Indexed OCR Text

Pages 281-300

رسول الله صلى الله عليه وسلم أوقات الصلوات ، وكان المسجد قد
خلا فلم يبق غيره .
ورجل من (النخع)) كان له حمار فمات فى الطريق فقال له أصحابه
هلم تتوزع متساعك على رحالنا فقال لهم: أمهلونى هنيهة ثم توضأ
فأحسن الوضوء وصلى ركعتين ودعا الله تعالى فأحيا له حماره فحمل
عليه متاعه .
ولما مات ((أويس القرنى)) وجدوا في ثيابه أكفاناً لم تكن معه
قبل ، ووجدوا له قبراً محفوراً فيه لحد فى صخرة فدفنوه فيه وكفنوه
فى تلك الأثواب .
وكان ((عمرو بن عقبة بن فرقد)» يصلي يوماً في شدة الحر فأظلته
غمامة وكان السبع يحميه وهو يرعى ركاب أصحابه لأنه كان يشترط على
أصحابه فى الغزو أنه يخدمهم .
وكان « مطرف بن عبد الله بن الشخير)) إذا دخل بيته سبجت
معه آنيته ، وكان هو وصاحب له يسيران فى ظلمة فأضاء لهما
طرف السوط .
ولما مات الأحنف بن قيس وقعت قلنسوة رجل فى قبره فأهوى
٢٨١

ليأخذها فوجد القبر قد فسح فيه مد البصر .
وكان (( إبراهيم التيمي)) يقيم الشهر والشهرين لا يأكل شيئاً
وخرج يمتار لأهله طعاماً فلم يقدر عليه فمر بسهلة حمراء فأخذ منها ثم رجع
إلى أهله ففتحها فإذا هي حنطة حمراء فكان إذا زرع منها تخرج
السنبلة من أصلها إلى فرعها حباً متراكباً .
وكان (( عتبة الغلام )) سأل ربه ثلاث خصال صوتاً حسناً ودمعاً
غزيراً وطعاماً من غير تكلف . فكان إذا قرأ بكى وأبكى ودموعه
جارية دهره ، وكان يأوي إلى منزله فيصيب فيه قوته ولا يدري من
أين يأتيه .
وكان ((عبد الواحد بن زيد)) أصابه الفالج فسأل ربه أن
يطلق له أعضاءه وقت الوضوء فكان وقت الوضوء تطلق له أعضاؤه
ثم تعود بعده .
وهذا باب واسع قد بسط الكلام على كرامات الأولياء فى غير
هذا الموضع .
وأما ما نعرفه عن أعيان ونعرفه فى هذا الزمان فكثير .
٢٨٢

ومما ينبغي أن يعرف أن الكرامات قد تكون بحسب حاجة
الرجل فإذا احتاج إليها الضعيف الإيمان أو المحتاج أناه منها ما يقوي
إيمانه ويسد حاجته ويكون من هو أكمل ولاية لله منه مستغنياً عن ذلك
فلا يأتيه مثل ذلك لعلو درجته وغناه عنها لا لنقص ولايته ؛ ولهذا
كانت هذه الأمور في التابعين أكثر منها فى الصحابة ؛ بخلاف من يجري
على بديه الخوارق لهدى الخلق والحاجتهم فهؤلاء أعظم درجة .
وهذا بخلاف الأحوال الشيطانية مثل حال ((عبد الله بن صياد))
الذي ظهر فى زمن النبي صلى الله عليه وسلم وكان قد ظن بعض
الصحابة أنه الدجال ، وتوقف النبى صلى الله عليه وسلم فى أمره حتى
تبين له فيما بعد أنه ليس هو الدجال ؛ لكنه كان من جنس الكهان
قال له النبي صلى الله عليه وسلم قد خبأت لك خبأ قال : الدخ الدخ.
وقد كان خبأ له سورة الدخان فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ((اخسأ
فلن تعدو قدرك )) يعني إنما أنت من إخوان الكهان ؛ والكهان كان
يكون لأحدم القرين من الشياطين يخبره بكثير من المغيبات بما يسترقه
من السمع ، وكانوا يخلطون الصدق بالكذب ، كما في الحديث الصحيح
الذي رواه البخاري وغيره أن النبى صلى اللّه عليه وسلم قال ((إن
الملائكة تنزل فى العنان وهو السحاب فتذكر الأمر قضى فى السماء
فتسترق الشياطين السمع فتوحيه إلى الكهان فيكذبون معها مائة
كذبة من عند أنفسهم ))
٢٨٣

