Indexed OCR Text

Pages 321-340

يفتح على بعض المجاهدين الصادقين من ذلك بابا ، والحكمة فيه أن
يزداد بما يرى من خوارق العادات وآثار القدرة تفتنا ، فيقوى عزمه
على هذا الزهد في الدنيا ، والخروج من دواعى الهوى ، وقد يكون
بعض عباده يكاشف بصدق اليقين ، ويرفع عن قلبه الحجاب ، ومن
كوشف بصدق اليقين أغني بذلك عن رؤية خرق العادات ؛ لأن المراد
منها كان حصول اليقين ، وقد حصل اليقين فلوكوشف هذا المرزوق
صدق اليقين بشيء من ذلك لازداد يقيناً . فلا تقتضي الحكمة كشف
القدرة بخوارق العادات لهذا الموضع استغناء به ، وتقتضي الحكمة
كشف ذلك الآخر لموضع حاجته، وكان هذا الثانى يكون أتم استعداداً
وأهلية من الأول . فسبيل الصادق مطالبة النفس بالاستقامة ، فهي كل
الكرامة. ثم إذا وقع في طريقه شيء خارق كان كأن لم يقع
فما يبالي ولا ينقص بذلك . وإنما ينقص بالإخلال بواجب حق الاستقامة .
فتعلم هذا؛ لأنه أصل كبير للطالبين ، والعلماء الزاهدين، ومشايخ
الصوفية .
٣٢١

فصل
كمات اللّه تعالى ((نوعان)): كلمات كونية ، وكلمات دينية . فكلماته
الكونية هي: التى استعاذ بها النبي صلى الله عليه وسلم فى قوله «أعوذ
بكلمات الله التامات التى لا يجاوزهن بر ولا فاجر )) وقال سبحانه :
( إِنَّمَآ أَمْرُهُ: إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُكُنْ فَيَكُونُ ) وقال تعالى (وَتَمَّتْ
والكون كله داخل تحت هذه الكلمات
كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا )
وسأر الخوارق الكشفية التأثيرية .
و((النوع الثاني)) الكلمات الدينية وهي: القرآن وشرع الله الذي بعث
به رسوله وهي : أمره ونهيه وخبره ، وحظ العبد منها العلم بها والعمل
والأمر بما أمر الله به، كما أن حظ العبد عموماً وخصوصاً من الأول
العلم بالكونيات ، والتأثير فيها . أي بموجبها .
فالأولى قدرية كونية والثانية شرعية دينية ، وكشف الأولى العلم
بالحوادث الكونية ، وكشف الثانية العلم بالمأمورات الشرعية ، وقدرة
الأولى التأثير فى الكونيات ، وقدرة الثانية التأثير في الشرعيات ، وكما
٣٢٢

أن الأولى تنقسم إلى تأثير فى نفسه ، كمشيه على الماء وطيرانه فى الهواء
وجلوسه على النار، وإلى تأثير فى غيره بإسقام وإصحاح ، وإهلاك وإغناء وإفقار
فكذلك الثانية تنقسم إلى تأثير فى نفسه بطاعته لله ورسوله ، والتمسك
بكتاب الله وسنة رسوله باطناً، وظاهراً، وإلى تأثير فى غيره بأن
يأمر بطاعة الله ورسوله ؛ فيطاع فى ذلك طاعة شرعية، بحيث تقبل
النفوس ما يأمرها به من طاعة الله ورسوله فى الكلمات الدينيات . كما
قبلت من الأول ما أراد تكوينه فيها بالكلمات الكونيات .
وإذا تقرر ذلك فاعلم أن عدم الخوارق علماً وقدرة لاتضر المسلم
في دينه ، فمن لم ينكشف له شيء من المغيبات، ولم يسخر له شيء من
الكونيات ، لا ينقصه ذلك فى مرتبته عند الله ؛ بل قد يكون عدم ذلك
أنفع له فى دينه إذا لم يكن وجود ذلك في حقه مأموراً به أمر إيجاب
ولا استحباب ، وأما عدم الدين والعمل به فيصير الإنسان ناقصاً مذموماً
إما أن يجعله مستحقاً للعقاب ، وإما أن يجعله محروما من الثواب ،
وذلك لأن العلم بالدين وتعليمه والأمر به ينال به العبد رضوان الله
وحده وصلاته وثوابه ، وأما العلم بالكون والتأثير فيه فلا ينال به ذلك
إلا إذا كان داخلا فى الدين ، بل قد يجب عليه شكره ، وقد
يناله به إثم.
إذا عرف هذا فالأقسام ثلاثة : إما أن يتعلق بالعلم والقدرة [ أو ] بالدين
٣٢٣

