Indexed OCR Text
Pages 141-160
وإذا كان النفاق جنساً تحته نوعان ، فالفاسق داخل فى أحد نوعيه . قال ابن المرحل : كيف تجعل النفاق اسم جنس ، وقد جعلته لفظاً مشتركا ، وإذا كان اسم جنس كان متواطئاً ، والأسماء المتواطئة غير المشتركة، فكيف تجعله مشتركا متواطئاً ). قال الشيخ تقي الدين : أنا لم أذكر أنه مشترك . وإنما قلت : يطلق على هذا وعلى هذا ، والإطلاق أعم . ثم لو قلت : إنه مشترك لكان الكلام صحيحاً . فإن اللفظ الواحد قد يطلق على شيئين بطريق التواطؤ ، وبطريق الاشتراك . فأطلقت لفظ النفاق على إبطان الكفر ، وإبطان المعصية ، تارة بطريق الاشتراك وتارة بطريق التواطؤ ، كما أن لفظ الوجود يطلق على الواجب والممكن ، عند قوم باعتبار الاشتراك ، وعند قوم باعتبار التواطؤ . ولهذا سمى مشككا . قال ابن المرحل : - كيف يكون هذا ؟ وأخذ فى كلام لا يحسن ذكره . قال له الشيخ تقي الدين : - المعانى الدقيقة تحتاج إلى إصغاء واستماع وتدبر . وذلك أن الماهيتين إذا كان بينهما قدر مشترك وقدر مميز ، واللفظ يطلق على كل منهما ، فقد يطلق عليهما باعتبار ما به ١٤١ تمتاز كل ماهية عن الأخرى . فيكون مشتركا كالاشتراك اللفظي . وقد يكون مطلقاً باعتبار القدر المشترك بين الماهيتين . فيكون لفظاً متواطئاً . قلت : ثم إنه فى اللغة يكون موضوعا للقدر المشترك ، ثم يغلب عرف الاستعمال على استعماله : فى هذا تارة ، وفى هذا تارة. فيبقى دالا بعرف الاستعمال على ما به الاشتراك والامتياز . وقد يكون قرينة، مثل لام التعريف ، أو الإضافة ، تكون هي الدالة على ما به الامتياز . مثال ذلك: (( اسم الجنس )) إذا غلب فى العرف على بعض أنواعه كلفظ الدابة ، إذا غلب على الفرس ، قد نطلقه على الفرس باعتبار القدر المشترك بينها وبين سائر الدواب . فيكون متواطئاً . وقد نطلقه باعتبار خصوصية الفرس ، فيكون مشتركا بين خصوص الفرس وعموم سائر الدواب ، ويصير استعماله فى الفرس : تارة بطريق التواطؤ، وتارة بطريق الاشتراك . وهكذا اسم الجنس إذا غلب على بعض الأشخاص وصار علماً بالغلبة : مثل ابن عمرو، والنجم ، فقد نطلقه عليه باعتبار القدر المشترك بينه وبين سائر النجوم وسائر بى عمرو. فيكون إطلاقه عليه بطريق التواطؤ . وقد نطلقه عليه باعتبار ما به يمتاز عن غيره من النجوم ، ومن بني عمرو. فيكون بطريق الاشتراك بين هذا المعنى الشخصي وبين المعنى النوعي . وهكذا كل اسم عام غلب على بعض أفراده، بصح ١٤٢ استعماله فى ذلك الفرد بالوضع الأول العام ، فيكون بطريق التواطؤ، بالوضع الثانى ، فيصير بطريق الاشتراك . ولفظ ((النفاق)) من هذا الباب . فإنه فى الشرع إظهار الدين وإيطان خلافه . وهذا المعنى الشرعي أخص من مسمى النفاق فى اللغة ، فإنه فى اللغة أعم من إظهار الدين . ثم إيطان ما يخالف الدين ، إما أن يكون كفراً أو فسقاً . فإذا أظهر أنه مؤمن وأبطن التكذيب ، فهذا هو النفاق الأكبر الذي أوعد صاحبه بأنه في الدرك الأسفل من النار . وإن أظهر أنه صادق أو موف ، أو أمين ، وأبطن الكذب والغدر والخيانة ونحو ذلك . فهذا هو النفاق الأصغر الذي يكون صاحبه فاسقاً . فإطلاق النفاق عليها فى الأصل بطريق التواطؤ . وعلى هذا ؛ فالنفاق اسم جنس تحته نوعان . ثم إنه قد يراد به النفاق فى أصل الدين ، مثل قوله ( إِنَّالْتُفِقِينَ فِ الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ ) و (إِذَا جَآءَ لَكَ الْمُنَفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَكَذِبُونَ ) والمنافق هنا : الكافر . وقد يراد به النفاق فى فروعه . مثل قوله صلى الله عليه وسلم ١٤٣ (( آية المنافق ثلاث)) وقوله ((أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً)) وقول ابن عمر : فيمن يتحدث عند الأمراء بحديث . ثم يخرج فيقول بخلافه ((كنا نعد هذا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم نفاقا)) فإذا أردت به أحد النوعين . فإما أن يكون تخصيصه لقرينة لفظية مثل لام العهد ؛ والإضافة . فهذا لا يخرجه عن أن يكون متواطئاً ، كما إذا قال الرجل : جاء القاضي . وعنى به قاضى بلده ، لكون اللام للعهد. كما قال سبحانه: ( فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ ) إن اللام هي أوجبت قصر الرسول على موسى، لا نفس لفظ ((رسول)). وإما أن يكون لغلبة الاستعمال عليه ، فيصير مشتركا بين اللفظ العام والمعنى الخاص . فكذلك قوله ( إِذَاجَاءَكَ الْمُنَفِقُونَ ) فإن تخصيص هذا اللفظ بالكافر إما أن يكون لدخول اثلام التى تفيد العهد ، والمنافق المعهود : هو الكافر . أو تكون لغلبة هذا الاسم فى الشرع على نفاق الكفر . وقوله صلى الله عليه وسلم ((ثلاث من كن فيه كان منافقاً)) يعنى به منافقاً بالمعنى العام ، وهو إظهاره من الدين خلاف ما يبطن . فإطلاق لفظ ((النفاق) على الكافر وعلى الفاسق إن أطلقته باعتبار ما يمتاز به عن الفاسق كان إطلاقه عليه وعلى الفاسق باعتبار الاشتراك . وكذلك يجوز أن يراد به الكافر خاصة . ويكون متواطئاً إذا كان الدال على الخصوصية غير لفظ ((منافق)» بل لام التعريف . ١٤٤ وهذا البحث الشريف جار فى كل لفظ عام استعمل فى بعض أنواعه ، إما لغلبة الاستعمال ، أو لدلالة لفظية خصته بذلك النوع . مثل تعريف الإضافة ، أو تعريف اللام . فإن كان لغلبة الاستعمال صح أن يقال : إن اللفظ مشترك . وإن كان لدلالة لفظية كان اللفظ باقياً على مواطأته . فلهذا صح أن يقال ((النفاق)) اسم جنس تحته نوعان . لكون اللفظ فى الأصل عاما متواطئاً . وصح أن يقال : هو مشترك بين النفاق في أصل الدين ، وبين مطلق النفاق فى الدين . لكونه في عرف الاستعمال الشرعى غلب على نفاق الكفر . ١٤٥ بحث ثان [ وهو ] أن الحمد والشكر بينهما عموم وخصوص . فالحمد أعم من جهة أسبابه التى يقع عليها ؛ فإنه يكون على جميع الصفات ، والشكر لا يكون إلا على الإحسان . والشكر أعم من جهة ما به يقع، فإنه يكون بالاعتقاد، والقول، والفعل. والحمد يكون بالفعل أو بالقول ، أو بالاعتقاد . أورد الشيخ الإمام زين الدين ابن المنجا الحنبلي : أن هذا الفرق إنما هو من جهة متعلق الحمد والشكر ، لأن كونه يقع على كذا ويقع بكذا خارج عن ذاته ، فلا يكون فرقاً فى الحقيقة، والحدود إنما يتعرض فيها لصفات الذات ، لا لما خرج عنها . فقال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية : - المعاني على قسمين : مفردة، ومضافة . فالمعانى المفردة : حدودها لا توجد فيها بتعلقاتها. وأما المعانى الإضافية فلا بد أن يوجد فى ١٤٦ حدودها تلك الإضافات . فإنها داخلة فى حقيقتها . ولا يمكن تصورها إلا بتصور تلك المتعلقات ، فتكون المتعلقات جزءاً من حقيقتها فتعين ذكرها فى الحدود . والحمد والشكر معلقان بالمحمود عليه والمشكور عليه . فلا يتم ذكر حقيقتهما إلا بذكر متعلقها . فيكون متعلقهما داخلاً فى حقيقتها . فاعترض الصدر بن المرحل : بأنه ليس للمتعلق من المتعلق