Indexed OCR Text
Pages 461-480
جوابا لمن كان خاطبه فيهم على ماقيل . وحضر شيوخهم الأكبر فجعلوا يطلبون من الأمير الإصلاح وإطفاء هذه القضية ويترفقون ، فقال الأمير ، إنما يكون الصلح بعد ظهور الحق ، وقمنا إلى مقعد الأمير بزاوية القصر أنا وهو وبها در فسمعته يذكر له أيوب المال بمصر والمولمين ونحو ذلك ، فدل ذلك على أنه كان عند هذا الأمير لهم صورة معظمة ، وأن لهم فيهم ظناً حسناً والله أعلم بحقيقة الحال ؛ فإنه ذكر لي ذلك . وكان الأمير أحب أن يشهد بهادر هذه الواقعة ليتبين له الحق فإنه من أكبر الأمراء وأقدمهم وأعظمهم حرمة عنده ، وقد قدم الآن وهو يحب تأليفه وإكرامه ، فأمر ببساط يبسط فى الميدان . وقد قدم البطائحية وم جماعة كثيرون ، وقد أظهروا أحوالهم الشيطانية من الإزباد والإرغاء وحركة الرؤوس والأعضاء، والطفر والحبو والتقلب ، ونحو ذلك من الأصوات المنكرات ، والحركات الخارجة عن العادات ، (وَأَقْصِدْ فِ مَشْبِكَ وَأَغْضُضْ مِن المخالفة لما أمر به لقمان لابنه فى قوله صَوْتِكَ ) . فلما جلسنا وقد حضر خلق عظيم من الأمراء والكتاب والعلماء والفقراء والعامة وغيرهم ، وحضر شيخهم الأول المشتكي، وشيخ آخر ٤٦١ يسمى نفسه خليفة سيده أحمد ، ويركب بعلمين ، وم يسمونه : عبد اللّه الكذاب، ولم أكن أعرف ذلك. وكان من مدة قد قدم علي منهم شيخ بصورة لطيفة وأظهر ما جرت به عادتهم من المسألة فأعطيته طلبته ولم أتفطن لكذبه حتى فارقني، فبقي فى نفسي أن هذا خفى على تلبيسه إلى أن غاب ، وما يكاد يخفى علي تلبيس أحد ، بل أدركه فى أول الأمر فبقي ذلك فى نفسي ولم أره قط إلى حين ناظرته ، ذكر لي أنه ذاك الذي كان اجتمع بى قديما فتعجبت من حسن صنع الله أنه هتكه فی أعظم مشهد یکون حیث کتم تلبيسه بيني وبينه . فلما حضروا تكلم منهم شيخ يقال له حاتم بكلام مضمونه طلب الصلح والعفو عن الماضي والتوبة ، وإنا مجيبون إلى ما طلب من ترك هذه الأغلال وغيرها من البدع ، ومتبعون للشريعة . (فقلت ) أما التوبة فمقبولة. قال الله تعالى: (غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ) هذه إلى جنب هذه. وقال تعالى (نَبِئْ عِبَادِىّ أَنِى أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ* وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ) . فأخذ شيخهم المشتكي ينتصر للبسهم الأطواق وذكر أن وهب ابن منبه روى أنه كان فى بني إسرائيل عابد وأنه جعل فى عنقه طوقا فى حكاية من حكايات بني إسرائيل لا تثبت . ٤٦٢ (فقلت ) لهم : ليس لنا أن نتعبد فى ديننا بشىء من الإسرائيليات ٠٠ المخالفة لشرعنا ، قد روى الإمام أحمد فى مسنده عن جابر بن عبد الله أن النبى صلى الله عليه وسلم رأى بيد عمر بن الخطاب ورقة من التوراة فقال: ((أمتهوكون يا ابن الخطاب؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقية لو كان موسى حياً ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم » وفى مراسيل أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى مع بعض أصحابه شيئاً من كتب أهل الكتاب فقال «كفى بقوم ضلالة أن يتبعوا كتابا غير كتابهم أنزل إلى نى غير نبيهم )) وأنزل اللّه تعالى (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْأَنَّاً أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ) فنحن لا يجوز لنا اتباع موسى ولا عيسى فيما علمنا أنه أنزل عليها من عند الله إذا خالف شرعنا، وإنما علينا أن نتبح ما أنزل علينا من ربنا وتتبع الشرعة والمنهاج الذي بعث الله به إلينا رسولنا. كما قال تعالى: (فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ هُمْ عَمَّاجَآءَلَكَ مِنَ فكيف يجوز اُلْحَقِّ لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةٌ وَمِنْهَاجًا ) . لنا أن نتبع عباد بنى إسرائيل فى حكاية لا تعلم صحتها ؟! وما علينا (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتٌّ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا من عباد بني إسرائيل ؟! تُشْتَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) هات مافى القرآن وما فى الأحاديث الصحاح كالبخاري ومسلم وذكرت هذا وشبهه بكيفية قوية . ٤٦٣ فقال هذا الشيخ منهم يخاطب الأمير : نحن نريد أن تجمع لنا القضاة الأربعة والفقهاء ونحن قوم شافعية . (فقلت ) له هذا غير مستحب ولا مشروع عند أحد من علماء المسلمين ؛ بل كلهم ينهى عن التعبد به ويعده بدعة ، وهذا الشيخ كمال الدين بن الزملكاني مفتى الشافعية ودعوته وقلت : یا کمال الدين ! ما تقول فى هذا ؟ فقال هذا بدعة غير مستحبة بل مكروهة ، أو كما قال . وكان مع بعض الجماعة فتوى فيها خطوط طائفة من العلماء بذلك. ( وقلت) ليس لأحد الخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ولا الخروج عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم، وأشك هل تكلمت هنا فى قصة موسى والخضر ؛ فإنى تكلمت بكلام بعد عهدي به . فانتدب ذلك الشيخ ((عبد الله)) ورفع صوته . وقال: نحن لنا أحوال وأمور باطنة لا يوقف عليها ، وذكر كلاما لم أضبط لفظه : مثل المجالس والمدارس والباطن والظاهر ؛ ومضمونه أن لنا الباطن ولغيرنا الظاهر، وأن لنا أمراً لا يقف (١) عليه أهل الظاهر فلا ينكرونه علينا، (١) نسخة : لا يقدر . ٤٦٤ (فقلت ) له - ورفعت صوتى وغضبت -: الباطن والظاهر والمجالس والمدارس ، والشريعة والحقائق ، كل هذا مردود إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ؛ ليس لأحد الخروج عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لا من المشايخ والفقراء، ولا من الملوك والأمراء ، ولا من العلماء والقضاة وغيرهم ؛ بل جميع الخلق عليهم طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. وذكرت هذا ونحوه . فقال - ورفع صوته - : نحن لنا الأحوال وكذا وكذا . وادعى الأحوال الخارقة كالنار وغيرها ، واختصاصهم بها ، وأنهم يستحقون تسليم الحال إليهم لأجلها . فقلت - ورفعت صوتي وغضبت - أنا أخاطب كل أحمدى من مشرق الأرض إلى مغربها أي شيء فعلوه فى النار فأنا أصنع مثل ما تصنعون ، ومن احترق فهو مغلوب ؛ وربما قلت فعليه لعنة الله ؛ ولكن بعد أن نغسل جسومنا بالخل والماء الحار ؛ فسألني الأمراء والناس عن ذلك ؟ فقلت : لأن لهم حيلا فى الاتصال بالنار يصنعونها من أشياء : من دهن الضفادع . وقشر النارنج . وحجر الطلق . فضج الناس بذلك، فأخذ يظهر القدرة على ذلك فقال : أنا وأنت تلف فى بارية بعد أن تطلى جسومنا بالكبريت . ( فقلت ) فقم ؛ ٤٦٥ وأخذت أكرر عليه فى القيام إلى ذلك ، فمد يده يظهر خلع القميص فقلت : لا ! حتى تغتسل في الماء الحار والخل ، فأظهر الوم على عادتهم فقال من كان يحب الأمير فليحضر خشباً أو قال حزمة حطب . فقلت هذا تطويل وتفريق للجمع ؛ ولا يحصل به مقصود ؛ بل قنديل يوقد وأدخل إصبعي وإصبعك فيه بعد الغسل ؛ ومن احترقت إصبعه فعليه لعنة اللّه؛ أو قلت: فهو مغلوب. فلما قلت ذلك تغير وذل . وذكر لي أن وجهه اصفر . ثم قلت لهم : ومع هذا فلو دخلتم النار وخرجتم منها سالمين حقيقة، ولو طرتم فى الهواء ؛ ومشيتم على الماء ؛ ولو فعلتم ما فعلتم لم يكن في ذلك ما يدل على صحة ما تدعونه من مخالفة الشرع . ولا على إبطال الشرع ؛ فإن الدجال الأكبر يقول للسماء أمطري فتمطر ؛ وللأرض أنبتى فتنبت ، وللخربة أخرجي كنوزك فتخرج كنوزها تتبعه؛ ويقتل رجلا ثم يمشي بين شقيه ، ثم يقول له قم فيقوم ، ومع هذا فهو مجال كذاب ملعون، لعنه الله، ورفعت صوتي بذلك فكان لذلك وقع عظيم في القلوب . وذكرت قول أبي يزيد البسطامي : لو رأيتم الرجل يطير فى الهواء ويمشي على الماء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف وقوفه عند الأوامر والنواهي ، وذكرت عن يونس بن عبد الأعلى أنه قال للشافعي أتدري ٤٦٦ ما قال صاحبنا يعني الليث بن سعد ؟ قال : لو رأيت صاحب هوى يمشي على الماء فلا تغتر به . فقال الشافعى : لقد قصر الليث لو رأيت صاحب هوى يطير فى الهواء فلا تغتر به ؛ وتكلمت في هذا ونحوه بكلام بعد عهدي به . ومشايخهم الكبار يتضرعون عند الأمير فى طلب الصلح وجعلت ألح عليه فى إظهار ما ادعوه من النار مرة بعد مرة وهم لا يجيبون ، وقد اجتمع عامة مشايخهم الذين فى البلد والفقراء المولهون منهم ، وم عدد كثير ، والناس يضجون فى الميدان ، ويتكلمون بأشياء لا أضبطها . فذكر بعض الحاضرين أن الناس قالوا ما مضمونه: (فَوَقَعَ الْحَقُّ وذكروا وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَأَنْقَلَبُواْ صَغِرِينَ) أيضاً أن هذا الشيخ يسمى عبد الله الكذاب . وأنه الذي قصدك مرة فأعطيته ثلاثين درهما ، فقلت : ظهر لي حين أخذ الدرام وذهب أنه ملبس ، وكان قد حكى حكاية عن نفسه مضمونها أنه أدخل النار فى لحيته قدام صاحب حماة ، ولما فارقنى وقع فى قلبى أن لحيته مدهونة . وأنه دخل إلى الروم واستحوذ عليهم . فلما ظهر للحاضرين عجزهم وكذبهم وتلبيسهم ، وتبين للأمراء الذين كانوا يشدون منهم أنهم مبطلون رجعوا ، وتخاطب الحاج بهادر ء ونائب السلطان وغيرهما بصورة الحال ، وعرفوا حقيقة المحال؛ وقمنا إلى ٤٦٧ داخل ودخلنا ، وقد طلبوا التوبة عما مضى ، وسألني الأمير عما تطلب منهم فقلت : متابعة الكتاب والسنة مثل أن [ لا] يعتقد أنه لا يجب عليه اتباعها ، أو أنه يسوغ لأحد الخروج من حكمها ونحو ذلك ، أو أنه يجوز اتباع طريقة تخالف بعض حكمهما ، ونحو ذلك من وجوه الخروج عن الكتاب والسنة التى توجب الكفر . وقد توجب القتل دون الكفر ، وقد توجب قتال الطائفة الممتنعة دون قتل الواحد المقدور عليه . فقالوا : نحن ملتزمون الكتاب والسنة أشكر علينا غير الأطواق ؟ نحن نخلعها . فقلت : الأطواق وغير الأطواق ، ليس المقصود شيئاً معيناً ؛ وإنما المقصود أن يكون جميع المسلمين تحت طاعة الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم . فقال الأمير فأي شيء الذي يلزمهم من الكتاب والسنة ؟ فقلت: حكم الكتاب والسنة كثير لا يمكن ذكره فى هذا المجلس ، لكن المقصود أن يلتزموا هذا التزاماً عاماً ، ومن خرج عنه ضربت عنقه - وكرر ذلك وأشار بيده إلى ناحية الميدان - وكان المقصود أن يكون هذا حكماً عاماً فى حق جميع الناس ؛ فإن هذا مشهد عام مشهور قد توفرت الهمم عليه ، فيتقرر عند المقاتلة ، وأهل الديوان ، والعلماء والعباد ، وهؤلاء وولاة الأمور - أنه من خرج عن الكتاب والسنة ضربت عنقه . ٤٦٨ قلت : ومن ذلك الصلوات الخمس فى مواقيتها كما أمر الله ورسوله؛ فإن من هؤلاء من لا يصلي ، ومنهم من يتكلم فى صلاته ، حتى إنهم بالأمس بعد أن اشتكوا علي فى عصر الجمعة جعل أحدثم يقول فى صلب الصلاة : يا سيدي أحمد شيء لله. وهذا مع أنه مبطل للصلاة فهو شرك باللّه ودعاء لغيره فى حال مناجاته التى أمرنا أن نقول فيها: (إِيَّكَ نَعْبُهُ وَإِنََّكَ نَسْتَعِيُ) وهذا قد فعل بالأمس بحضرة شيخهم فأمر قائل ذلك لما أنكر عليه المسلمون بالاستغفار على عادتهم في صغير الذنوب . ولم بأمره بإعادة الصلاة . وكذلك يصيحون فى الصلاة صياحاً عظيماً وهذا منكر يبطل الصلاة . فقال : هذا يغلب على أحدم كما يغلب العطاس . فقلت : العطاس من الله والله يحب العطاس ويكره التثاؤب ولا يملك أحدم دفعه ، وأما هذا الصياح فهو من الشيطان ، وهو باختيارم وتكلفهم ، ويقدرون على دفعه، ولقد حدثني بعض الخبيرين بهم بعد المجلس أنهم يفعلون فى الصلاة ما لا تفعله اليهود والنصارى : مثل قول أحدهم أنا على بطن امرأة الإمام ، وقول الآخر كذا وكذا من الإمام ، ونحو ذلك من الأقوال الخبيثة، وأنهم إذا أنكر عليهم المنكر ترك الصلاة يصلون بالنوبة ، وأنا أعلم أنهم متولون للشياطين ليسوا ٤٦٩ مغلوبين على ذلك كما يغلب الرجل فى بعض الأوقات على صيحة أو بكاء في الصلاة أو غيرها . فلما أظهروا التزام الكتاب والسنة وجموعهم بالميدان بأصواتهم وحركاتهم الشيطانية يظهرون أحوالهم ( قلت له) أهذا موافق للكتاب والسنة ؟ فقال : هذا من الله حال يرد عليهم ، فقلت : هذا من الشيطان الرجيم لم يأمر الله به ولا رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم، ولا أحبه الله ولا رسوله ، فقال: ما فى السموات والأرض حركة ولا كذا ولاكذا إلا بمشيئته وإرادته، فقلت له : هذا من باب القضاء والقدر ، وهكذا كل ما فى العالم من كفر وفسوق وعصيان هو بمشيئته وإرادته ، وليس ذلك بحجة لأحد فى فعله ؛ بل ذلك مما زينه الشيطان وسخطه الرحمن . فقال : فبأي شيء تبطل هذه الأحوال . فقلت : بهذه السياط الشرعية . فأعجب الأمير وضحك ، وقال : إي والله ! بالسياط الشرعية، تبطل هذه الأحوال الشيطانية ، كما قد جرى مثل ذلك لغير واحد ، ومن لم يجب إلى الدين بالسياط الشرعية فبالسيوف المحمدية . وأمسكت سيف الأمير وقلت : هذا نائب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغلامه، وهذا السيف سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمن خرج عن كتاب الله وسنة رسوله ضربناه بسيف الله، وأعاد الأمير ٤٧٠ هذا الكلام ، وأخذ بعضهم يقول : فاليهود والنصارى يُقرَّون ولا نقر نحن ؟ . فقلت : اليهود والنصارى يقرون بالجزية على دينهم المكتوم في دورهم ، والمبتدع لا يقر على بدعته . فأخموا لذلك . و ((حقيقة الأمر)) أن من أظهر منكراً فى دار الإسلام لم يقر على ذلك ، فمن دعا إلى بدعة وأظهرها لم يقر ، ولا يقر من أظهر الفجور ، وكذلك أهل الذمة لا يقرون على إظهار منكرات دينهم ، ومن سوامٍ فإن كان مسلماً أخذ بواجبات الإسلام وترك محرماته ، وإن لم يكن مسلماً ولا نمياً فهو إما مرتد وإما مشرك وإما زنديق ظاهر الزندقة . وذكرت ذم ((المبتدعة)) فقلت روى مسلم فى صحيحه عن جعفر ابن محمد الصادق عن أبيه أبي جعفر الباقر عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في خطبته ((إن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة )) . وفى السنن عن العرباض بن سارية، قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ذرفت منها العيون ، ووجلت منها القلوب ، فقال قائل يا رسول كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ فقال (« أوصيكم بالسمع والطاعة فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ٤٧١ من بعدي ، تمسكوا بها ، وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)) وفى رواية (( وكل ضلالة فى النار )). فقال لي : البدعة مثل الزنا ، وروى حديثاً فى ذم الزنا . فقلت هذا حديث موضوع على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، والزنا معصية ، والبدعة شر من المعصية ، كما قال سفيان الثوري : البدعة أحب إلى إبليس من المعصية ؛ فإن المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها . وكان قد قال بعضهم : نحن نتوب الناس، فقلت: مماذا تتوبونهم؟ قال : من قطع الطريق ، والسرقة ، ونحو ذلك . فقلت : حالهم قبل تتويبكم خير من الهم بعد تتويبكم ؛ فإنهم كانوا فساقً يعتقدون تحريم ماهم عليه ، ويرجون رحمة الله ، ويتوبون إليه ، أو ينوون التوبة، فيملتموم بتتوبيكم ضالين مشركين خارجين عن شريعة الإسلام ، يحبون ما يبغضه الله ويبغضون ما يحبه الله، وبينت أن هذه البدع التى هم وغيرهم عليها شر من المعاصي . قلت مخاطباً للأمير والحاضرين : أما المعاصي فمثل ماروى البخاري في صحيحه عن عمر بن الخطاب أن رجلا كان يدعى حماراً ، وكان يشرب الخمر ، وكان يضحك النبى صلى الله عليه وسلم، وكان كلما أتي به النبي صلى الله تعالى عليه وسلم جلده الحد فلعنه رجل مرة. وقال: ٤٧٢ لعنه الله، ما أكثر ما يؤتى به إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم؟! فقال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: ((لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله)). قلت : فهذا رجل كثير الشرب للخمر ، ومع هذا فلما كان صحيح الاعتقاد يحب الله ورسوله شهد له النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بذلك ونهى عن لعنه . وأما المبتدع فمثل ما أخرجا في الصحيحين عن علي بن أبي طالب وعن أبي سعيد الخدري وغيرها - دخل حديث بعضهم