وفى الحديث الذي رواه مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
((بينما النبي صلى الله عليه وسلم في نفر من الأنصار إذ رمي بنجم
فاستنار فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما كنتم تقولون لمثل هذا فى
الجاهلية إذا رأيتموه ؟ قالوا كنا نقول يموت عظيم أو يولد عظيم ، قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته؛
ولكن ربنا تبارك وتعالى إذا قضى أمراً سبح حملة العرش ، ثم سبح
أهل السماء الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، حتى يبلغ التسبيح أهل
هذه السماء ، ثم يسأل أهل السماء السابعة حملة العرش ماذا قال ربنا؟
فيخبرونهم ، ثم يستخبر أهل كل سماء حتى يبلغ الخبر أهل
السماء الدنيا ، ويخطف الشياطين السمع فيرمون فيقذفونه إلى أوليائهم
فما جاءوا به على وجهه فهو حق ولكنهم يزيدون)) .
وفي رواية قال معمر قلت للزهري : أ كان يرمى بها فى الجاهلية
قال نعم ولكنها غلظت حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم.
و ((الأسود العنسي)) الذي ادعى النبوة كان له من الشياطين
من يخبره ببعض الأمور المغيبة ، فلما قائله المسلمون كانوا يخافون من
الشياطين أن يخبروه بما يقولون فيه : حتى أعانتهم عليه امرأته لما تبين
لما كفره فقتلوه.
٢٨٤

وكذلك («مسيلمة الكذاب)) كان معه من الشياطين من يخبره
بالمغيبات ويعينه على بعض الأمور، وأمثال هؤلاء كثيرون مثل ((الحارث
الدمشقي )) الذي خرج بالشام زمن عبد الملك بن مروان وادعى النبوة
وكانت الشياطين يخرجون رجليه من القيد ، وتمنع السلاح أن ينفذ
فيه ، وتسبح الرخامة إذا مسحها بيده ، وكان يرى الناس رجالاً
وركباناً على خيل في الهواء ويقول : هي الملائكة ، وإنما كانوا جناً ،
ولما أمسكه المسلمون ليقتلوه طعنه الطاعن بالرمح فلم ينفذ فيه ، فقال
له عبد الملك : إنك لم تسم اللّه فسمى الله فطعنه فقتله .
وهكذا أهل ((الأحوال الشيطانية)) تنصرف عنهم شياطينهم إذا
ذكر عندهم ما بطردها مثل آية الكرسي ، فإنه قد ثبت فى الصحيح
عن النبي صلى الله عليه وسلم فى حديث أبي هريرة رضي الله عنه لما وكله
النبى صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة الفطر فسرق منه الشيطان ليلة
بعد ليلة وهو يمسكه فيتوب فيطلقه ، فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم
((ما فعل أسيرك البارحة)) فيقول زعم أنه لا يعود، فيقول ((كذبك
وإنه سيعود)) فلما كان فى المرة الثالثة. قال : دعني حتى أعلمك ما ينفعك :
(اللّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ
إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي
اَلْقَيُّومُ ) إلى آخرها ، فإنه لن يزال عليك من الله حافظ ، ولا يقربك
شيطان حتى تصبح ، فلما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم قال ((صدقك
٢٨٥