صفة ثبوتية . فلا يكون الحمد والشكر من متعلقهما صفة ثبوتية . فإن المتعلق صفة نسبية . والنسب أمور عدمية . وإذا لم تكن صفة ثبوتية لم تكن داخلة فى الحقيقة . لأن العدم لا يكون جزءاً من الوجود . فقال الشيخ تقي الدين : قولك : ليس للمتعلق من المتعلق صفة ثبوتية. ليس على العموم . بل قد يكون للمتعلق من المتعلق صفة ثبوتية ، وقد لا يكون . وإنما الذي يقوله أكثر المتكلمين : ليس لمتعلق القول من القول صفة ثبوتية . ثم الصفات المتعلقة نوعان : أحدهما : إضافة محضة . مثل الأبوة والبنوة، والفوقية، والتحتية ونحوها. فهذه الصفة هي التى يقال فيها: هي مجرد نسبة وإضافة . والنسب أمور عدمية . والثاني صفة ثبوتية مضافة ١٤٧ إلى غيرها ، كالحب والبغض ، والإرادة والكراهة ، والقدرة ، وغير ذلك من الصفات ، فإن الحب صفة ثبوتية متعلقة بالمحبوب . فالحب معروض للإضافة ، بمعنى أن الإضافة صفة عرضت له ؛ لا أن نفس الحب هو الإضافة . ففرق بين ما هو إضافة وبين ما هو صفة مضافة . فالإضافة يقال فيها : إنها عدمية . قال : وأما الصفة المضافة فقد تكون ثبوتية ، كالحب. قال ابن المرحل : الحب أمر عدمي . لأن الحب نسبة . والنسب عدمية . قال الشيخ تقي الدين : كون الحب، والبغض والإرادة ، والكراهة أمراً عدمياً باطل . بالضرورة . وهو خلاف إجماع العقلاء. ثم هو مذهب بعض المعتزلة فى إرادة الله . فإنه زعم أنها صفة سلبية . بمعنى أنه غير مغلوب ولا مستكره . وأطبق الناس على بطلان هذا القول . وأما إرادة المخلوق وحبه وبغضه فلم نعلم أحداً من العقلاء قال : إنه عدمي . فأصر ابن المرحل ، على أن الحب - الذي هو ميل القلب إلى المحبوب - أمر عدمي . وقال : المحبة : أمر وجودي . ١٤٨ قال الشيخ تقي الدين : - المحبة هي الحب . فإنه يقال : أحبه وحبه حباً ومحبة . ولا فرق . وكلاهما مصدر. قال ابن المرحل : وأنا أقول : إنهما إذا كانا مصدرين فهما أمر عدمى . قال له الشيخ تقي الدين : الكلام إذا انتهى إلى المقدمات الضرورية فقد انتهى وتم . وكون الحب والبغض أمراً وجودياً معلوم بالاضطرار؛ فإن كل أحد يعلم أن الحي إن كان خالياً عن الحب كان هذا الخلو صفة عدمية . فإذا صار محباً ، فقد تغير الموصوف وصار له صفة ثبوتية زائدة على ما كان قبل أن يقوم به الحب . ومن يحس ذلك من نفسه بجده ، كما يجد شهوته ونفرته ورضاء وغضبه ولذته وألمه . ودليل ذلك: أنك تقول : أحب يحب محبة . ونقيض أحب: لم يحب . ولم يحب صفة عدمية ، ونقيض العدم الإثبات . قال ابن المرحل : هذا ينتقض بقولهم : امتنع يمتنع ؛ فإن نقيض الامتناع : لا امتناع . وامتناع صفة عدمية . قال الشيخ تقي الدين : الامتناع أمر اعتباري عقلي ؛ فإن الممتنع ليس له وجود خارجي . حتى تقوم به صفة . وإنما هو معلوم بالعقل . ١٤٩ وباعتبار كونه معلوماً له ثبوت علمي ، وسلب هذا الثبوت العلمي : عدم هذا الثبوت ؛ فلم ينقض هذا قولنا : نقيض العدم ثبوت ، وأما الحب فإنه صفة قائمة بالمحب . فإنك تشير إلى عين خارجة ، وتقول : هذا الحى صار محباً بعد أن لم يكن محباً . فتخبر عن الوجود الخارجى . فإذا كان نقيضها عدماً خارجياً ، كانت وجوداً خارجياً . وفى الجملة : فكون الحب والبغض صفة ثبوتية وجودية معلوم بالضرورة . فلا يقبل فيه نزاع ولا يناظر صاحبه إلا مناظرة السوفسطائية . قلت : وإذا كان الحب والبغض ونحوهما من الصفات المضافة المتعلقة بالغير : صفات وجودية . ظهر الفرق بين الصفات التى هي إضافة