فقط ، أو بالكون فقط .
( فالأول ) كما قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: (وَقُلٍَّّ أَدْخِلْنِى
مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ وَأَجْعَل لِ مِن لَُّنَكَ سُلْطَانَا تَصِيرًا )
فإن السلطان النصير يجمع الحجة والمنزلة عند الله، وهو كلماته
الدينية، والقدرية والكونية عند الله بكلماته الكونيات ، ومعجزات الأنبياء
عليهم السلام تجمع الأمرين ، فإنها حجة على النبوة من الله وهي قدرية .
وأبلغ ذلك القرآن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه هو
شرع الله وكلماته الدينيات، وهو حجة محمد صلى الله عليه وسلم
على نبوته، ومجيئه من الخوارق العادات، فهو الدعوة وهو الحجة والمعجزة .
(وأما القسم الثانى ) فمثل من يعلم بما جاء به الرسول خبراً
وأمراً ويعمل به ويأمر به الناس ، ويعلم بوقت نزول المطر وتغير
السعر ، وشفاء المريض ، وقدوم الغائب ، ولقاء العدو ، وله تأثير إما
فى الأناسي، وإما فى غيرهم بإصحاح وإسقام وإهلاك، أو ولادة أو ولاية
أو عزل . وجماع التأثير إما جلب منفعة كالمال والرياسة ؛ وإما دفع
مضرة كالعدو والمرض ، أولا واحد منهما مثل ركوب أسد بلا فائدة ؛
أو إطفاء نار ونحو ذلك .
(وأما الثالث ) فمن يجتمع له الأمران ؛ بأن يؤتى من الكشف
٣٢٤

والتأثير الكونى ما يؤيد به الكشف والتأثير الشرعي . وهو علم الدين
والعمل به ، والأمر به ، ويؤتى من علم الدين والعمل به ، ما يستعمل
به الكشف والتأثير الكوني ؛ بحيث تقع الخوارق الكونية تابعة للأوامر
الدينية ، أو أن تخرق له العادة فى الأمور الدينية ؛ بحيث ينال من
العلوم الدينية ، ومن العمل بها ، ومن الأمر بها ، ومن طاعة الخلق
فيها ، ما لم ينله غيره فى مطرد العادة ، فهذه أعظم الكرامات
والمعجزات وهو حال نبينا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وأبى بكر الصديق
وعمر وكل المسلمين .
فهذا القسم الثالث هو مقتضى ( إِيَّاكَ نَعْبُهُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) إذ
الأول هو العبادة ، والثانى هو الاستعانة ، وهو حال نبينا محمد صلى
اللّه عليه وسلم والخواص من أمته المتمسكين بشرعته ومنهاجه باطناً
وظاهراً ، فإن كراماتهم كمعجزاته لم يخرجها إلا لحجة أو حاجة ، فالحجة
ليظهر بها دين الله ليؤمن الكافر ويخلص المنافق ويزداد الذين
آمنوا إيماناً، فكانت فائدتها اتباع دين اللّه علماً وعملاً، كالمقصود
بالجهاد . والحاجة جلب منفعة يحتاجون إليها كالطعام والشراب وقت
الحاجة إليه ، أو دفع مضرة منهم ككسر العدو بالحصى الذي رماهم به
فقيل له: ( وَمَارَمَيْتَ إِذْرَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَى) . وكل من هذين
يعود إلى منفعة الدين كالأكل والشرب وقتال العدو والصدقة على
٣٢٥

