Indexed OCR Text
Pages 61-80
من هذا الجنس، وذكره عن الربيع بن أنس موقوفا عليه. وروى أبو الفرج المقدسي عن الشريف المزيدي حديثا عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم فى تفسير: ا، ب، ت، ث من هذا الجنس . ثم قال ابن جرير : ولو كانت الأخبار التى رويت عن النبى صلى الله عليه وسلم فى ذلك صحاح الأسانيد لم يعدل عن القول بها إلى غيرها ولكنها واهية الأسانيد غير جائز الاحتجاج بمثلها؛ وذلك أن محمد بن زياد الجزري الذي حدث حديث معاوية بن قرة عن فرات عنه غير موثوق بنقله ، وإن عبد الرحيم بن واقد الذي خالفه فى رواية ذلك عن الفرات مجهول غير معروف عند أهل النقل ، وإن إسماعيل بن يحيى الذي حدث عن ابن أبى مليكة غير موثوق بروايته ولا جاز عند أهل النقل الاحتجاج بأخباره . قلت : إسماعيل بن يحيى هذا يقال له التيمي كوفي معروف بالكذب، ورواية إسماعيل بن عياش فى غير الشاميين لا يحتج بها ، بل هو ضعيف فيما ينقله من أهل الحجاز وأهل العراق ، بخلاف ما ينقله عن شيوخه الشاميين ؛ فإنه حافظ لحديث أهل بلده كثير الغلط فى حديث أولئك وهذا متفق عليه بين أهل العلم بالرجال ، وعبد الرحمن بن واقد لا يحتج به باتفاق أهل العلم ، وفرات بن السائب ضعيف أيضاً ٦١ لا يحتج به فهو فرات بن أبى الفرات ، ومحمد بن زياد الجزري ضعيف أيضاً . وقد تنازع الناس فى أيجد ، هوز ، حطي ، فقال طائفة هي أسماء قوم ، قيل أسماء ملوك مدين ، أو أسماء قوم كانوا ملوكا جبابرة. وقيل: هي أسماء الستة الأيام التى خلق الله فيها الدنيا. والأول اختيار الطبري. وزعم هؤلاء أن أصلها أبو جاد مثل أبى عاد ، وهواز مثل رواد وجواب . وأنها لم تعرب لعدم العقد والتركيب . والصواب : أن هذه ليست أسماء لمسميات ، وإنما ألفت ليعرف تأليف الأسماء من حروف المعجم بعد معرفة حروف المعجم . ولفظها : أيجد ، هوز ، حطي ، ليس لفظها أبو جاد ، هواز. ثم كثير من أهل الحساب صاروا يجعلونها علامات على مراتب العدد ، فيجعلون الألف واحداً ، والباء اثنين ، والجيم ثلاثة، إلى الياء ثم يقولون الكاف عشرون ... وآخرون من أهل الهندسة والمنطق يجعلونها علامات على الخطوط المكتوبة ، أو على ألفاظ الأقيسة المؤلفة كما يقولون: كل ألف ب، وكل ب ج ، فكل ألف ج . ومثلوا بهذه لكونها ألفاظاً تدل على صورة الشكل ، والقياس لا يختص بمادة دون مادة . كما جعل أهل التصريف لفظ ((فعل)» تقابل الحروف الأصلية، ٦٢ والزائدة ينطقون بها. ويقولون: وزن استخرج ((استفعل))، وأهل العروض يزنون بألفاظ مؤلفة من ذلك ؛ لكن يراعون الوزن من غير اعتبار بالأصل ، والزائد ؛ ولهذا سئل بعض هؤلاء عن وزن نكتل فقال نفعل ، وضحك منه أهل التصريف . ووزنه عندهم نفتل فإن أصله نكتال، وأصل نكتال : نكتيل. تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا ، ثم لما جزم الفعل سقطت ، كما نقول مثل ذلك فى نعتد ونقتد من اعتاد بعتاد واقتاد البعير بقتاده . ونحو ذلك فى نقتيل، فلما حذفوا الألف التى تسمى لام الكلمة صار وزنها . وجعلت ((ثمانية)) تكون متحركة : وهي الهمزة ، وتكون ساكنة وهي حرفان على الاصطلاح الأول ، وحرف واحد على الثاني ، والألف تقرن بالواو والياء لأنهن حروف العلة ، ولهذا ذكرت فى آخر حروف المعجم ، ونطقوا بأول لفظ كل حرف منها إلا