ونسبة. وبين الصفات التى هي مضافة منسوبة . فالحمد والشكر من القسم الثاني ؛ فإن الحمد أمر وجودي متعلق بالمحمود عليه . وكذلك الشكر أمر وجودي متعلق بالمشكور عليه . فلا يتم فهم حقيقتها إلا بفهم الصفة الثبوتية لهما التى هي متعلقة بالغير . وتلك الصفة داخلة في حقيقتها . فإذا كان متعلق أحدهما أكبر من متعلق الآخر ، وذلك التعلق إنما هو عارض لصفة ثبوتية لهما . وجب ذكر تلك الصفة الثبوتية فی ذ کر حقيقتها . والدليل على هذا : أن من لم يفهم الإحسان امتنع أن يفهم الشكر ١٥٠ فعلم أن تصور متعلق الشكر داخل فى تصور الشكر . قلت : ولو قيل: إنه ليس هذا إلا أمراً عدمياً . فالحقيقة إن كانت مركبة من وجود وعدم، وجب ذكرها فى تعريف الحقيقة . كما أن من عرف الأب ، من حيث هو أب . فإن تصوره موقوف على تصور الأبوة ، التى هي نسبة وإضافة . وإن كان الأب أمراً وجودياً . فالحمد والشكر متعلقان بالمحمود عليه والمشكور عليه . وإن لم يكن هذا المتعلق عارضاً لصفة ثبوتية. فلا يفهم الحمد والشكر إلا يفهم هذا المتعلق . كما لا يفهم معنى الأب إلا بفهم معنى الأبوة ، الذي هو التعلق . وكذلك الحمد والشكر أمران متعلقان بالمحمود عليه والمشكور عليه . وهذا التعلق جزء من هذا المسمى . بدليل أن من لم يفهم الصفات الجميلة لم يفهم الحمد . ومن لم يفهم الإحسان لم يفهم الشكر. فإذا كان فهمها موقوفا على فهم متعلقهما ، فوقوفه على فهم التعلق أولى. فإن التعلق فرع على المتعلق. وتبح له . فإذا توقف فهمها على فهم المتعلق الذي هو أبعد عنها من التعلق . فتوقفه على فهم التعلق أولى . وإن كان التعلق أمراً عدمياً . والله أعلم . ١٥١ قال له الشيخ تقي الدين ابن تيمية : - قوله: ( وَأَحَلَّ اللَّهُ اَلْبَيْعَ ) قد أتبع بقوله (وَحَرَّمَ الْرِّيَوْأ ) وعامة أنواع الربا يسمى بيعاً . والربا - وإن كان اسماً مجملا - فهو مجهول. واستثناء المجهول من المعلوم يوجب جهالة المستثنى فيبقى المراد إحلال البيع الذي ليس بربا . فما لم يثبت أن الفرد المعين ليس بربا لم يصح إدخاله في البيع الحلال . وهذا يمنع دعوى العموم . وإن كان الربا اسماً عاماً فهو مستثنى من البيع أيضاً . فيبقى البيع لفظاً مخصوصاً . فلا يصح ادعاء العموم على الإطلاق . قال ابن المرحل : - هذا من باب التخصيص . وهنا عمومان تعارضا ، وليس من باب الاستثناء . فإن صيغ الاستثناء معلومة . وإذا كان هذا تخصيصاً لم يمنح ادعاء العموم فيه . قال الشيخ تقي الدين : - هذا كلام متصل بعضه ببعض ، وهو من باب التخصيص المتصل. وتسميه الفقهاء استثناء ، كقوله : له هذه الدار ولى منها هذا البيت . فإن هذا بمنزلة قوله : إلا هذا البيت . وكذلك لو قال : أكرم هؤلاء القوم ولا تكرم فلاناً وهو منهم . كان بمنزلة قوله : إلا فلاناً . وإذا كان كذلك صار بمنزلة قوله : أحل الله البيع إلا ما كان منه رباً . ١٥٢ فمن ادعى بعد هذا أنه عام في كل ما يسمى بيعاً فهو مخطئ . قال ابن المرحل : - أنا أسلم أنه إنما هو عام فى كل بيع لا یسمی ربا . قال له الشيخ تقي الدين : - وهذا كان المقصود . ولكن بطل بهذا دعوى عمومه على الإطلاق ؛ فإن دعوى العموم على الإطلاق بنافى دعوى العموم فى بعض الأنواع دون بعض . وهذا كلام بين . وادعى مدع . أن فيه قولين . أحدهما : أنه عام مخصوص والثاني: أنه عموم مراد . فقال الشيخ تقي الدين : - فإن دعوى أنه عموم مراد : باطل قطعاً ، فإنا نعلم أن كثيراً من أفراد