Indexed OCR Text
Pages 141-160
الاجتماع والافتراق وهما حادثان، وتارة يثبتونها بأن الأجسام لا تخلو عن الأكوان الأربعة: الاجتماع والافتراق، والحركة والسكون، وهى حادثة. وهذه طرق المعتزلة ومن وافقهم على أن الأجسام لا تخلو عن بعض أنواع الأعراض . وتارة يثبتونها بأن الجسم لا يخلو من كل جنس من الأعراض عن عرض منه . ويقولون : القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده ويقولون : إن الأعراض يمتنع بقاؤها لأن العرض لا يبقى زمانين ، وهذه الطريقة هي التى اختارها الآمدي ، وزيف ما سواها ، وذكر أن جمهور أصحابه اعتمدوا عليها ، وقد وافقهم عليها طائفة من الفقهاء من أصحاب الأئمة الأربعة: كالقاضي أبي يعلى وأبى المعالى الجوينى ، وأبى الوليد الباجى وأمثالهم . وأما الهشامية والكرامية وغيرم من الطوائف الذين يقولون بحدوث كل جسم ، ويقولون : إن القديم تقوم به الحوادث ، فهؤلاء إذا قالوا بأن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث ، كما هو قول الكرامية وغيرهم موافقة للمعتزلة فى هذا الأصل، فإنهم يقولون إن الجسم القديم يخلو عن الحوادث بخلاف الأجسام المحدثة ، فإنها لا تخلو عن الحوادث. والناس متنازعون فى ((السكون)) هل هو أمر وجودي أو عدمي؟ ١٤١ فمن قال إنه وجودي قال إن الجسم الذي لا يخلو عن الحركة والسكون إذا انتفت عنه الحركة قام به السكون الوجودي ، وهذا قول من يحتج بتعاقب الحركة والسكون على حدوث المتصف بذلك ، ومن قال إنه عدمي: لم يلزم من عدم الحركة عن المحل ثبوت سكون وجودي ، فمن قال إنه تقوم به الحركة أو الحوادث بعد أن لم تكن مع قوله بامتناع تعاقب الحوادث ، كما هو قول الكرامية وغيرم - يقولون: إذا قامت به الحركة لم يعدم بقيامها سكون وجودي ؛ بل ذلك عندهم بمنزلة قولهم مع المعتزلة والأشعرية وغيرم أنه يفعل بعد أن لم يكن فاعلا ، ولا يقولون : إن عدم الفعل أمر وجودي - كذلك الحركة عند هؤلاء ، وكان كثير من أهل الكلام يقولون : ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، أو ما لا يسبق الحوادث فهو حادث ، بناء على أن هذه مقدمة ظاهرة ، فإن ما لا يسبق الحادث فلا بد أن يقارنه أو يكون بعده ، وما قارن الحادث فهو حادث وما كان بعده فهو حادث . وهذا الكلام مجمل فإنه إذا أريد به ما لا يخلو عن الحادث المعين أو مالا يسبق الحادث المعين فهو حق بلا ريب، ولا نزاع فيه ، وكذلك إذا أريد بالحادث جملة ما له أول أو ما كان بعد العدم ونحو ذلك، وأما إذا أريد بالحوادث الأمور التى تكون شيئاً بعد شيء لا إلى أول. وقيل : إنه ما لا يخلو عنها وما لم يخل عنها فهو حادث لم يكن ذلك ظاهراً ولا بينا ١٤٢ بل هذا المقام حار فيه كثير من الأفهام ، وكثر فيه النزاع والخصام ؛ ولهذا صار المستدلون بقولهم : ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث يعلمون أن هذا الدليل لا يتم إلا إذا أثبتوا امتناع حوادث لا أول لها، فذكروا فى ذلك طرقا قد تكلمنا عليها فى غير هذا الموضع . وهذا الأصل تنازع الناس فيه على ((ثلاثة أقوال)). فقيل: ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث ، وبامتناع حوادث لا أول لها مطلقاً ، وهذا قول المعتزلة ومن اتبعهم من