Indexed OCR Text

Pages 41-60

فيسلم خلق تارة ظاهرا وباطناً، وتارة ظاهراً فقط، ويكثر المهاجرون إلى
المدينة من الفقراء والأغنياء، والأهلين والعزاب، فكان من لم يتيسر له مكان
يأوي إليه ، يأوي إلى تلك الصفة التى في المسجد، ولم يكن جميع أهل الصفة
يجتمعون فى وقت واحد ، بل منهم من يتأهل ، أو ينتقل إلى مكان آخر يتيسر
له . ويجيء ناس بعد ناس، فكانوا تارة يقلون، وتارة يكثرون، فتارة
يكونون عشرة أو أقل، وتارة يكونون عشرين وثلاثين وأكثر ، وتارة
يكونون ستين وسبعين.
وأما جملة من أوى إلى الصفة مع تفرقهم ، فقد قيل : كانوا نحو أربعمائة
من الصحابة ، وقد قيل: كانوا أكثر من ذلك ولم يعرف كل واحد منهم.
وقد جمع أسماءهم ((الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي)) فى ((كتاب تاريخ
أهل الصفة)) جمع ذكر من بلغه أنه كان من ((أهل الصفة)) وكان معتنياً
بذكر أخبار النساك، والصوفية؛ والآثار التى يستندون إليها ، والكلمات
المأثورة عنهم؛ وجمع أخبار زهاد السلف. وأخبار جميع من بلغه أنه كان من
أهل الصفة ؛ وكم بلغوا. وأخبار الصوفية المتأخرين بعد القرون الثلاثة .
وجمع أيضاً فى الأبواب: مثل حقائق التفسير . ومثل أبواب التصوف
الجارية على أبواب الفقه . ومثل كلامهم فى التوحيد والمعرفة والمحبة ؛
ومسألة السماع وغير ذلك من الأحوال . وغير ذلك من الأبواب . وفيما
جمعه فوائد كثيرة . ومنافع جليلة .
٤١

وهو فى نفسه رجل من أهل الخير والدين والصلاح والفضل .
وما يروبه من الآثار فيه من الصحيح شيء كثير. ويروى أحياناً أخباراً
ضعيفة بل موضوعة . يعلم العلماء أنها كذب .
وقد تكلم بعض حفاظ الحديث فى سماعه .
وكان البيهقي إذا روى عنه يقول : حدثنا أبو عبد الرحمن من أصل
سماعه. وما يظن به وبأمثاله إن شاء الله تعمد الكذب، لكن لعدم الحفظ
والإتقان يدخل عليهم الخطأ فى الرواية ؛ فإن النساك والعباد منهم من
هو متقن فى الحديث ، مثل ثابت البناني، والفضيل بن عياض ، وأمثالهما
ومنهم من قد يقع فى بعض حديثه غلط . وضعف ، مثل مالك بن دينار
وفرقد السبخي ونحوهما .
وكذلك ما يأثره أبو عبد الرحمن عن بعض المتكلمين فى الطريق
أو ينتصر له من الأقوال والأفعال والأحوال . فيه من الهدى والعلم
شيء كثير . وفيه - أحياناً - من الخطأ أشياء؛ وبعض ذلك يكون
عن اجتهاد سائغ. وبعضه باطل قطعاً . مثل ما ذكر فى حقائق التفسير
قطعة كبيرة عن جعفر الصادق وغيره من الآثار الموضوعة. وذكر عن
بعض طائفة أنواعا من الإشارات التى بعضها أمثال حسنة . واستدلالات
مناسبة . وبعضها من نوع الباطل واللغو .
٤٢

فالذي جمعه ( الشيخ أبو عبد الرحمن) ونحوه فى ((تاريخ أهل
الصفة)) وأخبار زهاد السلف ، وطبقات الصوفية ، يستفاد منه فوائد
جليلة ، ويجتذب منه ما فيه من الروايات الباطلة ، ويتوقف فيما فيه من
الروايات الضعيفة .
وهكذا كثير من أهل الروايات ، ومن أهل الآراء والأذواق، من
الفقهاء والزهاد والمتكلمين ، وغيرهم . يوجد فيما بأثرونه عمن قبلهم ،
وفيما يذكرونه معتقدين له شيء كثير، وأمر عظيم من الهدى، ودين
الحق ، الذي بعث الله به رسوله. ويوجد - أحياناً - عندهم من
جنس الروايات الباطلة أو الضعيفة ، ومن جنس الآراء والأذواق الفاسدة
أو المحتملة شىء كثير .
ومن له في الأمة لسان صدق عام ، بحيث يثنى عليه ، ويحمد فى
جماهير أجناس الأمة ، فهؤلاء هم أئمة الهدى ، ومصابيح الدجى ،
وغلطهم قليل بالنسبة إلى صوابهم ، وعامته من موارد الاجتهاد التى
يعذرون فيها ، وهم الذين يتبعون العلم والعدل ، فهم بعداء عن الجهل
والظلم ، وعن اتباع الظن ، وما تهوى الأنفس .
٤٣