البيع حرام . فاعترض ابن المرحل : بأن تلك الأفراد حرمت بعد ما أحلت . فيكون نسخاً . قال الشيخ تقي الدين : - فيلزم من هذا أن لا نحرم شيئاً من البيوع بخبر واحد ، ولا بقياس . فإن نسخ القرآن لا يجوز بذلك. وإنما يجوز تخصيصه به . وقد اتفق الفقهاء على التحريم بهذه الطريقة . ١٥٣ قال ابن المرحل : - رجعت عن هذا السؤال ؛ لكن أقول هو عموم مراد في كل ما يسمى بيعاً في الشرع. فإن البيع من الأسماء المنقولة إلى كل بيع صحيح شرعي . قال الشيخ تقي الدين : - البيع ليس من الأسماء المنقولة ؛ فإن مسماه فى الشرع والعرف هو المسمى اللغوي ؛ لكن الشارع اشترط لحله وصحته شروطا . كما قد كان أهل الجاهلية لهم شروط أيضاً بحسب اصطلاحهم . وهكذا سأر أسماء العقود ، مثل الإجارة والرهن ، والهبة والقرض والنكاح . إذا أريد به العقد وغير ذلك -: هي باقية على مسمياتها . والنقل إنما يحتاج إليه إذا أحدث الشارع معاني لم تكن العرب تعرفها . مثل الصلاة والزكاة ، والتيمم . فحينئذ يحتاج إلى النقل . ومعانى هذه العقود ما زالت معروفة . قال ابن المرحل : - أصحابي قد قالوا : إنها منقولة . قال الشيخ تقي الدين : - لو كان لفظ البيع فى الآية المراد به البيع الصحيح الشرعي لكان التقدير : أحل الله البيع الصحيح الشرعي . أو أحل الله البيع الذي هو عنده حلال. وهذا - مع أنه مكرر - فإنه يمنع الاستدلال بالآية . فإنا لانعلم دخول بيع من البيوع فى الآية حتى نعلم أنه بيع صحيح شرعي. ومتى علمنا ذلك استغنينا عن الاستدلال بالآية . ١٥٤ قال ابن المرحل : - متى ثبت أن هذا الفرد يسمى بيعاً فى اللغة قلت : هو بيع فى الشرع ؛ لأن الأصل عدم النقل ، واذا كان بيعاً فى الشرع دخل فى الآية . قال الشيخ تقي الدين : - هذا إنما يصح لو لم يثبت أن الاسم منقول أما إذا ثبت أنه منقول. لم يصح إدخال فرد فيه . حتى يثبت أن الاسم المنقول واقع عليه . وإلا فيلزم من هذا أن كل ما سمي فى اللغة صلاة وزكاة ، وتيمما، وصوما ، وبيعا ، وإجارة ، ورهنا : أنه يجوز إدخاله فى المسمى الشرعي ، بهذا الاعتبار . وعلى هذا التقدير : فلا يبقى فرق بين الأسماء المنقولة وغيرها . وإنما يقال : الأصل عدم النقل ، إذا لم يثبت . بل متى ثبت النقل فالأصل عدم دخول هذا الفرد فى الاسم المنقول ، حتى يثبت أنه داخل فيه بعد النقل : ١٥٥ وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه (١) 13 3 3 الحمد لله الذي نستعينه ، ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهد الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له . ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله ، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً. أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجا منيراً ، فهدى به من الضلالة وبصر به من العمى ، وأرشد به من الغي ، وفتح به أعينا عميً وآذاناً صما ، وقلوبا غلفاً ، وفرق به بين الحق والباطل ، والهدى والضلال والرشاد والغي، والمؤمنين (١) «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان)). ١٥٦ والكفار. والسعداء أهل الجنة والأشقياء أهل النار، وبين أولياء الله وأعداء الله ، فمن شهد له محمد صلى الله عليه وسلم بأنه من أولياء الله فهو من أولياء الرحمن ، ومن شهد له بأنه من أعداء الله فهو من أولياء الشيطان . وقد بين سبحانه وتعالى فى كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أن