الألف فلم يمكنهم أن ينطقوا بها ابتداء، فجعلوا اللام قبلها فقالوا: ((لا)) والتى فى الأول هي الهمزة المتحركة ، فإن الهمزة فى أولها . وبعض الناس ينطق بها ((لام ألف)) والصواب أن ينطق بها ((لا)) وبسط هذا له موضع آخر. والمقصود هنا : أن العلم لا بد فيه من نقل مصدق ونظر محقق . وأما النقول الضعيفة لاسيما المكذوبة فلا يعتمد عليها . وكذلك النظريات الفاسدة ، والعقليات الجهلية الباطلة لا يحتج بها . ٦٣ ( الثاني ) أن يقال : هذه الحروف الموجودة فى القرآن العربي قد تكلم الله بها بأسماء حروف، مثل قوله: (الم-وقوله المص وقوله المـ طسرّ - حَمّ ــ كَهيَعَصَ ــ حَمَ عَّقّ ـ نّ - قَ) فهذا كله كلام الله غير مخلوق . (الثالث ) أن هذه الحروف إذا وجدت فى كلام العباد ، وكذلك الأسماء الموجودة في القرآن إذا وجدت فى كلام العباد مثل آدم ، ونوح ، ومحمد ، وابراهيم وغير ذلك ، فيقال : هذه الأسماء وهذه الحروف قد تكلم الله بها ؛ لكن لم يتكلم بها مفردة . فإن الاسم وحده ليس بكلام ؛ ولكن تكلم بها فى كلامه الذي أنزله فى مثل قوله ( تُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) وقوله: (وَ إِذْ قَالَ إِبْرَهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَءَامِنًا) وقوله : إلى قوله : (رَبِّ اجْعَلْنِى مُقِيمَ الصَّلَوةِ وَمِن ذُرِّيَّقِ ) (إِنَّاللَّهَ أَصْطَفَىْءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَنَ عَلَى الْعَلَمِينَ ) ونحو ذلك، ونحن إذا تكلمنا بكلام ذكرنا فيه هذه الأسماء ، فكلامنا مخلوق وحروف كلامنا مخلوقة ، كما قال أحمد بن حنبل لرجل : ألست مخلوقا؟ قال : بلى ، قال : أليس كلامك منك ؟ قال : بلى ، قال : أليس كلامك مخلوقا ؟ قال : بلى ، قال : فالله تعالى غير مخلوق ، وكلامه منه ليس بمخلوق . فقد نص أحمد وغيره على أن كلام العباد مخلوق ، وم إنما ٦٤ يتكلمون بالأسماء والحروف التى يوجد نظيرها فى كلام الله تعالى ، لكن اللّه تعالى تكلم بها بصوت نفسه وحروف نفسه وذلك غير مخلوق ، وصفات اللّه تعالى لا تماثل صفات العباد ؛ فإن الله تعالى ليس كمثله شيء لا فى ذاته ، ولا صفاته ، ولا أفعاله ، والصوت الذي ينادي به عباده يوم القيامة والصوت الذي سمعه منه موسى ليس كأصوات شيء من المخلوقات، والصوت المسموع هو حروف مؤلفة وتلك لا يماثلها شىء من صفات المخلوقين، كما أن على اللّه القائم بذاته ليس مثل على عباده، فان الله لا يماثل المخلوقين فى شيء من الصفات ، وهو سبحانه قد على العباد من علمه ما شاء، كما قال تعالى: (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّبِمَا شَآءَ) وهم إذا علمهم الله ما علمهم من علمه ، فنفس علمه الذي اتصف به ليس مخلوقا ، ونفس العباد وصفاتهم مخلوقة ، لكن قد ينظر الناظر إلى مسمى العلم مطلقاً ، فلا يقال : إن ذلك العلم مخلوق لاتصاف الرب به ، وإن كان ما يتصف به العبد مخلوقا . وأصل هذا أن ما يوصف الله به ويوصف به العباد يوصف الله به على ما يليق به ، ويوصف به العباد بما يليق بهم من ذلك ؛ مثل الحياة والعلم والقدرة ، والسمع والبصر والكلام ، فإن الله له حياة وعلم وقدرة ، وسمع وبصر وكلام . فكلامه يشتمل على حروف وهو يتكلم بصوت نفسه ، والعبد له حياة وعلم وقدرة ، وسمع وبصر