فصل
وأما حال (( أهل الصفة)) م وغيرم من فقراء المسلمين الذين لم
يكونوا فى الصفة ، أو كانوا يكونون بها بعض الأوقات ، فكما وصفهم
الله تعالى فى كتابه ، حيث بين مستحقي الصدقة منهم، ومستحقي الفىء
منهم، فقال: (إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ فَنِعِمَاهِىٌّ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَآءَ
فَهُوَ خَيْرٌلَكُمْ وَيُكَفِرُ عَنكُم مِّن سَبِّئَاتِكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ )
إلى قوله (لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحْصِرُ واْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا
فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ لَا
يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا). وقال فى أهل الفى: (لِلْفُقَرَآءِالْمُهَجِرِينَ
الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَأَمْوَلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ:
أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّدِقُونَ ) .
وكان فقراء المسلمين من أهل الصفة وغيرم يكتسبون عند إمكان
الاكتساب الذي لا يصدم عما هو أوجب أو أحب إلى الله ورسوله
من الكسب ، وأما إذا أحصروا فى سبيل الله عن الكسب ، فكانوا
يقدمون ما هو أقرب إلى الله ورسوله ، وكان أهل الصفة ضيوف
٤٤

الإسلام ، يبعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم بما يكون عنده ، فإن
الغالب كان عليهم الحاجة لا يقوم ما يقدرون عليه من الكسب بما يحتاجون
إليه من الرزق .
وأما ((المسألة)) فكانوا فيها كما أدبهم النبي صلى الله عليه وسلم
حيث حرمها على المستغنى عنها ، وأباح منها أن يسأل الرجل حقه ،
مثل أن يسأل ذا السلطان أن يعطيه حقه من مال الله ، أو يسأل إذا
كان لا بد سائلاً الصالحين الموسرين إذا احتاج إلى ذلك ، ونهى
خواص أصحابه عن المسألة مطلقاً ، حتى كان السوط يسقط من يد
أحدم فلا يقول لأحد : ناولني إياه .
وهذا الباب فيه أحاديث وتفصيل . وكلام العلماء لا يسعه هذا
المكان. مثل قوله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب: ((ما أتاك
من هذا المال وأنت غير سائل ولا مشرف فخذه ، وما لا فلا تتبعه
نفسك)) ومثل قوله: ((من يستغن يغنه اللّه، ومن يستعفف يعفه
الله، ومن بتصبر يصبره الله، وما أعطى أحد عطاء خيراً وأوسع من
الصبر)) ومثل قوله: (( من سأل الناس وله ما يغنيه جاءت مسألته
خدوشاً، أو خموشاً، أوكدوشا فى وجهه، ومثل قوله: ((لأن يأخذ
أحدكم حبله فيذهب فيحتطب خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو
منعوه )) إلى غير ذلك من الأحاديث .
٤٥

وأما الجائز منها فمثل ما أخبر الله تعالى عن موسى والخضر:
أنهما أنيا أهل قرية فاستطعما أهلها. ومثل قوله: (( لا تحل المسألة إلا
لذى دم موجع، أو غرم مفظع، أو فقر مدقع)) ومثل قوله لقبيصة
ابن مخارق الهلالي: (( يا قبيصة ! لا تحل المسألة إلا لثلاثة: رجل أصابته
جائحة اجتاحت ماله : فسأل حتى يجد سداداً من عيش ، أو قواماً من
عيش ، ثم يمسك. ورجل أصابته فاقة ، حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا
من قومه فيقولون : لقد أصابت فلاناً فاقة ، فسأل حتى يجد سداداً
من عيش ، أو قواماً من عيش ، ثم يمسك . ورجل تحمل حمالة فسأل
حتى يجد حمالته ، ثم يمسك . وما سوى ذلك من المسألة فإنما هي سحت
بأ كله صاحبه سجتاً)).
ولم يكن فى الصحابة - لا أهل الصفة ولا غيرم ـ من يتخذ
مسألة الناس ، ولا الإلحاف في المسألة بالكدية ، والشحاذة لا بالزنبيل
ولا غيره صناعة وحرفة ، بحيث لا يبتغي الرزق إلا بذلك ، كما لم يكن
فى الصحابة أيضاً أهل فضول من الأموال يتركون ، لا يؤدون الزكاة
ولا ينفقون أموالهم فى سبيل الله، ولا يعطون فى النوائب . بل هذان
الصنفان الظالمان المصران على الظلم الظاهر ، من مانعي الزكاة ، والحقوق
الواجبة ، والمتعدين حدود الله تعالى فى أخذ أموال الناس كانا معدومين
في الصحابة المثنى عليهم .
٤٦