وهو كذوب )) وأخبره أنه شيطان .
ولهذا إذا قرأها الإنسان عند الأحوال الشيطانية بصدق أبطلتها
مثل من يدخل النار بحال شيطانى أو يحضر سماع المكاء والتصدية
فتنزل عليه الشياطين وتتكلم على لسانه كلاماً لا يعلم وربما لا يفقه ،
وربما كاشف بعض الحاضرين بما فى قلبه ، وربما تكلم بألسنة مختلفة
كما يتكلم الجنى على لسان المصروع ، والإنسان الذي حصل له الحال
لا يدري بذلك بمنزلة المصروع الذي يتخبطه الشيطان من المس ،
ولبسه ، وتكلم على لسانه ، فإذا أفاق لم يشعر بشيء مما قال ، ولهذا
قد يضرب المصروع ، وذلك الضرب لا يؤثر فى الإنسي ويخبر إذا أفاق
أنه لم يشعر بشيء لأن الضرب كان على الجني الذي لبسه .
ومن هؤلاء من يأتيه الشيطان بأطعمة وفواكه وحلوى وغير
ذلك مما لا يكون فى ذلك الموضع ، ومنهم من يطير بهم الجني إلى مكة
أو بيت المقدس أو غيرهما ومنهم من يحمله عشية عرفة ثم يعيده من
ليلته فلا يحتج حجاً شرعياً ؛ بل بذهب بثيابه ، ولا يحرم إذا حاذى
الميقات ، ولا يلى ، ولا يقف بمزدلفة ولا يطوف بالبيت ؛ ولا يسعى
بين الصفا والمروة ، ولا يرمي الجمار ، بل يقف بعرفة بثيابه ثم يرجع
من ليلته ، وهذا ليس بحج ، [ولهذا رأى بعض هؤلاء الملائكة تكتب
الحجاج ] فقال ألا تكتبوني ؟ فقالوا لست من الحجاج. يعني حجاً شرعياً .
٢٨٦

وبين كرامات الأولياء وما يشبهها من الأحوال الشيطانية
فروق متعددة .
منها أن ((كرامات الأولياء)) سبيها الإيمان والتقوى، و((الأحوال
الشيطانية)) سبيها مانهى الله عنه ورسوله . وقد قال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا
حَرَّمَ رَبِ الْفَوَحِشَ مَاظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَآلْإِثْمَ وَالْبَغْىَ بِغَيْرِالْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُواْبِاللَّهِ مَالَمْیُنْزِّلْبِهِ،
سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِمَا لَا نَعْلَمُونَ)
فالقول على الله بغير علم والشرك والظلم والفواحش قد حرمها الله تعالى
ورسوله فلا تكون سبباً لكرامة الله تعالى بالكرامات عليها ، فإذا كانت
لا تحصل بالصلاة والذكر وقراءة القرآن ، بل تحصل بما يحبه الشيطان
وبالأمور التى فيها شرك كالاستغاثة بالمخلوقات ، أو كانت مما يستعان بها
على ظلم الخلق وفعل الفواحش ، فهي من الأحوال الشيطانية لا من
الكرامات الرحمانية .
ومن هؤلاء من إذا حضر سماع المكاء والتصدية يتنزل عليه
شيطانه حتى يحمله فى الهواء ويخرجه من تلك الدار ، فإذا حصل رجل
من أولياء الله تعالى طرد شيطانه فيسقط كما جرى هذا لغير واحد .
ومن هؤلاء من يستغيث بمخلوق إما حى أو ميت سواء كان ذلك
الحي مسلماً أو نصرانياً أو مشركا فيتصور الشيطان بصورة ذلك المستغاث
٢٨٧

به ويقضي بعض حاجة ذلك المستغيث فيظن أنه ذلك الشخص أو هو
ملك على صورته وإنما هو شيطان أضله لما أشرك بالله ، كما كانت الشياطين
تدخل الأصنام وتكلم المشركين .
ومن هؤلاء من يتصور له الشيطان ، ويقول له: أنا الخضر ، وربما
أخبره ببعض الأمور وأعانه على بعض مطالبه ، كما قد جرى ذلك لغير
واحد من المسلمين واليهود والنصارى وكثير من الكفار بأرض المشرق
والمغرب ، يموت لهم الميت فيأتي الشيطان بعد موته على صورته ، وم
يعتقدون أنه ذلك الميت ، ويقضي الديون . ويرد الودائع ، ويفعل
أشياء تتعلق بالميت ، ويدخل على زوجته ويذهب ، وربما يكونون قد
أحرقوا ميتهم بالنار كما تصنع كفار الهند فيظنون أنه عاش
بعد موته .
ومن هؤلاء شيخ كان بمصر أوصى خادمه فقال : إذا أنا مت فلا
تدع أحداً يغسلنى فأنا أجىء وأغسل نفسى فلما مات رآى خادمه شخصاً
فى صورته فاعتقد أنه هو دخل وغسل نفسه فلما قضى ذلك الداخل
غسله - أي غسل الميت - غاب وكان ذلك شيطانا ، وكان قد أضل
الميت ، وقال: إنك بعد الموت تجيء فتغسل نفسك، فلما مات جاء أيضاً في
صورته ليغوى الأحياء كما أغوى الميت قبل ذلك .
٢٨٨