وكلام ، ٦٥ وكلام العبد يشتمل على حروف وهو يتكلم بصوت نفسه . فهذه الصفات لها ثلاث اعتبارات : تارة تعتبر مضافة إلى الرب . وتارة تعتبر مضافة إلى العبد ، وتارة تعتبر مطلقة لا يختص بالرب ولا بالعبد . فإذا قال العبد : حياة الله وعلم اللّه وقدرة اللّه وكلام اللّه ونحو ذلك ، فهذا كله غير مخلوق ولا يماثل صفات المخلوقين ، وإذا قال علم العبد وقدرة العبد وكلام العبد ، فهذا كله مخلوق ولا يماثل صفات الرب . وإذا قال العلم والقدرة والكلام ، فهذا مجمل مطلق لا يقال عليه كله إنه مخلوق ولا إنه غير مخلوق ، بل ما اتصف به الرب من ذلك فهو غير مخلوق ، وما اتصف به العبد من ذلك فهو مخلوق ، فالصفة تتبع الموصوف . فإن كان الموصوف هو الخالق فصفاته غير مخلوقة ، وإن كان الموصوف هو العبد المخلوق فصفاته مخلوقة . ثم إذا قرأ بأم القرآن وغيرها من كلام الله فالقرآن فى نفسه كلام الله غير مخلوق، وإن كان حركات العباد وأصواتهم مخلوقة . ولو قال الجنب : (الْعَمْدُ بِهِرَبِ الْعَلَمِينَ) ينوي به القرآن منع من ذلك وكان قرآنا، ولو قاله ينوى به حمد الله لا يقصد به القراءة لم يكن قارئاً وجاز له ذلك . ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أفضل الكلام بعد ٦٦ القرآن أربع وهن من القرآن: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)) رواه مسلم فى صحيحه. فأخبر أنها أفضل الكلام بعد القرآن وقال هي من القرآن ، فهي من القرآن باعتبار، وليست من القرآن باعتبار، ولو قال القائل: (يَحْىَ خُذِ الْكِتَبَ ) ومقصوده القرآن كان قد تكلم بكلام الله ولم تبطل صلاته باتفاق العلماء، وإن قصد مع ذلك تنبيه غيره لم تبطل صلانه عند جمهور العلماء . ولو قال لرجل اسمه يحيى وبحضرته كتاب : يا يحيى خذ الكتاب لكان هذا مخلوقا ؛ لأن لفظ يحيى هنا مراد به ذلك الشخص ، وبالكتاب ذلك الكتاب ليس مراداً به ما أراده الله بقوله: (يَيَحْيِى خُذِ الْكِتَبَ ) والكلام كلام [المخلوق] بلفظه ومعناه . وقد تنازع الناس فى مسمى «الكلام » فى الأصل ، فقيل : هو اسم اللفظ الدال على المعنى ، وقيل : المعنى المدلول عليه باللفظ ، وقيل : لكل منهما بطريق الاشتراك اللفظي ، وقيل : بل هو اسم عام لهما جميعاً يتناولها عند الإطلاق ، وإن كان مع التقييد يراد به هذا تارة وهذا تارة . هذا قول السلف وأئمة الفقهاء وإن كان هذا القول لا يعرف في كثير من الكتب . وهذا كما تنازع الناس فى مسمى ((الإنسان)) هل هو الروح فقط أو الجسد فقط ؟ والصحيح أنه اسم الروح والجسد جميعاً، وإن ٦٧ كان مع القرينة قد يراد به هذا نارة وهذا تارة ، فتنازعهم في مسمى النطق كتنازعهم فى مسمى الناطق . فمن سمى شخصاً محمداً وإبراهيم ، وقال: جاء محمد وجاء إبراهيم لم يكن هذا محمدا وإبراهيم المذكورين فى القرآن . ولو قال : محمد رسول الله، وإبراهيم خليل الله . يعني به خاتم الرسل وخليل الرحمن لكان قد تكلم بمحمد وإبراهيم اللذين فى القرآن ، لكن قد تكلم بالاسم وألفه كلاما فهو كلامه لم يتكلم به فى القرآن العربى الذي تكلم الله به . ومما يوضح ذلك أن الفقهاء قالوا فى (( آداب الخلاء)) أنه لا يستصحب ما فيه ذكر الله، واحتجوا بالحديث الذي فى السنن (( أن النبى صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء نزع خاتمه . وكان خاتمه مكتوبا عليه ((محمد رسول الله)) محمد سطر، رسول سطر، اللّه سطر. ولم يمنع أحد من العلماء أن يستصحب ما يكون فيه كلام العباد وحروف الهجاء مثل ورق الحساب الذي يكتب فيه أهل الديوان الحساب ، ومثل الأوراق التى يكتب فيها الباعة ما يبيعونه ونحو ذلك . وفى السيرة ((أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صالح غطفان على نصف تمر المدينة أناه سعد فقال له : أهذا شيء أمر الله به فسمعا وطاعة ، أم شيء تفعله لمصلحتنا ؟ فبين له النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يفعل ذلك بوحي بل فعله باجتهاد. فقال : لقد كنا فى الجاهلية ٦٨ وما كانوا يأكلون منها تمرة إلا بقرى أو بشراء ، فلما أعزنا الله بالإسلام يريدون أن يأكلوا تمرنا لا يأكلون تمرة واحدة ، وبصق سعد فى الصحيفة وقطعها)) فأفره النبى صلى الله عليه وسلم على ذلك ولم يقل هذه حروف ، فلا يجوز إهانتها والبصاق فيها . وأيضاً فقدكره السلف محو القرآن بالرجل ولم يكرهوا محو مافيه كلام الآدميين. وأما قول القائل : إن الحروف قديمة أو حروف المعجم قديمة فإن أراد جنسها فهذا صحيح ، وإن أراد الحرف المعين فقد أخطأ ، فإن له مبدأ ومنتهى ، وهو مسبوق بغيره ، وما كان كذلك لم يكن إلا محدثاً . وأيضا فلفظ الحروف مجمل ، يراد بالحروف الحروف المنطوقة المسموعة التى هي مبانى الكلام ، ويراد بها الحروف المكتوبة ، ويراد بها الحروف المتخيلة فى النفس ، والصوت لا يكون كلاما إلا بالحروف باتفاق الناس . وأما الحروف فهل تكون كلاما بدون الصوت ؟ فيه نزاع. والحرف قد يراد به الصوت المقطع ، وقد يراد به نهاية الصوت وحده، وقد يراد بالحروف المداد ، وقد يراد بالحروف شكل المداد ، فالحروف التى تكلم الله بها غير مخلوقة، وإذا كتبت فى المصحف قيل كلام الله المكتوب فى المصحف غير مخلوق ، وأما نفس أصوات العباد فمخلوقة والمداد مخلوق وشكل المداد مخلوق ، فالمداد مخلوق بمادته وصورته ، وكلام الله المكتوب بالمداد غير مخلوق. ومن كلام الله ٦٩ الحروف التى تكلم الله بها ، فإذا كتبت بالمداد لم تكن مخلوقة وكان المداد مخلوقا . وأشكال الحروف المكتوبة مما يختلف فيها اصطلاح الأمم . والخط العربي قد قيل إن مبدأ. كان من الأنبار ، ومنها انتقل إلى مكة وغيرها ، والخط العربي تختلف صورته : العربى القديم فيه تكوف، وقد اصطلح المتأخرون على تغيير بعض صوره ، وأهل المغرب لهم اصطلاح ثالث حتى فى نقط الحروف وترتيبها، وكلام الله المكتوب بهذه الخطوط كالقرآن العربى هو فى نفسه لا يختلف باختلاف الخطوط التی یکتب بها . فإن قيل : فالحرف من حيث هو مخلوق أو غير مخلوق مع قطع النظر عن كونه فى كلام الخالق أو كلام المخلوق ؟ فإن قلتم هو من حيث هو غير مخلوق لزم أن يكون غير مخلوق فى كلام العباد ، وإن قلتم مخلوق لزم أن يكون مخلوقا فى كلام الله ؟ قيل : قول القائل الحرف من حيث هو هو كقوله الكلام من حيث هو هو، والعلم من حيث هو هو ، والقدرة من حيث هي هي ، والوجود من حيث هو هو ، ونحو ذلك . والجواب عن ذلك أن هذه الأمور وغيرها إذا أخذت مجردة مطلقة غير مقيدة ولا مشخصة لم يكن لها حقيقة فى الخارج من الأذهان ٧٠ إلا شيء معين ، فليس ثم وجود إلا وجود الخالق أو وجود المخلوق ، ووجود كل مخلوق مختص به وإن كان اسم الوجود عاما يتناول ذلك كله ، وكذلك العلم والقدرة اسم عام يتناول أفراد ذلك ، وليس فى الخارج إلا علم الخالق وعلم المخلوق ، وعلم كل مخلوق مختص به قائم به ، واسم الكلام والحروف يعم كل ما يتناوله لفظ الكلام والحروف وليس فى الخارج إلا كلام الخالق وكلام المخلوقين . وکلام كل مخلوق مختص به واسم الكلام يعم كل ما يتناوله هذا اللفظ . وليس فى الخارج إلا الحروف التى تكلم اللّه بها الموجودة فى كلام الخالق، والحروف الموجودة فى كلام المخلوقين . فإذا قيل : إن علم الرب وقدرته وكلامه غير مخلوق، وحروف كلامه غير مخلوقة لم يلزم من ذلك أن يكون علم العبد وقدرته وكلامه غير مخلوق ، وحروف كلامه غير مخلوقة . وأيضا فلفظ الحرف يتناول الحرف المنطوق والحرف المكتوب ، وإذا قيل إن الله تكلم بالحروف المنطوقة كما تكلم بالقرآن العربي وبقوله : ( المح وحمّ - وطسمَ - وطس - ويَسََّ - وَقَ - ونَ ) ونحو ذلك فهذا كلامه وكلامه غير مخلوق ، وإذا كتب فى المصاحف كان ما كتب من كلام الرب غير مخلوق وإن كان المداد وشكله مخلوقا . و « أيضا )) فإذا قرأ الناس كلام الله فالكلام في نفسه غير مخلوق إذا كان الله قد تكلم به، وإذا قرأء المبلغ لم يخرج عن أن يكون ٧١ كلام الله ؛ فإن الكلام كلام من قاله مبتدئاً أمراً يأمر به ، أو خبراً يخبره ، ليس هو كلام المبلغ له عن غيره ؛ إذ ليس على الرسول إلا البلاغ المبين . وإذا قرأه المبلغ فقد بشار إليه من حيث هو كلام الله فيقال هذا كلام اللّه مع قطع النظر عما بلغه به العباد من صفاتهم ، وقد يشار إلى نفس صفة العبد كحركته وحياته ، وقد يشار إليها ، فالمشار إليه الأول غير مخلوق، والمشار إليه الثاني مخلوق ، والمشار إليه الثالث فمنه مخلوق ومنه غير مخلوق ، وما يوجد فى كلام الآدميين من نظير هذا هو نظير صفة العبد لا نظير صفة الرب أبداً . وإذا قال القائل القاف فى قوله (وَأَقِمِ الصَّلَوةَ لِذِكْرِىّ ) كالقاف فى قوله : قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل قيل : ما تكلم الله به وسمع منه لا يماثل صفة المخلوقين ، ولكن إذا بلغنا كلام اللّه فإنما بلغناه بصفاتنا وصفاتنا مخلوقة، والمخلوق يماثل المخلوق . وفى هذا جواب للطائفتين لمن قاس صفة المخلوق بصفة الخالق فجعلها غير مخلوقة ، فإن الجهمية المعطلة أشباه اليهود ، والحلولية الممثلة ٧٢ أشباه النصارى دخلوا فى هذا وهذا ، أولئك مثلوا الخالق بالمخلوق فوصفوه بالنقائص التى تختص بالمخلوق : كالفقر والبخل ، وهؤلاء مثلوا المخلوق بالخالق فوصفوه بخصائص الربوبية التى لا تصلح إلا الله ، والمسلمون يصفون الله بما وصف به نفسه ، وبما وصفته به رسله ، من غير تحريف ولا تعطيل ، ومن غير تكييف ولا تمثيل ، بل يثبتون له ما يستحقه من صفات الكمال ، وينزهونه عن الأكفاء والأمثال ، فلا يعطلون الصفات ولا يمثلونها بصفات المخلوقات ؛ فإن المعطل يعبد عدما، والممثل يعبد صنماً، والله تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ). وما ينبغي أن يعرف أن كلام المتكلم فى نفسه واحد ، وإذا بلغه المبلغون تختلف أصواتهم به ، فإذا أنشد المنشد قول لبيد : ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل كان هذا الكلام كلام لبيد لفظه ومعناه ، مع أن