المسلمين ؛ فإن هذا من جملة الدين والأعمال الصالحة .
وأما ((القسم الأول)) وهو المتعلق بالدين فقط فيكون منه ما لا يحتاج
إلى الثاني ولا له فيه منفعة ، كال كثير من الصحابة ، والتابعين
وصالحي المسلمين ، وعلمائهم وعبادهم ، مع أنه لا بد أن يكون لهم
حاجة أو انتفاع بشيء من الخوارق ، وقد يكون منهم من لا يستعمل
أسباب الكونيات ولا عمل بها ، فانتفاء الخارق الكونى في حقه إما
لانتفاء سببه وإما لانتفاء فائدته ، وانتفاؤه لانتفاء فائدته لا يكون نقصاً،
وأما انتفاؤه لانتفاء سبيه فقد يكون نقصاً وقد لا يكون نقصاً ، فإن
كان لإخلاله بفعل واجب وترك محرم كان عدم الخارق نقصاً وهو
سبب الضرر ، وإن كان لإخلاله بالمستحبات فهو نقص عن رتبة المقربين
السابقين وليس هو نقصاً عن رتبة أصحاب اليمين المقتصدين ، وإن لم
يكن كذلك بل لعدم اشتغاله بسبب بالكونيات التى لا يكون عدمها
ناقصاً لثواب لم يكن ذلك نقصاً ، مثل من يمرض ولده ويذهب ماله
فلا يدعو ليعافى أو يجيء ماله ، أو يظلمه ظالم فلا يتوجه عليه
لينتصر عليه .
وأما ((القسم الثانى)) وهو صاحب الكشف والتأثير الكونى فقد تقدم
أنه تارة يكون زيادة فى دينه ، وتارة يكون نقصاً، وتارة لا له ولا عليه
وهذا غالب حال أهل الاستعانة ، كما أن الأول غالب حال أهل العبادة،
٣٢٦

وهذا الثانى بمنزلة الملك والسلطان الذي قد يكون صاحبه خليفة نبياً ،
فيكون خير أهل الأرض ، وقد يكون ظالماً من شر الناس ، وقد
يكون ملكا عادلاً فيكون من أوساط الناس ؛ فإن العلم بالكونيات والقدرة
على التأثير فيها بالحال والقلب كالعلم بأحوالها والتأثير فيها بالملك وأسبابه،
فسلطان الحال والقلب كسلطان الملك واليد ، إلا أن أسباب هذا باطنة
روحانية ، وأسباب هذا ظاهرة جسمانية . وبهذا تبين لك أن القسم
الأول إذا صح فهو أفضل من هذا القسم ، وخير عند الله وعند
رسوله وعباده الصالحين المؤمنين العقلاء .
وذلك من وجوه :
( أحدها ) أن على الدين طلباً وخبراً لا ينال إلا من جهة الرسول
صلى الله عليه وسلم، وأما العلم بالكونيات فأسبابه متعددة ، وما
اختص به الرسل وورثتهم أفضل مما شركهم فيه بقية الناس ، فلا ينال
علمه إلا م وأتباعهم ، ولا يعلمه إلا م وأتباعهم .
( الثانى ) أن الدين لا يعمل به إلا المؤمنون الصالحون الذين
ثم أهل الجنة وأحباب اللّه، وصفوته وأحباؤه وأولياؤه، ولا
يأمر به إلا هم.
٣٢٧