ومنهم من يرى عرشاً فى الهواء وفوقه نور ، ويسمع من يخاطبه
ويقول أنا ربك ، فإن كان من أهل المعرفة علم أنه شيطان فزجره
واستعاذ بالله منه فيزول. ومنهم من يرى أشخاصاً فى اليقظة يدعى أحدجم
أنه نبي أو صديق أو شيخ من الصالحين ، وقد جرى هذا لغير واحد
ومنهم من يرى فى منامه أن بعض الأكابر : إما الصديق رضى الله عنه
أو غيره قد قص شعره أو حلقه أو ألبسه طاقيته أو ثوبه فيصبح
وعلى رأسه طاقية وشعره محلوق أو مقصر وإنما الجن قد حلقوا شعره
أو قصروه وهذه الأحوال الشيطانية تحصل لمن خرج عن الكتاب
والسنة وهم درجات والجن الذين يقترنون بهم من جنسهم وم على
مذهبهم، والجن فيهم الكافر والفاسق والمخطئ، فإن كان الإنسي كافراً أو
فاسقاً أو جاهلا دخلوا معه فى الكفر والفسوق والضلال، وقد يعاونونه
إذا وافقهم على ما يختارونه من الكفر ، مثل الإقسام عليهم بأسماء من
يعظمونه من الجن وغيرهم ، ومثل أن يكتب أسماء الله أو بعض كلامه
بالنجاسة أو يقلب فاتحة الكتاب أو سورة الإخلاص أو آية الكرسي
أو غيرهن ويكتبهن بنجاسة فيغورون له الماء ، وينقلونه بسبب
ما يرضيهم به من الكفر. وقد يأتونه بما يهواه من امرأة أو صبى إما فى
الهواء وإما مدفوعا ملجأ إليه .
إلى أمثال هذه الأمور التى يطول وصفها ، والإيمان بها إيمان
٢٨٩

بالجبت والطاغوت . والجبت السحر ، والطاغوت الشياطين والأصنام،
وإن كان الرجل مطيعاً لله ورسوله باطناً وظاهراً لم يمكنهم الدخول
معه فى ذلك أو مسالمته .
ولهذا لما كانت عبادة المسلمين المشروعة فى المساجد التى هي بيوت
الله كان عمار المساجد أبعد عن الأحوال الشيطانية ، وكان أهل الشرك
والبدع يعظمون القبور ومشاهد الموتى فيدعون الميت أو يدعون به أو
يعتقدون أن الدعاء عنده مستجاب أقرب إلى الأحوال الشيطانية ، فإنه
ثبت فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ((لعن الله
اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد )).
وثبت فى صحيح مسلم عنه أنه قال قبل أن يموت بخمس ليال:
«إن من أمن الناس على في صحبته وذات يده أبو بكر ، ولو كنت
متخذاً خليلاً من أهل الأرض لاتخذت أبا بكر خليلا ، ولكن صاحبكم
خليل الله. لا يبقين فى المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبي بكر ،
إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور
مساجد فإنى أنهاكم عن ذلك )).
وفى الصحيحين عنه أنه ذكر له فى مرضه كنيسة بأرض الحبشة ،
وذكروا من حسنها وتصاوير فيها فقال (( إن أولئك إذا مات فيهم
٢٩٠

الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيها تلك التصاوير
أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة)).
وفي المسند وصحيح أبي حاتم عنه صلى الله عليه وسلم قال (( إن
من شرار الخلق من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين اتخذوا
القبور مساجد )) .
وفى الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ((لا يجلسوا على
القبور ولا تصلوا إليها)) وفى الموطأ عنه أنه قال ((اللهم لا تجعل
قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور
أنبيائهم مساجد ) .
وفى السنن عنه أنه قال (( لا تتخذوا قبري عيداً وصلوا علي حيثما
كنتم فإن صلاتكم تبلغنى )» .
وقال صلى الله عليه وسلم: (( ما من رجل يسلم علي إلا رد الله
علي روحي حتى أرد عليه السلام)) وقال صلى الله عليه وسلم: ((إن
الله وكل بقبري ملائكة يبلغوني عن أمتى السلام)) وقال صلى الله عليه
وسلم: ((أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة وليلة الجمعة ؛ فإن صلاتكم
معروضة علي . قالوا : يا رسول الله ! كيف تعرض صلاتنا عليك وقد
٢٩١

أرمت - أي بليت ؟ - فقال إن الله حرم على الأرض أن تأكل
لحوم الأنبياء )).
وقد قال الله تعالى في كتابه عن المشركين من قوم نوح عليه
السلام: (وَقَالُواْ لَا نَذَرُنََّالِهَتَّكُمُوَلَنَذَرُنَّ وَدَّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ) قال
ابن عباس وغيره من السلف : هؤلاء قوم كانوا صالحين من قوم
نوح ، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ، ثم صوروا تماثيلهم فعيدوم .
فكان هذا مبدأ عبادة الأوثان . قنهى النبي صلى الله عليه وسلم
عن اتخاذ القبور مساجد ليسد باب الشرك ، كما نهى عن الصلاة وقت
طلوع الشمس ووقت غروبها ؛ لأن المشركين يسجدون للشمس
حينئذ ، والشيطان يقارنها وقت الطلوع ووقت الغروب ، فتكون
في الصلاة حينئذ مشابهة لصلاة المشركين ، فسد هذا الباب .
والشيطان يضل بنى آدم بحسب قدرته، فمن عبد الشمس والقمر
والكواكب ودعاها - كما يفعل أهل دعوة الكواكب - فإنه ينزل
عليه شيطان يخاطبه ويحدثه ببعض الأمور ويسمون ذلك روحانية
الكواكب ، وهو شيطان ، والشيطان وإن أعان الإنسان على بعض
مقاصده فإنه يضره أضعاف ما ينفعه ، وعاقبة من أطاعه إلى شر إلا
أن يتوب الله عليه ، وكذلك عباد الأصنام قد تخاطبهم الشياطين،
٢٩٢

وكذلك من استغاث بميت أو غائب ، وكذلك من دعا الميت أو دعا به
أو ظن أن الدعاء عند قبره أفضل منه فى البيوت والمساجد ، ويروون
حديثاً هو كذب باتفاق أهل المعرفة وهو: ((إذا أعيتكم الأمور فعليكم
بأصحاب القبور )) وإنما هذا وضع من فتح باب الشرك .
ويوجد لأهل البدع وأهل الشرك المتشبهين بهم من عباد الأصنام
والنصارى والضلال من المسلمين أحوال عند المشاهد يظنونها كرامات
وهي من الشياطين : مثل أن يضعوا سراويل عند القبر فيجدونه قد
انعقد ، أو يوضع عنده مصروع فيرون شيطانه قد فارقه . يفعل
الشيطان هذا ليضلهم ، وإذ قرأت آية الكرسي هناك بصدق بطل هذا،
فإن التوحيد يطرد الشيطان ؛ ولهذا حمل بعضهم فى الهواء فقال : لا إله
إلا الله فسقط ، ومثل أن يرى أحدم أن القبر قد انشق وخرج منه
إنسان فيظنه الميت وهو شيطان .
وهذا باب واسع لا يتسع له هذا الموضع .
ولما كان الانقطاع إلى المغارات والبوادي من البدع التى لم يشرعها
الله ولا رسوله صارت الشياطين كثيراً ما تأوي إلى المغارات والجبال: مثل
مغارة الدم التى بجبل قاسيون ، وجبل لبنان الذي بساحل الشام ،
وجبل الفتح بأسوان بمصر ، وجبال بالروم وخراسان وجبال بالجزيرة .
٢٩٣

