Indexed OCR Text

Pages 181-200

الكلام لا يكون إلا بقدرة المتكلم ومشيئته ، وإن كلاماً لازماً لذات
المتكلم لا يعقل ؛ فإنه إن جعل معنى واحداً كان مكابرة للعقل ، وكذلك
إن جعل أصواتاً أزلية ، ثم ظنوا أن ما كان بقدرة الرب ومشيئته
لا يكون إلا منفصلا عنه ، وما انفصل عنه فهو مخلوق . ولهذا أنكروا
أن يجيء ، أو يأتي ، أو ينزل ، وغير ذلك مما جاء به الكتاب والسنة.
وآخرون وافقوم على هذا الأصل الذي أحدثه أولئك ، وهو
أنه لا يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته؛ لكن رأوا أن كلاماً لا يقوم
بالمتكلم لا يكون كلاماً له . فقالوا : إن كلامه قائم به .
ثم رأى ((فريق)) أن قدم الأصوات ممتنع ، فجعلوا القديم هو
المعنى ، ثم رأوا أن تعدد المعاني القديمة ممتنع ، وأنه يفضي إلى وجود
معاني لانهاية لها ، فقالوا هو معنى واحد .
ورأى ((فريق آخر)) أن كون المعانى المتنوعة معنى واحداً ممتع ،
وكون الرب لم يتكلم بحروف القرآن ، بل خلقها في غيره موافقة لمن
جعل الكلام لا يقوم بالمتكلم ؛ فإن تلك الحروف المنظومة - كالقرآن
العربى - إن قالوا هو كلام اللّه لزم أن لا يكون كلامه قائماً به بل
بغيره ؛ وإن قالوا ليس كلاماً للّه لزم أن يكون كلاماً لمن خلقت فيه،
فلا يكون الكلام العربى كلاماً للّه؛ بل كلاماً لمن خلق فيه . وهذا
١٨١

هو الذي أنكروه على من قال القرآن مخلوق . والذي قال إنه مخلوق
لم يقل إلا هذا ؛ فلزمهم أن يوافقوا فى الحقيقة قول من يقول: القرآن
مخلوق ، وإن ضموا إلى ذلك قولاً لا حقيقة له يخالف العقل والنقل :
وهو إثبات معنى واحد يكون هو جميع معانى التوراة ، والإنجيل ،
والقرآن ؛ لكنهم إنما قالوا ذلك فراراً من أقوال ظنوها باطلة ، فلم يقصدوا
إلا الفرار عما رأوه باطلا ، فوقعوا فى أقوال لها لوازم تقتضي
بطلانها أيضاً .
فلما رأى هذا ((الفريق الثانى)) ما أجاب به هؤلاء ، قالوا : إنه
حروف وأصوات ، قديمة أزلية . فرد عليهم غيرم. وقالوا: إن الأصوات
متضادة فى نفسها ، والضدان لايجتمعان ، وأقل مافى الأمور القديمة أن
تكون مجتمعة، وقالوا لهم : الأصوات مستلزمة للحركات المستلزمة
للقدرة والإرادة ، فلا تكون الأصوات إلا بقدرة وإرادة ، وما كان
كذلك لم يكن قديم العين ؛ لكن النزاع فى كونه قديم النوع. وقالوا:
الأصوات هي فى نفسها يمتنع بقاؤها ، وما امتنع بقاؤه امتنع قدمه ،
فامتنع قدم الأصوات .
وقال ((آخرون)): إذا كان الأمر كذلك كان متكلماً بحروف ،
وأصوات ، حادثة بمشيئته وقدرته ، قائمة بذاته ، لكن يمتنع قدم شيء من
ذلك ؛ لأن الحوادث لا تكون أزلية ، ورأوا أن هذا القول ينجيهم من
١٨٢

سائر ما وقع فيه غيرم ، وليس فيه ما ينكر أولئك عليهم ، إلا أن
يقوم بذات الرب ما يتعلق بمشيئته وقدرته .
فإن المعتزلة نفت أن يقوم به شيء من المعانى ، وعبروا عن ذلك
بأنه لا يقوم به شيء من الأعراض والحوادث ، فسموا ما يقوم به من
العلم ، والقدرة ، والحياة ، أعراضاً . وما يقوم به من الخلق، والإحسان
والإتيان، والمجيء، والنزول حوادث . وقالوا - لسلف الأمة
وأئمتها وجمهورها :- إن قلتم الكلام المعين لازم له فقد قلتم إنه تقوم
به الأعراض ، وإن قلتم يتكلم باختياره وقدرته ، فقد قلتم نقوم
به الحوادث.
فقال هؤلاء : كلام المعتزلة وقولهم لا تقوم به هذه الأمور : كلام
باطل ، مخالف للكتاب والسنة، والإجماع سلف الأمة . وهو أيضاً
مخالف لصريح العقل ؛ فإن إثبات عالم بلا علم ، وقادر بلا قدرة ،
وحي بلا حياة ، ممتنع فى صريح العقل . وكذلك إثبات خالق وعادل
بلا خلق ولا عدل ، وإثبات فاعل لا يقوم به فعل ، وإثبات رب
لا يقدر على التصرف بنفسه ؛ بل يكون بمنزلة الجماد سلب لصفات
الكمال عنه ، كما أن إثبات رب لا يعلم ولا يقدر سلب لصفات
الكال عنه .
١٨٣

قال هؤلاء : فاذا قلنا إنه تكلم بالكلام ، حروفه ومعانيه . بمشيئته
وقدرته ، سلمنا من هذه المحاذير ، ولم يكن منا محذور شرعى ولا عقلي.
فقال لهم ((الفريق السابع)): ولكن جعلتموه عاجزاً عن الكلام
فى الأزل ، مسلوباً للكمال ، ولزمكم أن يقال: إذا كان من الأزل إلى
الأبد لم يتكلم ثم تكلم، كان ذلك أمراً حادثاً ، فيحتاج إلى سبب
حادث ، والقول فى ذلك الحادث كالقول فى الأول ؛ فيلزم تسلسل
الحوادث . فإن كان ذلك ممتنعاً بطل قولكم، وإن كان جائزاً فقولوا
لم يزل متكلماً إذا شاء، كما قاله أئمة السنة وجماهير أهل الحديث ،
فإنكم حينئذ تكونون قد وصفتم ربكم بصفات الكمال أزلاً وأبداً .
قالوا : وهذا القول خير من سائر الأقوال ، مع موافقته المعقول
وصحيح المنقول . فقال لهم أولئك : هذا يستلزم حوادث لا أول لها .
وذلك ممتنع ، فقال لهم هؤلاء : هذا كلام مبتدع ، وإنما أخذتموه عن
المعتزلة لم يأت به كتاب ولا سنة ، ولا قاله أحد من سلف الأمة
وأئمتها ، ولا دل عليه العقل ؛ بل العقل يدل على نقيضه .
والذين قالوا هذا القول من المعتزلة ومن تبعهم من الكرامية
والأشعرية : ظنوا أنهم بهذا القول يثبتون حدوث العالم ؛ بناء على أن
الأجسام لا تخلو من الأعراض المحدثة ، وما لا يخلو من الحوادث فهو
١٨٤

محدث ، وهذا القول هو الذي سلط عليهم ((الفلاسفة الدهرية))
القائلين بقدم العالم ؛ فإن هذا القول الذي قالوه وجعلوه مستلزماً
لحدوث العالم هو مناقض لحدوث العالم ، بل هو مناقض لإثبات الصانع .
فهم قصدوا نصر الإسلام بما ينافى دين الإسلام .
ولهذا كثر ذم السلف لمثل هذا الكلام، وهذا هو أصل
((الكلام المذموم)) عند سلف الأمة وأئمتها؛ وذلك لأن الشيء إذا
كان يمكن وجوده ويمكن عدمه فلا يوجد إلا بمقتض يستلزم وجوده،
وإن جاز وجوده بدون ذلك أمكن أن تكون المخلوقات - التى يمكن
وجودها وعدمها - وجدت بلا فاعل ، فلابد للممكنات من وجود
واجب يحصل به وجودها ، ولا تكون مع وجود المقتضى التام محتملة
الوجود والعدم ؛ بل يكون وجودها لازماً حتماً . فإن ما شاء الله
كان وما لم يشأ لم يكن ، وإذا شاء الرب شيئاً لم يمكن أن لا يكون؛
بل يجب كونه بمشيئة الرب تعالى المستلزمة لقدرته .
قالوا : وإذا كان كذلك : فالحادث الذي يمكن وجوده ويمكن عدمه
إذا حدث بدون سبب حادث مع استواء نسبته إلى جميع الأوقات ،
واستواء نسبة جميع الحوادث والأوقات إلى مشيئة الرب وقدرته لزم
من ذلك أن يكون قد تخصص بعض الحوادث بالحدوث ، وبعض
١٨٥