وأما (( التأثير الكونى )) فقد يقع من كافر ومنافق وفاجر ،
تأثيره فى نفسه وفى غيره كالأحوال الفاسدة والعين والسحر ، وكالملوك
والجبابرة المسلطين والسلاطين الجبابرة ، وما كان من العلم مختصاً بالصالحين
أفضل مما يشترك فيه المصلحون والمفسدون .
( الثالث ) أن العلم بالدين والعمل به ينفع صاحبه فى الآخرة ولا
يضره . وأما الكشف والتأثير فقد لا ينفع فى الآخرة بل قد يضره
كما قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْءَامَنُواْ وَاتَّقَوْ لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُواْ
يَعْلَمُونَ).
( الرابع) أن الكشف والتأثير إما أن يكون فيه فائدة أو
لا يكون ، فإن لم يكن فيه فائدة ؛ كالاطلاع على سيئات العباد
وركوب السباع لغير حاجة ، والاجتماع بالجن لغير فائدة ، والمشي على
الماء مع إمكان العبور على الجسر ؛ فهذا لا منفعة فيه لا في الدنيا ولا
فى الآخرة ، وهو بمنزلة العبث واللعب وإنما يستعظم هذا من لم ينله.
وهو تحت القدرة والسلطان فى الكون ، مثل من يستعظم الملك أو
طاعة الملوك لشخص وقيام الحالة عند الناس بلا فائدة ، فهو يستعظمه
من جهة سببه لا من جهة منفعته كالمال والرياسة ، ودفع مضرة كالعدو
والمرض ؛ فهذه المنفعة تنال غالباً بغير الخوارق أكثر مما تنال بالخوارق،
ولا يحصل بالخوارق منها إلا القليل ، ولا تدوم إلا بأسباب أخرى .
٣٢٨

وأما الآخر أيضاً فلا يحصل بالخوارق إلا مع الدين . والدين وحده
موجب للآخرة بلا خارق ، بل الخوارق الدينية الكونية أبلغ من
تحميل الآخرة كمال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وكذلك المال
والرياسة التى يحصل لأهل الدين بالخوارق إنما هو مع الدين ، وإلا
فالخوارق وحدها لا تؤثر فى الدنيا إلا أثراً ضعيفاً .
فإن قيل : مجرد الخوارق إن لم تحصل بنفسها منفعة لا فى الدين ولا
فى الدنيا فهي علامة طاعة النفوس له ، فهو موجب الرياسة والسلطان،
ثم يتوسط ذلك فتجلب المنافع الدينية والدنيوية ، وتدفع المضار
الدينية والدنيوية .
قلت : نحن لم تتكلم إلا فى منفعة الدين أو الخارق فى نفسه من
غير فعل الناس . وأما إن تكلمنا فيما يحصل بسبيها من فعل الناس
فنقول أولا : الدين الصحيح أوجب لطاعة النفوس وحصول الرياسة
من الخارق المجرد كما هو الواقع ، فإنه لا نسبة لطاعة من أطيع لدينه
إلى طاعة من أطيع لتأثيره ، إذ طاعة الأول أعم وأكثر ، والمطيع بها
خيار بني آدم عقلا وديناً ، وأما الثانية فلا تدوم ولا تكثر ولا يدخل
فيها إلاجهال الناس، كأصحاب مسيلمة الكذاب وطليحة الأسدي ونحوهم
وأهل البوادى والجبال ونحوهم ممن لا عقل له ولا دين .
٣٢٩

ثم نقول ثانياً : لو كان الخارق يناله من الرياسة والمال أكثر من
صاحب الدين لكان غايته أن يكون ملكا من الملوك ، بل ملكه إن
لم يقرنه بالدين فهو كفرعون وكمقدمي الإسماعيلية ونحوهم ، وقد قدمنا أن
رياسة الدنيا التى ينالها الملوك بسياستهم وشجاعتهم وإعطائهم أعظم من
الرياسة بالخارق المجرد ، فإن هذه أكثر ما يكون مدة قريبة.
(الخامس) أن الدين ينفع صاحبه فى الدنيا والآخرة ويدفع عنه مضرة
الدنيا والآخرة من غير أن يحتاج معه إلى كشف أو تأثير .
وأما الكشف أو التأثير فإن لم يقترن به الدين وإلا هلك صاحبه في
الدنيا والآخرة، أما فى الآخرة فلعدم الدين الذي هو أداء الواجبات وترك
المحرمات ، وأما فى الدنيا فإن الخوارق هي من الأمور الخطرة التى لا تنالها
النفوس إلا بمخاطرات فى القلب والجسم والأهل والمال ، فإنه إن سلك
طريق الجوع والرياضة المفرطة خاطر بقلبه ومزاجه ودينه ، وربما زال
عقله ومرض جسمه وذهب دينه ، وإن سلك طريق الوله والاختلاط
بترك الشهوات ليتصل بالأرواح الجنية وتغيب النفوس عن أجسامها ،
- كما يفعله مولهو الأحمدية - فقد أزال عقله وأذهب ماله ومعيشته ،
وأشقى نفسه شقاء لا مزيد عليه ، وعرض نفسه لعذاب الله فى الآخرة
لما تركه من الواجبات وما فعله من المحرمات ، وكذلك إن قصد تسخير
الجن بالأسماء والكلمات من الأقسام والعزائم فقد عرض نفسه لعقوبتهم
٣٣٠