فصل
وأما من قال : إن أحداً من الصحابة أهل الصفة أو غيرهم أو
التابعين أو تابعي التابعين قائل مع الكفار، أو قاتلوا النبي صلى الله
عليه وسلم أو أصحابه، أو أنهم كانوا يستحلون ذلك ، أو أنه يجوز
ذلك . فهذا ضال غاو ؛ بل كافر يجب أن يستتاب من ذلك ، فإن تاب
وإلا قتل. ( وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعُ غَيْرَ سَبِيلِ
؛ بل كان
اُلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ، مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ، جَهَنَّمٌ وَسَآءَتْ مَصِيرًا)
أهل الصفة وغيرهم كالقراء الذين قنت النبي صلى الله عليه وسلم يدعو
على من قتلهم من أعظم الصحابة إيماناً وجهاداً مع رسول الله صلى الله
عليه وسلم ونصراً لله ورسوله، كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله: ( لِلْفُقَرَآءِ
اٌلْمُهَجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَأَمْوَلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اْللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ
وقال : (تُحَمَّدٌ
اللَّهَ وَرَسُولَهُ , أُوْلَكَ هُمُ الصَّدِقُونَ)
رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَاءُ عَلَى الْكُفَارِرُحَاءُ بَيْنَهُمَّ تَرَهُمْ رَكَعَا سُجَّدًا )
إلى قوله ( وَمَثَلُهُمْ فِ آلْإِنِيلِ كَزْرْعٍ أَخْرَجَ سَطَْهُ،فَازَرَهُ، فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ،
وقال
يُعْجِبُ الزُّرَّعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ )
(مَنْ يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن ◌ِدِينِهِ، فَسَوْفَ يَأْتِى اَللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ
٤٧

يُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآ بِعٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِيُؤْتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ) .
وقد غزا النبى صلى الله عليه وسلم غزوات متعددة ، وكان القتال
منها فى تسع مغاز: مثل بدر . وأحد . والخندق . وخيبر . وحنين .
وانكسر المسلمون يوم أحد وانهزموا، ثم عادوا يوم حنين، ونصرهم
اللّه بيدر وهم أذلة، وحصروا في الخندق حتى دفع الله عنهم أولئك
الأعداء ، وفى جميع المواطن كان يكون المؤمنون من أهل الصفة وغيرم
مع النبى صلى الله عليه وسلم، لم يقاتلوا مع الكفار قط ، وإنما يظن
هذا ويقوله من الضلال والمنافقين قسمان :
( قسم ) منافقون . وإن أظهروا الإسلام ، وكان فى بعضهم زهادة
وعبادة ، يظنون أن إلى اللّه طريقاً غير الإيمان بالرسول ومتابعته، وأن
من أولياء الله من يستغنى عن متابعة الرسول ، كاستغناء الخضر عن متابعة
موسى . وفى هؤلاء من يفضل شيخه أو عالمه أو ملكه على النبى صلى
الله عليه وسلم: إما تفضيلاً مطلقاً، أو فى بعض صفات الكمال .
وهؤلاء منافقون كفار يجب قتلهم بعد قيام الحجة عليهم .
فإن الله تعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم إلى جميع الثقلين:
إنسهم وجنهم وزهادم وملوكهم . وموسى عليه السلام إنما بعث إلى
٤٨