الأزمنة بالحدوث ، من غير مخصص يقتضى ذلك ، ومن غير سبب
حادث يقتضى الحدوث .
وهذا مع أنه فاسد فى صريح العقول : فهو يبطل ما استدلوا به
على إثبات الصانع ، فلابد حينئذ أن يكون لحدوث الحوادث سبب
حادث ؛ وحينئذ فما من حادث إلا وهو مسبوق بحادث . وحينئذ :
فهذا يقتضي أن الله إذا كان متكلما بمشيئته وقدرته ، أمكن أنه لا يزال
متكلما بمشيئته وقدرته ، ولم يجز أن يصير متكلما بعد أن لم يكن متكلما
محال ؛ لأن ذلك يقتضى حدوث الحادث بلا سبب حادث وهو ممتنع ،
ويقتضي أنه يجدد له من صفات الكمال ما أمكن ثبوته فى الأزل ؛
وذلك ممتنع ؛ وذلك لأن صفات الكمال التى يمكن اتصاف الرب بها
لا يجوز أن يتوقف ثبوتها له على غيره ؛ لأنه يلزم أن يكون ذلك
الغير هو المعطي له صفات الكمال ، ومعطى غيره صفات الكمال أولى
بأن يكون هو الرب تعالى ، ورب العالمين ، الخالق ما سواه ، الذي
يعطيه صفات الكمال لا يكون غيره ربا له بوجه من الوجوه ، سبحانه
وتعالى عن ذلك .
وحينئذ فيجب اتصافه بالكلام إذا شاء أزلا وأبداً .
قال هؤلاء : وهذا الأصل يبطل حجة الفلاسفة الدهرية ، التى
١٨٦

احتجوا بها على قدم العالم ، وعجزتم أنتم معاشر المعتزلة وأتباعكم - من
المتكلمين القائلين بامتناع دوام الحوادث - عنها ، فإنهم ألزموكم على
أصولكم ؛ إذ قدرتم ثبوت موجود لا يتكلم بمشيئته وقدرته ، ولا
يفعل شيئاً ، بل يمتنع منه فى الأزل كل شيء يكون منه : من كلام أو
فعل . فقالوا : إذا قدرنا وجود هذا ، وأنه يبقى دائماً أبداً لا يتكلم
ولا يفعل شيئاً ، ثم تكلم وفعل ؛ فلا بد من سبب أوجب حدوث
هذا الكلام والفعل ، إما حدوث قدرة أو إرادة ، أو علم أو غير ذلك
من الأسباب . فأما إذا قدر حاله فيما لايزال كاله فيما لم يزل :
امتنع أن يتجدد له كلام ، أو فعل ، أو غير فعل .
فهذه حجة الفلاسفة عليكم؛ وأنتم لم تجيبوم إلا بالمكابرة
أو بالإلزام ((فالمكابرة)» دعواكم حدوث الحوادث بلا حدوث سبب؛
بل جعلتم نفس القدرة أو الإرادة القديمة : تخصص أحد المتماثلين عن
المثل الآخر بلا سبب أصلا ، مع أن نسبتها إلى جميع المتماثلات نسبة
واحدة . وهذا مع أنه معلوم البطلان بالضرورة : فهو يسد عليكم
طريق ((إثبات الصانع)) فإنه منى على أن الحوادث لابد لها من
محدث ، والمخصص لا بد له من مخصص، والترجيح لا بد له من مرجح ؛
إذا كان المخصص أو المرجح من الممكنات ، أو المحدثات .
وأما ((الإلزام)) فقولكم إن هذا الإشكال لازم للفلاسفة ، كما هو
١٨٧

