Indexed OCR Text
Pages 201-220
وثبت فى الصحيحين عن أنس أن رجالاً سألوا عن عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكأنهم تقالوها فقالوا وأينا مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! ثم قال أحدهم: أما أنا فأصوم ولا أفطر ، وقال الآخر: أما أنا فأقوم ولا أنام، وقال الآخر: أما أنا فلا آكل اللحم وقال الآخر : أما أنا فلا أتزوج النساء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ما بال رجال بقول أحدم كذا وكذا ؟! ولكنى أصوم وأفطر وأقوم وأنام وآكل اللحم وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني )) أي سلك غيرها ظاناً أن غيرها خير منها ، فمن كان كذلك فهو برىء من الله ورسوله، قال تعالى: (وَمَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَهِمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ). بل يجب على كل مسلم أن يعتقد أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، كما ثبت عنه فى الصحيح أنه كان يخطب بذلك كل يوم جمعة . فصل وليس من شرط ولي الله أن يكون معصوما لا يغلط ولا يخطئ ؛ بل يجوز أن يخفى عليه بعض على الشريعة ، ويجوز أن يشتبه عليه بعض أمور الدين ، حتى يحسب بعض الأمور مما أمر الله به ومما نهى ٢٠١ الله عنه، ويجوز أن يظن فى بعض الخوارق أنها من كرامات أولياء الله تعالى وتكون من الشيطان لبسها عليه لنقص درجته ولا يعرف أنها من الشيطان وإن لم يخرج بذلك عن ولاية الله تعالى ؛ فإن الله سبحانه وتعالى تجاوز لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، فقال تعالى: (ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَبِّكَتِهِ، وَكُِهِ، وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍمِنُسُلِهِ. لَايُكَلِّفُ وَقَالُواْسَمِعْنَا وَأَطَعْنَاً غُفْرَانَكَـ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَامَا كَسَبَتْ وَعَلَيَّهَا مَا أَكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَسِينَآ أَوْأَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًّا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَاوَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَابِهِ، وَاعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْلَنَا وَأَرْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَئِنَا فَأَنصُرْنَا عَلَى اُلْقَوْمِ اُلْكَفِرِينَ) وقد ثبت فى الصحيحين أن الله سبحانه استجاب هذا الدعاء وقال: قد فعلت ، ففي صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال لما نزلت هذه الآية (وَإِنْ تُبْدُ واْمَا فِى أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اُللَّهٌ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّشَىْءٍ قَدُِّ ) قال : دخل قلوبهم منها شيء لم يدخلها قبل ذلك شيء أشد منه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ((قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا)) قال فألقى الله الإيمان فى قلوبهم فأنزل الله تعالى (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ( ٢٠٢ إلى قوله (أَوْأَخْطَأْنَا ) قال اللّه قد فعلت (رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًّا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا) قال: قد فعلت، (رَبَّنَاوَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَابِهِ، وَاعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْلَنَا وَأَرْحَمْنَاْ أَنْتَ مَوْلَنَا فَأَنْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ اَلْكَفِرِينَ ) قال قد فعلت. وقد قال تعالى (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ ، وَلَكِن ◌َّاتَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ). وثبت فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم من حديث أبى هريرة وعمرو بن العاص رضي الله عنها مرفوعا أنه قال ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر )) فلم يؤثم المجتهد المخطئ ؛ بل جعل له أجراً على اجتهاده ، وجعل خطأه مغفوراً له ، ولكن المجتهد المصيب له أجران فهو أفضل منه ؛ ولهذا لما كان ولي اللّه يجوز أن يغلط لم يجب على الناس الإيمان بجميع ما يقوله من هو ولي للّه لئلا يكون نبياً ؛ بل ولا يجوز لولي الله أن يعتمد على ما يلقى إليه فى قلبه إلا أن يكون موافقاً [للشرع] وعلى ما يقع له مما يراه إلهاماً ومحادثة وخطابا من الحق ؛ بل يجب عليه أن يعرض ذلك جميعه على ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فإن وافقه قبله وإن خالفه لم يقبله وإن لم يعلم أموافق هو أم مخالف؟ توقف فيه . والناس فى هذا الباب ((ثلاثة أصناف)) طرفان ووسط ؛ فمنهم من إذا اعتقد فى شخص أنه ولي الله وافقه فى كل ما يظن أنه حدث ٢٠٣ به قلبه عن ربه ، وسلم إليه جميع ما يفعله، ومنهم من إذا رآه قد قال أو فعل ما ليس بموافق للشرع أخرجه عن ولاية اللّه بالكلية وإن كان مجتهداً مخطئاً ، وخيار الأمور أوساطها وهو أن لا يجعل معصوما ولا مأثوما إذا كان مجتهداً مخطئاً ، فلا يتبع فى كل ما يقوله ، ولا يحكم عليه بالكفر والفسق مع اجتهاده . والواجب على الناس اتباع ما بعث الله به رسوله ، وأما إذا خالف قول بعض الفقهاء ، ووافق قول آخرين لم يكن لأحد أن يلزمه بقول المخالف ويقول هذا خالف الشرع . وقد ثبت فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((قد كان فى الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتى أحد فعمر منهم)) وروى الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر)) وفى حديث آخر إن الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه ( وفيه ) لو كان نبي بعدي لكان عمر ، وكان علي بن أبي طالب رضى الله عنه يقول ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر. ثبت هذا عنه من رواية الشعبى. وقال ابن عمر : ما كان عمر يقول فى شيء : إني لأراء كذا، إلا كان كما يقول. وعن قيس بن طارق قال كنا نتحدث أن عمر ينطق على لسانه ملك . وكان عمر يقول ٢٠٤ اقتربوا من أفواه المطيعين واسمعوا منهم ما يقولون فإنه تتجلى لهم أمور صادقة . وهذه الأمور الصادقة التى أخبر بها عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنها تتجلى للمطيعين هي الأمور التى يكشفها الله عز وجل لهم. فقد ثبت أن لأولياء الله مخاطبات ومكاشفات ؛ فأفضل هؤلاء في هذه الأمة بعد أبى بكر عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ، فإن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر . وقد ثبت في الصحيح تعيين عمر بأنه محدث فى هذه الأمة فأي محدث ومخاطب فرض فى أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم فعمر أفضل منه، ومع هذا فكان عمر رضي الله عنه يفعل ما هو الواجب عليه فيعرض ما يقع له على ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، فتارة يوافقه فيكون ذلك من فضائل عمر كما نزل القرآن بموافقته غير مرة ، وتارة يخالفه فيرجع عمر عن ذلك كما رجع يوم الحديبية لما كان قد رأى محاربة المشركين ، والحديث معروف فى البخاري وغيره؛ فإن النبى صلى اللّه عليه وسلم قد اعتمر سنة ست من الهجرة ومعه المسلمون نحو ألف وأربعمائة وهم الذين بايعوه تحت الشجرة ، وكان قد صالح المشركين بعد مراجعة جرت بينه وبينهم على أن يرجع في ذلك العام ويعتمر من العام القابل ، وشرط لهم شروطاً فيها نوع غضاضة على المسلمين فى ٢٠٥ الظاهر ، فشق ذلك على كثير من المسلمين وكان الله ورسوله أعلم وأحكم بما فى ذلك من المصلحة ، وكان عمر فيمن كره ذلك حتى قال للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم: يارسول الله! ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: ((بلى)) قال: أفليس قتلانا فى الجنة وقتلام في النار؟ قال: ((بلى)) قال : فعلام نعطى الدنية في ديننا ؟ ! فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم ((إنى رسول اللّه وهو ناصري ولست أعصيه)) ثم قال: أفلم تكن تحدثنا أنا نأتى البيت ونطوف به؟ قال: ((بلى)). قال: ((أقلت لك أنك تأتيه العام؟ )) قال: لا، قال: ((إنك آتّيه ومطوف به )) فذهب عمر إلى أبى بكر رضي الله عنهما فقال له مثل ما قال النى صلى الله عليه وسلم، ورد عليه أبو بكر مثل جواب النبى صلى الله عليه وسلم ، ولم يكن أبو بكر يسمع جواب النبي صلى الله عليه وسلم، فكان أبو بكر رضي الله عنه أكمل موافقة لله وللنبي صلى اللّه عليه وسلم من عمر ، وعمر رضي الله عنه رجع عن ذلك، وقال: فعملت لذلك أعمالاً . وكذلك لما مات النبى صلى الله عليه وسلم أنكر عمر موته أولاً، فلما قال أبو بكر : إنه مات رجع عمر عن ذلك . وكذلك فى ((قتال مانعي الزكاة )، قال عمر لأبى بكر : كيف نقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أمرت أن ٢٠٦ أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأنى رسول الله ، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها )) فقال له أبو بكر رضي الله عنه: ألم يقل: ((إلا بحقها))؟! فإن الزكاة من حقها، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها . قال عمر: فو الله ماهو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبى بكر للقتال ، فعلمت أنه الحق . ولهذا نظائر تبين تقدم أبى بكر على عمر ، مع أن عمر رضي الله عنه محدث ؛ فإن مرتبة الصديق فوق مرتبة المحدث ، لأن الصديق يتلقى عن الرسول المعصوم كل ما يقوله ويفعله ، والمحدث يأخذ عن قلبه أشياء ، وقلبه ليس بمعصوم فيحتاج أن يعرضه على ما جاء به النبي صلى اللّه عليه وسلم ؛ ولهذا كان عمر رضي الله عنه بشاور الصحابة رضي الله عنهم ويناظرهم ويرجع إليهم فى بعض الأمور ، وينازعونه في أشياء فيحتج عليهم ويحتجون عليه بالكتاب والسنة ، ويقررم على منازعته ، ولا يقول لهم : أنا محدث ملهم مخاطب فينبغي لكم أن تقبلوا مني ولا تعارضونى ، فأي أحد ادعى أو ادعى له أصحابه أنه ولي لله وأنه مخاطب يجب على أتباعه أن يقبلوا منه كل ما يقوله ولا يعارضوه ، ويسلموا له حاله من غير اعتبار بالكتاب والسنة فهو وم مخطئون ، ومثل هذا من أضل الناس ، فعمر بن الخطاب رضى الله عنه أفضل منه وهو ٢٠٧ أمير المؤمنين ، وكان المسلمون ينازعونه فيما يقوله ، وهو وم على الكتاب والسنة ، وقد اتفق سلف الأمة وأمتها على أن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا من الفروق بين الأنبياء وغيرهم ، فإن الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه يجب لهم الإيمان بجميع ما يخبرون به عن الله عز وجل وتجب طاعتهم فيما يأمرون به ؛ بخلاف الأولياء فإنهم لا تجب طاعتهم في كل ما يأمرون به ولا الإيمان بجميع ما يخبرون به ؛ بل يعرض أمرهم وخبرهم على الكتاب والسنة ، فما وافق الكتاب والسنة وجب قبوله ، وما خالف الكتاب والسنة كان مردوداً ، وإن كان صاحبه من أولياء الله، وكان مجتهداً معذوراً فيما قاله ، له أجر على اجتهاده . لكنه إذا خالف الكتاب والسنة كان مخطئاً ، وكان من الخطأ المغفور إذا كان صاحبه قد اتقى الله ما استطاع؛ فإن الله تعالى يقول : فَأَنَّقُواْاللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) وهذا تفسير قوله تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَثَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ ) قال ابن مسعود وغيره : حق تقاته ان يطاع فلا يعصى ، وأن يذكر فلا ينسى ؛ وأن يشكر فلا يكفر ، أي بحسب استطاعتكم فإن اللّه تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها ، كما قال تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتْ)، وقال تعالى: (وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ لَأَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِّهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) وقال تعالى: (وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ ٢٠٨ وَاُلْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ). وقد ذكر الله سبحانه وتعالى الإيمان بما جاءت به الأنبياء فى غير موضع كقوله تعالى: (قُولُوَاْءَامَنَا بِاللَّهِوَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) وقال تعالى: (الّ * ذَلِكَ الْكِتَبُ لَرَيْبَ فِيهِ هُدَى لِلْنَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَ وَبِمَارَزَقْنَهُمْيُفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَلِكَ وَبِالْأَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدَّى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَبِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) وقال تعالى: (لَّيْسَ الْبِرَّأَنْ تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّمَنْءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِ وَالْمَلَئِكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَّبِنَ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآبِلِينَ وَفِ الْرِقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَى الزَّكَوَةَ صى وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِ هِمْ إِذَا عَهَدُواْ وَالصَّبِينَ فِى الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ وَحِينَ الْبَأْسُِّ أُوْلَيْكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ). وهذا الذي ذكرته من أن أولياء الله يجب عليهم الاعتصام بالكتاب والسنة ، وأنه ليس فيهم معصوم بسوغ له أو لغيره اتباع ما يقع فى قلبه من غير اعتبار بالكتاب