Indexed OCR Text
Pages 681-700
كان بخسالهم أشياءهم ، وأنهم كانوا عائين في الأرض مفسدين قبل أن ينهاهم؛ بخلاف قول ((المجبرة)) أن ظلمهم ما كان سيئة، إلا لما نهام، وأنه قبل النهي كان بمنزلة سائر الأفعال من الأكل والشرب ، وغير ذلك . كما يقولون في سائر ما نهت عنه الرسل من الشرك والظلم والفواحش. وهكذا إبراهيم الخليل قال: (وَأَذَّكُرْ فِى الْكِتَبِ إِرَهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًانِّيًّا إِذْقَالَ لِأَبِهِ يَّأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُمَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنْكَ شَيْئًا) * فهذا توبيخ على فعله قبل النهي ، وقال أيضاً : ( وَإِبْزَهِيمَ إِذْقَالَ لِقَوْمِهِ أَعْبُدُ واْ اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَنَّا وَتَّخْلُقُونَ إِفْكًا ). فأخبر أنهم يخلقون إفكاً قبل النهي . وكذلك قول الخليل لقومه أيضاً: (مَاذَاتَعْبُدُونَ * أَبِفْكَاءَالِهَةُ دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَاطَتُّكُمْ بِرَبِ الْعَلَمِينَ .. إلى قوله - أَتَعْبُدُونَ مَانَتْحِنُونَ * فهذا كله يبين قبح ما كانوا عليه وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) . قبل النهي ، وقبل إنكاره عليهم ، ولهذا استفهم استفهام منكر ، فقال : ( أَتَعْبُدُونَ مَانَتْحِنُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) أي وخلق ما تتحتون . فكيف يجوز أن تعبدوا ما تصنعونه بأيديكم ؟ وتدَعون رب العالمين . ٦٨١ فلولا أن حسن التوحيد ، وعبادة الله تعالى وحده لا شريك له ، وقبح الشرك ثابت فى نفس الأمر ، معلوم بالعقل ، لم يخاطبهم بهذا إذ كانوا لم يفعلوا شيئاً يذمون عليه ، بل كان فعلهم كأكلهم وشربهم، وإنما كان قبيحاً بالنهى ، ومعنى قبحه كونه منهياً عنه ، لا لمعنى فيه ؛ كما تقوله المجبرة. و ((أيضاً)) ففي القرآن فى مواضع كثيرة يبين لهم قبح مام عليه من الشرك وغيره بالأدلة العقلية ، ويضرب لهم الأمثال ، كقوله تعالى: (قُل لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِن كُنْتُمْتَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ وقوله : ( أَفَلَا تَتَّقُونَ) وقوله: (فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ) تَذَكَّرُونَ ) . فهذا يقتضى أن اعترافهم بأن الله هو الخالق يوجب انتهاءم عن عبادتها ، وأن عبادتها من القبائح المذمومة ؛ ولكن هؤلاء يظنون أن الشرك هو اعتقاد أن ثم خالق آخر ، وهذا باطل ؛ بل الشرك عبادة غير الله ، وإن اعترف المشرك بأنه مخلوق . وقوله : إنه كله لله، كذب مفترى (١) وإن قال: إنه مخلوق. ومثل هذا كثير فى القرآن. كقوله: (أَمَّنْ خَلَقَ الشَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُم مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَنْبَتْنَاِهِ، حَدَآبِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُواْ شَجَرَهَا (١) كذا بالاصل . ٦٨٢ أَنْهٌ مَعَاللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّن جَعَلَ اُلْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَلَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَا رَوَسِىَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَِلَهٌ مَّعَاللَّهِ ) وهذا فى جملة بعد جملة يقول: ( أَعِلَةٌ مَّعَ اللَّهِ) إنكاراً عليهم أن يعبدوا غير الله، ويتخذوه إلهاً مع اعترافهم بأن هذا لم يفعله إله غير اللّه، وإنما فعله هو وحده . وقوله (أَِلَةٌ مَّعَاللَّهِ ) جواب الاستفهام، أيُّ إله مع الله [ موجود؟ ] وهذا غلط، فإنهم يجعلون مع الله آلهة ويشهدون بذلك؛ لكن ما كانوا يقولون: إنهم فعلوا ذلك . والتقرير إنما يكون لما يقرون به ، وثم مقرون بأنهم لم يفعلوا. لا يقرون بأنه لم يكن معه إله . قال تعالى : (أَبِنَّكُمْ لَشْهَدُونَ أَنَ مَعَ اللَّهِ ءَالِهَةَّ أُخْرَىَّ قُل لَّا أَشْهَدُّ قُلْ إِنَّمَاهُوَ إِلَهٌ وَحٌِّ وَإِنَِّى بَرِىٌّ عِمَا تُشْرِكُونَ ) . وقد قال سبحانه: ( وَإِذَا جَآءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِثَايَئِنَا فَقُلْ سَلَامُ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَلَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌرَّحِيمٌ). وقال: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ). وقال: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السُّوْءَ بَجَهَلَةٍ ثُمَ تَابُواْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورُ زَّحِيمٌ ) . ٦٨٣ فهذا وإن كان قال الصحابة والتابعون إن كل عاص فهو جاهل . كما قد بسط في موضع آخر ، فهو متناول لمن يكون على التحريم أيضاً . فدل على أنه يكون عاملاً سوءاً ، وإن كان لم يسمع الخطاب المبين المنهى عنه، وأنه يتوب من ذلك فيغفر الله له ويرحمه، وإن كان لا يستحق العقاب إلا بعد بلوغ الخطاب ، وقيام الحجة . وإذا كانت التوبة والاستغفار تكون من ترك الواجبات ، وتكون مما لم يكن على أنه ذنب ، تبين كثرة ما يدخل فى التوبة والاستغفار ، فإن كثيراً من الناس إذا ذكرت التوبة والاستغفار يستشعر قبائح قد فعلها فعلم بالعلم العام أنها قبيحة : كالفاحشة ، والظلم الظاهر . فأما ماقد يتخذ دينا فلا يعلم أنه ذنب ، إلا من علم أنه باطل . كدين المشركين، وأهل الكتاب المبدل ، فإنه مما يجب التوبة والاستغفار منه ، وأهله يحسبون أنهم على هدى . وكذلك البدع كلها . ولهذا قال طائفة من السلف - منهم الثوري - : البدعة أحب إلى إبليس من المعصية ، لأن المعصية يتاب منها ، والبدعة لا يتاب منها. وهذا معنى ما روى عن طائفة أنهم قالوا : إن الله حجر التوبة على كل صاحب بدعة ، بمعنى أنه لا يتوب منها ؛ لأنه يحسب أنه على هدى ، ولو تاب لتاب عليه ، كما يتوب على الكافر . ومن قال : إنه لا يقبل ٦٨٤ توبة مبتدع مطلقاً فقد غلط غلطاً منكراً . ومن قال : ما أذن الله لصاحب بدعة في توبة . فمعناه مادام مبتدعا يراها حسنة لا يتوب منها ، فأما إذا أراه اللّه أنها قبيحة فإنه يتوب منها . كما يرى الكافر أنه على ضلال ، والا فمعلوم أن كثيراً ممن كان على بدعة تبين له ضلالها ، وتاب الله عليه منها. وهؤلاء لا يحصيهم إلا الله. و ((الخوارج)) لما أرسل إليهم ابن عباس فناظرم، رجع منهم نصفهم ، أو نحوه ، وتابوا ، وتاب منهم آخرون على يد عمر بن عبد العزيز وغيره ، منهم من سمع العلم فتاب ، وهذا كثير ، فهذا القسم الذي لا يعلم فاعلوه قبحه قسم كثير من أهل القبلة ، وهو فى غيرم عام ، وكذلك ما يترك الإنسان من واجبات لا يعلم وجوبها كثيرة جداً ، ثم إذا علم ما كان قد تركه من الحسنات من التوحيد والإيمان ، وما كان مأموراً بالتوبة منه ، والاستغفار مما كان سيئة ، والتائب يتوب مما تركه ، وضيعه ، وفرط فيه ، من حقوق الله تعالى، كما يتوب مما فعله من السيئات ، وإن كان قد فعل هذا وترك هذا قبل الرسالة ، فبالرسالة يستحق العقاب على ترك هذا وفعل هذا. والا فكونه كان فاعلا للسيئات المذمومة ، وتاركا للحسنات التى يذم تاركها كان تائبا قبل ذلك كما تقدم. وذكرنا ((القولين)) قول من نفى الذم والعقاب ، وقول من أثبت النم والعقاب . ٦٨٥ فإن قيل : إذا لم يكن معاقباً عليها ، فلا معنى لقبحها . قيل بل فيه معنيان : ( أحدهما ) أنه سبب للعقاب ، لكن هو متوقف على الشرط ، وهو الحجة ، قال تعالى: ( وَكُنتُمْ عَى شَفَاحُفْرَةِّنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِّنْهَا ) فلولا إنقاذه لسقطوا ، ومن كان واقفاً على شفير فهلك ، فهلاكه موقوف على سقوطه ، بخلاف ما إذا بان وبعد عن ذلك ، فقد بعد عن الهلاك . فأصحابها كانوا قريبين إلى الهلاك والعذاب . (الثانى) أنهم مذمومون، منقوصون ، معییون. فدر جتهم منخفضة بذلك، ولا بد . ولو قدر أنهم لم يعذبوا لا يستحقون ما يستحقه السليم من ذلك من كرامته أيضا ، وثوابه. فهذه عقوبة بحرمان خير ، وهى أحد نوعي العقوبة . وهذا وإن كان حاصلا لكل من ترك مستحباً فإنه يفوته خيره ، ففرق بين ما يفوته مالم يحصل له ، وبين ما ينقص ما عنده . وهذا كلام عام فيما لم يعاقب عليه من الذنوب . وأما من لم يرسل إليه رسول فى الدنيا : فقد رويت آثار أنهم يرسل إليهم رسول فى عرصات القيامة ، كما قد بسط فى مواضع . وقد تنازع الناس فى ((الوجوب والتحريم)) هل يتحقق بدون العقاب ٦٨٦ على الترك ؟ على قولين . قيل : لا يتحقق ؛ فإنه إذا لم يعاقب كان كالمباح ، وقيل : يتحقق ؛ فإنه لا بد أن يذم وإن لم يعاقب . وتحقيق الأمر أن العقاب ((نوعان)) نوع بالآلام. فهذا قد يسقط بكثرة الحسنات ، ونوع بنقص الدرجة ، وحرمان ما كان يستحقه. فهذا يحصل إذا لم يحصل الأول . والله تعالى يكفر سيئات المسيء ، كما قال تعالى: ( إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَانُنْهَوَّنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا) فيكفرها تارة بالمصائب ، فتبقى درجة صاحبها كما كانت ، وقد نصير درجته أعلى ، ويكفرها بالطاعات ، ومن لم يأت بتلك السيئات أعلى درجة. فيحرم صاحب السيئات ما يسقط بإزائها من طاعته ، وهذا مما يتوب منه من أراد ألا يخسر ومن فرط فى مستحبات فإنه يتوب أيضاً ؛ ليحصل له موجبها . فالتوبة تتناول هؤلاء كلهم . وتوبة الإنسان من حسناته على أوجه : ( أحدهما ) أن يتوب ويستغفر من تقصيره فيها . و (الثاني) أن يتوب مما كان يظنه حسنات ، ولم يكن كمال أهل البدع . و (الثالث ) يتوب من إعجابه ورؤيته أنه فعلها ، وأنها حصلت ٦٨٧ بقوته ، وينسى فضل الله وإحسانه ، وأنه هو المنعم بها ، وهذه توبة من فعل مذموم ، وترك مأمور . ولهذا قيل: تخليص الأعمال مما يفسدها أشد على العاملين من طول الاجتهاد . وهذا مما يبين احتياج الناس إلى التوبة دائماً . ولهذا قيل : هي مقام يستصحبه العبد من أول ما يدخل فيه إلى آخر عمره ، ولا بد منه لجميع الخلق ؛ جميع الخلق عليهم أن يتوبوا وأن يستدموا التوبة . قال تعالى: (وَحَمَلَهَا الْإِنسَنَّ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوْمَّا جَهُولًا * لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًارَّحِيمًا ). فغاية كل مؤمن التوبة . وقد قال الله لأفضل الأنبياء، وأفضل الخلق بعد الأنبياء ، وتم السابقون الأولون : (لَقَد تَّابَ اللّهُعَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ أَنَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّتَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ ومن أواخر ما أنزل الله قوله: (إِذَاجَآءَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ). نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْنَ النَّاسَ يَدْ خُلُونَ فِ دِينِ اللَّهِ أَفْوَجًا * فَسَيِّحْ بِحَمْدِرَبِّكَ وَأَسْتَغْفِرُهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَابًا). وقد