لازم لنا . فإن الحوادث إذا امتنع حدوثها عن علة تامة أزلية - وليس
عندكم إلا العلة التامة الأزلية - لزم ألا يكون للحوادث محدث . وأما
نحن إذا سلكنا طريق سلف الأمة وأئمتها ، فنقول لهؤلاء الفلاسفة :
بل خلق الله السموات والأرض فى ستة أيام ، كما أخبرت به الرسل ،
فحدثت بأسباب حدثت قبل ذلك ، وإذا قلنا : إنه لم يزل متكلما إذا
( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ,َكُنْ فَيَكُونُ ) -
شاء ۔۔ و
كان ما يحدث حادثاً بما شاء أن يتكلم به من كلامه ؛ لاسيما إذا قيل
بنظير ذلك فى إرادته - سبحانه وتعالى - وأمكننا أن نجيب الفلاسفة
بجواب آخر ، مركب عنا وعنكم.
فنقول لهم : وجود حوادث لا أول لها ممكن أو ممتنع؟ .
فإن قلتم ممتنع : لزمكم القول بحدوث العالم ، وأمكن حينئذ صحة
قول الكرامية ومحوم .
وإن قلتم : هو ممكن. قيل: فممكن حينئذ أن يكون هذا العالم حدث
بسبب حادث قبله . وكذلك السبب الآخر لا إلى غابة ، والكلام على
هذه الأمور مبسوط فى غير هذا الموضع .
و «المقصود هنا)» التنبيه على أن هذه مقامات دقيقة ، مشكلة ،
١٨٨

بسببها افترقت الأمة واختلفت . فإذا اجتهد الرجل فى متابعة الرسول،
والتصديق بما جاء به ، وأخطأ فى المواضع الدقيقة التى تشتبه على أذكياء
المؤمنين ، غفر الله له خطاياه؛ تحقيقاً لقوله: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآَ
وقد ثبت فى الصحيح أن الله قال: ((قد فعلت))
أَوْ أَخْطَأَنَ )
وأما قول القائل : ومن قال : كلام الله منزه عن سمات الحدوث
إذ الصوت والحرف لازمها الحدوث ، فكما لذاته التنزيه عن سمات الخلق
كذلك لقوله الحق .
فيقال له : لا نزاع بين المسلمين ؛ بل وسائر أهل الملل وغيرهم
من العقلاء ، أن الخالق منزه عن سمات الحدوث ، فإن قدمه ضروري ؛
فيمتنع أن يقوم دليل على حدوثه ، و((السمة)) هي العلامة والدليل.
ولكن منازعوك فى الصوت والحرف : جمهور الخلائق ؛ إذ لم يوافق
الكلابية على قولهم أحد من الطوائف ، لا الجهمية ، ولا المعتزلة ، ولا
الضرارية ، ولا النجارية ، ولا الكرامية ، ولا السالمية ، ولا جمهور
المرجئة والشيعة ، ولا جمهور أهل الحديث والفقه والتصوف ، ولا
الفلاسفة : لا الإلهيون ، ولا الطبائعيون على اختلاف أصنافهم .
وخصومهم منهم من يقول : الحروف محدثة مخلوقة فى محل منفصل
عن الله، كما يقولون هم ذلك ؛ لكن يقولون: هذا كلام اللّه ليس لله
١٨٩

كلام غيره، كما أجمع المسلمون على أن هذا كلام الله، بل أجمعت
الأمم على أن الكلام لا يعقل إلا كذلك .
فإن قلتم : هذا هو كلام اللّه . لزمكم أن يكون كلامه مخلوقا ،
وإن قلتم : ليس ذلك كلام اللّه خالفتم المعلوم بالاضطرار من الشرع
واللغة، وإن قلتم نسمي هذا كلام الله، وهذا كلام الله، كلاهما
حقيقة بطريق الاشتراك اللفظي . قيل لكم : فإذا ثبت أن الكلام
المخلوق فى غيره هو كلام له حقيقة بطل أصل حجتكم ، التى إحتججتم
بها ، حيث قلتم الكلام لا يكون كلاما إلا لمن قام به ، ولا يكون
المتكلم متكلما بكلام يحل فى غيره .
وقالوا لكم أيضاً : إثبات المعنى الذي أثبتموه غير هذه الحروف ،
والأصوات يحتاج إلى إثبات وجوده ، ثم إثبات قدمه ، ثم إثبات حدوثه ،
وكل من هذه المقامات أنتم فيها منقطعون ، كما هو مبسوط فى موضعه،
وكما اعترف بذلك فضلاء هذه المقالة .
و ((الفريق الثانى)) يقول لكم: إنا نسلم لكم أن الحروف
والأصوات محدثة ؛ لكن نقول هي كلام اللّه القائم بذاته، فإن قلتم هذا
يستلزم كونه محلا للحوادث ، قالوا لكم : ونفس هذا من كلام المعتزلة
الذي تلقيتموه عنهم ، وليس لكم على ذلك حجة ، لا عقلية ولا شرعية،
١٩٠