وغير ذلك، وجبل اللكام ، وجبل الأحيش . وجبل سولان قرب
أردبيل ، وجبل شهنك عند تبريز وجبل ماشكو عند أقشوان، وجبل
نهاوند ، وغير ذلك من الجبال التى يظن بعض الناس أن بها رجالا من
الصالحين من الإنس ويسمونهم رجال الغيب ، وإنما هناك رجال من الجن،
فالجن رجال كما أن الإنس رجال ، قال تعالى: ( وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِحَالٍ
مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًّا ).
ومن هؤلاء من يظهر بصورة رجل شعراني جلده يشبه جلد الماعز
فيظن من لايعرفه أنه إنسي وإنما هو جنى، ويقال بكل جبل من هذه
الجيال الأربعون الأبدال، وهؤلاء الذين يظن أنهم الأبدال ثم جن بهذه
الجبال، كما يعرف ذلك بطرق متعددة.
وهذا باب لا يتسع هذا الموضع لبسطه وذكر ما نعرفه من ذلك
فإنا قد رأينا وسمعنا من ذلك ما يطول وصفه فى هذا المختصر الذي كتب
لمن سأل أن نذكر له من الكلام على أولياء الله تعالى ما يعرف به
جمل ذلك .
والناس فى خوارق العادات على ثلاثة أقسام :
((قسم)) يكذب بوجود ذلك لغير الأنبياء ، وربما صدق به
٢٩٤

مجملا وكذب ما يذكر له عن كثير من الناس لكونه عنده ليس
من الأولياء .
ومنهم من يظن أن كل من كان له نوع من خرق العادة كان وليا لله
وكلا الأمرين خطأ ، ولهذا تجد أن هؤلاء يذكرون أن المشركين وأهل الكتاب
نصراء يعينونهم على قتال المسلمين وأنهم من أولياء الله. وأولئك يكذبون
أن يكون معهم من له خرق عادة ، والصواب القول الثالث وهو أن
معهم من ينصرهم من جنسهم لا من أولياء الله عز وجل كما قال الله
تعالى :
(يَأَيُهَا الَّذِينَءَامَنُواْلَا نَتَّخِذُواْأَلْيُهُودَ وَالنَّصَرَىَّ أَوْلِيَبَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ
بَعْضِ وَمَن يَتَوَلَهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ)
وهؤلاء العباد والزهاد الذين
ليسوا من أولياء الله المتقين المتبعين للكتاب والسنة تقترن بهم الشياطين
فيكون لأحدم من الخوارق ما يناسب حاله ؛ لكن خوارق هؤلاء يعارض
بعضها بعضا ، وإذا حصل من له تمكن من أولياء الله تعالى أبطلها
عليهم ، ولا بد أن يكون فى أحدم من الكذب جهلاً أو عمداً ، ومن
الإثم ما يناسب حال الشياطين المقترنة بهم ليفرق الله بذلك بين أوليائه
المتقين وبين المتشبهين بهم من أولياء الشياطين. قال الله تعالى ( هَلْ
أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَغَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَُّ عَلَى كُلِ أَفَاكِ أَنِمٍ )
والافاك
الكذاب . والأثيم الفاجر .
ومن أعظم ما يقوي الأحوال الشيطانية سماع الغناء والملاهي ، وهو
سماع المشركين، قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ صَلَائُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّ مُكَاءُ
٢٩٥