أصوات المنشدين له تختلف ، وتلك الأصوات ليست صوت لبيد ، وكذلك من روى حديث النبي صلى الله عليه وسلم بلفظه، كقوله: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)) كان هذا الكلام كلام رسول الله صلى اللّه عليه وسلم لفظه ومعناه، ويقال لمن رواه : أدى الحديث بلفظه ، ٧٣ وإن كان صوت المبلغ ليس هو صوت الرسول ، فالقرآن أولى أن يكون كلام الله لفظه ومعناه ، وإذا قرأه القراء فإنما يقرؤونه بأصواتهم . ولهذا كان الإمام أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة يقولون : من قال اللفظ بالقرآن أو لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي ، ومن قال إنه غير مخلوق فهو مبتدع ، وفى بعض الروايات عنه : من قال لفظي بالقرآن مخلوق يعني به القرآن فهو جهمي ؛ لأن اللفظ يراد به مصدر لفظ يلفظ لفظاً ، ومسمى هذا فعل العبد وفعل العبد مخلوق ، ويراد باللفظ القول الذي يلفظ به اللافظ ، وذلك كلام اللّه لا كلام القارىء، فمن قال إنه مخلوق فقد قال إن اللّه لم يتكلم بهذا القرآن ، وإن هذا الذي يقرؤه المسلمون ليس هو كلام الله ، ومعلوم أن هذا مخالف لما علم بالاضطرار من دين الرسول . وأما صوت العبد فهو مخلوق ، وقد صرح أحمد وغيره بأن الصوت المسموع صوت العبد، ولم يقل أحمد قط : من قال إن صوتي بالقرآن مخلوق فهو جهمي ، وإنما قال من قال لفظي بالقرآن ، والفرق بين لفظ الكلام وصوت المبلغ له فرق واضح ، فكل من بلغ كلام غيره بلفظ ذلك الرجل فإنما بلغ لفظ ذلك الغير لا لفظ نفسه ، وهو إنما بلغه بصوت نفسه لا بصوت ذلك الغير ، ونفس اللفظ والتلاوة والقراءة والكتابة ونحو ذلك لما كان يراد به المصدر الذي هو حركات ٧٤ العباد ، وما يحدث عنها من أصواتهم وشكل المداد ، ويراد به نفس الكلام الذي يقرؤه التالي ويتلوه ويلفظ به ويكتبه، منع أحمد وغيره من إطلاق النفي والإثبات ، الذي يقتضي جعل صفات الله مخلوقة، أو جعل صفات العباد ومدادهم غير مخلوق . وقال أحمد: نقول القرآن كلام الله غير مخلوق حيث تصرف : أي حيث تلي وكتب وقرىء مما هو فى نفس الأمر كلام الله، فهو كلامه ، وكلامه غير مخلوق ، وما كان من صفات العباد وأفعالهم التى يقرؤون ويكتبون بها كلامه كأصواتهم ومدادم فهو مخلوق ، ولهذا من لم يهتد إلى هذا الفرق يحار ، فإنه معلوم أن القرآن واحد ويقرؤه خلق كثير ، والقرآن لا يكثر فى نفسه بكثرة قراءة القراء، وإنما يكثر ما يقرؤون به القرآن، فما يكثر ويحدث فى العباد فهو مخلوق ، والقرآن نفسه لفظه ومعناه الذي تكلم الله به ، وسمعه جبريل من الله ، وسمعه محمد من جبريل ، وبلغه محمد إلى الناس ، وأنذر به الأمم ؛ لقوله تعالى: (لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ، وَمَنْ يَغَ) قرآن واحد، وهو كلام الله ليس بمخلوق . وليس هذا من باب ما هو واحد بالنوع متعدد الأعيان ، كالإنسانية الموجودة في زيد وعمرو ، ولا من باب ما يقول الإنسان مثل قول غيره كما قال تعالى: (كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ) فإن ٧٥ القرآن لا يقدر أحد أن يأتي بمثله، كما قال تعالى: (قُل لَِّ اجْتَمَعَتِ اُلْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ فالإنس والجن إذا اجتمعوا لم يقدروا أن يأتوا ظَهِيرًا ) بمثل هذا القرآن