وقد اعترف فضلاؤكم بأن هذا القول يلزم جمهور الطوائف . وقال
لكم منازعوكم : قد دل على هذا الأصل الأدلة الشرعية والعقلية .
و ((الفريق الثالث)) يقول لكم: هب أنها محدثة أهى محدثة
الأعيان أم نوعها محدث ؟ فإن قلتم : إن كل فرد من أفرادها محدث
لم ينفعكم. وإن قلتم بل النوع محدث لا متناع حوادث لا تتناهى . قيل
لكم : هذا مما ينازعكم فيه جمهور أهل الحديث ، مع جمهور الفلاسفة ،
وينازعكم فيه أئمة الملل وأئمة النحل ، وينازعكم فيه الأئمة من أهل التوراة
والإنجيل، والقرآن، والأئمة ؛ من الصابئة ، والفلاسفة، والمجوس
وغيرهم ، وإنما ابتدع هذا القول فى الإسلام طائفة من أهل الكلام ،
الذين ذمهم أئمة الدين ، وأعلام المسلمين ، وهذا القول ليس معلوماً
بالكتاب والسنة والإجماع ، ولا قاله أحد من السلف والأئمة، وإنما هو
قول مبتدع ، ومبتدعه يزعم أن العقل دل عليه . ويثبت به حدوث
العالم ، والعلم بإثبات الصانع .
وهؤلاء يقولون له : العقل يدل على نقيضه ، وأنه مناف مضاد
لحدوث العالم ، ولإثبات الصانع . وهذا مبسوط فى موضعه ؛
وإنما المقصود التنبيه على ما فى هذا الكلام من موارد النزاع ،
ومواقع الإجماع .
١٩١

وقول القائل : كما لذاته التنزيه عن سمات الخلق ، فكذلك لقوله
الحق . فهذا من جنس سجع الكهان ، الذي لا يقيم حقاً ولا يبطل
باطلا ، فهل تقول إن كل ما وصف به الرب من الصفات يتصف به
كل ما له من الكلمات، أو غيرها من الصفات؟، وإذا قيل: إن الرب
تعالى إله قادر ، خالق معبود ، فهل يجب أن يكون شيء من كلماته
وصفاته إلهاً قادراً ، خالقاً ، معبوداً ؟ وهذا القول يضاهي قول النصارى،
الذين قالوا : كما أن أقنوم الوجود إله ، فكذلك أقنوم الكلمة والروح،
فيثبتون للصفات الإلهية التى أثبتوها للذات ،
والرب تعالى له كلام قائم بمحل لا يوجد بغيره، إذ لا بد للكلام من محل
لا يوجد الكلام بدونه، فهل يجب أن يفتقر الرب إلى محل يقوم به، كما يفتقر
الكلام إلى ذلك؟ ولكن يجب تنزيه كلامه عن كل نقص وعيب؛ إذهو
المستحق للكال فى ذاته ، وصفاته، وأفعاله . ويمتنع أن يخلو عن صفات الكمال
من الحياة ، والعلم ، والقدرة ، والكلام ، وغير ذلك من صفات
الكمال ، مع أنه يتصف بها بعض مخلوقاته ، فالموصوف الواجب
الوجود القديم الأزلي أحق بصفات الكمال من المخلوقات ، وكل
كمال ثبت لمخلوق فمن الخالق استفاده، والخالق أوهبه إياه ، وأعطاء
فواهب الكمال ، ومعطيه أحق به ، وأولى .
وهذا مما يعبر عنه كل قوم باصطلاحهم ، حتى تقول المتفلسفة :
١٩٢