قومه لم يكن مبعوثاً إلى الخضر، ولا كان يجب على الخضر اتباعه؛
بل قال له : إني على على من على الله تعالى علمنيه الله لا تعلمه . وأنت
على علم من على الله علمكه الله لا أعلمه . وقد قال التى صلى الله عليه
وسلم: ((وكان النبى يبعث إلى قومه خاصة ، وبعثت إلى الناس عامة ))
وقال الله تعالى: (قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِِّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِى لَهُ.
مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ) وقال تعالى. (وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّ كَافَةٌ لِلنَّاسِ بَشِيرًاً
وَنَذِيرًا).
و ( القسم الثانى ) من يشاهد ربوبية الله تعالى لعباده التى عمت
جميع البرايا ، ويظن أن دين الله الموافقة للقدر ، سواء كان فى ذلك
عبادة الله وحده لا شريك له ، أو كان فيه عبادة الأوثان واتخاذ الشركاء
والشفعاء من دونه ، وسواء كان فيه الإيمان بكتبه ورسله ، أو الإعراض
عنهم والكفر بهم ، وهؤلاء يسوون بين الذين آمنوا وعملوا الصالحات
وبين المفسدين في الأرض ، وبين المتقين والفجار ، ويجعلون المسلمين
كالمجرمين ، ويجعلون الإيمان والتقوى والعمل الصالح بمنزلة الكفر
والفسوق والعصيان ، وأهل الجنة كأهل النار ، وأولياء الله كأعداء
اللّه، وربما جعلوا هذا من (باب الرضا بالقضاء) وربما جعلوه («التوحيد
والحقيقة)) بناء على أنه توحيد الربوبية الذي يقربه المشركون، وأنه
((الحقيقة الكونية)).
٤٩

وهؤلاء يعبدون الله على حرف: فإن أصابهم خير اطمأنوا به،
وإن أصابتهم فتنة انقلبوا على وجوههم ، خسروا الدنيا والآخرة ،
وغالبهم يتوسعون فى ذلك حتى يجعلوا قتال الكفار قتالاً لله، ويجعلون
أعيان الكفار والفجار والأوثان من نفس الله وذاته ، ويقولون : ما
في الوجود غيره ، ولا سواه ، بمعنى أن المخلوق هو الخالق ، والمصنوع
هو الصانع، وقد يقولون: (لَوَّشَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَ كْنَا وَلَآءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا
مِنْ شَىْءٍ) ويقولون :
إلی
( أَنْطْعِمُ مَن لَّوْيَشَاءُ اللّهُأَطْعَمَهُ )
نحو ذلك من الأقوال والأفعال التى هي شر من مقالات اليهود
والنصارى ، بل ومن مقالات المشركين والمجوس ، وسائر الكفار، من
جنس مقالة فرعون والدجال ، ونحوهما ممن ينكر الصانع الخالق البارئ
رب العالمين ، أو يقولون: إنه هو ، أو إنه حل فيه .
وهؤلاء كفار بأصلي الإسلام وهما : شهادة أن لا إله إلا الله،
وأن محمداً رسول الله.
فإن التوحيد الواجب أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً ، ولا
تجعل له نداً فى إلهيته، لاشريكا ولا شفيعاً. فأما ((توحيد
الربوبية)) وهو الإقرار بأنه خالق كل شىء ، فهذا قد أقربه المشركون
الذين قال الله فيهم: ( وَمَايُؤْ مِنُ أَكْثَرُهُمْ بِالهِ إِلَّا وَهُم ◌ُشْرِكُونَ
(
قال ابن عباس : تسألهم من خلق السموات والأرض ؟ فيقولون :
٥٠

الله، وهم يعبدون غيره ، وقال تعالى: ( وَلَيْن سَأَلْتَّهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ
قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن
وَاْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) وقال تعالى: (
كُتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَتِ السَّيْعِ
وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا نَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ، مَلَكُونُ
كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ يُجِيرٌ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ اللَّهِقُلْ فَأَنَّى
تُسْحَرُونَ )
فالكفار المشركون مقرون أن الله خالق السموات والأرض ،
وليس فى جميع الكفار من جعل الله شريكا مساويا له فى ذاته
وصفاته وأفعاله، هذا لم يقله أحد قط ، لا من المجوس الثنوية ، ولا
من أهل التثليث ، ولا من الصابئة المشركين الذين يعبدون الكواكب
والملائكة ، ولا من عباد الأنبياء والصالحين ، ولا من عباد التماثيل
والقبور وغيرهم ؛ فإن جميع هؤلاء - وإن كانوا كفاراً مشركين متنوعين
فى الشرك - فهم مقرون بالرب الحق الذي ليس له مثل فى ذاته
وصفاته ، وجميع أفعاله ؛ ولكنهم مع هذا مشركون به فى ألوهيته ، بأن
يعبدوا معه آلهة أخرى ، يتخذونها شفعاء أو شركاء ؛ أو فى ربوبيته
بأن يجعلوا غيره رب بعض الكائنات دونه مع اعترافهم بأنه رب
ذلك الرب ، وخالق ذلك الخلق .
وقد أرسل الله جميع الرسل ، وأنزل جميع الكتب بالتوحيد
٥١