وَتَصْدِيَةً ) قال ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم وغيرهما من
السلف، ((التصدية)) التصفيق باليد، و ((المكاء)) مثل الصفير، فكان المشركون
يتخذون هذا عبادة ، وأما النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه فعبادتهم
ما أمر الله به من الصلاة والقراءة والذكر ونحو ذلك، والاجتماعات
الشرعية، ولم يجتمع النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه على استماع غناء
قط لا بكف ولا بدف ، ولا تواجد ولا سقطت بردته؛ بل كل ذلك
كذب باتفاق أهل العلم بحديثه .
وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا اجتمعوا أمروا واحداً
منهم أن يقرأ، والباقون يستمعون، وكان عمر بن الخطاب رضي الله
عنه يقول لأبي موسى الأشعري : ذكرنا ربنا ، فيقرأ وم يستعمون ،
ومر النبي صلى الله عليه وسلم بأبى موسى الأشعري وهو يقرأ فقال
له: «مررت بك البارحة وأنت تقرأ جعلت أستمع لقراءتك فقال : لو
علمت أنك تستمع لخبرته لك تحبيراً )) أي لحسنته لك تحسينا ، كما قال
النبي صلى الله عليه وسلم ((زينوا القرآن بأصواتكم)) وقال صلى الله
عليه وسلم: (( للّه أشهد أذناً أي استماعا إلى الرجل الحسن الصوت
بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته)): وقال صلى الله عليه وسلم لابن
مسعود (( اقرأ علي القرآن فقال أقرأ عليك وعليك أنزل ؟ فقال : إني
أحب أن أسمعه من غيري فقرأت عليه سورة النساء ، حتى انتهيت إلى
٢٩٦

هذه الآية (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أُمَّتِمٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا)
قال : حسبك ، فإذا عيناه تذرفان من البكاء )).
ومثل هذا السماع هو سماع النبيين وأتباعهم، كما ذكره الله فى
القرآن فقال :
(أُوْلَكَ الَّذِنَ أَنْعَمَ الَهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبْنَ مِن ذُرِيَّةِ ءَآدَمَ وَمِعَنْ
حَمَلْنَا مَعَ نُوْرٍ وَمِن ذُرِيَةٍ إِنَّهِيمَ وَإِسْرَِّيلَ وَمِمَنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَاتُتْلَى عَلَيْهِمْمَنْتُ الرَّحْمَنِ
خَرُّواْسُجَّدًّا وَبِّكِيًّاً ) وقال فى أهل المعرفة :
(وَإِذَا سَمِعُواْمَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىَ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِمِمَّا
عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ )
ومدح سبحانه أهل هذا السماع بما يحصل لهم
من زيادة الإيمان واقشعرار الجلد ودمع العين فقال تعالى: ( اللَّهُ نَزَّلَ
أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَبًا مُتَشَبِهَا مَثَانِىَ نَفْشَعِرُ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّتَلِينُ
جُلُودُ هُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِاللَّهِ) وقال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ
إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا قُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَنَّا وَ عَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَلُونَ
چ
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَمِمَّارَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقَّالَهُمْ
*
دَرَجَثُ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقُ كَرِيمٌ )
وأما السماع المحدث ، سماع الكف والدف والقصب فلم تكن
الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسأر الأكابر من أئمة الدين يجعلون
هذا طريقاً إلى الله تبارك وتعالى، ولا يعدونه من القرب والطاعات،
٢٩٧

بل يعدونه من البدع المذمومة ، حتى قال الشافعي : خلفت ببغداد
شيئاً أحدثته الزنادقة يسمونه التغيير يصدون به الناس عن القرآن
وأولياء الله العارفون يعرفون ذلك، ويعلمون أن للشيطان فيه نصيباً
وافراً ، ولهذا تاب منه خيار من حضره منهم .
ومن كان أبعد عن المعرفة وعن كمال ولاية الله كان نصيب الشيطان
منه أكثر وهو بمنزلة الخمر ، يؤثر في النفوس أعظم من تأثير الخمر ؛
ولهذا إذا قويت سكرة أهله نزلت عليهم الشياطين ، وتكلمت على
ألسنة بعضهم ، وحملت بعضهم فى الهواء ، وقد تحصل عداوة بينهم ،
كما تحصل بين شراب الخمر فتكون شياطين أحدم أقوى من شياطين
الآخر فيقتلونه ، ويظن الجهال أن هذا من كرامات أولياء الله المتقين
وإنما هذا مبعد لصاحبه عن الله وهو من أحوال الشياطين ؛ فإن قتل
المسلم لا يحل إلا بما أحله الله ، فكيف يكون قتل المعصوم مما يكرم
الله به أولياءه ؟! وإنما غاية الكرامة لزوم الاستقامة، فلم يكرم الله
عبداً بمثل أن يعينه على ما يحبه ويرضاه ، ويزيده مما يقربه إليه ،
ويرفع به درجته .
وذلك أن الخوارق منها ما هو من جنس العلم كالمكاشفات ، ومنها
ما هو من جنس القدرة والملك كالتصرفات الخارقة للعادات ، ومنها ما هو
٢٩٨

