ، فإذا تبين أن الموجب بذاته يمتنع أن يصدر عنه في الأزل حادث، أو مستلزم لحادث، بطل كون صانع العالم علة تامة فى الأزل، ومتى بطل كونه علة تامة في الأزل، امتنع أن يكون فيما سواه شيء قديم بعينه، فهذا بيان أن كل ما سوى الله محدث كائن بعد أن لم يكن ، سواء قيل ٢٢٥ بجواز دوام الحوادث ، أو قيل بامتناع ذلك . فإنه إن قيل بامتناع دوام الحوادث لزم حدوث كل ما لا يخلو عن الحوادث ، وإن قيل بجواز دوام الحوادث فكل منها حادث بعد أن لم يكن مسبوقا بالعدم ، وكل من العالم مستلزم لحادث بعد أن لم يكن مسبوقاً بالعدم ، وكل من العالم وكل ما كان مصنوعا وهو مستلزم للحوادث امتنع أن يكون صانعه علة تامة قديمة موجبة له ؛ فإذا امتنع ذلك امتنع أن يكون قديماً فامتنع أن يكون من العالم ما هو قديم بعينه . وأماكون الرب لم يزل متكلما إذا شاء، أو لم يزل فاعلا تقوم به الأفعال بمشيئته ونحو ذلك - فهذا هو الذي قاله الساف والأئمة ؛ فتبين أن الذي قاله السلف والأئمة هو الحق المطابق للمنقول والمعقول. وأماكون قول الفلاسفة أبطل من قول المعتزلة ، فإنه يقال لهم: أولئك جوزوا حدوث الحوادث عن ذات لم تزل غير فاعلة، ولا يقوم بها حادث ولا يصدر عنها حادث، وأنتم قلتم الحوادث الدائمة المختلفة تصدر عن هذه الذات، وزدتم فى نفي الصفات عنها، فجعلتموها وجوداً مطلقاً بشرط الإطلاق أو ما يشبه ذلك ، فقولكم فى نفي الصفات عنها أعظم من قول المعتزلة . ٢٢٦ وقلتم: هو موجب بذاته علة تامة أزلية يقارنها المعلول الأزلي ، فلا يتأخر عنها . ومعلوم أن صدور الحوادث المختلفة عن العلمة التامة البسيطة الأزلية ، التى لا يتخلف عنها مقتضاها ومعلولها أشد امتناعا من صدور الحوادث عن قادر مختار بعد أن لم تكن صادرة عنه، فإن كان حدوث الحوادث عن القديم الذي لم يقم به حادث ممتنعا فقولكم أشد امتناعاً، وإن كان ممكناً فقول المعتزلة أقرب ؛ فإن قولهم : إن اقتضى أن لا يكون للحوادث سبب حادث، فقولكم يقتضي أن لا يكون للحوادث محدث أصلا ، والحوادث مشهودة، والمحدث لا بد أن يكون موجوداً عند وجودها ، ولا بد أن يكون كلما يعتبر فى الأحداث موجوداً عند الأحداث ، وذلك يمتنع صدوره عن علة تامة . فتبين أن المقدمات التى احتج بها الفلاسفة على المعتزلة وأتباعهم على قدم العالم يحتج بها بعينها على حدوث العالم ؛ فإن منى دليلهم على أن العامة التامة الأزلية تستلزم معلولها، وأن البارى إن لم يكن علة تامة أزلية لزم الحدوث بلا سبب، وإن كان علة تامة أزلية لزم مقارنة معلوله؛ فيلزم قدم العالم. أما كونه علة تامة فممتع ؛ لأن العلة التامة الأزلية يقارنها معلولها كله ، لا يتأخر عنها شيء من معلولها ، والعالم لا ينفك من حوادث مقارنة له بالضرورة ، واتفاق جماهير العقلاء ، وما كان مستازما للحوادث امتنع كونه معلول العالمة التامة الأزلية ؛ لامتناع كون الحوادث حادثة ٢٢٧ عن علة تامة أزلية ، فإنه ما من حادث إلا وهو مسبوق بالعدم ، فليس هو علة تامة لشيء منها ، وما من زمن يقدر إلا وفيه حادث ، فليس هو في شيء من الأوقات علة تامة ، لا فى الماضى ولا المستقبل ؛ فامتنع أن يكون علة تامة وهو المطلوب ؛ فيلزم من ذلك كون كل ما سواء محدثا ، سواء قيل بتسلسل الحادثة أو لم يقل . وأما قولهم : إن لم يكن علة تامة أزلية ، لزم الحدوث بلا سبب . فيقال لهم: هذا إنما يلزم إذا لم يكن متكلما إذا شاء - تقوم به الأفعال الاختيارية بقدرته تعالى ـ وإلا فعلى هذا التقدير لم يزل ولا يزال قادراً على الفعل متكلما إذا شاء ، وحينئذ فما حصل بمشيئته وقدرته من أقواله وأفعاله يكون هو السبب لما بعده . وإن قالوا : هذا يستلزم قيام الحوادث به ، قيل لهم أولاً : قيام الحوادث بالقديم جائز عندكم ، ومن أنكر ذلك من أهل الكلام فإنما أنكره لاعتقاده أن ما قامت به الحوادث فهو حادث ، فإن كان هذا الاعتقاد صحيحا بطل قولكم بقدم الأفلاك ، وإن كان باطلا بطلت حجة من قال : إن القديم لا تقوم به الحوادث ؛ فلا يمكنكم على التقديرين أن تقولوا إنه لا تقوم به الحوادث ؛ لكن أنتم نفيتم ذلك بناء على نفي الصفات ، وقولكم فى نفي الصفات فى غاية الفساد، ودليلكم عليه قد بين فساده فى غير هذا الموضع ، وبين بطلان ماذكرتموه . ٢٢٨ و ((بالجملة)) فإذا كان القول بحدوث العالم مستلزما لإثبات الصفات وقيام الأفعال بالله ، كان ماذكرناه من دليل حدوثه دليلا على أن العالم محدث ، وأن محدثه موصوف بالصفات القائمة به ، فاعل الأفعال الاختيارية القائمة به ، كما دلت على ذلك النصوص الإلهية المتواترة عن الأنبياء من القرآن والتوراة ، والإنجيل . وذلك ما بين موافقة العقل الصريح للنقل الصحيح ، والقضايا العقلية التى هي أصول فطر العقلاء ، ومنتهى عقلهم توافق ذلك ، واعتبر ذلك بما ذكره أبو عبد الله بن الخطيب الرازي، فى كتابه «الأربعين)» فى ضبط المقدمات التى يمكن الرجوع إليها فى إثبات المطالب العقلية . قال: واعلم أن ههنا ((مقدمتين)) يفرع المتكلمون والفلاسفة أكثر مباحثهم عليها . ((المقدمة الأولى)) مقدمة الكمال والنقصان ، كقولهم هذه الصفة من صفات الكمال فيجب إثباتها لله، وهذه الصفة من صفات النقصان فيجب نفيها عن الله، وأكثر مذاهب المتكلمين مفرعة على هذه المقدمة . إلى أن قال : ((أما المقدمة الثانية)) وهي مقدمة الوجوب؛ والإمكان ، وهذه ٢٢٩ المقدمة فى غاية الشرف والعلو ، وهي غاية عقول العقلاء . قالوا : الوجود إما واجب وإما ممكن ، والممكن لابد له من واجب ، وكذلك الواجب لابد أن يكون واجباً فى ذاته وصفاته ؛ إذ لو كان ممكناً لافتقر إلى مؤثر آخر . ((أما المقدمة الأولى)) وهي أنه واجب لذاته : فهذا له لازمان : الأول أن يكون منزهاً عن الكثرة فى حقيقته ، ثم يلزم في ذاته أمور : ((أحدها )) أن لا يكون متحيزاً؛ لأن كل متحيز منقسم، والمنقسم لا يكون فرداً، وإذا لم يكن متحيزاً لم يكن فى جهة . و ((ثانيها)) أن لا يكون واجب الوجود أكثر من واحد ، ولو كان أكثر من واحد لاشتركا فى الوجوب ، وتباينا في التعيين، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز ؛ فيلزم كون