ومحاربتهم ، بل لو لم يكن الخارق إلا دلالة صاحب المال المسروق والضال
على ماله أو شفاء المريض أو دفع العدو من السلطان والمحاربين - فهذا
القدر إذا فعله الإنسان مع الناس ولم يكن عمله ديناً يتقرب به إلى الله كان
كأنه قهرمان للناس يحفظ أموالهم، أو طبيب أو صيدلي يعالج
أمراضهم، أو أعوان سلطان يقاتلون عنه، إذ عمله من جنس عمل
أولئك سواء .
ومعلوم أن من سلك هذا المسلك على غير الوجه الدينى فإنه
بحابى بذلك أقواما ولا يعدل بينهم، وربما أعان الظلمة بذلك كفعل
بلعام وطوائف من هذه الأمة وغيرم. وهذا يوجب له عداوة الناس
التى هي من أكثر أسباب مضرة الدنيا ولا يجوز أن يحتمل المرء ذلك
إلا إذا أمر الله به ورسوله ؛ لأن ما أمر الله به ورسوله وإن كان فيه مضرة
فمنفعته غالبة على مضرته والعاقبة للتقوى .
(السادس) أن للدين علما وعملا إذا صح فلا بد أن يوجب خرق
العادة إذا احتاج إلى ذلك صاحبه . قال الله تعالى: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ.
مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَايَحْتَسِبُ ) وقال تعالى: (إِن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل
◌َّكُمْ فُرْقَانًا ) وقال تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ، لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ
تَتْبِيتًا * وَإِذَا لََّتَيْنَهُمْ مِّن لَّدُنَّا أَجْرًّاً عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا)
وقال تعالى: (أَلَآ إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَهُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ
٣٣١

ءَامَنُواْ وَكَانُواْيَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ ).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((اتقوا فراسة المؤمن فإنه
ينظر بنور الله)) ثم قرأ قوله تعالى: (إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتِ لِّلْمُتَوَسِمِينَ)
رواه الترمذي وحسنه من رواية أبى سعيد .
وقال الله تعالى فيما روى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم
((من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة ، وما تقرب إلي عبدي بمثل
أداء ما افترضت عليه ، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ،
فاذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده
التى يبطش بها ، ورجله التى يمشي بها، فى يسمع، وبى يبصر ، وبي
يبطش ، وبي يمشي ، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه ،
وما ترددت فى شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن بكره
الموت وأكره مساءته ولا بدله منه، فهذا فيه محاربة الله لمن حارب
وليه . وفيه أن محبوبه به يعلم سمعاً وبصراً، وبه يعمل بطشاً وسعياً.
وفيه أنه يجيبه إلى ما يطلبه منه من المنافع ، ويصرف عنه ما يستعيذ به
من المضار . وهذا باب واسع .
وأما الخوارق فقد تكون، مع الدين ، وقد تكون مع عدمه أو فساده
أو نقصه .
٣٣٢