الكرامية والأشعرية ، ومن دخل معهم من الفقهاء وغيرهم . وقيل : بل يجوز دوام الحوادث مطلقاً وليس كل ما قارن حادثاً بعد حادث لا إلى أول يجب أن يكون حادثا؛ بل يجوز أن يكون قديماً سواء كان واجباً بنفسه أو بغيره، وربما عبر عنه بالعلمة والمعلول، والفاعل والمفعول ونحو ذلك وهذا قول الفلاسفة القائلين بقدم العالم والأفلاك ، كأرسطو وأتباعه مثل ثامسطيوس ، والإسكندر الأفريدوسي وبرقلس، والفارابي ، وابن سينا وأمنالهم . وأما جمهور الفلاسفة المتقدمين على أرسطو فلم يكونوا يقولون ١٤٣ بقدم الأفلاك . ثم الفلاسفة من هؤلاء وهؤلاء متنازعون فى قيام الصفات والحوادث بواجب الوجود على قولين معروفين لهم ، وإثبات ذلك قول كثير من الأساطين القدماء ، وبعض المتأخرين ، كأبى البركات صاحب المعتبر وغيره ، كما بسطت أقوالهم فى غير هذا الموضع . وقيل : بل إن كان المستلزم للحوادث ممكناً بنفسه ، وأنه هو الذي يسمى مفعولا ومعلولا، ومربوبا ونحو ذلك من العبارات وجب أن يكون حادثا . وإن كان واجباً بنفسه لم يجز أن يكون حادثًا، وهذا قول أئمة أهل الملل وأساطين الفلاسفة ، وهو قول جماهير أهل الحديث . وصاحب هذا القول يقول مالا يخلو عن الحوادث وهو ممكن بنفسه فهو حادث أو مالا يخلو عن الحوادث وهو معلول أو مفعول أو مبتدع أو مصنوع فهو حادث ؛ لأنه إذا كان مفعولا مستلزما للحوادث امتنع أن يكون قديما ؛ فإن القديم المعلول لا يكون قديماً إلا إذا كان له موجب قديم بذاته يستلزم معلوله ، بحيث يكون معه أزلياً لا يتأخر عنه ، وهذا ممتنع. فإن كونه مفعولا ينافى كونه قديماً ، بل قدمه ينافى كونه ممكناً ، فلا يكون ممكناً إلا ما كان محدثا عند جماهير العقلاء من الأولين والآخرين ، وهذا قول الفلاسفة القدماء قاطبة كأرسطو وأتباعه ، وإنما أثبت ممكناً قديماً بعض متأخريهم كابن سينا وأتباعه خالفوا فى ١٤٤ ذلك الفلاسفة القدماء قاطبة ، كما خالفوا فى ذلك جماهير العقلاء من سائر الطوائف ؛ ولهذا تناقضوا فى أحكام الممكن، وورد عليهم فيه من الأسئلة [مالا جواب لهم عنه كما ذكرت ذلك] فى [الرد على] الأربعين وغير ذلك من المواضع . وما يدعى من أن المعلول قد يقارن علته إنما يعقل فيما كان شرطاً لا فاعلا، كقولهم : حركت يدى فتحرك الخاتم ؛ فإن حركة اليد شرط فى تحريك الخاتم ، والشرط والمشروط قد يتلازمان [ و] ليست فاعلة مبدعة لها ، وكذلك الشعاع مع النار والشمس ونحو ذلك ، وأما ما يكون فاعلا فلا يتصور أن يقارنه مفعوله فى الزمان ، سواء كان فاعلا بالإرادة أو قدر أنه فاعل بغير إرادة ، وسواء سمي فاعلا بالذات أو بالطبع ، أو ما قدر ، لا يتصور أن يكون المفعول مقارناً لفاعله فى الزمان ، كما اعترف بذلك جماهير العقلاء من الأولين والآخرين . وأرسطو وأتباعه لم يقولوا إن الفلك مفعول للرب ، ولا إنه معلول لعلة فاعلية أبدعت ذاته ؛ بل زعموا أنه قديم واجب بنفسه ، وأن له علة غائية يتشبه بها ، نحو حركة المعشوق يجب أن يقتدى به، والفلك عندهم بتحرك للتشبه بتلك العلة، ولهذا قالوا: ((الفلسفة)) هي التشبه بالإله بحسب الطاقة، وقولهم - وإن كان فيه من الكفر والجهل باللّه أعظم مما فى قول ابن سينا وأتباعه، وفيهم من التناقض فى الإلهيات ١٤٥ ما ليس