كل واحد منها مركباً في نفسه، وقد فرضناه فرداً هذا خالف اللازم الثانى ؛ لكونه واجب الوجود لذاته أن لا يكون حالا ولا محلا ، والأفعال الافتقار هي . قلت : ولقائل أن يقول : هذا هو أصل الفلاسفة فى التوحيد الذي نفوا به صفاته تعالى ، وهو ضعيف جداً . ٢٣٠ والأصل الذي بنوا عليه ذلك ضعيف جداً ، وإن كان اشتبه على كثير من المتأخرين : وقولهم : إن الواجب لا يكون إلا واحداً . قصدوا به أنه ليس له علم ولا قدرة ، ولا حياة ولا كلام يقوم به ، ولا شيء من الصفات القائمة به ؛ لأنه لو كان كذلك لكان الواجب أكثر من واحد ، كما يقوله المعتزلة إنه ليس له صفات قديمة قائمة بذاته ؛ لأنه لو كان كذلك لكان القديم أكثر من واحد . ولفظ ((الواجب، والقديم)) يراد به الإله الخالق سبحانه ، الواجب الوجود القديم فهذا ليس إلا واحدا ، ويراد به صفاته الأزلية، وهي قديمة واجبة بتقدم الموصوف ، ووجوبه لم يجب أن تكون مماثلة له ، ولا تكون إلهاً ، كما أن صفة التى ليست بنى ، وصفة الإنسان والحيوان ليست بإنسان ولا حيوان ، وكما أن صفة المحدث إن كانت محدثة فموافقتها له في الحدوث لا يقتضى مماثلتها له ، وما ذكروا من الحجة على ذلك ضعيفة . فإذا قالوا : لو كان له علم واجب بوجوب العالم لكان الواجب أكثر من واحد . قيل له : ولم قلتم بامتناع كون الواجب أكثر من واحد ؛ إذ كانت الذات الواجبة إلهاً واحداً ، موصوفا بصفات الكمال. ٢٣١ قولهم : لو كان أكثر من واحد لاشتركا فى الوجوب ، وتباينا فى التعيين ، وما به الاشتراك غير مابه الامتياز ؛ فيلزم أن يكون كل منها مركباً فى نفسه ؛ وقد فرضناه ؛ فرد هذا خلق . يقال له فى جوابه قول القائل اشتركا فى الوجوب ، وتباينا فى التعيين ، تريد به أن الوجوب الذي يختص كلا منهما شاركه الآخر فيه أم تريد أنهما اشتركا فى الوجوب المطلق الكلي . والأول باطل لا يريده عاقل . وأما الثانى فيقال : اشتراكها فى المطلق الكلي ، كاشتراكها في التعيين المطلق الكلى . فإن هذا له تعيين يخصه ، والتعيينان يشتركان فى مطلق التعيين . وكذلك هذا له حقيقة تخصه ، وهذا له حقيقة خصه ، وهما يشتركان فى مطلق الحقيقة وكذلك لهذا ذات تخصه ، ولهذا ذات تخصه ، وهما يشتركان فى مطلق الذات . وكذلك سائر الأسماء التى تعم بالإطلاق ، وتخص بالتقييد ، كاسم الموجود والنفس ، والماهية وغير ذلك . وإذا كان كذلك فمعلوم أنها اشتركا فى الوجوب المطلق، وامتاز كل منهما بوجوبه بتعيين يخصه . وحينئذ: فلا فرق بين الوجوب والتعيين. فقول القائل : اشتركا فى الوجوب المطلق ، وتباينا بالتعيين الخاص. ٢٣٢ كقول القائل اشتركا في التعيين المطلق ، وتباينا بالوجوب الخاص . ومعلوم أن مثل هذا لا مندوحة عنه ، سواء سمي تركيباً أو لم يسم ، فلا يمكن موجود يخلو عن مثل هذه المشاركة والمباينة ، لا واجب ولا غيره ، وما كان من لوازم الوجود كان نفيه عن الوجود الواجب ممتنعاً . و ((أيضاً)) فالمشترك المطلق الكلي لا يكون كلياً مشتركا إلا فى الأذهان لا في الأعيان ، وإذا كان كذلك فليس