من جنس الغنى عن جنس ما يعطاه الناس فى الظاهر من العلم والسلطان
والمال والغنى .
وجميع ما يؤتيه الله لعبده من هذه الأمور إن استعان به على ما
يحبه الله ويرضاه ويقربه إليه ويرفع درجته ويأمره الله به ورسوله،
ازداد بذلك رفعة وقربا إلى الله ورسوله ، وعلت درجته وإن استعان
به على ما نهى الله عنه ورسوله كالشرك والظلم والفواحش ، استحق
بذلك النم والعقاب ، فإن لم يتدار كه الله تعالى بتوبة أو حسنات ماحية
وإلا كان كأمثاله من المذنبين ؛ ولهذا كثيراً ما يعاقب أصحاب الخوارق
تارة بسلبها ، كما يعزل الملك عن ملكه ويسلب العالم علمه . وتارة
بسلب التطوعات ، فينقل من الولاية الخاصة إلى العامة ، وتارة ينزل
إلى درجة الفساق ، وتارة يرتد عن الإسلام . وهذا يكون فيمن له
خوارق شيطانية ؛ فإن كثيراً من هؤلاء يرتد عن الإسلام ، وكثير منهم
لا يعرف أن هذه شيطانية بل يظنها من كرامات أولياء الله، ويظن
من يظن منهم أن الله عز وجل إذا أعطى عبداً خرق عادة لم يحاسبه
على ذلك ، كمن يظن أن الله [ إذا] أعطى عبداً ملكا ومالا وتصرفا لم
يحاسبه عليه ، ومنهم من يستعين بالخوارق على أمور مباحة لا مأموراً
بها ولا منهياً عنها، فهذا يكون من عموم الأولياء، وم الأبرار
المقتصدون ، وأما السابقون المقربون فأعلى من هؤلاء ، كما أن العبد
٢٩٩

الرسول أعلى من النبى الملك .
ولما كانت الخوارق كثيراً ما تنقص بها درجة الرجل كان كثير
من الصالحين يتوب من مثل ذلك ويستغفر الله تعالى، كما يتوب من
الذنوب : كالزنا والسرقة ، وتعرض على بعضهم فيسأل الله زوالها،
وكلهم يأمر المريد السالك أن لا يقف عندها ولا يجعلها همته ولا
يتبجح بها ؛ مع ظنهم أنها كرامات ، فكيف إذا كانت بالحقيقة من
الشياطين تغويهم بها ، فإني أعرف من تخاطبه النباتات بما فيها من
المنافع ، وإنما يخاطبه الشيطان الذي دخل فيها ، وأعرف من يخاطبهم
الحجر والشجر وتقول : هنيئاً لك ياولي الله، فيقرأ آية الكرسي
فيذهب ذلك ، وأعرف من يقصد صيد الطير فتخاطبه العصافير وغيرها
وتقول : خذنى حتى بأ كلني الفقراء ، ويكون الشيطان قد دخل فيها
كما يدخل في الانس ويخاطبه بذلك ، ومنهم من يكون فى البيت وهو
مغلق فيرى نفسه خارجه وهو لم يفتح وبالعكس ، وكذلك فى أبواب
المدينة وتكون الجن قد أدخلته وأخرجته بسرعة أو تمر به أنوار ، أو
يحضر عنده من يطلبه ويكون ذلك من الشياطين يتصورون بصورة
صاحبه ، فإذا قرأ آية الكرسي مرة بعد مرة ذهب ذلك كله.
وأعرف من يخاطبه مخاطب ويقول له أنا من أمر الله، ويعده
بأنه المهدي الذي بشر به النبي صلى الله عليه وسلم ويظهر له الخوارق،
٣٠٠