والسنة هو مما اتفق عليه أولياء الله عن وجل ، من خالف في هذا فليس من أولياء الله سبحانه الذين أمر الله ٢٠٩ باتباعهم ؛ بل إما أن يكون كافرا، وإما أن يكون مفرطاً فى الجهل . وهذا كثير في كلام المشايخ كقول الشيخ أبى سليمان الداراني : إنه ليقع في قلب النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدين : الكتاب والسنة . وقال أبو القاسم الجنيد رحمة الله عليه: علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة ، فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يصلح له أن يتكلم فى علمنا، أو قال: لا يقتدى به . وقال أبو عثمان النيسابوري من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة ، ومن أمر الهوى على نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة ؛ لأن الله تعالى يقول فى كلامه القديم (وَإِن تُطِيعُوهُتَهْتَدُوا ) وقال أبو عمرو بن نجيد : كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل . وكثير من الناس يغلط فى هذا الموضع فيظن فى شخص أنه ولي اللّه، ويظن أن ولي الله يقبل منه كل ما يقوله ويسلم إليه كل ما يقوله ويسلم إليه كل ما يفعله وإن خالف الكتاب والسنة فيوافق ذلك الشخص له، ويخالف ما بعث الله به رسوله الذي فرض الله على جميع الخلق تصديقه فيما أخبر ، وطاعته فيما أمر ، وجعله الفارق بين أوليائه وأعدائه ، وبين أهل الجنة وأهل النار ، وبين السعداء والأشقياء ، ٢١٠ فمن اتبعه كان من أولياء الله المتقين، وجنده المفلحين، وعباده الصالحين؛ ومن لم يتبعه كان من أعداء الله الخاسرين المجرمين، فتجره مخالفة الرسول وموافقة ذلك الشخص أولاً إلى البدعة والضلال ، وآخراً إلى الكفر والنفاق، ويكون له نصيب من قوله تعالى: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَلَيْتَنِى أَتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَوَيْلَ لَيْنِى لَمْ أَمَّخِذْ فُلَانَّا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِ عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْجَآءَ فِىُّ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا ) وقوله تعالى: (يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ يَقُولُونَ يَلَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا * وَقَالُواْرَبََّا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبرَاءَنَا فَأَضَلُّونَالسَّبِيلَاْ * رَبَّنَآءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنْ اَلْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعَنَّا كَبِيرًا) وقوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَامَنُوْ أَسَدُّ حُبَّالِلَّهِ وَلَوْيَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوْاْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ اَلَّذِينَ أَتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوْاُلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ لَوْأَنَّ لَنَاكَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُ وامِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَلَهُمْ حَسَرَتٍ عَلَيْهِمْ وَمَاهُمْ بِخَرِجِينَ مِنَ النَّارِ ) . وهؤلاء مشابهون للنصارى الذين قال الله تعالى فيهم: (أَتَّخَذُوَأْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًامِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَمَآ أُمِرُوَأْ إِلَّا لِيَعْبُدُوَأَإِلَهَا وَاحِدًاً لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَنَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) ٢١١ وفى المسند وصححه الترمذي عن عدى بن حاتم فى تفسيره هذه الآية لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عنها فقال : ما عبدوم ؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم (( أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الخلال فأطاعوم. وكانت هذه عبادتهم إيام))، ولهذا قيل فى مثل هؤلاء إنما حرموا الوصول بتضيع الأصول ، فإن أصل الأصول تحقيق الإيمان بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، فلابد من الإيمان بالله ورسوله وبما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، فلا بد من الإيمان بأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جميع الخلق إنسهم وجنهم، وعربهم وعجمهم ، علمائهم وعبادهم ملوكهم وسوقتهم ، وأنه لا طريق إلى الله عن وجل لأحد من الخلق إلا بمتابعته باطناً وظاهراً ، حتى لو أدركه موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء لوجب عليهم اتباعه كما قال تعالى : (وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ النَّبِيِّنَ لَمَآءَاتَيْتُكُمْ مِّنْ كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّجَاءَ كُمْ رَسُولٌ ◌ُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ ءَ أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِىّ قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَأَشْهَدُواْ وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشََّهِدِينَ * فَمَنْ تَوَلَّ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَبِكَ هُمُ اَلْفَسِقُونَ). قال ابن عباس رضي الله عنهما : ما بعث الله نبياً إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ، وأمره أن بأخذ على أمته الميثاق لئن بعث محمد وم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه ، وقد قال ٢١٢ تعالى. ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوَا أَنْ يَكْفُرُواْبِهِ، وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنزَلَ اللهُ وَ إِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ اَلْمُنَفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُ ولَكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّ إِحْسَنًا وَتَوْفِيقًا * أُوْلَئِكَ اُلَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِ قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِىَ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا * وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَلَمُواْأَنفُسَهُمْ جَاءُ وَكَ فَاسْتَغْفَرُ واْ اللَّهَ وَأَسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَابًا رَّحِيمًا * فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمُ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْنَسْلِيمًا ). وكل من خالف شيئاً مما جاء به الرسول مقلداً في ذلك لمن يظن أنه ولي اللّه فإنه بى أمره على أنه ولي لله؛ وأن ولي اللّه لا يخالف فى شيء ولو كان هذا الرجل من أكبر أولياء الله كأكابر الصحابة والتابعين لهم بإحسان لم يقبل منه ما خالف الكتاب والسنة ؛ فكيف إذا لم يكن كذلك ؟! وتجد كثيراً من هؤلاء عمدتهم فى اعتقاد كونه ولياً لله أنه قد صدر عنه مكاشفة فى بعض الأمور أو بعض التصرفات الخارقة للعادة مثل أن يشير إلى شخص فيموت ؛ أو يطير فى الهواء إلى مكة أو غيرها ٢١٣ أو يمشي على الماء أحياناً ؛ أو يملأ إبريقاً من الهواء ؛ أو ينفق بعض الأوقات من الغيب أو أن يختفي أحياناً عن أعين الناس ؛ أو أن بعض الناس استغاث به وهو غائب أو ميت فرآه قد جاءه فقضى حاجته ؛ أو يخبر الناس بما سرق لهم ؛ أو بحال غائب لهم أو مريض أو نحو ذلك من الأمور ؛ وليس فى شيء من هذه الأمور ما يدل على أن صاحبها ولي لله ؛ بل قد اتفق أولياء الله على أن الرجل لو طار في الهواء أو مشى على الماء لم يغتر به حتى ينظر متابعته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وموافقته لأمره ونهيه . وكرامات أولياء الله تعالى أعظم من هذه الأمور؛ وهذه الأمور الخارقة للعادة وإن كان قد يكون صاحبها ولياً لله فقد يكون عدواً لله؛ فإن هذه الخوارق تكون لكثير من الكفار والمشركين وأهل الكتاب والمنافقين ، وتكون لأهل البدع ، وتكون من الشياطين ، فلا يجوز أن يظن أن كل من كان له شيء من هذه الأمور أنه ولي لله ؛ بل يعتبر أولياء الله بصفاتهم وأفعالهم وأحوالهم التى دل عليها الكتاب والسنة ويعرفون بنور الإيمان والقرآن وبحقائق الإيمان الباطنة وشرائع الإسلام الظاهرة . مثال ذلك أن هذه الأمور المذكورة وأمثالها قد توجد فى أشخاص ويكون أحدم لا يتوضأ ؛ ولا يصلي الصلوات المكتوبة ؛ بل يكون ٢١٤ ملابساً للنجاسات معاشراً للكلاب ؛ يأوي إلى الحمامات والقمامين والمقابر والمزابل ؛ رائحته خبيثة لا يتطهر الطهارة الشرعية ؛ ولا يتنظف ؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تدخل الملائكة بيتاً فيه جنب ولا كلب)) وقال عن هذه الأخلية: ((إن هذه الحشوش محتضرة)) أي محضرها الشيطان وقال: ((من أكل من هاتين الشجرتين الخبيثين فلا يقربن مسجدنا ؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم)). وقال ((إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً)) وقال: ((إن الله نظيف بحب النظافة)) وقال: (( خمس من الفواسق يقتلن فى الحل والحرم : الحية والفأرة والغراب والحدأة والكلب العقور)) وفي رواية ((الحية والعقرب)). وأمر صلوات الله وسلامه عليه بقتل الكلاب وقال: ((من اقتنى كلباً لا يغني عنه زرعا ولا ضرعا نقص من عمله كل يوم قيراط)) وقال: ((لا تصحب الملائكة رفقة معهم كلب)) وقال: ((إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات إحداهن بالتراب )). وقال تعالى: (وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُهَا لِلَّذِينَ يَثَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِثَايَئِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَشَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَِّّالْأُفِىَ الَّذِى يَجِدُ ونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِ التَّوْرَثةِ وَالْإِنِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنُهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمَّ فَالَّذِينَءَامَنُواْبِهِ، وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَأَتَّبَعُواْ ٢١٥ النُّورَ الَّذِىَ أُنْزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ). فإذا كان الشخص مباشراً للنجاسات والخبائث التى يحبها الشيطان أو يأوي إلى الحمامات والحشوش التى يحضرها الشياطين ، أو يأكل الحيات والعقارب والزنابير ؛ وآذان الكلاب التى هي خبائث وفواسق أو يشرب البول ونحوه من النجاسات التى يحبها الشيطان . أو يدعو غير الله فيستغيث بالمخلوقات ويتوجه إليها ، أو يسجد إلى ناحية شيخه، ولا يخلص الدين لرب العالمين ، أو يلابس الكلاب أو النيران أو يأوي إلى المزابل والمواضع النجسة، أو يأوي إلى المقابر ؛ ولا سيما إلى مقابر الكفار من اليهود والنصارى أو المشركين ، أو يكره سماع القرآن وينفر عنه ويقدم عليه سماع الأغانى والأشعار، ويؤثر سماع مزامير الشيطان على سماع كلام الرحمن ، فهذه علامات أولياء الشيطان لا علامات أولياء الرحمن . قال ابن مسعود رضي الله عنه: لا يسأل أحدكم عن نفسه إلا القرآن ، فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله ، وإن كان يبغض القرآن فهو يبغض الله ورسوله، وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام الله عز وجل؛ وقال ابن مسعود: الذكر ينبت الإيمان فى القلب كما ينبت الماء البقل ، والغناء ينبت النفاق فى القلب كما ينبت الماء البقل . ٢١٦ وإن كان الرجل خبيراً بحقائق الإيمان الباطنة فارقا بين الأحوال الرحمانية والأحوال الشيطانية، فيكون قد قذف اللّه فى قلبه من نوره كما قال تعالى: ( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْاللَّهَ وَءَامِنُواْبِرَسُولِهِ، يُؤْتِّكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ، وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ، وَيَغْفِرْلَكُمْ) وقال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَاكُنْتَ نَّدْرِى مَا الْكِتَبُ وَلَ الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَهُ نُورَّا نَّهْدِى بِهِ، مَن ◌َّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا) فهذا من المؤمنين الذين جاء فيهم الحديث الذي رواه الترمذي عن أبى سعيد الخدري عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((اتقوا فراسة المؤمن ؛ فإنه ينظر بنور الله)) قال الترمذي حديث حسن . وقد تقدم الحديث الصحيح الذي فى البخاري وغيره قال فيه : ((لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التى يبطش بها ، ورجله التى يمشي بها ، في يسمع. وبى يبصر ، وبى يبطش، وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذنى لأعيذنه ، وما ترددت فى شىء أنا فاعله ترددى فى قبض نفس عبدى المؤمن ، يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه)). فإذا كان العبد من هؤلاء فرق بين حال أولياء الرحمن وأولياء الشيطان كما يفرق الصيرفى بين الدرم الجيد والدرهم الزيف ، وكما يفرق من يعرف الخيل بين الفرس الجيد والفرس الردئ ، وكما يفرق من يعرف ٢١٧ الفروسية بين الشجاع والجيان ، وكما أنه يجب الفرق بين النبى الصادق وبين المتنئ الكذاب ، فيفرق بين محمد الصادق الأمين رسول رب العالمين وموسى والمسيح وغيرهم ، وبين مسيلمة الكذاب ؛ والأسود العنسي ، وطليحة الأسدي ، والحارث الدمشقي؛ وباباه الرومي ؛ وغيرم من الكذابين ؛ وكذلك يفرق بين أولياء الله المتقين وأولياء الشيطان الضالين . فصل و ((الحقيقة)) حقيقة الدين : دين رب العالمين . هي