كل كمال ثبت للمعلول فهو [ من ] كمال العلة . ومعلوم أن المخلوق
الذي خلق من قبل ، ولم يك شيئاً ليس له من نفسه شيء أصلا ؛
بل كل ماله فمن خالقه سبحانه وتعالى .
وأما قوله: ولتعلم أن الحرف اللساني والحرف البنانى: كلاهما مقيد
بزمان ، بصرفه المولى متكلم قبل الزمان ، فتعالى كلامه عن أن
تكتنفه الحدثان ، فقد عرف منازعة المنازعين له فى هذا، ولم يذكر
إلا مجرد الدعوى ، وقد علم أن تصور الدعوى معلوم الفساد بالضرورة
عند أكثر العقلاء ، وأن الدليل عليها مقدمات ينازعه فيها جمهور العقلاء ،
وآخرها ينتهي إلى مقدمات تلقوها عن شيوخهم المعتزلة ؛ فإن الكلابية
والأشعرية إنما أخذوا مقدمات هذا الكلام ، ومادته منهم . وقد
عرف حالهم فى ذلك .
وقوله المولى متكلم قبل الزمان، إن أراد أنه سبحانه وتعالى قبل
السموات والأرض ، والليل والنهار ، وقبل جميع المخلوقات ، فهذا
حق ؛ لكن من أين له أن كل ما كلم به عباده، ويكلمهم به يوم
القيامة ، يجب أن يكون قبل جميع المخلوقات ؟ ومن أين له أنه قبل
خلق العالم كان منادياً لموسى، قائلا له: ( إِنَّنِى أَنَا اللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِى
وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ)؟
١٩٣

وإن أراد أنه سبحانه وتعالى قبل ما يوصف بالقبل فهذا ممتنع ،
فإنه سبحانه موصوف بأنه الأول قبل كل شيء ، وإن أراد بذلك أن
الزمان مقدار الفعل والحركة ، وأن ذلك ممتع في الأزل ، فقد عرف
أن أئمة الملل والنحل ينازعونه فى هذا ، مع اتفاق أهل الملل على أن
الله خالق السموات والأرض فى ستة أيام، وقوله: إن الحرف والصوت
أدانان يعبر بهما عن المعنى القائم بذات الله، كما يعبر الإنسان عما قام
به من الطلب : تارة بالبنان ، وتارة باللسان ، وتارة بالرأس عند
طلب الرواح ، وعند طلب الإتيان ، فهذا مذهب الحق، ومركب الصدق.
فيقال له : هذا عليه اعتراضات :
((أحدها)) أن يقال: ما ذلك المعنى القائم بالذات ؟ أهو واحد
كما يقوله الأشعري ، وهو عنده مدلول التوراة ، والإنجيل، والقرآن
ومدلول آية الكرسي والدين، ومدلول سورة الإخلاص وسورة الكوثر؟
أم هو معان متعددة ؟ فإن قال بالأول : كان فساده معلوماً بالاضطرار
ثم يقال : التصديق فرع التصور ، ونحن لا نتصور هذا ، فبين لنا
معناه . ثم تكلم على إثباته . فإن قال : هو نظير المعانى الموجودة
فينا كان هذا الكلام بعد النزول عما يحتمله من التشبيه والتمثيل
باطلا ؛ لأن الذي فينا معان متعددة متنوعة ، وإما معنى واحد هو
أمر بكل مأمور به ، وخبر عن كل مخبر عنه ، فهذا غير متصور.
١٩٤

((الثانى)) أن يقال: هب أنه متصور . فما الدليل على ثبوته ؟
وما الدليل على قدمه ؟.
((الثالث)) أن يقال: قولك الصوت والحرف عبارة عنه . أتعنى
به الأصوات المسموعة من القراء ، أو الحروف الموجودة في التلاوة
والمصاحف، وإما حروفاً وأصواتاً غير هذه. فإن قلت بالأول كان
باطلا من وجوه:
((أحدها)): أنه كل من أحاد القراءة عبر عما فى نفس الله،
من غير أن يكون الله عبر عما فى نفسه، فيكون المخلوق أقدر
من الخالق .
((الثانى)) أن كثيرا من القراء أو أكثرهم لا يفقهون أكثر معانى
القرآن، والتعبير عما فى نفس المعبر فرع على معرفته ، فمن لم يفهم جميع
معانى القرآن - كلام اللّه - فكيف يعبر عن تلك المعانى؟!
((الثالث)) أن الناس لا يفهمون معانى القرآن، إلا بدلالة ألفاظ
القرآن على معانيه ؛ فإذا سمعوا ألفاظه وتدبروه كان اللفظ لهم دليلا على
المعانى ، والمستدل باللفظ على المعنى الذي أراده المتكلم يمتنع أن يكون
هو المعبر باللفظ عن المعنى ، فإن المعبر باللفظ عن المعنى يعرف المعنى أولا ،
١٩٥