ثبت فى الصحيحين أنه كان يقول فى ركوعه وسجوده : ((سبحانك اللهم وبحمدك. اللهم اغفر لي بتأول القرآن)). وفى لفظ لمسلم عن عائشة قالت: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر ٦٨٨ أن يقول قبل أن يموت : سبحانك اللهم وبحمدك ، أستغفرك ، وأتوب إليك . قالت : فقلت : يارسول الله! أراك تكثر من قولك: سبحانك اللهم، ومحمدك ، أستغفرك، وأتوب إليك . فقال: أخبرني ربى أنى سأرى علامة فى أمتى . فإذا رأيتها أكثرت من قول : سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرك، وأتوب إليك، فقد رأيتها: (إِذَاجَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) فتح مكة ( وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْ خُلُونَ فِ دِينِ اللَّهِأَفْوَجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِرَبِّكَ وَأُسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَابًا). وأمره سبحانه له بالتسبيح بحمده والاستغفار فى هذه الحال لا يقتضى أنه لا يشرع في غيرها ، أو لا يؤمر به غيره . بل يقتضي أن هذا سبب لما أمر به ، وإن كان مأموراً به فى مواضع أخر . كما يؤمر الإنسان بالحمد والشكر على نعمه ، وإن كان مأموراً بالشكر عليها، وكما يؤمر بالتوبة من ذنب وإن كان مأموراً بالتوبة من غيره ؛ لكن هو أمر أن يختم عمله بهذا فغيره أحوج إلى هذا منه ، وقد يحتاج العبد إلى هذا فى غير هذه الحال ، كما يحتاج إلى التوبة ، فهو محتاج إلى التوبة والاستغفار مطلقاً ، كما ثبت فى الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستغفر عقب الصلاة ثلاثاً. قال تعالى: (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ ) . قاموا الليل ثم جلسوا وقت السحر يستغفرون . وقد ختم الله ((سورة المزمل)) وفيها قيام الليل بقوله: (وَأَسْتَغْفِرُواْ ٦٨٩ كما ختم بذلك ((سورة المدثر)) بقوله: (هُوَ اللَّهَإِنَّاللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيم) فهو سبحانه أهل التقوى ، ولم يقل سبحانه أَهْلُ النَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ) أهل للتقوى . بل قال: ( أَهْلُ النَّقْوَى ) فهو وحده أهل أن يتقى، فيعبد دون ما سواه، ولا يستحق غيره أن يتقى ، كما قال: (وَلَهُمَافِى وقال : ( السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ نَنَّقُونَ ) وهو وَمَن يُطِعِاللَّهَوَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَكَ هُمُ الْفَآبِزُونَ ) أهل المغفرة، ولا يغفر الذنوب غيره ، كما قال تعالى: (وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللّهُ) وفى غير حديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت )) فهو سبحانه أهل التقوى ، وأهل المغفرة، وقد جمع الله بين التوحيد والاستغفار فى غير موضع، كقوله سبحانه : ( فَعْلَنَّهُ لَ إِلَهَ إِلََّ اللَّهُ وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ م فالمؤمنون يستغفرون مما كانوا ناركيه قبل الإسلام من توحيد الله ، وعبادته ، وإن كان ذلك لم يأتهم به رسول بعد ، كما نقدم ، والرسول يستغفر من ترك ما كان تاركه كما قال فيه: (مَاكُنْتَ تَدْرِى مَا الْكِتَبُ وإن كان ذلك لم يكن عليه عقاب ، والمؤمن إذا وَلَا الْإِيمَانُ ) تبين له أنه ضيع حق قرابته أو غيره استغفر الله من ذلك ، وتاب . وكذلك إذا تبين له أن بعض ما يفعله هو مذموم . ٦٩٠ فصل و ((أيضاً)) فما يستغفر ويتاب منه ما فى النفس من الأمور التى لو قالها أو فعلها عذب. قال تعالى: (وَإِن تُبْدُواْ مَا فِى أَنْفُسِكُمْ أَوْتُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِاللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ) فهو يغفر لمن يرجع عما في نفسه ، فلم يتكلم به ، ولم يعمل : كالذي م بالسيئة ولم يعملها، وإن تركها لله كتبت له حسنة . وهذا مما يستغفر منه ويتوب ؛ فإن الاستغفار والتوبة من كل ما كان سبباً للذم والعقاب ، وإن كان لم يحصل العقاب ، ولا النم . فإنه يفضي إليه ، فيتوب من ذلك : أي يرجع عنه ، حتى لا يفضي إلى شر ، فيستغفر الله منه . أي يطلب منه أن يغفر له ، فلا بشقيه به ؛ فإنه وإن لم يعاقب عليه فقد ينقص به . فالذي يهم بالسيئات وإن كان لا يكتب عليه سيئة ؛ لكنه اشتغل بها عما كان ينفعه ، فينقص بها عمن لم يفعلها، واشتغل بما ينفعه عنها. وقد بسطنا في غير هذا الموضع : أن فعل الإنسان وقوله - إما له وإما عليه - لا يخلو من هذا أو هذا . فهو يستغفر الله ويتوب مما ٦٩١ عليه . وقد يظن ظنون سوء باطلة ، وإن لم يتكلم بها ، فإذا تبين له فيها استغفر الله وتاب . وظلمه لنفسه يكون بترك واجب كما يكون بفعل محرم . فقوله تعالى: ( وَمَن يَعْمَلْ سُوْءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ) من عطف العام على الخاص ، ( وَاُلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوْ اْ أَنْفُسَهُمْ وكذلك قوله : ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُ واْعَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) وقد قيل: فى قوله تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَّةً أَوْظَلَمُوَ أَنفُسَهُمْ ) قيل : الفاحشة الزنا ، وقيل : كل كبيرة، وظلم النفس المذكور معها . قيل: هو فاحشة أيضاً . وقيل : هي الصغار . وهذا يوافق قول من قال : الفاحشة هي الكبيرة ، فيكون الكلام قد تناول الكبيرة والصغيرة ، ومن قال : الفاحشة الزنا ، يقول : ظلم النفس يدخل فيه سائر المحرمات ، وقيل : الفاحشة الزنا ، وظلم النفس ما دونه من اللمس والقبلة والمعانقة ، وقيل : هذا هو الفاحشة ، وظلم النفس المعاصي ، وقيل الفاحشة فعل وظلم النفس قول. والتحقيق أن ((ظلم النفس)) جنس عام يتناول كل ذنب ، وفى الصحيحين أن أبا بكر قال : يارسول الله ! علمني دعاءً أدعو به فى صلاني فقال: ((قل: اللهم إنى ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت ، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم )) ء ٦٩٢ وفى صحيح مسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في استفتاحه: ((اللهم أنت ربى وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبى فاغفر لي ؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت واهدنى لأحسن الأخلاق ، فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها فإنه لا يصرف عنى سيئها إلا أنت)). وقد قال أبو البشر وزوجته: (رَبَّنَاظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْلَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ ). وقال موسى: ( رَبِّ إِنِى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَأَغْفِرْلِ ) لَّا إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِنِ كُنْتُ مِنَ وقال ذوالنون ((يونس)):( الظَّالِمِينَ ). وقالت بلقيس: ( رَبِّ إِّ ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ). وفى الصحيحين عن أبى هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم (١) وقد قال عن أهل القرى المعذبين: (وَمَا ظَلَمْتَهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوْاْ أَنْفُسَهُمْ ). وأما قوله: ( أُغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا ) فقد قيل: إن الذنوب هي الصغائر ، والإسراف هو الكبائر . و ((التحقيق)) أن ((الذنوب)) اسم جنس، و((الإسراف)) تعدى الحد ، ومجاوزة القصد ، كما فى لفظ الإثم والعدوان فالذنوب كالإثم ، (١) كذا بالأصل ٦٩٣ والإسراف كالعدوان ، كما فى قوله: (غَيِّرَ بَاعٍ وَلَاعَادٍ ) ومجاوزة قدر الحاجة ، فالذنوب مثل اتباع الهوى بغير هدى من الله. فهذا كله ذنب ، كالذي يرضى لنفسه، ويغضب لنفسه، فهو متبح لهواء، و « الإسراف» كالذي يغضب الله، فيعاقب بأكثر مما أمر الله. والآية فى سياق قتال المشرکین ، وما أصابهم يوم أحد. وقد أخبر عمن قبلهم بقوله: ( وَكَأَيِّنْ مِّن نَّبِيِّ قَتَلَ مَعَهُ رِبِّبُّونَ كَثٌِ ( فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِوَ مَاضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّبِرِينَ وقد قيل على الصحيح، المراد به النبي صلى الله عليه وسلم . فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ وان لم يقتل فى معركة فقد قتل أنبياء کثیرون ، ( أَصَابَهُمْ فِ سَبِيلِ الَّهِوَ مَاضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّبِرِينَ وَمَا كَانَ * قَوْلَهُمْ إِلََّ أَنْ قَالُواْ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا ) الآية. فجمعوا بين الصبر والاستغفار، وهذا هو المأمور به فى المصائب ، الصبر عليها، والاستغفار من الذنوب التى كانت سبيها . والقتال كثيراً ما يقاتل الإنسان فيه لغير الله، كالذى يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ، ويقاتل رياء . فهذا كله ذنوب ، والذي يقاتل الله قد يسرف فيقتل من لا يستحق القتل ، ويعاقب الكفار بأشد مما أمر به ، قال الله تعالى: (وَمَن قُئِلَ مَظْلُوْمًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ، سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفِ فِ ٦٩٤ وَالَّذِينَ إِذَا أَنَفَقُوْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ اٌلْقَتْلِّ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا ) وقال: ( وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا). وقال: ( وَكُلُواْوَاشْرَبُواْ وَلَا تُسْرِفُواْ) فالإسراف مجاوزة الحد . هذا آخر ماكتبته هنا. والله سبحانه وتعالى أعلم. والحمد لله رب العالمين . ٦٩٥ وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية - رحمه الله الاستغفار يخرج العبد من الفعل المكروه . إلى الفعل المحبوب، من العمل الناقص إلى العمل التام ، ويرفع العبد من المقام الأدنى إلى الأعلى منه، والأكمل ؛ فإن العابد لله، والعارف بالله، في كل يوم، بل فى كل ساعة ، بل فى كل لحظة ، يزداد علماً بالله. وبصيرة فى دينه وعبوديته بحيث يجد ذلك فى طعامه ، وشرابه ، ونومه ، ويقطته ، وقوله ، وفعله ، ويرى تقصيره فى حضور قلبه فى المقامات العالية ، واعطائها حقها ، فهو يحتاج إلى الاستغفار آناء الليل وأطراف النهار ؛ بل هو مضطر إليه دائماً فى الأقوال والأحوال ، فى الغوائب والمشاهد، لما فيه من المصالح ، وجلب الخيرات ، ودفع المضرات ، وطلب الزيادة فى القوة فى الأعمال القلبية والبدنية اليقينية الإيمانية . وقد ثبتت : دائرة الاستغفار بين أهل التوحيد ، واقترابها بشهادة أن لا إله إلا الله، من أولهم إلى آخرم، ومن آخرم إلى ٦٩٦ أولهم، ومن الأعلى إلى الأدنى . وشمول دائرة التوحيد والاستغفار الخلق كلهم ، وثم فيها درجات عند الله، ولكل عامل مقام معلوم. فشهادة أن لا إله إلا الله بصدق ويقين تذهب الشرك كله ، دقه وجله