Indexed OCR Text
Pages 241-260
الملاحدة فيزعمون ما كان يزعمه التلمساني منهم ــ وهو أحذقهم فى اتحادم - لما قرئ عليه ((الفصوص)) فقيل له: القرآن يخالف فصوصكم. فقال: القرآن كله شرك، وإنما التوحيد فى كلامنا . فقيل له : فإذا كان الوجود واحداً فلم كانت الزوجة حلالا والأخت حراماً ؟ فقال : الكل عندنا حلال ، ولكن هؤلاء المحجوبون قالوا حرام ، فقلنا حرام عليكم . وهذا مع كفره العظيم متناقض ظاهر فإن الوجود إذا كان واحداً فمن المحجوب ومن الحاجب ؟ ولهذا قال بعض شيوخهم لمريده : من قال لك: إن فى الكون سوى الله فقد كذب. فقال له مريده: ثمن هو الذي يكذب ؟ وقالوا لآخر : هذه مظاهر . فقال لهم : المظاهر غير الظاهر أم هي ؟ فإن كانت غيرها فقد قلتم بالنسبة وإن كانت إياها فلا فرق . وقد بسطنا الكلام على كشف أسرار هؤلاء فى موضع آخر ، وبينا حقيقة قول كل واحد منهم، وأن صاحب ((الفصوص)) يقول المعدوم شيء ؛ ووجود الحق فاض عليه ، فيفرق بين الوجود والثبوت. والمعتزلة الذين قالوا : المعدوم شىء ثابت فى الخارج مع ضلالهم خير منه ، فإن أولئك قالوا : إن الرب خلق لهذه الأشياء الثابتة فى العدم وجوداً ليس هو وجود الرب . وهذا زعم أن عين وجود الرب فاض عليه ٢٤١ فليس عنده وجود مخلوق مباين لوجود الخالق ، وصاحبه الصدر القونوي يفرق بين المطلق والمعين ، لأنه كان أقرب إلى الفلسفة ، فلم يقر بأن المعدوم شيء ؛ لكن جعل الحق هو الوجود المطلق ، وصنف ((مفتاح غيب الجمع والوجود)). وهذا القول أدخل فى تعطيل الخالق وعدمه ، فإن المطلق بشرط الإطلاق - وهو الكلي العقلي لا يكون إلا فى الأذهان لا فى الأعيان والمطلق لا بشرط وهو الكلي الطبيعي - وإن قيل إنه موجود فى الخارج فلا يوجد فى الخارج إلا معيناً ، وهو جزء من المعين عند من يقول بثبوته فى الخارج ، فيلزم أن يكون وجود الرب إما منتفيا فى الخارج وإما أن يكون جزءاً من وجود المخلوقات ، وإما أن يكون عين وجود المخلوقات . وهل يخلق الجزء الكل أم يخلق الشيء نفسه ؟ أم العدم يخلق الوجود ؟ أو يكون بعض الشيء خالقاً لجميعه ؟ !. وهؤلاء يفرون من لفظ ((الحلول)) لأنه يقتضى حالا ومحلا ، ومن لفظ ((الاتحاد)) لأنه يقتضي شيئين اتحد أحدهما بالآخر، وعندم الوجود واحد . ويقولون : النصارى إنما كفروا لما خصصوا المسيح بأنه هو الله، ولو عمموا لما كفروا . وكذلك يقولون فى عباد الأصنام : إنما أخطأوا لما عبدوا بعض ٢٤٢ المظاهر دون بعض فلو عبدوا الجميع لما أخطأوا عندم . والعارف المحقق عندم لايضره عبادة الأصنام . وهذا مع مافيه من الكفر العظيم ففيه ما يلزمهم دائماً من التناقض لأنه يقال لهم : فمن المخطئ ؟ لكنهم يقولون : إن الرب هو الموصوف بجميع النقائص التى يوصف بها المخلوق . ويقولون : إن المخلوقات توصف بجميع الكمالات التى يوصف بها الخالق ، ويقولون ما قاله صاحب ((الفصوص)): ((فالعلي لنفسه هو الذي يكون له الكمال الذي يستوعب به جميع النعوت الوجودية ، والنسب العدمية ، سواء كانت محمودة عرفا أو عقلا أو شرعا ، أو مذمومة عرفا وعقلا وشرعا، وليس ذلك إلا لمسمى الله خاصة)). وم مع كفرم هذا لا يندفع عنهم التناقض ، فإنه معلوم بالحس والعقل أن هذا ليس هو ذاك ، وهؤلاء يقولون ما كان يقوله التلمساني: إنه ثبت عندنا فى الكشف ما يناقض صريح العقل . ويقولون : من أراد التحقيق - يعني تحقيقهم - فليترك العقل والشرع . وقد قلت لمن خاطبته منهم : ومعلوم أن كشف الأنبياء أعظم وأثم من كشف غيرهم ، وخبرم أصدق من خبر غيرم؛ والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم يخبرون بما تعجز عقول الناس عن معرفته ؛ لا بما ٢٤٣ يعرف الناس بعقولهم أنه ممتع ، فيخبرون بمحارات العقول لا بمحالات العقول، ويمتنع أن يكون فى إخبار الرسول ما يناقض صريح العقول ، ويمتنع أن يتعارض دليلان قطعيان : سواء كانا عقليين أو سمعيين ، أو كان أحدهما عقليا والآخر سمعيا، فكيف بمن ادعى كشفاً يناقض صريح الشرع والعقل ؟ . وهؤلاء قد لا يتعمدون الكذب ، لكن يخيل لهم أشياء تكون فى نفوسهم ويظنونها في الخارج ، وأشياء يرونها تكون موجودة فى الخارج لكن يظنونها من كرامات الصالحين ، وتكون من تلبيسات الشياطين . وهؤلاء الذين يقولون بالوحدة قد يقدمون الأولياء على الأنبياء ، ويذكرون أن النبوة لم تنقطع، كما يذكر عن ابن سبعين وغيره ، ويجعلون المراتب ((ثلاثة)) يقولون: العبد يشهد أولا طاعة معصية. ثم طاعة بلا معصية، ثم لا طاعة ولا معصية، و«الشهود الأول)» هو الشهود الصحيح وهو الفرق بين الطاعات والمعاصي، وأما (الشهود الثاني )) فيريدون به شهود القدر كما أن بعض هؤلاء يقول : أنا كافر برب يعصى ، وهذا يزعم أن المعصية مخالفة الإرادة التى هي المشيئة . والخلق كلهم داخلون تحت حكم المشيئة ويقول شاعرهم : ٢٤٤ أصبحت منفعلا لما تختاره مني ففعلي كله طاعات ومعلوم أن هذا خلاف ما أرسل الله به رسله ، وأنزل به كتبه؛ فإن المعصية التى يستحق صاحبها الذم والعقاب مخالفة أمر الله ورسوله كما قال تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَوَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْرُ الْعَظِيمُ* وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَلِدًا فِيهَا وَلَهُ. عَذَابٌ مُّهِيرٌ) وسنذكر الفرق بين الإرادة الكونية والدينية، والأمر الكوني والديني . وكانت هذه (( المسألة)» قد اشتبهت على طائفة من الصوفية فينها الجنيد رحمه الله لهم، من اتبع الجنيد فيها كان على السداد ، ومن خالفه ضل ، لأنهم تكلموا فى أن الأمور كلها بمشيئة الله وقدرته ، وفى شهود هذا التوحيد ، وهذا بسمونه الجمع الأول ، فبين لهم الجنيد أنه لابد من شهود الفرق الثاني، وهو أنه مع شهود كون الأشياء كلها مشتركة فى مشيئة الله وقدرته وخلقه يجب الفرق بين ما يأمر به ويحبه ويرضاه ، وبين ما ينهى عنه ويكرهه ويسخطه ، ويفرق بين أوليائه ( وأعدائه كما قال تعالى: ( أَفَتَجْعَلُ الْسْلِمِينَ كَأْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْكَيْفَ تَحْكُمُونَ وقال تعالى: ( أَمْ تَجْعَلُ الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِى الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) وقال تعالى: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ أَجْتَرَحُواْ السَّيِّئَاتِ أَنْ ٢٤٥ تَّْعَلَهُمْ كَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ سَوَآءُ تَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ) وقال تعالى: (وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَلَا اُلْمُسِىَُّ قَلِيلًا مَّا نَتَذَكَّرُونَ) ولهذا كان مذهب سلف الأمة وأتمتها أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه ما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن؛ لا رب غيره، وهو مع ذلك أمر بالطاعة ، ونهى عن المعصية ، وهو لا يحب الفساد ، ولا يرضى لعباده الكفر ، ولا يأمر بالفحشاء ، وإن كانت واقعة بمشيئته فهو لا يحبها ولا يرضاها ، بل يبغضها ويذم أهلها ويعاقبهم . وأما (( المرتبة الثالثة)) أن لا يشهد طاعة ولا معصية - فإنه يرى أن الوجود واحد ، وعندهم أن هذا غاية التحقيق والولاية لله؛ وهو فى الحقيقة غاية الإلحاد فى أسماء الله وآياته ، وغاية العداوة لله ، فإن صاحب هذا المشهد يتخذ اليهود والنصارى وسائر الكفار أولياء ، وقد قال تعالى: ( وَمَنْ يَتَوَّمْتِنَكُمْ فَإِنَّهُمِنْهُمْ ) ولا يتبرأ من الشرك والأوثان فيخرج عن ملة إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه ، قال الله تعالى: ( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ فِ إِنَهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ: إِذْقَالُوْلِقَوْمِمْ إِنَّابُرََّ وُاْمِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَوَةُ وَالْبَغْضَآءُ أَبَدًّا حَتّى تُؤْمِنُواْبِلَّهِ وَحْدَهُ ) وقال الخليل عليه السلام لقومه المشركين: (أَفَرَءَيْنُوْقَاكُمْ ٢٤٦ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُمُ الْأَفْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌِّلََّرَبَّ الْعَلَمِينَ) وقال تعالى: (لَا تَجِدُ قَوْمَايُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَآَذُونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ،وَلَوْكَانُوْءَابَآءَ هُمْ أَوْ أَبْنَآءَ هُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ آلْإِيمَنَ وَأَنَّدَهُمْ بِرُوجِ مِّنْهُ ) . وهؤلاء قد صنف بعضهم كتباً وقصائد على مذهبه مثل قصيدة ابن الفارض المسماة بـ ((نظم السلوك)) يقول فيها: لها صلاتى بالمقام أقيمها وأشهد فيها أنها لي صلت كلانا مصلّ واحد ساجد إلى حقيقته بالجمع في كل سجدة وما كان لي صلى سوائى ولم تكن صلاتى لغيري فى أدا كل ركعة * ( إلى أن قال ) * وما زلت إياها وإيلي لم تزل ولا فرق بل ذاتى لذاتى أحبت وذاتى بآياتى علي استدلت إلي رسولاً کنت مني مرسلا فإن دعيت كنت المجيب وإن أكن منادى أجابت من دعانى ولبت إلى أمثال هذا الكلام؛ ولهذا كان هذا القائل عند الموت ينشد ويقول : ٢٤٧ ما قد لقيت فقد ضيعت آيامي إن کان منزلتی فی الحب عندکم أمنية ظفرت نفسي بها زمنا واليوم أحسبها أضغاث أحلام فإنه كان يظن أنه هو اللّه فلما حضرت ملائكة الله لقبض روحه تبين له بطلان ما كان يظنه، وقال الله تعالى: ( سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ ( وَاْأَرْضِ وَهُوَالْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فجميع ما فى السموات والارض يسبح لله؛ ليس هو اللّه، ثم قال تعالى: (لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ يُحِى، وَيُّمِيثٌ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ** هُوَالْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَاَلَّهِرُ وَالْبَالِنُّ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيُ ). وفى صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول فى دعائه: ((اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء ، فالق الحب والنوى ، منزل التوراة والإنجيل والقرآن، أعوذ بك من شركل دابة أنت آخذ بناصيتها ، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء ، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء ، وأنت الباطن فليس دونك شيء ، إقض عني الدين واغنني من الفقر )). ثم قال: ( هُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِنَّةٍ أَيَّامٍ ثُمَ آسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَايَلِجُ فِ الْأَرْضِ وَمَا يَخْرِّيجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْأَيْنَ ( مَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ٢٤٨ فذكر أن السموات والأرض - وفى موضع آخر - ( وَمَا بَيْنَهُمَا) مخلوق مسبح له ، وأخبر سبحانه أنه يعلم كل شيء . وأما قوله (وَهُوَ مَعَكُزْ ) فلفظ (مَعَ ) لا تقتضي فى لغة العرب أن يكون أحد الشيئين مختلطاً بالآخر كقوله تعالى ( أَتَّقُواْ اللَّهَ وَّكُونُواْ مَعَ الصَّدِقِينَ ) وقوله تعالى: (تُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِوَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَاءُ عَلَى الْكُفَّارِ ) وقوله تعالى: (وَالَّذِينَءَامَنُواْ مِنْ بَعْدُوَهَاجَرُواْ وَجَهَدُ واْمَعَكُمْ فَأَوْلَئِكَ مِنْكُمْ ). ولفظ ( مع) جاءت فى القرآن عامة وخاصة، فـ ((العامة)) فى هذه الآية وفى آية المجادلة ( أَلَمْ تَنََّهَ يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ مَا يَكُونُ مِن ◌َّجْوَ ثَلَاثَةٍ إِلَّ هُوَرَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّهُوَ مَعَهُمْ أَنَ مَا كَانُواْنُمَّ ◌َُبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْيَوْمَ الْقِيَّمَةِ إِنَّاللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ) فافتتح الكلام بالعلم وختمه بالعلم ؛ ولهذا قال ابن عباس والضحاك وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل : هو معهم بعلمه . وأما ((المعية الخاصة)) ففي قوله تعالى: ( إِنَّاللَّهَ مَعَ الَّذِينَ أَتَّقَواْ وَالَّذِينَ هُمْ تُحْسِنُونَ) وقوله تعالى لموسى: (إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَرَى) وقال