الذي هو عبادة الله وحده ، لا شريك له . كما قال الله تعالى: ( وَمَآ
أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْفَاعْبُدُونِ )
وقال تعالى : (وَسْتَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِنْ زُسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ ءَالِهَةً
وقال تعالى : (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ
يُعْبَدُونَ )
أَعْبُدُ واْاللّهَ وَأْتَنِبُواْ الطَّاغُوتِّ فَمِنْهُم ◌َّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَلَةُ)
وقال تعالى: (يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطَّيِّبَتِ وَأَعْمَلُوا صَلِحً إِنِّ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ *
وَإِنَّ هَذِهِ: أُمَّتِكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَأَنَارَبُّكُمْ فَأَنَّقُونِ )
وقد قالت الرسل كلهم مثل نوح وهود وصالح وغيرهم: (أَنِ أُعْبُدُوا
اللَّهَ وَأَتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ) فكل الرسل دعوا إلى عبادة الله وحده لاشريك
له ، وإلى طاعتهم .
والإيمان بالرسل، هو ((الأصل الثانى)) من أصلي الإسلام، فمن
لم يؤمن بأن محمداً رسول الله إلى جميع العالمين ، وأنه يجب على جميع
الخلق متابعته ، وأن الحلال ما أحله الله ، والحرام ما حرمه الله،
والدين ما شرعه ، فهو كافر : مثل هؤلاء المنافقين ونحوهم ممن يجوز
الخروج عن دينه وشرعته وطاعته ؛ إما عموماً وإما خصوصاً . ويجوز
إعانة الكفار والفجار على إفساد دينه وشرعته .
٥٢

ويحتجون بما يفترونه : أن أهل الصفة قاتلوه . وأنهم قالوا : نحن
مع الله، من كان الله معه كنا معه، يريدون بذلك القدر و((الحقيقة
الكونية)) دون الأمر و ((الحقيقة الدينية)) ويحتج بمثل هذا من ينصر
الكفار والفجار ، ويخفرم بقلبه وهمته ، وتوجهه من ذوي الفقر (١)
ويعتقدون مع هذا أنهم من أولياء الله، وأن الخروج عن الشريعة
المحمدية سائغ لهم ، وكل هذا ضلال وباطل . وإن كان لأصحابه زهد
وعبادة ، فهم فى العباد ؛ مثل أوليائهم من النار ونحوم في الأجناد
فإن «المرء على دين خليله)) و ((المرءمع من أحب)) هكذا قال
النبى صلى الله عليه وسلم ، وقد جعل الله المؤمنين بعضهم أولياء بعض ،
والكافرين بعضهم أولياء بعض .
وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتال المارقين من الإسلام مع
عبادتهم العظيمة الذين قال فيهم النبى صلى الله عليه وسلم: ((يحقر أحدكم
صلاته مع صلاتهم ، وصيامه مع صيامهم . وقراءته مع قراءتهم .
يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون من الإسلام كما يمرق
السهم من الرمية . أنما لقيتموهم فاقتلوهم ؛ فإن فى قتلهم أجراً عند الله
لمن قتلهم يوم القيامة، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد )) وهؤلاء قاتلهم
أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لما خرجوا عن شريعة رسول الله
(١) نسخة زيادة: ((والزمن)).
٥٣