مع قدرة كل قارىء على أن يقرأه ويبلغه . فعلم أن ما قرأه هو القرآن ليس هو مثل القرآن ، وأما الحروف الموجودة فى القرآن إذا وجد نظيرها في كلام غيره فليس هذا هو ذاك بعينه بل هو نظيره، وإذا تكلم الله باسم من الأسماء: كآدم ونوح وإبراهيم ، وتكلم بتلك الحروف والأسماء التى تكلم اللّه بها ، فإذا قرئت فى كلامه فقد بلغ كلامه ، فإذا أنشأ الإنسان لنفسه كلاماً لم يكن عين ما تكلم الله به من الحروف والأسماء هو عين ما تكلم به العبد حتى يقال: إن هذه الأسماء والحروف الموجودة فى كلام العباد غير مخلوقة ؛ فإن بعض من قال إن الحروف والأسماء غير مخلوقة فى كلام العباد ادعى أن المخلوق إنما هو النظم والتأليف دون المفردات ، وقائل هذا يلزمه أن يكون أيضاً النظم والتأليف غير مخلوق إذا وجد نظيره فى القرآن كقوله: ( يَيَحِى خُذِ الْكِتَبَ) وإن أراد بذلك شخصاً اسمه يحيى وكتاباً بحضرته . ( فإن قيل ) يحيى هذا والكتاب الحاضر ليس هو يحيى والكتاب المذكور في القرآن، وإن كان اللفظ نظير اللفظ ، ( قيل ) كذلك ٧٦ سائر الأسماء والحروف إنما يوجد نظيرها فى كلام العباد لا فى كلام الله. وقولنا يوجد نظيرها فى كلام الله تقريب أي يوجد فيما نقرؤه ونتلوه، فإن الصوت المسموع من لفظ محمد ويحيى وإبراهيم فى القرآن هو مثل الصوت المسموع من ذلك فى غير القرآن ، وكلا الصوتين مخلوق . وأما الصوت الذي يتكلم الله به فلا مثل له لا يماثل صفات المخلوقين ، وكلام الله هو كلامه بنظمه ونثره ومعانيه. وذلك الكلام ليس مثل كلام المخلوقين. فإذا قلنا: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ) وقصد بذلك قراءة القرآن الذي تكلم اللّه به فذلك القرآن تكلم الله بلفظه ومعناه لا يماثل لفظ المخلوقين ومعناه، وأما إذا قصدنا به الذكر ابتداء من غير أن نقصد قراءة كلام الله فإنما نقصد ذكراً ننشئه نحن بقوم معناه بقلوبنا ، وتنطق بلفظه بألسنتنا ، وما أنشأناه من الذكر فليس هو من القرآن وإن كان نظيره فى القرآن . ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح: ((أفضل الكلام بعد القرآن أربع وهن من القرآن: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)» فجعل النبى صلى الله عليه وسلم هذه الكلمات أفضل الكلام بعد القرآن ، فجعل درجتها دون درجة القرآن، وهذا يقتضي أنها ليست من القرآن. ثم قال: ((هي من القرآن )) وكلا قوليه حق وصواب ؛ ولهذا منع أحمد أن يقال : الإيمان مخلوق. ٧٧ وقال : لا إله إلا الله من القرآن. وهذا الكلام لا يجوز أن يقال : إنه مخلوق وإن لم يكن من القرآن ، ولا يقال فى التوراة والإنجيل إنها مخلوقان ، ولا يقال فى الأحاديث الإلهية التى يرويها عن ربه إنها مخلوقة كقوله: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا )) فكلام اللّه قد يكون قرآناً وقد لا يكون قرآناً، والصلاة إنما تجوز وتصح بالقرآن . وكلام الله كله غير مخلوق . فإذا فهم هذا فى مثل هذا فليفهم فى نظائره ، وإن ما يوجد من الحروف والأسماء فى كلام الله ويوجد فى غير كلام الله يجوز أن يقال: إنه من كلام اللّه باعتبار، ويقال ليس من كلام اللّه باعتبار، كما أنه يكون من القرآن باعتبار وغير القرآن باعتبار ، لكن كلام الله القرآن وغير القرآن غير مخلوق، وكلام المخلوقين كله