( السابع ) أن الدين هو إقامة حق العبودية وهو فعل ما عليك
وما أمرت به ، وأما الخوارق فهي من حق الربوبية إذا لم يؤمر العبد
بها ، وإن كانت بسعي من العبد فإن الله هو الذي يخلقها بما ينصبه من
الأسباب ، والعبد ينبغي له أن يهتم بما عليه وما أمر به ، وأما اهتمامه
بما يفعله الله إذا لم يؤمر بالاهتمام به فهو إما فضول فتكون لما فيها من
المنافع كالمنافع السلطانية المالية التى يستعان بها على الدين، كتكثير
الطعام والشراب وطاعة الناس إذا رأوها . ولما فيها من دفع المضار عن
الدين بمنزلة الجهاد الذي فيه دفع العدو وغلبته .
ثم هل الدين محتاج إليها في الأصل، ولأن الإيمان بالنبوة لا يتم
إلا بالخارق أو ليس بمحتاج في الخاصة بل فى حق العامة ؟ هذا
تكلم عليه .
وأنفع الخوارق الخارق الدينى وهو حال نبينا محمد صلى الله عليه
وسلم. قال صلى الله عليه وسلم (( ما من نى إلا وقد أعطي من
الآيات ما آمن على مثله البشر وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي
فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة )) أخرجاه في الصحيحين .
وكانت آيته هي دعوته وحجته بخلاف غيره من الأنبياء . ولهذا نجد
كثيراً من المنحرفين منا إلى العيسوية يفرون من القرآن، والقال إلى
الحال ، كما أن المنحرفين منا إلى الموسوبة يفرون من الإيمان والحال إلى
٣٣٣

القال ، ونبينا صلى الله عليه وسلم صاحب القال والحال ، وصاحب
القرآن والإيمان .
ثم بعده الخارق المؤيد للدين المعين له ، لأن الخارق فى مرتبة
( إياك نستعين ) والدين في مرتبة ( إياك نعبد ). فأما الخارق الذي لم
يعن الدين فإما متاع دنيا أو مبعد صاحبه عن اللّه تعالى.
فظهر بذلك أن الخوارق النافعة تابعة للدين حادثة له ، كما أن الرياسة
النافعة هي التابعة للدين ، وكذلك المال النافع ، كما كان السلطان والمال بيد
النبى صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، فمن جعلها
هي المقصودة وجعل الدين تابعاً لها ووسيلة إليها لا لأجل الدين في
الأصل فهو يشبه بمن يأ كل الدنيا بالدين ، وليست حاله كمال من
تدين خوف العذاب أو رجاء الجنة فإن ذلك مأمور به وهو على سبيل
نجاة وشريعة صحيحة .
والعجب أن كثيراً ممن يزعم أن همه قد ارتفع وارتقى عن أن يكون
دينه خوفا من النار أو طلباً للجنة يجعل همه بدينه أدنى خارق من
خوارق الدنيا، ولعله يجتهد اجتهاداً عظيما فى مثله وهذا خطأ ؛ ولكن
منهم من يكون قصده بهذا تثبيت قلبه وطمأنينته وإيقانه بصحة طريقه
وسلوكه ، فهو يطلب الآية علامة وبرهانا على صحة دينه ، كما
٣٣٤

تطلب الأمم من الأنبياء الآيات دلالة على صدقهم ، فهذا أعذر لهم
فى ذلك .
ولهذا لما كان الصحابة رضي الله عنهم مستغنين فى علمهم بدينهم
وعملهم به عن الآيات بما رأوه من حال الرسول ونالوه من علم .
صار كل من كان عنهم أبعد مع صحة طريقته يحتاج إلى ما عندهم فى علم
دينه وعمله .
فيظهر مع الأفراد فى أوقات الفترات وأماكن الفترات من الخوارق
مالا يظهر لهم ولا لغيرهم من حال ظهور النبوة والدعوة .
فصل
العلم بالكائنات وكشفها له طرق متعددة : حسية وعقلية وكشفية
وسمعية، ضرورية ونظرية وغير ذلك ، وينقسم إلى قطعي وظنى وغير
ذلك ، وسنتكلم إن شاء الله تعالى على ما يتبع منها وما لا يتبع فى
الأحكام الشرعية ، أعني الأحكام الشرعية على العلم بالكائنات من طريق
الكشف يقظة ومناما كما كتبته فى الجهاد .
أما العلم بالدين وكشفه فالدين نوعان : أمور خبرية اعتقادية وأمور
٣٣٥