هذا موضع بسطه - فلم يتناقضوا فى إثبات ممكن قديم كتناقض متأخربهم . ولهذا لما كانت هذه القضية مستقرة فى فطر العقلاء وكان مجرد العلم والخبر بأن السموات مخلوقة أو مصنوعة أو مفعولة موجباً للعلم بأنها حادثة ، لا يخطر بالفطر السليمة إمكان كونها مفعولة لفاعل فعلها مع كونها قديمة لم تزل معه ، ولهذا لم يدع هذا إلا هذه الشرذمة القليلة من المتفلسفة . و ((أيضاً)) فإن ما استلزم الحوادث يمتنع أن يكون فاعله موجباً بذاته يستلزم معلوله فى الأزل ؛ فإن الحوادث المتعاقبة شيئاً بعد شيء ، لا يكون مجموعها فى الأزل، ولا يكون شيء منها أزلياً ، بل الأزلي هو دوامها واحداً بعد واحد، والموجب بذاته المستلزم لمعلوله فى الأزل لا يكون معلوله شيئاً بعد شيء ، سواء كان صادراً عنه بواسطة أو بغير واسطة، فإن ما كان واحدا بعد واحد يكون متعاقباً حادثاً شيئاً بعد شيء ، فيمتنع أن يكون معلولا مقارناً لعلته فى الأزل بخلاف ما إذا قيل إن المقارن لذلك هو الموجب بذاته الذي يفعل شيئاً بعد شيء ، فإنه على هذا التقدير لا يكون فى الأزل موجباً بذاته ، ولا علة سابقة تامة لشيء من العالم ، فلا يكون معه فى الأزل من المخلوقات شيء لكن فاعليته للمفعولات تكون شيئاً بعد شيء ، وكل مفعول يوجد عنده وجود كمال فاعليته ، ١٤٦ إذ المؤثر التام المستلزم لجميع شروط التأثير لا يتخلف عنه أثره ؛ إذ لو تخلف لم يكن مؤثراً تاماً، فوجود الأثر يستلزم وجود المؤثر التام ، ووجود المؤثر التام يستلزم وجود الأثر ، فليس في الأزل مؤثر تام ، فليس مع اللّه شيء من مخلوقاته قديم بقدمه، والأزل ليس هو حداً محدوداً ولا وقتاً معيناً؛ بل كل ما يقدره العقل من الغابة التى ينتهي إليها فالأزل قبل ذلك ، كما هو قبل ماقدره، فالأزل لا أول له ، كما أن الأبد لا آخر له . وفى الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان كان يقول: (( أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء )) فلو قيل إنه مؤثر تام فى الأزل لشىء من الأشياء لزم أن يكون مقارنا له دائماً ، وذلك ينافى كونه مفعولا له ، وإنما يصح مثل هذا فى الصفة اللازمة للموصوف ، فإنه إذا قيل : الذات مقتض تام للصفة كان المعنى أن الذات مستلزمة للصفة ، ليس المراد بذلك أن الذات مبدعة للصفة ، فإنه إذا تصور معنى المبدع امتنع فى المقارن بصريح المعقول ، سواء سمى علة فاعلة أو خالقاً أو غير ذلك ، وامتنع أن يقوم بالأثر شيء من الحوادث ؛ لأن كل حادث يحدث لا يحدث إلا إذا وجد مؤثره التام عند حدوثه ، وإن كانت ذات المؤثر موجودة قبل ذلك ؛ لكن لابد من كمال وجود شروط التأثير عند وجود الأثر ١٤٧ وإلا لزم الترجيح بلا مرجح ، ويخلف المعلول عن العلمة التامة . ووجود الممكن بدون المرجح التام . وكل هذا ممتع ، فامتنع أن يكون مؤثراً لشيء من الحوادث في الأزل، وامتنع أن يكون مؤثراً فى الأزل فيما يستلزم الحوادث ، لأن وجود الملزوم بدون اللازم محال فامتنع أن يكون المفعول المستلزم للحوادث قديماً . واذا قيل ذاته مقتضية للحادث الثانى بشرط انقضاء الأول . قيل: فليس هو مقتضياً لشيء واحد دائماً ، فلا يكون معه قديم من مفعولاته . وقيل ايضاً : هذا إنما يكون إذا كانت لذاته أحوال