ثم يدل غيره عليه بالعبارة ، والناس فى القرآن على ضد هذه الحال :
فيمتنع أن يكونوا م المعبرين به .
((الرابع)) أن كل واحد منهم يعلم أنه تعلم القرآن العربى من
غيره ، وأنه ليس له فيه إلا الحفظ ، والتبليغ ، والأداء ؛ بل يعلم أنه
إذا حفظ خطب الخطباء ، وشعر الشعراء ، لم يكن هو المعبر عما في
أنفسهم بذلك الكلام ؛ بل يكون الكلام كلامهم ، وهو قد حفظه ،
وأداء ، وبلغه . فكيف بكلام رب العالمين ؟!
((الخامس)) أن كل واحد يعلم بالاضطرار أن نفس القرآن العربى
كان موجوداً قبل وجود كل القراء ، وأن الناس إنما تلقوه عن محمد
صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً .
و ((بالجملة)) فالدلالة على فساد هذا القول أكثر من أن تحصر.
وإن قلت : بل الحروف والأصوات المعبر بها عن المعانى التى
أرادها الله من حروف وأصوات كانت موجودة قبل وجود القراء :
ولكن كل من القراء حفظ ذلك النظم العربى ، الذي كان موجوداً قبله
قيل لك : حينئذ قد كان ثم حروف وأصوات غير هذه الأصوات
المسموعة من القراء ، وغير المداد المكتوب فى المصاحف ، وهذا هو
١٩٦

الحق الذي اتفق عليه جميع الخلق .
فقول القائل: إنه ما ثم إلا المعنى القائم بالذات ، أو هذه الحروف
والأصوات ليس بحق . ويقال له حينئذ : فتلك الحروف والأصوات أهي
من كلام الله الذي تكلم به ؟ أم هي مخلوقة خلقها في غيره ؟ فإن
قلت : هي من كلام الله تعالى لزمك ما فررت منه، حيث أقررت أن
لله كلاماً هو حروف وأصوات ، كما يقوله جمهور المسلمين. وإن قلت:
ليست كلاماً لله فهذه أولى من أن تكون كلاماً لله . وحينئذ فلا يكون
هذا القرآن كلام الله، وهذا مما يعلم بطلانه بالضرورة من دين الإسلام.
وأما قوله : من قال لفظي عين كلام الله: فقد انسلخ عن ربقة
العقل، وغرق فى بحر العماية والجهل. فيقال: قول القائل: [ لفظي ]
((عين كلام اللّه)) كلام مجمل. فإن ((اللفظ)) فى الأصل مصدر لفظ
يلفظ لفظاً، كما أن ((التلاوة، والقراءة)» فى الأصل مصدر تلا يتلو ،
وقرأ يقرأ، ويعبر باللفظ والتلاوة ، والقراءة عن نفس الكلام الملفوظ
به ، المتلو المقروء .
فإن الناس إذا قالوا : اللفظ بدل على المعنى . لم يريدوا باللفظ
المصدر ؛ بل يريدون به الملفوظ به . وإذا قالوا لمن سمعوه يتكلم :
هذه ألفاظ حسنة ، أرادوا به ما يلفظه، كما قال تعالى: (مَايَلْفِظُ مِن قَوْلٍ
١٩٧