طلبية عملية . فالأول كالعلم بالله ، وملائكته ، وكتبه ورسله ، واليوم
الآخر ، ويدخل فى ذلك أخبار الأنبياء وأمهم ومراتبهم فى الفضائل ،
وأحوال الملائكة وصفاتهم وأعمالهم ، ويدخل في ذلك صفة الجنة والنار
وما في الأعمال من الثواب والعقاب ، وأحوال الأولياء والصحابة وفضائلهم
ومراتبهم وغير ذلك .
وقد يسمى هذا النوع أصول دين ، ويسمى العقد الأكبر ،
ويسمى الجدال فيه بالعقل كلاماً . ويسمى عقائد واعتقادات ، ويسمى
المسائل العلمية والمسائل الخبرية ، ويسمى علم المكاشفة .
( والثانى) الأمور العملية الطلبية من أعمال الجوارح والقلب
كالواجبات والمحرمات والمستحبات والمكروهات والمباحات ، فإن الأمر
والنهي قد يكون بالعلم والاعتقاد ، فهو من جهة كونه علماً واعتقاداً
أو خبراً صادقاً أو كاذباً يدخل فى القسم الأول ، ومن جهة كونه
مأموراً به أو منهياً عنه يدخل فى القسم الثانى ، مثل شهادة أن لا إله
إلا الله وأن محمداً رسول اللّه ، فهذه الشهادة من جهة كونها صادقة
مطابقة لمخبرها فهي من القسم الأول ، ومن جهة أنها فرض واجب
وأن صاحبها بها يصير مؤمناً يستحق الثواب ، وبعدمها يصير كافراً
يحل دمه وماله ، فهي من القسم الثاني .
٣٣٦

وقد يتفق المسلمون على بعض الطرق الموصلة إلى القسمين كانفاقهم
على أن القرآن دليل فيهما فى الجملة ، وقد يتنازعون فى بعض الطرق
كتنازعهم فى أن الأحكام العملية من الحسن والقبيح والوجوب والحظر هل
تعلم بالعقل كما تعلم بالسمع ، أم لا تعلم إلا بالسمع؟ وأن السمع هل هو منشأ
الأحكام أو مظهر لها كما هو مظهر للحقائق الثابتة بنفسها ؟ وكذلك
الاستدلال بالكتاب والسنة والإجماع على المسائل الكبار فى القسم الأول
مثل مسائل الصفات والقدر وغيرهما مما اتفق عليه أهل السنة والجماعة
من جميع الطوائف ، وأبى ذلك كثير من أهل البدع المتكلمين بما
عندم على أن السمع لا تثبت به تلك المسائل فإثباتها بالعقل(١) حتى
يزعم كثير من القدرية والمعتزلة أنه لا يصح الاستدلال بالقرآن على
حكمة الله وعدله وأنه خالق كل شيء وقادر على كل شيء ، وتزعم
الجهمية من هؤلاء ومن اتبعهم من بعض الأشعرية وغيرهم أنه لا يصح
الاستدلال بذلك على علم الله وقدرته وعبادته ، وأنه مستو على العرش.
ويزعم قوم من غالية أهل البدع أنه لا يصح الاستدلال بالقرآن
والحديث على المسائل القطعية مطلقاً؛ بناء على أن الدلالة اللفظية لا تفيد
اليقين بما زعموا .
ويزعم كثير من أهل البدع أنه لا يستدل بالأحاديث المتلقاة بالقبول
على مسائل الصفات والقدر ونحوهما مما يطلب فيه القطع واليقين .
(١) بالأصل سقط ولعل ما أثبت هنا هو المقصود.
٣٣٧

ويزعم قوم من غالية المتكلمين أنه لا يستدل بالإجماع على شيء ،
ومنهم من يقول لا يصح الاستدلال به على الأمور العلمية لأنه ظني .
وأنواع من هذه المقالات التى ليس هذا موضعها .
فإن طرق العلم والظن وما يتوصل به إليها من دليل أو
مشاهدة ، باطنة أو ظاهرة ، عام أو خاص ، فقد تنازع فيه بنو آدم
تنازعا كثيراً .
وكذلك كثير من أهل الحديث والسنة قد ينفي حصول العلم
لأحد بغير الطريق التى يعرفها ، حتى ينفي أكثر الدلالات العقلية من
غير حجة على ذلك . وكذلك الأمور الكشفية التى للأولياء من
أهل الكلام من ينكرها ، ومن أصحابنا من يغلو فيها ، وخيار
الأمور أوساطها .
فالطريق العقلية والنقلية والكشفية والخبرية والنظرية طريقة أهل
الحديث وأهل الكلام وأهل التصوف قد تجاذبها الناس نفياً وإثباتاً ،
فمن الناس من ينكر منها ما لا يعرفه ، ومن الناس من يغلو فيما يعرفه،
فيرفعه فوق قدره وينفى ما سواء . فالمتكلمة والمتفلسفة تعظم الطرق
العقلية وكثير منها فاسد متناقض، وم أكثر خلق الله تناقضاً واختلافاً،
وكل فريق يرد على الآخر فيما يدعيه قطعياً .
٣٣٨