متعاقبة تختلف المفعولات لأجلها ، فأما إذا قدر أن لا يقوم بها شيء من الأحوال المتعاقبة ؛ بل حالها عند وجود الحادث كمالها قبله ، كان امتناع فعله للحوادث المتعاقبة الباتنة أعظم من امتناع فعله لحادث معين ، فإذا كان الثاني ممتنعاً عندم فالأول أولى بالامتناع ، ومتى كان للذات أحوال متعاقبة تقوم بها بطلت كل حجة لهم على قدم شيء من العالم ، وامتنع أيضاً قدم شيء من العالم إذا كان المفعول لابد له من فاعل والفعل الحادث لا يكون مفعوله إلا حادثاً . وهذا مبسوط في غير هذا الموضع . ١٤٨ فصل وإذا عرف الأصل الذى منه تفرع نزاع الناس فى «مسألة كلام الله)) فالذين قالوا ما لا يسبق الحوادث فهو حادث مطلقاً تنازعوا فى كلام اللّه تعالى. فقال كثير من هولاء: الكلام لا يكون إلا بمشيئة المتكلم وقدرته ، فيكون حادثاً كغيره من الحوادث ، ثم قالت طائفة : والرب لا تقوم به الحوادث ، فيكون الكلام مخلوقاً فى غيره ، فجعلوا كلامه مخلوقاً من المخلوقات ، ولم يفرقوا بين قال وفعل . وقد علم أن المخلوقات لا يتصف بها الخالق ، فلا يتصف بما يخلقه فى غيره من الألوان والأصوات، والروائح والحركة، والعلم والقدرة ، والسمع والبصر، فكيف يتصف بما يخلقه فى غيره من الكلام ، ولو جاز ذلك لكان ما يخلقه من إنطاق الجمادات كلامه ، ومن على أنه خالق كلام العباد وأفعالهم يلزمه أن يقول كل كلام في الوجود فهو كلامه ، كما قال بعض الاتحادية : وكل كلام في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه وهذا قول الجهمية والنجارية والضرارية وغيرهم، فإن هؤلاء ١٤٩ يقولون : إنه خالق أفعال العباد وكلامهم ، مع قولهم إن كلامه مخلوق فيلزمهم هذا . وأما ((المعتزلة)) فلا يقولون إن الله خالق أفعال العباد ، لكن الحجة توجب القول بذلك . وقالت طائفة: بل الكلام لابد أن يقوم بالمتكلم ، ويمتنع أن يكون كلامه مخلوقاً فى غيره ، وهو متكلم بمشيئته وقدرته فيكون كلامه حادثاً بعد أن لم يكن ؛ لامتناع حوادث لا أول لها . وهذا قول الكرامية وغيرهم . ثم من هؤلاء من يقول : كلامه كله حادث لا محدث . ومنهم من يقول هو حادث ومحدث . وقال كثير من هؤلاء الذين يقولون بامتناع حوادث لا أول لها مطلقاً: الكلام لازم لذات الرب ، كلزوم الحياة ليس هو متعلقاً بمشيئته وقدرته بل هو قديم كقدم الحياة ؛ إذ لو قلنا إنه بقدرته ومشيئته لزم أن يكون حادثاً ، وحينئذ فيلزم أن يكون مخلوقاً أو قائماً بذات الرب ، فيلزم قيام الحوادث به وذلك يستلزم تسلسل الحوادث ؛ لأن القابل للشيء لا يخلو عنه أو عن ضده . قالوا : وتسلسل الحوادث ممتع ؛ إذ التفريع على هذا الأصل . ثم إن هؤلاء لما قالوا بقدم عين الكلام تنازعوا فيه فقالت طائفة : ١٥٠ القديم لا يكون حروفاً ولا أصواتاً ؛ لأن الصوت يستحيل بقاؤه ، كما يستحيل بقاء الحركة ، وما امتنع بقاؤه امتنع قدم عينه بطريق الأولى والأحرى ، فيمتنع قدم شيء من الأصوات المعينة ، كما يمتنع قدم شيء من الحركات المعينة ؛ لأن تلك لا تكون كلاماً إلا إذا كانت متعاقبة ، والقديم لا يكون مسبوقاً بغيره، فلو كانت الميم من ( بسم الله) قديمة مع كونها مسبوقة بالسين والباء لكان القديم مسبوقاً بغيره ، وهذا ممتنع فيلزم أن يكون القديم هو