في أحدهما شىء يشاركه الآخر فيه في الخارج؛ بل كل ما اتصف به أحدهما لم يتصف الآخر بعينه ، ولم يشاركه فيه ؛ بل لا يشابهه فيه ، أو يماثله فيه . وإذا كان الاشتراك ليس إلا في ما في الأذهان لم يكن أحدهما مركباً في مشترك ومميز ؛ بل يكون كل منهما موصوفاً بصفة تخصه ، لا يشابهه الآخر فيها ، وبصفة يشابهه الآخر فيها ، وهذا لا محذور فيه . وأيضاً فيقال : هذا منقوض بالوجود ، فإن الوجود الواجب والممكن يشتركان في مسمى الوجود ، ويباين أحدهما الآخر بخصوصه ؛ فيلزم تركيب الوجود الواجب مما به الاشتراك ، ومما به الامتياز؛ فما كان الجواب عن هذا كان الجواب عن ذلك . و ((أيضاً)) فيقال: هب أنكم سميتم هذا تركيباً . فلم قلتم إن ٢٣٣ هذا ممتنع على موجود من الموجودات ، واجباً كان أو ممكناً ؟ مع أن المنازع يقول هذا المعنى الذي نفيتموه ، وسميتموه تركيباً ، هو لازم لكل موجود . قولهم : وقد فرضناه فردا . قيل : هب أنكم فرضتموه كذلك ؛ لكن مجرد فرضكم لا يقتضى أن يكون فرداً بالمعنى الذي ادعيتموه إن لم یقم على ذلك [ دليل]. ٢٣٤ وسئل قدس الله روحه عن بيان ما يجب على الإنسان أن يعتقده ، ويصير به مسلماً ؛ بأوضح عبارة وأبينها ، من أن ما في المصاحف هل هو كلام الله القديم ؟ أم هو عبارة عنه لا نفسه ، وأنه حادث أو قديم، وأن كلام اللّه حرف وصوت؟ أم كلامه صفة قائمة به لا تفارقه؟ وأن قوله تعالى: حقيقة أم لا ؟ وأن الإنسان إذا ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى) أجرى القرآن على ظاهره من غير أن يتأول شيئاً منه ، ويقول أو من به كما أنزل ، هل يكفيه ذلك في الاعتقاد أم يجب عليه التأويل؟ فأجاب : الذي يجب على الإنسان اعتقاده في ذلك وغيره ما دل عليه كتاب الله، وسنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، واتفق عليه سلف المؤمنين ، الذين أثنى الله تعالى عليهم وعلى من اتبعهم ، وذم من اتبع غير سبيلهم ، وهو أن القرآن الذي أنزله الله على عبده ورسوله كلام الله تعالى، وأنه منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأنه قرآن كريم . فى كتاب مكنون . لا يمسه إلا المطهرون ، وأنه ٢٣٥ وأنه كما قال تعالى: (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ ( قُرُءَنْ تَجِيدٌ * فِلَوْجِ مَّحْفُوظِ ) . اُلْكِتَبِ لَدَيْنَا لَعَلِيُ حَكِيمُ) وأنه في الصدور، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: (( استذكروا القرآن فلهو أشد تفصياً من صدور الرجال من النعم في عقلها)) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((الجوف الذي ليس فيه شيء من القرآن كالبيت الخرب )) وأن ما بين لوحى المصحف الذي كتبته الصحابة رضي الله عنهم كلام اللّه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو ؛ مخافة أن تناله أيديهم )). فهذه ((الجملة)» تكفي المسلم في هذا الباب. وأما تفصيل ما وقع فى ذلك من النزاع فكثير منه يكون كلا الإطلاقين خطأ ، ويكون الحق فى التفصيل ، ومنه ما يكون مع كل