خطأه وعمده ، أوله وآخره ؛ سره وعلانيته ، وتأتى على جميع صفاته وخفاياه ودقائقه . والاستغفار يمحو ما بقي من عثراته ، ويمحو الذنب الذي هو من شعب الشرك ، فإن الذنوب كلها من شعب الشرك . فالتوحيد يذهب أصل الشرك ، والاستغفار يمحو فروعه، فأبلغ الثناء قول : لا إله إلا الله، وأبلغ الدعاء قول: أستغفر الله. فأمره بالتوحيد والاستغفار لنفسه ، ولأخوانه ، من المؤمنين . وقال : إياك والنظر في كتب أهل الفلسفة الذين يزعمون فيها أنه كلما قوى نور الحق وبرهانه في القلوب خفي عن المعرفة ، كما يبهر ضوء الشمس [ عيون ] الخفافيش بالنهار . فاحذر مثل هؤلاء وعليك بصحبة أتباع الرسل المؤيدين بنور الهدى وبراهين الإيمان ، أصحاب البصائر فى الشبهات والشهوات ، الفارقين بين الواردات الرحمانية والشيطانية ، العالمين العاملين (أُوْلَئِكَ حِزْبُ اَللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). ٦٩٧ وقال : التوبة من أعظم الحسنات ، والحسنات كلها مشروط فيها الإخلاص لله، وموافقة أمره باتباع رسوله، والاستغفار من أكبر الحسنات ، وبابه واسع . فمن أحس بتقصير فى قوله ، أو عمله ، أو حاله ، أو رزقه ، أو تقلب قلب : فعليه بالتوحيد ، والاستغفار ، ففيها الشفاء إذا كانا بصدق وإخلاص . وكذلك إذا وجد العبد تقصيراً فى حقوق القرابة، والأهل والأولاد ، والجيران ، والإخوان . فعليه بالدعاء لهم ، والاستغفار . قال حذيفة بن اليمان للنبي صلى الله عليه وسلم: إن لي لساناً ذرباً على أهلي. فقال له: ((أين أنت من الاستغفار؟ إني لأستغفر الله فى اليوم أكثر من سبعين مرة )). ٦٩٨ وسئل رحمه الله عن قوله: (( ما أصر من استغفر، وإن عاد فى اليوم والليلة سبعين مرة )). هل المراد ذكر الاستغفار باللفظ؟ أو أنه إذا استغفر ينوى بالقلب أن لا يعود إلى الذنب ؟ وهل إذا تاب من الذنب وعزم بالقلب أن لا يعود إليه ، وأقام مدة ثم وقع فيه أفيكون ذلك الذنب القديم يضاف إلى الثانى ؟ أو يكون مغفوراً بالتوبة المتقدمة ؟ وهل التائب من شرب الخمر ، ولبس الحرير بشربه فى الآخرة ؟ ويلبس الحرير في الآخرة ؟ والتوبة النصوح ما شرطها ؟. فأجاب : الحمد لله . بل المراد الاستغفار بالقلب مع اللسان ، فإن التائب من الذنب كمن لاذنب له، كما فى الحديث الآخر: ((لا كبيرة مع الاستغفار ، ولا صغيرة مع الإصرار)) فإذا أصر على الصغيرة صارت كبيرة ، وإذا تاب منها غفرت. قال تعالى: ( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْظَلَمُوْأَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ ) الآية. ٦٩٩ وإذا تاب توبة صحيحة غفرت ذنوبه ، فإن عاد إلى الذنب فعليه أن يتوب أيضاً . وإذا تاب قبل الله توبته أيضاً. وقد تنازع العلماء فى التائب من الكفر . إذا ارتد بعد إسلامه، ثم تاب بعد الردة وأسلم. هل يعود عمله الأول؟ على ((قولين)) مبناهم) أن الردة هل تحبط العمل مطلقاً ، أو تحبطه بشرط الموت عليها . فمذهب أبي حنيفة ومالك أنها تحبطه مطلقاً . ومذهب الشافعي أنها تحبطه بشرط الموت عليها . والردة ضد التوبة ، وليس من السيئات ما يمحو جميع الحسنات إلا الردة، وقد قال تعالى: (تُوبُواْإِلَى اللَّهِ تَوْبَةُ نَّصُوحًا ) قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: (تَوْبَةً نَّصُوحًا)، أن يتوب ثم لا يعود، فهذه التوبة الواجبة التامة . ومن تاب من شرب الخمر ، ولبس الحرير ، فإنه يلبس ذلك فى الآخرة، كما جاء فى الحديث الصحيح: ((من شرب الخمر ثم لم يتب منها حرمها )) وقد ذهب بعض الناس كبعض أصحاب أحمد : إلى أنه لا يشربها مطلقاً ، وقد أخطئوا الصواب . الذي عليه جمهور المسلمين. ٧٠٠