المعنى فقط ولا يجوز تعدده ؛ لأنه لو تعدد لكان اختصاصه بقدر دون قدر ترجيحاً بلا مرجح ، وإن كان لايتناهى لزم وجود أعداد لانهاية لها فى آن واحد . قالوا: وهذا ممتنع، فيلزم أن يكون معنى واحداً هو الأمر والخبر ، وهو معنى التوراة والإنجيل والزبور والقرآن ، وهذا أصل قول الكلابية والأشعرية . وقالت طائفة من أهل الكلام والحديث والفقهاء وغيرهم : بل هو حروف قديمة الأعيان لم تزل ولا تزال ، وهي مترتبة فى ذاتها لا في وجودها ، كالحروف الموجودة فى المصحف وليس بأصوات قديمة . ومنهم من قال : بل هو أيضاً أصوات قديمة ولم يفرق هؤلاء بين الحروف المنطوقة التى لا توجد إلا متعاقبة ، وبين الحروف المكتوبة التى توجد في آن واحد ، كما يفرق بين الأصوات والمداد ؛ فإن الأصوات لا تبقى بخلاف المداد فإنه جسم يبقى ، وإذا كان الصوت لا يبقى امتنع ١٥١ أن يكون الصوت المعين قديماً ؛ لأن ما وجب قدمه لزم بقاؤه وامتنع عدمه ، والحروف المكتوبة قد يراد بها نفس الشكل القائم بالمداد أو ما يقدر بقدر المداد : كالشكل المصنوع فى حجر وورق ، فازالة بعض أجزائه تدل على حدوثه ، وقد يراد بالحروف نفس المداد . وأما الحروف المنطوقة فقد يراد بها أيضاً الأصوات المقطعة المؤلفة، وقد يراد بها حدود الأصوات وأطرافها ، كما يراد بالحرف فى الجسم حده ومنتهاه . فيقال : حرف الرغيف وحرف الجيل ونحو ذلك . ومنه قوله تعالى : ) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اَللَّهَ عَلَىحَرْفٍ ( وقد يراد بالحروف الحروف الخيالية الباطنة ، وهي ما يتشكل فى باطن الإنسان من الكلام المؤلف المنظوم قبل أن يتكلم به . وقد تنازع الناس هل يمكن وجود حروف بدون أصوات فى الحي الناطق ؟ على قولين لهم ، وعلى هذا تنازعت هذه الطائفة القائلة بقدم أعيان الحروف ، هل تكون قديمة بدون أصوات قديمة أم لابد من أصوات قديمة لم تزل ولا تزال ؟ ثم القائلون بقدم الأصوات المعينة تنازعوا فى المسموع من القارىء. هل يسمع منه الصوت القديم ؟ فقيل : المسموع هو الصوت القديم وقيل بل المسموع هو صوتان أحدهما القديم ، والآخر المحدث ، فما لا بد منه فى وجود القرآن فهو القديم ، وما زاد على ذلك فهو المحدث . ١٥٢ وقيل : بل الصوت القديم غير المسموع من العبد . وتنازعوا في ((القرآن)) هل يقال إنه حال فى المصحف والصدور أم لا يقال ذلك ؟ على قولين . فقيل : هو ظاهر في المحدث ليس بحال فيه . وقيل : بل القرآن حال فى الصدور والمصاحف ، فهؤلاء الخلقية والحادثية ، والاتحادية والاقترانية أصل قولهم أن ما لا يسبق الحوادث فهو حادث مطلقاً . ومن قال بهذا الأصل فإنه يلزمه بعض هذه الأقوال أو ما يشبه ذلك ، فإن من الناس من يجعله حادثاً، يريد أنه كائن بعد أن لم يكن ، ويجعل الحادثات إرادات ونصورات لا حروف وأصوات . والداربي وغيره يميلون إلى هذا القول ؛ فإنه إما أن يجعل كلام الله حادثاً أو قديماً ، وإذا كان حادثاً فإما أن يكون حادثاً فى غيره وإما أن يكون حادثاً فى ذاته ، وإذا كان قديماً فإما أن يكون القديم المعنى فقط ، أو اللفظ فقط ، أو كلاهما ، فإذا كان القديم هو المعنى فقط لزم أن لا يكون الكلام المقروء كلام الله تعالى تم الكلام فى ذلك المعنى قد عرف. وأما قدم