اللّه أولياء من الناس، وللشيطان أولياء ، ففرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، فقال تعالى (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْيَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِى اُلْحَيَوَةِ اُلُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ لَأَبْدِيلَ لِكَلِمَتِ اللَّهَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ) وقال تعالى (اللَّهُ وَلِىُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَتِّ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ ) وقال تعالى (يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لَا نَتَّخِذُواْ أَلْهُودَ وَالنَّصَرَىَّ أَوْلِيَةَبَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضَِّ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّاللَّهَ لَا يَهْدِى اُلْقَوْمَ اُلَّلِمِينَ * ج فَتَرَى الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم ◌َّرَضُ يُسَرِعُونَ فِهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَابِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِالْفَتْحِ أَوْأَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ، فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُواْ فِى أَنفُسِهِمْ نَدِمِينَ * وَيَقُولُ الَّذِينَءَامَنُواْ أَهَؤُلَاءِالَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِمْ إِنَّهُمْ لَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فَأَصْبَحُواْخَسِرِينَ * يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَنْ يَرْتََّّ مِنْكُمْ عَن ◌ِدِينِهِ، فَسَوْفَ يَأْتِى اَللَّهُ بِقَوْمِ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ يُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَّ بِعٍ ذَالِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِهِ مَن يَشَآءُ ١٥٧ وَاَللَّهُ وَسِعُ عَلِيمُ * إِنََّ وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَءَامَنُواْلَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُمْ رَّكِعُونَ * وَمَنْ يَنَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَلِبُونَ) وقال تعالى ( هُنَالِكَ الْوَلَيَةُ لِلَّهِ الْحَقّ هُوَ خَيْرٌ تَّوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا ). وذكر «أولياء الشيطان )) فقال تعالى (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانُّ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَ عَلَى رَيْهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَنَّوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ، مُشْرِكُونَ ) وقال تعالى (الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقَئِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَئِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّغُوتِ فَقَائِلُواْ أَوْلِيَآءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ) وقال تعالى (وَإِذْقُلْنَا لِلْمَئِكَةِ أَسْجُدُواْ لِلَّدَمَ فَسَجَدُ وَأْإِلَّا إِبِلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِرَبِّهِ، أَفَنَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ، أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌ بِئْسَ لِلِّمِينَ بَدَلًا). وقال تعالى (وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَنَ وَلِيَّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا ) وقال تعالى (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَنَّا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَأَنْقَلَبُواْبِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلِ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوْءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللَّهِ وَاَللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُحَوِّفُ أَوْلِيَآءَ ◌ُ، فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ ) وقال تعالى (إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَطِينَ أَوْلِيَة لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَاَءَابَاءَنَا) إلى قوله ١٥٨ ( إِنَّهُمُ اتَّخَذُواْالشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ) وقال تعالى (وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآَبِهِمْ لِيُجَدِلُوكُمْ ) وقال الخليل عليه السلام ( يَأَبَتِ إِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَنِ وَلِيًّا ) وقال تعالى ( يَّأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُ واْعَدُوِى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ)، الآيات، إلى قوله (إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). فصل وإذا عرف أن الناس فيهم «أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، فيجب أن يفرق بين هؤلاء وهؤلاء كما فرق الله ورسوله بينهما، فأولياء الله هم المؤمنون المتقون كما قال تعالى (أَلَآ إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لَخَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْيَتَّقُونَ ). وفى الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره عن أبى هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((يقول الله: من عادى لي وليا فقد بارزنى بالمحاربة - أو فقد آذنته بالحرب - وما تقرب إلي ١٥٩ عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التى يبطش بها، ورجله التى يمشي بها ، فى يسمع وبى يبصر وبي ببطش وبى يمشي. ولئن سألنى لأعطينه ، ولئن استعاذ بى لأعيذنه ، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن ، يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه )) وهذا أصح حديث يروي فى الأولياء فبين النبي صلى الله عليه وسلم أنه من عادى ولياً للّه فقد بارز الله بالمحاربة. وفي حديث آخر (( وإنى لأثأر لأوليائى كما يتأر الليث الحرب)) أى آخذ تأرم ممن عادام كما يأخذ الليث الحرب ثأره ، وهذا لأن أولياء اللّه م الذين آمنوا به ووالوه ، فأحبوا ما يحب وأبغضوا ما يبغض ، ورضوا بما يرضى ، وسخطوا بما يسخط ، وأمروا بما يأمر ونهوا عما نهى ، وأعطوا لمن يحب أن يعطى ، ومنعوا من يحب أن يمنع كما فى الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (( أوثق عرى الإيمان: الحب فى الله والبغض فى الله)، وفى حديث آخر رواه أبو داود قال ((ومن أحب الله وأبغض لله وأعطى الله ومنع الله فقد استكمل الإيمان )) . و ((الولاية)» ضد العداوة، وأصل الولاية المحبة والقرب، وأصل ١٦٠