تعالى: ( إِذْ يَقُولُ لِصَحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ) يعنى النبى ٢٤٩ صلى الله عليه وسلم وأبا بكر رضي الله عنه، فهو مع موسى وهارون دون فرعون ، ومع محمد وصاحبه دون أبي جهل وغيره من أعدائه ، ومع الذين اتقوا والذين م محسنون دون الظالمين المعتدين . فلو كان معنى ((المعية)) أنه بذاته فى كل مكان تناقض الخبر الخاص والخبر العام ؛ بل المعنى أنه مع هؤلاء بنصره وتأييده دون أولئك. وقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِى فِ السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهُ ) أي هو إله من فى السموات وإله من فى الأرض، كما قال الله تعالى: (وَلَهُ الْمَثَلُ وكذلك قوله اُلْأَعْلَى فِالسَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَالْعَزِبِزُ الْحَكِيمُ )، تعالى: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَتِ وَ فِي الْأَرْضِ) كما فسره أئمة العلم كالإمام أحمد وغيره : أنه المعبود في السموات والأرض . وأجمع سلف الأمة وأتمتها على أن الرب تعالى بائن من مخلوقاته ، يوصف بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ، ومن غير تكييف ولا مثيل ، يوصف بصفات الكمال دون صفات النقص ، ويعلم أنه ليس كمثله شيء فى صفات الكمال، كما قال الله تعالى: (قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُ * اَللَّهُ الصََّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوا أَحَدٌ) قال ابن عباس: الصمد العليم الذي كمل فى علمه ، العظيم الذي كمل في عظمته ، القدير الكامل فى قدرته ، الحكيم الكامل فى حكمته ، السيد الكامل فى سؤدده. ٢٥٠ وقال ابن مسعود وغيره : هو الذي لا جوف له . و الأحد الذي لا نظير له . فاسمه الصمد يتضمن الصافه بصفات الكمال ونفي النقائص عنه ، واسمه الأحد يتضمن انصافه أنه لا مثل له . وقد بسطنا الكلام على ذلك فى تفسير هذه السورة وفى كونها تعدل ثلث القرآن . فصل وكثير من الناس تشتبه عليهم الحقائق الأمرية الدينية إلايمانية بالحقائق الخلقية القدرية الكونية ؛ فإن الله سبحانه وتعالى له الخلق والأمر كما قال تعالى : (إِتَ رَبَّكُمُ اللَّهُالَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِ سِنَّةٍ أَيَّامٍ ثُمَّأُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِ الَّيْلَ النَّهَارَيَطْلُبُ، حَثِينًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَتٍِ بِأَمِّّ ◌َلَ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمُْ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ ) فهو سبحانه خالق كل شيء وربه ومليكه ، لا خالق غيره ، ولا رب سواه، ما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن ، فكل ما فى الوجود من حركة وسكون فبقضائه وقدره ومشيئته وقدرته وخلقه ، وهو سبحانه أمر بطاعته وطاعة رسله ونهى عن معصيته ومعصية رسله ، أمر بالتوحيد والإخلاص ، ونهى عن الإشراك بالله، فأعظم الحسنات ٢٥١ التوحيد، وأعظم السيئات الشرك. قال الله تعالى: (إِنَّاللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ) وقال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبّ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبَّالِلَّهِ). وفى الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (( قلت يا رسول الله ! أي الذنب أعظم ؟ قال أن تجعل لله نداً وهو خلقك، قلت : ثم أي ؟ قال : أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك ، قلت : ثم أي ؟ قال : أن تزنى بحليلة جارك. فأنزل الله تصديق ذلك ( وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَاءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَيَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْفِهِ، مُهَانًا * إِلَّ مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلَا صَلِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ). وأمر سبحانه بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ، ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ، وأخبر أنه يحب المتقين ، ويحب المحسنين ؛ ويحب المقسطين ؛ ويحب التوابين ، ويحب المتطهرين ، ويحب الذين يقاتلون فى سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص ، وهو يكره ما نهى عنه (كُلُ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِندَرَيِّكَ مَكْرُوهًا) كما قال فى سورة سبحان وقد نهى عن الشرك وعقوق الوالدين ؛ وأمر بإيتاء ذي القربى الحقوق ٢٥٢ ونهى عن التبذير ؛ وعن التقتير ؛ وأن يجعل يده مغلولة إلى عنقه ؛ وأن يبسطها كل البسط ، ونهى عن قتل النفس بغير الحق ، وعن الزنا وعن قربان مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن إلى أن قال (كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُعِندَرَبِّكَ مَكْرُوهًا ) وهو سبحانه لا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر . والعبد مأمور أن يتوب إلى الله تعالى دائماً قال الله تعالى: (وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) وفي صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( أيها الناس توبوا إلى ربكم، فوالذي نفسي بيده إني لأستغفر الله وأتوب إليه فى اليوم أكثر من سبعين مرة )» وفى صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إنه ليفان على قلبي وإنى لأستغفر الله فى اليوم مائة مرة )) وفى السنن عن ابن عمر قال : كنا نعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فى المجلس الواحد يقول ((رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم مائة مرة)) أو قال ((أكثر من مائة مرة)) وقد أمر الله سبحانه عباده أن يختموا الأعمال الصالحات بالاستغفار فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سلم من الصلاة يستغفر ثلاثاً ويقول ((اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ياذا الجلال والإكرام)) ٢٥٣ كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عنه، وقد قال تعالى: (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ ◌ِلْأَسْحَارِ ) فأمرهم أن يقوموا بالليل ، ويستغفروا بالأسحار . وكذلك ختم سورة المزمل وهي سورة قيام الليل بقوله تعالى: (وَاسْتَغْفِرُواْ اللَّهَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) وكذلك قال فى الحج: (فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَتٍ فَأَذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَاءِ وَأَذْكُرُوهُكَمَا هَدَنكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ، لَمِنَ الضَّالِينَ * ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْلَهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ): بل أزل سبحانه وتعالى فى آخر الأمر لما غزا النبي صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك وهي آخر غزواته: (لَقَدِ تَابَ اللّهُعَلَى النَّبِيّ وَالْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ أُثَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّتَابَ عَلَيْهِ مْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْأَنْ لََّمَلْجَأَ مِنَ اللهِإِلَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ النََّّابُ الرَّحِيمُ ) وهي آخر ما نزل من القرآن . وقد قيل: إن آخر سورة نزلت قوله تعالى: ( إِذَاجَآءَ نَصْرُ اَللَّهِ وَاُلْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِ دِيْنِ اللَّهِ أَفْوَجًا * فَسَبِحْ بِحَمْدِرَبِّكَ وَأَسْتَغْفِرَةً إِنَّهُ كَانَ تَوَابًا) فأمره تعالى أن يختم عمله بالتسبيح والاستغفار وفى الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم كان ٢٥٤ يقول فى ركوعه وسجوده : سبحانك اللهم ربنا وبحمدك ، اللهم اغفر لي - يتأول القرآن)) وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: ((اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي ، وإسرافى فى أمري، وما أنت أعلم به مني . اللهم اغفر لي هزلي وجدي ، وخطئى وعمدي ، وكل