اللفظ فقط ، فهذا لم يقل به أحد ؛ لكن من الناس من يقول إن الكلام القديم هو اللفظ . وأما معناء فليس هو داخلا في مسمى الكلام ، بل هو العلم والإرادة وهما قديمان ، لكن ليس ذلك داخلا فى مسمى الكلام ، فهذا بقول الكلام القديم هو اللفظ ١٥٣ فقط إما الحروف المؤلفة وإما الحروف والأصوات ؛ لكنه يقول إن معناه قديم . وأما ((الفريق الثاني)) الذين قالوا بجواز حوادث لا أول لها مطلقاً ، وأن القديم الواجب بنفسه يجوز أن تتعقب عليه الحوادث مطلقاً ، وإن كان ممكناً لا واجباً بنفسه ، فهؤلاء القائلون بقدم العالم كما يقولون بقدم الأفلاك ، وأنها لم تزل ولا تزال معلولة لعلة قديمة أزلية ، لكن المنتسبون إلى الملل كابن سينا ونحوه منهم قالوا إنها صادرة عن الواجب بنفسه الموجب لها بذاته ، وأما أرسطو وأتباعه فإنهم قالوا : إن لها علة غائية تتحرك للتشبه بها فى تحركها ، كما يحرك المعشوق عاشقه ، ولم يثبتوا لها مبدعا موجباً ولا موجباً قائماً بذاته ، ولا قالوا إن الفلك ممكن بنفسه واجب بغيره ، بل الفلك عنده واجب بنفسه ، لكن قالوا، مع ذلك : إن له علة غائية يتحرك للتشبه بها لاقوام له إلا بها ، فجعلوا الواجب بنفسه الذي لا فاعل له مفتقرا إلى علة غائية منفصلة عنه، هذه حقيقة قول أرسطو وأتباعه ؛ ولهذا لم يثبتوا الأول عالماً بغيره؛ إذ لم يكن الأول عندم مبدعا للفلك ؛ فانه إذا كان مبدعا يجب أن يكون عالما بمفعوله، كما قال: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) ولهذا كانت أقوالهم فى الإلهيات من أعظم الأقوال فساداً ، بخلاف أقوالهم فى الطبيعيات ؛ ولهذا كان قولهم أشد فساداً فى العقل والدين ١٥٤ من قول ابن سينا وأتباعه، ولم يثبت أرسطو وأتباعه ((العلة الأولى)) بطريقة الوجود ، ولا قسموا الوجود القديم إلى واجب وممكن ، بل الممكن عندم لا يكون إلا حادثا ، ولا أثبتوا للموجود الواجب الخصائص المميزة للرب عن الأفلاك ، بل هذا من تصرف متأخريهم الذين خلطوا فلسفتهم بكلام المعتزلة ونحوم ، وإنما أثبت واجب الوجود بطريقة الوجود ابن سينا وأتباعه . وحقيقة قول هؤلاء وجود الحوادث بلا محدث أصلا ، أما على قول من جعل الأول علة غائية للحركة فظاهر ، فإنه لا يلزم من ذلك أن يكون هو فاعلا لها . فقولهم في حركات الأفلاك نظير قول القدرية فى حركة الحيوان ، وكل من الطائفتين قد تناقض قولهم . فإن هؤلاء يقولون بأن فعل الحيوان صادر عن غيره ؛ لكون القدرة والداعي مستلزمين وجود الفعل ، والقدرة والداعي كلاهما من غير العبد . فيقال لهم : فقولوا هكذا فى حركة الفلك بقدرته وداعيه ، فإنه يجب أن يكونا صادرين عن غيره ، وحينئذ فيكون الواجب بنفسه هو المحدث لتلك الحوادث شيئاً بعد شيء ، وإن كان ذلك بواسطة العقل ، وهذا القول هو الذي يقوله ابن سينا وأتباعه ، وهو باطل أيضاً ؛ لأن الموجب بذاته القديم الذي يقارنه موجبه ومقتضاء يمتنع أن يصدر عنه ١٥٥ حادث بواسطة أو بلا واسطة ، فإن صدور الحوادث عن العلة التامة الأزلية ممتنع لذاته . وإذا قالوا الحركة بتوسطه أي [بتوسط ] حركة الفلك ، قيل لهم: فالكلام إنما هو فى حدوث الحركة الفلكية ، فإن الحركة الحادثة شيئاً بعد شيء يمتنع أن يكون المقتضى لها علة تامة أزلية ، مستلزمة لمعلولها ، فإن ذلك جمع بين النقيضين ؛ إذ القول بمقارنة المعلول لعلته في الأزل ووجوده معها يناقض أن يتخلف المعلول أو شيء من المعلول عن الأزل بل يمتنع أن يكون المقتضى لها ذاتا بسيطة لا يقوم بها شيء من الصفات والأحوال المقتضية لحدوث الحوادث المتعاقبة المختلفة ؛ بل يمتنع أن يكون المقتضى لها ذاتا موصوفة لا يقوم بها شيء من الأحوال الموجبة لحدوث الحوادث المذكورة ؛ فإن التجدد والتعدد الموجود فى المعلولات يمتنع صدوره عن علة واحدة بسيطة من كل وجه ، فصار حقيقة قولهم أن الحوادث العلوية والسفلية لا محدث لها . وهؤلاء يقولون كلام الله ما يفيض على النفوس الصافية ، كما أن ملائكة الله عندهم ما يتشكل فيها من الصور النورانية ، فلا يثبتون له كلاما خارجاً عما فى نفوس البشر ، ولا ملائكة خارجة عما فى نفوسهم غير ((العقول العشرة)) و (النفوس الفلكية التسعة))، مع أن أكثرم يقولون إنها أعراض ، وقد بين فى غير هذا الموضع أن ما يثبتونه من المجردات ١٥٦ العقلية التى هي العقول والنفوس والمواد والصور ، إنما وجودها فى الأذهان لا فى الأعيان . وأما ((الصنف الثالث)) الذين فرقوا بين الواجب والممكن، والخالق والمخلوق ، والغنى الذي لا يفتقر إلى غيره ، والفقير الذي لاقوام له إلا بالغني ، فقالوا : كل ما قارن الحوادث من الممكنات فهو محدث كائن بعد أن لم يكن ، وهو مخلوق مصنوع مربوب ، وأنه يمتنع أن يكون فيما هو فقير ممكن حربوب شيء قديم فضلا عن أن تقارنه حوادث لا أول لها ؛ ولهذا كانت حركات الفلك دليلا على حدوثه كما تقدم التنبيه على ذلك . وأما (( الرب تعالى)) إذا قيل لم يزل متكلما إذا شاء أو لم يزل فاعلا لما يشاء لم يكن دوام كونه متكلما بمشيئته وقدرته ، ودوام كونه فاعلا بمشيئته وقدرته ممتنعاً ؛ بل هذا هو الواجب ؛ لأن الكلام صفة كمال لا نقص فيه ، فالرب أحق أن يتصف بالكلام من كل موصوف بالكلام ؛ إذكل كمال لا نقص فيه ثبت للمخلوق فالخالق أولى به ؛ لأن القديم الواجب الخالق أحق بالكمال المطلق من المحدث الممكن المخلوق؛ ولأن كل كمال ثبت للمخلوق فإنما هو من الخالق ، وما جاز اقصافه به من الكال وجب له ، فإنه لو لم يجب له لكان إما ممتنعاً وهو محال بخلاف الفرض ، وإما ممكناً ، فيتوقف ثبوته له على غيره ، والرب ١٥٧ لا يحتاج في ثبوت كماله إلى غيره ، فإن معطى الكال أحق بالكمال ، فيلزم أن يكون غيره أكمل منه لو كان غيره معطياً له الكمال ، وهذا ممتنع ؛ بل هو بنفسه المقدسة مستحق لصفات الكمال ، فلا يتوقف ثبوت كونه متكلما على غيره ، فيجب ثبوت كونه متكلما ، وأن ذلك لم يزل ولا يزال، والمتكلم بمشيئته وقدرته أكمل ممن يكون الكلام لازماً له بدون قدرته ومشيئته ، والذي لم يزل متكلما إذا شاء أكمل ممن صار الكلام يمكنه بعد أن لم يكن الكلام ممكناً له . وحينئذ فكلامه قديم مع أنه يتكلم بمشيئته وقدرته ، وإن قيل : إنه ينادي ويتكلم بصوت ولا يلزم من ذلك قدم صوت معين ، وإذا كان قد تكلم بالتوراة والقرآن والإنجيل بمشيئته وقدرته لم يمتنع أن يتكلم بالباء قبل السين ، وإن كان نوع الباء والسين قديماً لم يستلزم ان تكون الباء المعينة والسين المعينة قديمة ؛ لما على من الفرق بين النوع والعين ، وهذا الفرق ثابت فى الإرادة والكلام، والسمع والبصر وغير ذلك من الصفات ، وبه تنحل الإشكالات الواردة على وحدة هذه الصفات وتعددها ، وقدمها وحدوثها ، وكذلك تزول به الإشكالات الواردة فى أفعال الرب ، وقدمها وحدوثها ، وحدوث العالم . وإذا قيل : إن حروف المعجم قديمة بمعنى النوع كان ذلك ممكناً ، بخلاف ما إذا قيل إن عين اللفظ الذي نطق به زيد وعمرو قديم ، ١٥٨ فإن هذا مكابرة للحس . والمتكلم يعلم أن حروف المعجم كانت موجودة قبل وجوده بنوعها . وأما نفس الصوت العين الذي قام به التقطيع أو التأليف المعين لذلك الصوت ؛ فيعلم أن عينه لم تكن موجودة قبله ، والمنقول عن الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة مطابق لهذا القول ؛ ولهذا أنكروا على من زعم أن حرفا من حروف المعجم مخلوق ، وأنكروا على من قال: (( لما خلق الله الحروف سجدت له إلا الألف، فقالت لا أسجد حتى أومر)» مع أن هذه الحكاية نقلت لأحمد عن سري السقطي . وهو نقلها عن بكر بن خنيس العابد، ولم يكن قصد أولئك الشيوخ بها إلا بيان أن العبد الذي يتوقف فعله على الأمر والشرع هو أكمل من العبد الذي يعبد اللّه بغير شرع ؛ فإن كثيراً من العباد يعبدون الله بما تحبه قلوبهم ، وإن لم يكونوا مأمورين به، فقصد أولئك الشيوخ أن من عبد الله بالأمر ولم يفعل شيئاً حتى يؤمر به فهو أفضل ممن عبده بما لم يؤمر به، وذكروا هذه الحكاية الإسرائيلية شاهداً لذلك، مع أن هذه لا إسنادلها، ولا يثبت بها حكم ، ولكن الإسرائيليات إذا ذكرت على طريق الاستشهاد بها لما عرف صحته لم يكن بذكرها بأس ، وقعدوا بذلك الحروف المكتوبة ؛ لأن الألف منتصبة وغيرها ليس كذلك . مع أن هذا أمر اصطلاحي وخط غير العربي لا يماثل خط العربي ، ولم يكن قصد أولئك الأشياخ أن نفس الحروف المنطوقة التى هي مباني أسماء الله الحسنى، وكتبه المنزلة، مخلوقة بائنة عن الله؛ ١٥٩ بل هذا شيء لعله لم يخطر بقلوبهم ، والحروف المنطوقة لا يقال فيها إنها منتصبة ولا ساجدة ، فمن احتج بهذا من قولهم على أنهم يقولون: إن الله لم يتكلم بالقرآن العربي ولا بالتوراة العبرية ، فقد قال عنهم مالم يقولوه . وأما الإمام أحمد : فانه أنكر إطلاق هذا القول ، وما يفهم منه عند الإطلاق ، وهو أن نفس حروف المعجم مخلوقة ، كما نقل عنه أنه قال : ومن زعم أن حرفا من حروف المعجم مخلوق فهذا جهمي يسلك طريقاً إلى البدعة ، فإنه إذا قال إن ذلك مخلوق . فقد قال : إن القرآن مخلوق - أو كما قال - ولا ريب أن من جعل نوع الحروف مخلوقا بائناً عن الله كانتاً بعد أن لم يكن لزم عنده أن يكون كلام الله العربى والعبري ونحوهما مخلوقا، وامتنع أن يكون الله متكلما بكلامه، الذي أنزله على عبده محمد صلى الله عليه وسلم فلا يكون شيء من ذلك كلامه ، فطريقة الإمام أحمد وغيره من السلف مطابقة للقول الثالث ، الموافق لصريح المعقول وصحيح المنقول . وقال الشيخ الإمام أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرخي الشافعي فى كتابه الذي سماه (( الفصول فى الأصول)) سمعت الإمام أبا منصور محمد بن أحمد يقول: سمعت الإمام أبا بكر عبد الله بن أحمد يقول : سمعت الشيخ أبا حامد الإسفرائيني يقول : مذهبى ومذهب الشافعي ١٦٠