وطائفة ممن تدعى السنة والحديث يحتجون فيها بأحاديث موضوعة
وحكايات مصنوعة يعلم أنها كذب وقد يحتجون بالضعيف فى مقابلة
القوي ، وكثير من المتصوفة والفقراء بني على منامات وأذواق وخيالات
يعتقدها كشفاً وهي خيالات غير مطابقة ، وأوهام غير صادقة ( إِن
يَتَبِعُونَ إِلَّا الََّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَأَ يُغْنِى مِنَ الْحَقِّشَيْئًا)
فنقول :
أما طرق الأحكام الشرعية التى نتكلم عليها فى أصول الفقه فهي
- بإجماع المسلمين - ((الكتاب)) لم يختلف أحد من الأئمّة فى ذلك، كما
خالف بعض أهل الضلال فى الاستدلال على بعض المسائل الاعتقادية .
(والثاني) - ((السنة المتواترة)) التى لا تخالف ظاهر القرآن؛ بل
تفسره ، مثل أعداد الصلاة وأعداد ركعاتها ، ونصب الزكاة وفرائضها
وصفة الحج والعمرة وغير ذلك من الأحكام التى لم تعلم إلا
بتفسير السنة .
وأما السنة المتواترة التى لا تفسر ظاهر القرآن ، أو يقال تخالف
ظاهره كالسنة فى تقدير نصاب السرقة ورجم الزانى وغير ذلك ،
فذهب جميع السلف العمل بها أيضاً إلا الخوارج ؛ فإن من قولهم
- أو قول بعضهم - مخالفة السنة ، حيث قال أولهم للنبي صلى
الله عليه وسلم فى وجهه : إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله.
ويحكى عنهم أنهم لا يتبعونه صلى الله عليه وسلم إلا فيما بلغه عن الله
٣٣٩

من القرآن والسنة المفسرة له ، وأما ظاهر القرآن إذا خالفه الرسول
فلا يعملون إلا بظاهره ، ولهذا كانوا مارقة مرقوا من الإسلام كما يمرق
السهم من الرمية. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأولهم: ((لقد
خبت وخسرت إن لم أعدل )) فإذا جوز أن الرسول يجوز
أن يخون ويظلم فيما انتمنه الله عليه من الأموال، وهو معتقد أنه
أمين الله على وحيه، فقد اتبح ظالماً كاذباً، وجوز أن يخون ويظلم فيما
انتمنه من المال من هو صادق أمين فيما انتمنه اللّه عليه من خبر السماء ؛
ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((أيأمني من فى السماء ولا تأمنونى؟))
أو كما قال . يقول صلى الله عليه وسلم إن أداء الأمانة فى الوحي أعظم
والوحي الذي أوجب الله طاعته هو الوحى بحكمه وقسمه.
وقد بنكر هؤلاء كثيراً من السنن طعناً فى النقل لا رداً للمنقول
كما ينكر كثير من أهل البدع السفن المتواترة عند أهل العلم كالشفاعة
والحوض والصراط والقدر وغير ذلك .
(الطريق الثالث) - ((السنن المتواترة)) عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم ؛ إما متلقاة بالقبول بين أهل العلم بها ؛ أو برواية الثقات لها .
وهذه أيضاً مما اتفق أهل العلم على اتباعها من أهل الفقه والحديث
والتصوف وأكثر أهل العلم ، وقد أنكرها بعض أهل الكلام .
وأفكر كثير منهم أن يحصل العلم بشيء منها وإنما يوجب العلم فلم
٣٤٠