من المتنازعين نوع من الحق ، ويكون كل منهما ينكر حق صاحبه . وهذا من التفرق والاختلاف الذي ذمه الله تعالى ونهى عنه، فقال: (وَإِنَّالَّذِينَ أُخْتَلَفُواْ فِى الْكِتَابِ لَفِى شِقَاقِ بَعِيدٍ ) وقال : (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ هُمُ الْبِيِنَتُ ) وقال : وقال : ( وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ ) ( وَمَااخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ تْهُمُ الْبَيِّنَتُ بَغْيَأْبَيْنَهُمْ ). ٢٣٦ فالواجب على المسلم أن يلزم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنة خلفائه الراشدين ، والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ، والذين اتبعوهم بإحسان . وما تنازعت فيه الأمة وتفرقت فيه ، إن أمكنه أن يفصل النزاع بالعلم والعدل وإلا استمسك بالجمل الثابتة بالنص والإجماع ، وأعرض عن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً، فإن مواضع التفرق والاختلاف عامتها تصدر عن اتباع الظن ، وما تهوى الأنفس، ولقد جاءهم من ربهم الهدى . وقد بسطت القول في جنس هذه المسائل بنيان ما كان عليه سلف الأمة ، الذي اتفق عليه العقل والسمع . وبيان ما يدخل فى هذا الباب من الاشتراك والاشتباه والغلط في مواضع متعددة ، ولكن نذكر منها جملة مختصرة بحسب حال السائل . والواجب أمر العامة بالجمل الثابتة بالنص والإجماع ، ومنعهم من الخوض فى التفصيل الذي يوقع بينهم الفرقة والاختلاف ، فإن الفرقة والاختلاف من أعظم ما نهى الله عنه ورسوله . والتفصيل المختصر أن نقول : من اعتقد أن المداد الذي فى المصحف وأصوات العباد قديمة أزلية فهو ضال مخطئ ، مخالف للكتاب والسنة ، وإجماع السابقين الأولين ، وسائر علماء الإسلام ، ولم يقل أحد قط من ٢٣٧ علماء المسلمين إن ذلك قديم ، لا من أصحاب الإمام أحمد ولا من غيرهم ومن نقل قدم ذلك عن أحد من علماء أصحاب الإمام أحمد ونحوم فهو مخطئ فى هذا النقل ، أو متعمد للكذب ؛ بل المنصوص عن الإمام أحمد وعامة أصحابه تبديع من قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق ، كما جهموا من قال : اللفظ بالقرآن مخلوق . وقد صنف أبو بكر المروزي - أخص أصحاب الإمام أحمد به - فى ذلك رسالة كبيرة مبسوطة، ونقلها عنه أبو بكر الخلال فى (( كتاب السنة )) الذي جمع فيه كلام الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة في أبواب الاعتقاد ، وكان بعض أهل الحديث إذ ذاك أطلق القول بأن لفظي بالقرآن غير مخلوق معارضة لمن قال : لفظي بالقرآن مخلوق ، فبلغ ذلك الإمام أحمد ، فأنكر ذلك إنكاراً شديداً ، وبدع من قال ذلك وأخبر أن أحداً من العلماء لم يقل ذلك ، فكيف بمن يزعم أن صوت العبد قديم ! وأقبح من ذلك من يحكى عن بعض العلماء أن المداد الذي فى المصحف قديم ، وجميع أئمة أصحاب الإمام أحمد وغيرم أنكروا ذلك ، وما علمت أن عالماً يقول ذلك إلا ما يبلغنا عن بعض الجهال : من الأكراد ونحوم )). وقد ميز الله فى كتابه بين