فى بعض - أن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم كان يقسم، فجاءه رجل ناتى الجين كث اللحية ، محلوق الرأس ، بين عينيه أثر السجود ، وقال ما قال . فقال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: ((يخرج من ضْضيء هذا قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم ، وقراءته مع قراءتهم ، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية: لئن أدركتهم لأقتلهم قتل عاد » وفى رواية ؛ (( لو يعلم الذين يقاتلونهم ماذا لهم على لسان محمد لنكلوا عن العمل)) وفى رواية (( شر قتلى تحت أديم السماء خير قتلى من قتلوه)). ((قلت)): فهؤلاء مع كثرة صلاتهم وصيامهم وقراءتهم وماهم عليه من العبادة والزهادة أمر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بقتلهم، وقتلهم علي بن أبى طالب ومن معه من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ٤٧٣ وذلك لخروجهم عن سنة النبى وشريعته ، وأظن أنى ذكرت قول الشافعي : لأن يبتلى العبد بكل ذنب ما خلا الشرك بالله خير من أن يبتلى بشيء من هذه الأهواء . فلما ظهر قبح البدع فى الإسلام ، وأنها أظلم من الزنا والسرقة وشرب الخمر ، وأنهم مبتدعون بدءا منكرة فيكون حالهم أسوأ من حال الزانى والسارق وشارب الخمر أخذ شيخهم عبد الله يقول: يامولانا لا تتعرض لهذا الجناب العزيز - يعني أتباع أحمد ابن الرفاعي - فقلت منكراً بكلام غليظ : ويحك ؛ أي شيء هو الجناب العزيز ، وجناب من خالفه أولى بالعز ياذو الزرجنة (١) تريدون أن تبطلوا دين الله ورسوله، فقال: يامولانا يحرقك الفقراء بقلوبهم، فقلت : مثل ما أحرقني الرافضة لما قصدت الصعود إليهم وصار جميع الناس يخوفونى منهم ومن شرهم ، ويقول أصحابهم إن لهم سراً مع الله فنصر الله وأعان عليهم. وكان الأمراء الحاضرون قد عرفوا بركة ما يسره الله في أمر غزو الرافضة بالجيل . وقلت لهم : يا شبه الرافضة يابيت الكذب - فإن فيهم من الغلو والشرك والمروق عن الشريعة ما شاركوا به الرافضة فى بعض صفاتهم، وفيهم من الكذب ماقد يقاربون به الرافضة فى ذلك ، أو يساوونهم ، (١) كذا بالأصل . ٤٧٤ أو يزيدون عليهم ، فإنهم من أكذب الطوائف حتى قيل فيهم : لانقولوا أكذب من اليهود على اللّه، ولكن قولوا أكذب من الأحمدية على شيخهم، وقلت لهم: أنا كافر بكم وبأحوالكم ( فَكِدُونِى جَمِيعًا ثُمَّلَا ◌ُظِرُونِ) . ولما رددت عليهم الأحاديث المكذوبة أخذوا يطلبون مني كتبا صحيحة ليهتدوا بها فبذلت لهم ذلك ، وأعيد الكلام أنه من خرج عن الكتاب والسنة ضربت عنقه، وأعاد الأمير هذا الكلام واستقر الكلام على ذلك. والحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده . ٤٧٥ سئل شيخ الإسلام وناصر السنة ، فريد الوقت ، وبحر العلوم، بقية المجتهدين ، وحجة المتأخرين ، تاج العارفين ، وقدوة المحققين ، رحلة الطالبين ، ونخبة الراسخين ، إمام الزاهدين ومنال المجتهدين ، الإمام الحجة النوراني ، والعالم المجتهد الربانى، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني أدام الله على قدره فى الدارين ، وجعله يتسم ذروة الكمال مسرور القلب قرير العين، عن ((المرشدة)) كيف كان أصلها وتأليفها ؟ وهل تجوز قراءتها أم لا؟ فأجاب - رحمه الله تعالى - قائلا : الحمد لله رب العالمين. أصل هذه: أنه وضعها أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن التومرت ، الذي تلقب بالمهدي ، وكان قد ظهر فى المغرب فى أوائل المائة الخامسة من نحو مائتى سنة ، وكان قد دخل إلى بلاد العراق، وتعلم طرفا من العلم ، وكان فيه طرف من الزهد والعبادة . ولما رجع إلى المغرب صعد إلى جبال المغرب ؛ إلى قوم من البربر . ٤٧٦ وغيرهم : جهال لا يعرفون من دين الإسلام إلا ما شاء الله ، فعلمهم الصلاة والزكاة والصيام وغير ذلك من شرائع الإسلام ، واستجاز أن يظهر لهم أنواعا من المخاريق، ليدعوم بها إلى الدين، فصار يجيء إلى المقابر بدفن بها أقواماً وبواطئهم على أن يكلموه إذا دعام ، ويشهدوا له بما طلبه منهم ، مثل أن يشهدوا له بأنه المهدي ، الذي بشر به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، الذي بواطئ اسمه اسمه، واسم أبيه اسم أبيه. وأنه الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا ، كما ملئت جوراً وظلما . وأن من اتبعه أفلح ، ومن خالفه خسر ، ونحو ذلك من الكلام. فإذا اعتقد أولئك البربر أن الموتى يكلمونه ويشهدون له بذلك ، عظم اعتقادم فيه وطاعتهم لأمره. ثم إن أولئك المقبورين يهدم عليهم القبور ليموتوا ، ولا يظهروا أمره ، واعتقد أن دماء أولئك مباحة بدون هذا ، وأنه يجوز له إظهار هذا الباطل ليقوم أولئك الجهال بنصره واتباعه . وقد ذكر عنه أهل المغرب وأهل المشرق الذين ذكروا أخباره من هذه الحكايات أنواعا . وهي مشهورة عند من يعرف حاله عنه . ومن الحكايات التى يأثرونها عنه أنه واطأ رجلاً على إظهار الجنون وكان ذلك عالماً يحفظ القرآن والحديث والفقه ، فظهر بصورة الجنون والناس لا يعرفونه إلا مجنوناً . ثم أصبح ذات يوم وهو عاقل يقرأ القرآن والحديث والفقه ، وزعم أنه على ذلك فى المنام ، وعوفى مما كان ٤٧٧ به ، وربما قيل : إنه ذكر لهم أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه ذلك فصاروا يحسنون الظن بذلك الشخص ، وأنه كان لهم يوم يسمونه يوم الفرقان ، فرق فيه بين أهل الجنة وأهل النار بزعمه ، فصار كل من علموا أنه من أوليائهم جعلوه من أهل الجنة ، وعصموا دمه ، ومن علموا أنه من أعدائهم جعلوه من أهل النار ، فاستحلوا دمه ، واستحل دماء ألوف مؤلفة من أهل المغرب المالكية ، الذين كانوا من أهل الكتاب والسنة على مذهب مالك وأهل المدينة ، يقرؤون القرآن والحديث : كالصحيحين ، والموطأ وغير ذلك والفقه على مذهب أهل المدينة فزعم أنهم مشبهة مجسمة ولم يكونوا من أهل هذه المقالة ، ولا يعرف عن أحد من أصحاب مالك إظهار القول بالتشبيه والتجسيم . واستحل أيضاً أموالهم ، وغير ذلك من المحرمات بهذا التأويل ونحوه ، من جنس ما كانت تستحله الجهمية المعطلة - كالفلاسفة والمعتزلة ، وسائر نفاة الصفات - من أهل السنة والجماعة ، لما امتحنوا الناس فى ((خلافة المأمون)) وأظهروا القول بأن القرآن مخلوق ، وأن الله لا يرى فى الآخرة، ونفوا أن يكون الله على، أو قدرة أو كلام أو مشيئة ، أو شيء من الصفات القائمة بذاته . وصار كل من وافقهم على هذا التعطيل عصموا دمه