مخلوق . فما كان من كلام الله فهو غير مخلوق ، وما كان من كلام غيره فهو مخلوق . وهؤلاء الذين يحتجون على نفي الخلق أو إثبات القدم بشيء من صفات العباد وأعمالهم لوجود نظير ذلك فيما يضاف إلى الله وكلامه والإيمان به ، شاركهم فى هذا الأصل الفاسد من احتج على خلق ما هو من كلام الله وصفاته بأن ذلك قد يوجد نظيره فيما يضاف إلى العبد . مثال ذلك : أن القرآن الذي يقرؤه المسلمون هو كلام الله قرؤوه بحركاتهم وأصواتهم ، فقال الجهمي أصوات العباد ومدادم مخلوقة وهذا ٧٨ هو المسمى بكلام الله، أو يوجد نظيره فى المسمى بكلام الله، فيكون كلام الله مخلوقا . وقال الحلولي الاتحادي الذي يجعل صفة الخالق هي عين صفة المخلوق الذي نسمعه من القراء هو كلام الله، وإنما نسمع أصوات العباد فأصوات العباد بالقرآن كلام الله ، وكلام الله غير مخلوق فأصوات العباد بالقرآن غير مخلوقة ، والحروف المسموعة منهم غير مخلوقة ، ثم قالوا : الحروف الموجودة في كلامهم هي هذه أو مثل هذه فتكون غير مخلوقة . وزاد بعض غلاتهم نجعل أصوات كلامهم غير مخلوقة ، كما زعم بعضهم أن الأعمال من الإيمان وهو غير مخلوق والأعمال غير مخلوقة . وزاد بعضهم أعمال الخير والشر ، وقال : هي القدر والشرع المشروع ، وقال عمر : ما مرادنا بالأعمال الحركات بل الثواب الذي يأتى يوم القيامة، كما ورد فى الحديث الصحيح: (( أنه تأتى البقرة وآل عمران كأنها غمامتان أو غيايتان، أو فرقان من طير صواف) فيقال له : وهذا الثواب مخلوق . وقد نص أحمد وغيره من الأئمة على أنه غير مخلوق ، وبذلك أجابوا من احتج على خلق القرآن بمثل هذا الحديث فقالوا له : الذي يجيء يوم القيامة هو ثواب القرآن لانفس القرآن وثواب القرآن مخلوق ، إلى أمثال هذه الأقوال التى ابتدعها طوائف ، والبدع تنشأ شيئا فشيئاً، وقد بسط الكلام فى هذا الباب فى مواضع أخر . ٧٩ وقد بينا أن الصواب فى هذا الباب هو الذي دل عليه الكتاب والسنة وإجماع السابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان ، وهو ما كان عليه الإمام أحمد بن حنبل ومن قبله من أئمة الإسلام ومن وافق هؤلاء ، فإن قول الإمام أحمد وقول الأئمة قبله هو القول الذي جاء به الرسول ، ودل عليه الكتاب والسنة ، ولكن لما امتحن الناس بمحنة الجهمية ، وطلب منهم تعطيل الصفات ، وأن يقولوا بأن القرآن مخلوق، وأن اللّه لا يرى فى الآخرة ونحو ذلك، ثبت الله الإمام أحمد فى تلك المحنة ؛ فدفع حجج المعارضين النفاة ، وأظهر دلالة الكتاب والسنة ، وإن السلف كانوا على الإثبات فآتاه الله من الصبر واليقين ماصار به إماما للمتقين كما قال تعالى: (وَحَعَلْنَا مِنْهُمْأَبِعَّةً يَهْدُونَ بِأَتِنَا لَمَّا صَبَرُواً وَكَانُوْبِشَايَتِنَا يُوقِنُونَ) ولهذا قيل فيه رحمه الله: عن الدنيا ما كان أصبره، وبالماضين ما كان أشبهه . أنته البدع فنفاها ، والدنيا فأباها ، فلما ظهر به من السنة ما ظهر كان له من الكلام فى بيانها ، وإظهارها أكثر وأعظم مما لغيره ، فصار أهل السنة من عامة الطوائف بعظمونه وينتسبون إليه . وقد ذكرت كلامه وكلام غيره من الأئمة ونصوص الكتاب والسنة فى هذه الأبواب فى غير هذا الموضع ، وبينا أن كل ما يدل عليه الكتاب والسنة فإنه موافق لصريح المعقول ، وأن العقل الصريح لا يخالف ٨٠