يراد باللفظ نفس الفعل ، وقديراد به نفس
إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ )
القول الذي لفظه اللافظ. وهذاكـ ((القرآن)) قد يراد به المصدر ،
( إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ, وَقُرْءَانَهُ, *
وقد يراد به الكلام المقروء . وقال تعالى :
والقرآن هنا مصدر ، كما فى الآية عن ابن
فَإِذَا قَرَأْتَهُ فَنَّعْ قُزْءَانَهُ, )
عباس ، قال : علينا أن نجمعه فى صدرك ، ثم أن تقرأ. بلسانك ، فإذا
قرأه جبريل فاستمع لقراءته . ثم إن علينا أن نبينه .
وقد يراد بـ ((القرآن)) نفس الكلام المقروء، كما قال: (وَإِذَا
قُرِىَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُوْلَهُ, وَأَنْصِتُواْ) وقوله: (إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى
هِىَ أَقْوَمُ) وقال تعالى: (لَوْأَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لَرَ أَيْتَهُ خَشِعًا
(قُل لَِّنِ أَجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ
وقال تعالى :
مُتَصَدِّ عَامِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ )
وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُواْبِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، )
ونظائره كثيرة .
وإذا كان كذلك: فقول القائل لفظي: هو عين كلام الله. إن
أراد به المصدر فقد أخطأ ، فإن نفس حركانه ليست هي كلام الله ،
وهذا لا يقوله أحد يفهم ما يقول .
وإن أراد ((الثاني)): كان المعنى أن هذا القرآن الذي أتلوه هو
عين كلام الله، وهذا هو الذى يقصده الناس ، إذا قالوا : الذي يقرأ
١٩٨

القراء عين كلام الله ، وهذا الذى نسمعه من القراء عين كلام الله،
وهذا الذي يقرأ فى الصلاة عين كلام الله ، لا يقصد أحد أن يجعل
حركات العباد نفس كلامه .
ثم إذا قال القائل هذا فقد وافق قول الله تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌمِّنَ
اَلْمُشْرِكِينَ أُسْتَجَارَكَ فَأَجِرُهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَمَ اللَّهِ )
بل قد علم
بالاضطرار من دين الإسلام : أن هذا الذي يقرؤه المسلمون، ويكتبونه
فى مصاحفهم هو كلام اللّه لاكلام غيره. تارة يسمع منه كما سمعه موسى
ابن عمران ، وتارة يسمع من المتلقين عنه كما سمعه الصحابة من الرسول،
فهذا الذي نسمعه هو كلام الله، متلقى عنه مسموعا من المبلغ عنه .
وقال تعالى :
(وَأُوْحِىَ إِلَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ، وَمَنْ يَلَغَ )
قال تعالى :
(يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن ◌َلَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ, )
والناس
(لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَلَتِ رَبِهِمْ ).
وقال تعالى :
يعلمون أن الكلام كلام من قاله آمراً بأمره ، مخبراً بخبره ، مبتدئاً به،
لا كلام من بلغه عن غيره وأداء .
فالناس يقرؤون القرآن ، وليس هو كلامهم ؛ ولكنه كلام يقرؤونه
بأفعالهم وأصواتهم . وإذا كان كلام النبي صلى الله عليه وسلم وكلام
غيره إذا رواه الناس عنه ، وبلغوه وقرؤوه ، فهو كلام النبي صلى
اللّه عليه وسلم، وغيره من المتكلمين بذلك الكلام، والنبي صلى
١٩٩

الله عليه وسلم تكلم بلفظه، ونظمه، ومعناه، وتكلم به بحروف
وأصوات ، مع أن أصوات الرواة ليست صوت النبى صلى الله
عليه وسلم .
فالقرآن إذا قرأه الناس وبلغوه بأصواتهم وأفعالهم : كان أولى بان
يكون كلام الله ، وإن كانوا لم يسمعوه من الله ؛ بل من الخلق .
ومما ينبغي أن يعلم: أن قول الله ورسوله والمؤمنين أن هذا كلام
الله ؛ بل قول الناس لما بلغ من كلام المخلوقين آن هذا كلام فلان حق ،
كما انفق على ذلك الناس ؛ لكن عرضت شبهة لكثير من المتطعين ، فلم يفرقوا
بين ما إذا سمع كلام المتكلم به . وبين ما إذا سمع من غيره ، فظنوا أنه
) كان بمنزلة سماع موسى
فَأَجِرُهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَمَاُللَّهِ
إذا قال : (
كلام الله .
فقالت (( طائفة)) المسموع أصوات العباد؛ وكلام اللّه ليس هو
أصوات العباد ، فلا يكون المسموع كلام الله .
وقالت ((طائفة)) بل هذا كلام اللّه، وهذا مخلوق ؛ فكلام
الله مخلوق .
وقالت «طائفة)): بل هذا كلام الله، وكلام الله غير مخلوق،
فهذا غير مخلوق .
٢٠٠