وماله ، وولوه الولايات وأعطوه الرزق من بيت المال ، وقبلوا شهادته وافتدوه من ٤٧٨ الأسر ومن لم يوافقهم على أن القرآن مخلوق وما يتبع ذلك من بدعهم قتلوه ، أو حبسوه أو ضربوه أو منعوه العطاء من بيت المال ، ولم يولوه ولاية ، ولم يقبلوا له شهادة، ولم يفدوه من الكفار. يقولون : هذا مشبه ؛ هذا مجسم ، لقوله : إن الله يرى فى الآخرة ، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق وأن الله استوى على العرش، ونحو ذلك . فدامت هذه المحنة على المسلمين بضع عشرة سنة ، فى أواخر خلافة المأمون ، وخلافة أخيه المعتصم ، والواثق بن المعتصم ، ثم إن الله تعالى كشف الغمة عن الأمة ، فى ولاية المتوكل على الله ، الذي جعل اللّه عامة خلفاء بنى العباس من ذريته دون ذرية الذين أقاموا المحنة لأهل السنة . فأمر المتوكل برفع المحنة وإظهار الكتاب والسنة ، وأن يروى ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين ، من الإثبات النافى للتعطيل . وكان أولئك الجهمية المعطلة قد بلغ من تبديلهم للدين أنهم كانوا يكتبون على ستور الكعبة: ليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم ولا يقولون: (وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) وأنهم كانوا يمتحنون الناس بقوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ) فإذا قالوا وهو السميع البصير أنكروا عليهم ، ومذهب سلف الأمة وأئمتها أن يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ، ومن غير ٤٧٩ تكييف ولا مثيل . فلا ينفون عن الله ما أثبته لنفسه، ولا يمثلون صفاته بصفات خلقه ، بل يعلمون أن الله ليس كمثله شىء . لا فى ذاته ولا فى صفاته ، ولا فى أفعاله فكما أن ذاته لا تشبه الذوات ، فصفاته لا تشبه الصفات . والله تعالى بعث الرسل فوصفوه بإثبات مفصل، ونفي مجمل . وأعداء الرسل : الجهمية الفلاسفة ونحوهم وصفوه بنفي مفصل ، وإثبات مجمل . فإن الله سبحانه وتعالى أخبر فى كتابه بأنه : بكل شيء عليم وأنه على كل شيء قدير ، وأنه حي قيوم، وأنه عزيز حكيم ، وأنه غفور رحيم، وأنه سميع بصير. وأنه يحب المتقين والمحسنين والصابرين وأنه لا يحب الفساد ، ولا يرضى لعباده الكفر، وأنه رضي عن المؤمنين ورضوا عنه ، وأنه يغضب على الكفار ويلعنهم، وأنه إليه يصعد الكلم الطيب ، والعمل الصالح يرفعه. وأنه كلم موسى تكليما ، وأن القرآن نزل به الروح الأمين من الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم . كما قال: ( قُلْ نَزَّلَهُ رُوعُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ ) وروح القدس هو جبريل كما قال فى الآية الأخرى: (قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ, عَ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اُللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) وقال تعالى: (نَزَلَ بِهِالُوُعُ الْأَمِيْنُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَّكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ) وقال تعالى: (وُجُوهٌيُؤْمَيِدٍ نَاضِرَةُ * إِلَى رَبِهَ ناظِرَةٌ ) وقال تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) ٤٨٠