ذلك عندي ، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت ، وما أسررت وما أعلنت ، لا إله إلا أنت)) وفي الصحيحين أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال يا رسول الله علمني دعاء أدعو به فى صلانى، قال: ((قل : اللهم إنى ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت ، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم )» وفى السنن عن أبي بكر رضي الله عنه قال يارسول الله علمنى دعاء أدعو به إذا أصبحت وإذا أمسيت ، فقال (( قل : اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة ، رب كل شيء ومليكه ، أشهد أن لا إله إلا أنت ، أعوذ بك من شر نفسي ، ومن شر الشيطان وشركه ، وأن أقترف على نفسي سوءاً او أجره إلى مسلم. قله إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك )). فليس لأحد أن يظن استغناءه عن التوبة إلى الله والاستغفار من الذنوب؛ بل كل أحد محتاج إلى ذلك دائما. قال الله تبارك وتعالى: (وَحَمَهَا ٢٥٥ آلْإِنسَنَّإِنَّهُ كَانَ ظَلُوْمَا جَهُولًا * لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْمُشْرِكِين وَالْمُشْرِكِتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًارَحِيمًا ) فالإنسان ظالم جاهل وغاية المؤمنين والمؤمنات التوبة، وقد أخبر الله تعالى فى كتابه بتوبة عباده الصالحين ومغفرته لهم . وثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لن يدخل الجنة أحد بعمله، قالوا ولا أنت يارسول الله ؟ قال ولا أنا إلا أن يتغمدنى الله برحمة منه وفضل)) وهذا لا ينافى قوله (كُواْ وَاشْرَبُواْ هَنِيَا فإن الرسول نفى باء المقابلة والمعادلة بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَلِيَةِ ) والقرآن أثبت باء السبب . وقول من قال: إذا أحب الله عبداً لم تضره الذنوب . معناه أنه إذا أحب عبداً ألهمه التوبة والاستغفار فلم يصر على الذنوب ومن ظن أن الذنوب لا تضر من أصر عليها فهو ضال مخالف للكتاب والسنة ، وإجماع السلف والأمة ؛ بل من يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره. وإنما عباده الممدوحُونَ م المذكورون فى قوله تعالى: ( وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُتْفِقُونَ فِى السَّرَّآءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَظِمِينَ الْغَيْطَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَاُلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَحِشَةً أَوْظَلَمُوَ أْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ ٢٥٦ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُواْ عَلَى مَا فَعَلُواْوَهُمْ يَعْلَمُونَ). ومن ظن أن ((القدر)» حجة لأهل الذنوب فهو من جنس المشركين الذين قال الله تعالى عنهم: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْشَآءَ اللَّهُ قال الله تعالى راداً عليهم مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَىْءٍ) : (كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَقّ ذَاقُواْ بَأْسَنَّا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَّا إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ * قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَلِغَةُ فَلَوْشَآءَ لَهَدَ نَكُمْ أَجْمَعِينَ). ولو كان ((القدر)) حجة لأحد لم يعذب الله المكذبين للرسل كقوم نوح وعاد وتمود والمؤتفكات ، وقوم فرعون ، ولم يأمر بإقامة الحدود على المعتدين ، ولا يحتج أحد بالقدر إلا إذا كان متبعاً لهواه بغير هدى من اللّه، ومن رأى القدر حجة لأهل الذنوب يرفع عنهم النم والعقاب فعليه أن لا يذم أحداً ولا يعاقبه إذا اعتدى عليه ؛ بل يستوي عنده ما يوجب اللذة وما يوجب الألم ، فلا يفرق بين من يفعل معه خيراً وبين من يفعل معه شراً ، وهذا ممتنع طبعاً وعقلا وشرعا، وقد قال تعالى: (أَمْ تَجْعَلُ الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِى الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ اَلْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ) ؟ وقال تعالى : : ( أَفَتَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كَأْمُجْرِمِينَ )؟ وقال تعالى: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ ٢٥٧ ج اجْتَرَحُواْالسَّيِّئَاتِ أَنْ تَّجْعَلَهُمْ كَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ سَوَآءَ تَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ) وقال تعالى: ( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْتَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) وقال تعالى (أَيَخْسَب ◌َلْإِنسَنُ أَنْيََّ سُدَّى) أي مهملا لا يؤمر ولا ينهى. وقد ثبت فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((احتج آدم وموسى ، قال موسى : يا آدم أنت أبو البشر ، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة ، فقال له آدم : أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه وكتب لك التوراة بيده ، فكم وجدت مكتوبا عليَّ قبل أن أخلق (وَعَصَّءَدَمُ رَّهُ فَغَوَى) ؟ قال: بأربعين سنة، [ قال] : فلم تلومني على أمر قدره الله علي قبل أن أخلق بأربعين سنة ؟ قال : فحج آهم موسى ، أي : غلبه بالحجة . وهذا الحديث ضلت فيه طائفتان : ((طائفة)) كذبت به لما ظنوا أنه يقتضي رفع الفم والعقاب عمن عصى الله لأجل القدر . و ((طائفة)) شر من هؤلاء جعلوه حجة، وقد يقولون : القدر ٢٥٨ حجة لأهل الحقيقة الذين شهدوه ، أو الذين لا يرون أن لهم فعلا . ومن الناس من قال: إنما حج آدم موسى لأنه أبوه، أو لأنه كان قد تاب، أو لأن الذنب كان في شريعة واللوم فى أخرى ، أو لأن هذا يكون فى الدنيا دون الأخرى. وكل هذا باطل . ولكن وجه الحديث أن موسى عليه السلام لم يلم أباه إلا لأجل المصيبة التى لحقتهم من أجل أكله من الشجرة ، فقال له : لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة ؟ لم يلمه لمجرد كونه أذنب ذنباً وناب منه ؛ فإن موسى يعلم أن التائب من الذنب لا يلام، وهو قد تاب منه أيضاً ، ولو كان آدم يعتقد رفع الملام عنه لأجل القدر لم يقل: (رَبَّنَاظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَّْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ ) . والمؤمن مأمور عند المصائب أن يصبر ويسلم ، وعند الذنوب أن يستغفر ويتوب ، قال الله تعالى: (فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ) فأمره بالصبر على المصائب ، والاستغفار من المعائب . وقال تعالى: (مَآ أَصَابَ مِن مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ) قال ابن مسعود : هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم، فالمؤمنون إذا أصابتهم مصيبة، مثل المرض والفقر والذل صبروا لحكم الله، وإن كان ذلك بسبب ذنب غيرهم. كمن أنفق أبوه ماله فى المعاصي فافتقر أولاده لذلك فعليهم أن يصبروا ٢٥٩ لما أصابهم ، وإذا لاموا الأب لحظوظهم ذكر لهم القدر . و ((الصبر)) واجب باتفاق العلماء، وأعلى من ذلك الرضا بحكم اللّه، و ((الرضا)) قد قيل: إنه واجب ، وقيل : هو مستحب ، وهو الصحيح ، وأعلى من ذلك أن يشكر الله على المصيبة لما يرى من إنعام الله عليه بها ، حيث جعلها سباً لتكفير خطاياه، ورفع درجاته وإنابته وتضرعه إليه ، وإخلاصه له فى التوكل عليه ورجائه دون المخلوقين ، وأما أهل البغي والضلال فتجدم يحتجون بالقدر إذا أذنبوا واتبعوا أهواءهم ، ويضيفون الحسنات إلى أنفسهم إذا أنعم عليهم بها ، كما قال بعض العلماء أنت عند الطاعة قدري ، وعند المعصية جبري ؛ أي مذهب وافق هواك تمذهبت به . وأهل الهدى والرشاد إذا فعلوا حسنة شهدوا إنعام الله عليهم بها. وأنه هو الذي أنعم عليهم وجعلهم مسلمين ، وجعلهم يقيمون الصلاة وألهمهم التقوى ، وأنه لا حول ولا قوة إلا به فزال عنهم بشهود القدر العجب والمن والأذى ، وإذا فعلوا سيئة استغفروا الله وتابوا إليه منها ؛ ففي صحيح البخاري عن شداد بن أوس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت ، أعوذ بك من شر ما صنعت ، أبوء لك بنعمتك علي ، وأبوء بذنى فاغفر لي ٢٦٠