ما اتفق عليها الأنبياء والمرسلون؛ وإن كان لكل منهم شرعة ومنهاج. فـ ((الشرعة)) هي الشريعة قال الله تعالى: ( لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةٌ وَمِنْهَاجًا ) وقال تعالى: ( ثُمَّ جَعَلْنَكَ عَلَى شَرِيعَةٍمِّنَ الْأَمْرِ فَأَّعْهَا وَلَا نَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ◌ِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّالَّلِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِ وَاَللَّهُ وَلِيُّ اَلْمُنَّقِينَ ) . و ((المنهاج)) هو الطريق قال تعالى: (وَلَّوٍ أَسْتَقَمُواْ عَلَى الطّرِيفَةِ لَأَسْقَيْنَهُمْ مََّ غَدَقًا * لِنَفْئِنَهُمْ فِيَةٍ وَمَن يُعْرِضِ عَن ذِكْرِرَبِّهِ يَسْلُكُهُ عَذَابًا صَعَدًا ). ٢١٨ فالشرعة بمنزلة الشريعة للنهر ، والمنهاج هو الطريق الذي سلك فيه والغاية المقصودة هي حقيقة الدين ، وهي عبادة الله وحده لا شريك له وهي حقيقة دين الإسلام ، وهو أن يستسلم العبد لله رب العالمين، لا يستسلم لغيره، فمن استسلم له ولغيره كان مشركا ، والله لا يغفر أن يشرك به ومن لم يستسلم للّه بل استكبر عن عبادته كان ممن قال الله فيه: ( إِنَّالَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِ سَيَدْ خُلُونَ جَهَّمَ دَاخِرِينَ ) . ودين الإسلام هو دين الأولين والآخرين من النبيين والمرسلين، وقوله تعالى: ( وَمَن يَبْتَعْ غَيّرَ الْإِسْلَكِمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنَّهُ ) عام فى كل زمان ومكان . فنوح وإبراهيم ويعقوب والأسباط وموسى وعيسى والحواريون كلهم دينهم الإسلام الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له ، قال الله تعالى عن نوح: ( يَقَوْمِ إِن كَانَ كَبُ عَلَيْكُم مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِشَايَتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَحْمِعُواْ أَفَكُمْ ) إلى قوله: (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُنَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) وقال تعالى: ( وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إِبْرَهِمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدٍ أَصْطَفَيْنَهُ فِي الدُّنْيَاً وَإِنَّهُ فِ الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ * إِذْقَالَ لَهُرَبُّهُ أَسْلِمّ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ اُلْعَلَمِينَ * وَوَصَّى بِهَآ إِثْزَهِمُ بَذِهِ وَيَعْقُوبُ يَبَنِىَّ إِنَّاللَّهَ أَصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) وقال تعالى: ( وَقَالَ مُوسَى يَقَوْمِإِن كَنُثُمْ ءَامَنْتُم بِاللَّهِ ٢١٩ (رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا فَعَلَيْهِ تَوَكُلُواْإِن كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ) وقال السحرة : صَبْرًا وَتَوَقَّنَا مُسْلِمِينَ) وقال يوسف عليه السلام: (تَوَفَّنِىِ مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّلِحِينَ ) وقالت بلقيس: (وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَنَ لِلَّهِرَبِّ الْعَلَمِينَ) وقال تعالى: (يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَاُلَِّيُّونَ ءَمَا بِالَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا ) وَالْأَحْبَارُ ) وقال الحواريون مُسْلِمُونَ). فدين الأنبياء واحد وإن تنوعت شرائعهم ، كما فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم قال (( إنا معشر الأنبياء ديننا واحد )) قال تعالى : (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ اُلْذِينِ مَا وَصَّى بِهِ، نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَاوَضَيْنَابِهِ: إِنْرَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَىّ أَنْ أَقِيمُواْ الّذِينَ وَلَا نَشَفَرَّقُواْ فِيْهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَانَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ) وقال تعالى: (يَأَيُّهَ الرُّسُلُ كُوْ مِنَ الطِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَِحً إِنِ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّهَذِة أُمَّكُمْأُمَّةً وَحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَأَنَّقُونِ * فَتَقَطَّعُوْأَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ ذُبْرً كُلُّ حِزْبِمَا لَدَيْهِمْ فَحُونَ ) ٢٢٠