الكلام والمداد، فقال تعالى: ( قُل لَوْكَانَ الْبَحْرُ مِدَادًالِكَلِمَتِ رَبٍِ لَنَفِدَالْبَحْرُ قَبْلَ أَن نَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِ وَلَوْ ◌ِثْنَا بِمِثْلِهِ، مَدَدًا) ٢٣٨ فهذا خطأ من هذا الجانب ، وكذلك من زعم أن القرآن محفوظ في الصدور ، كما أن الله معلوم بالقلوب، وأنه متلو بالألسن ، كما أن الله مذكور بالألسن ، وأنه مكتوب فى المصحف ، كما أن الله مكتوب . وجعل ثبوت القرآن فى الصدور والألسنة والمصاحف مثل ثبوت ذات الله تعالى فى هذه المواضع ؛ فهذا - أيضاً - مخطئ فى ذلك، فإن الفرق بين ثبوت الأعيان فى المصحف ، وبين ثبوت الكلام فيها بين واضح ؛ فإن الموجودات لها أربع مراتب : مرتبة فى الأعيان ، ومرتبة فى الأذهان ، ومرتبة فى اللسان ، ومرتبة فى البنان. فالعلم يطابق العين ، واللفظ يطابق العلم ، والخط يطابق اللفظ . فإذا قيل : إن العين فى كتاب الله كما فى قوله: (وَكُلُّ شَىْءٍ فَعَلُوهُ فِ الزُّبُرِ ) فقد علم أن الذي فى الزبر إنما هو الخط المطابق للفظ المطابق للعلم ، فبين الأعيان وبين المصحف مرتبتان ، وهي اللفظ والخط، وأما الكلام نفسه فليس بينه وبين المصحف مرتبة ، بل نفس الكلام يجعل فى الكتاب ، وإن كان بين الحرف الملفوظ والحرف المكتوب فرق من وجه آخر ، إلا إذا أريد أن الذي فى المصحف هو ذكره والخبر (وَإِنَّهُ لَنَفْزِيلُ رَبِّ الْعَلَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُُّعُ الْأَمِينُ عنه ، مثل قوله تعالى : ٢٣٩ عَى قَلْبِكَ) إلى قوله: (وَإِنَّهُ لَفِى زُيُرِ الْأَوَّلِينَ * أَوَّلَيَكُنْ لَمْ ءَايَةً أَنْ يَعْلَمَهُ, عُلَمَتُأ بَنِ إِسْرََّيلَ). فالذي فى زبر الأولين ليس هو نفس القرآن المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، فإن هذا القرآن لم ينزل على أحد قبله صلى الله عليه وسلم، ولكن في زبر الأولين ذكر القرآن وخبره ، كما فيها ذكر محمد صلى الله عليه وسلم وخبره ، كما أن أفعال العباد فى الزبر كما قال تعالى: (وَكُلُّ شَىْءٍ فَعَلُوهُ فِ الزُّبُرِ ) فيجب الفرق بين كون هذه الأشياء فى الزبر ، وبين كون الكلام نفسه في الزبر . كما قال تعالى : ( إِنَّهُ لَقُرْهَاذْ كَرِيمٌ * فِ كِنَبٍ مَّكْنُونٍ ) وقال تعالى: (يَنْلُواْ مُفًا مُطَهَّرَةُ فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ) . فمن قال إن المداد قديم فقد أخطأ ، ومن قال ليس في المصحف كلام اللّه وإنما فيه المداد الذي هو عبارة عن كلام الله فقد أخطأ؛ بل القرآن فى المصحف كما أن سائر الكلام فى الورق ، كما أن الأمة مجمعة عليه ، وكما هو في فطر المسلمين ، فإن كل مرتبة لها حكم يخصها ، وليس وجود الكلام فى الكتاب كوجود الصفة فى الموصوف ، مثل وجود العلم والحياة فى محلها ، حتى يقال : إن صفة الله حلت بغيره ، أو فارقته، ولا الوجود فيه كالدليل المحض ، مثل وجود العالم الدال على الباري تعالى ، حتى يقال : ليس فيه إلا ما هو علامة على كلام الله عز وجل ؛ ٢٤٠