صلى اللّه عليه وسلم وسنته، وفارقوا جماعة المسلمين ، فكيف بمن
يعتقد أن المؤمنين كانوا يقاتلون النبى صلى الله عليه وسلم ؟!
ومثل هذا ما يرويه بعض هؤلاء المفترين : أن أهل الصفة سمعوا ما
خاطب الله به رسوله ليلة المعراج؛ وأن اللّه أمره أن لا يعلم به أحداً.
فلما أصبح وجدهم يتحدثون، فأنكر ذلك، فقال الله تعالى: (( أنا
أمرك أن لا تعلم به أحداً ؛ لكن أنا الذي أعلمتهم به)). إلى أمثال
هذه الأ كاذيب التى هي من أعظم الكفر . وهي كذب واضح ؛ فإن
((أهل الصفة)) لم يكونوا إلا بالمدينة؛ لم يكن بمكة أهل صفة؛
والمعراج إنما كان من مكة ؛ كما قال سبحانه وتعالى: ( سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى
بِعَبْدِهِ لَيْلًامِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا)
ومما يشبه هذا من بعض الوجوه : رواية بعضهم عن عمر أنه قال :
كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحدث هو وأبو بكر وكنت كالزنجي
بينها . وهذا من الإفك المختلق . ثم إنهم مع هذا يجعلون عمر الذي
سمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم وصديقه ، وهو أفضل الخلق
بعد الصديق لم يفهم ذلك الكلام ، بل كان كالزنجي . ويدعون أنهم
ثم سمعوه وعرفوه ثم كل منهم يفسره بما يدعيه من الضلالات الكفرية
التى يزعم أنها ((على الأسرار والحقائق)) [ ويريدون بذلك] إما
الاتحاد وإما تعطيل الشرائع ومحو ذلك . مثل ما تدعي النصيرية .
٥٤

والإسماعيلية ؛ والقرامطة والباطنية الثنوية، والحاكمية وغيرهم ، من
الضلالات المخالفة لدين الإسلام . وما ينسبونه إلى علي بن أبي طالب :
أو جعفر الصادق أو غيرهما من أهل البيت كالبطاقة والهفت
والجدول والجفر وملحمة بن عنضب ، وغير ذلك من الأ كاذيب المفتراة
باتفاق جميع أهل المعرفة ، وكل هذا باطل .
فإنه لما كان لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم به اتصال
النسب والقرابة ، وللأولياء الصالحين منهم ومن غيرم به اتصال الموالاة
والمتابعة ، صار كثير ممن يخالف دينه وشريعته وسنته يموه باطله ويزخرفه
بما يفتربه على أهل بيته وأهل موالاته ومتابعته ، وصار كثير من
الناس يغلو إما فى قوم من هؤلاء ، أو من هؤلاء ، حتى يتخذم آلهة
أو يقدم ما يضاف إليهم على شريعة النبى صلى الله عليه وسلم وسنته ،
وحتى يخالف كتاب الله وسنة رسوله ، وما اتفق عليه السلف الطيب
من أهل بيته ومن أهل الموالاة له والمتابعة ، وهذا كثير فى
أهل الضلال .
٥٥

فصل
وأما تفضيل «أهل الصفة)) على العشرة وغيرم خطأ وضلال،
بل خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ، كما تواتر ذلك عن أمير
المؤمنين علي بن أبي طالب موقوفاً ومرفوعاً، وكما دل على ذلك الكتاب
والسنة . واتفق عليه سلف الأمة وأئمة العلم والسنة، وبعدهما عثمان وعلي
وكذلك سائر أهل الشورى : مثل طلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن
ابن عوف، وهؤلاء مع أبي عبيدة بن الجراح - أمين هذه الأمة -
ومع سعيد بن زيد . هم العشرة المشهود لهم بالجنة .
قال الله عز وجل فى كتابه: (لَا يَسْتَوِى مِنكُمَنْ أَنْفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ
وَقَتَلَ أُوْلَكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُواْ مِنْ بَعْدُ وَقَتَلُواْ وَكُلََّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ).
ففضل الله السابقين قبل فتح الحديبية إلى الجهاد بأموالهم وأنفسهم
على التابعين بعدم ، وقال الله تعالى :
(لَّقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْيُبَابِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ) وقال تعالى:
( وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَنِ رَضِىَ
اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْعَنْهُ ) فرضى الله سبحانه عن السابقين الأولين من
المهاجرين والأنصار .
٥٦

وقد ثبت فى فضل البدريين ما تميزوا به على غيرم ، وهؤلاء
الذين فضلهم الله ورسوله، فمنهم من هو من أهل الصفة، وأكثرهم لم
يكونوا من أهل الصفة ، والعشرة لم يكن فيهم من هو من أهل الصفة
إلا سعد بن أبي وقاص . فقد قيل : إنه أقام بالصفة مرة ، وأما أكبر
المهاجرين والأنصار مثل الخلفاء الأربعة ، ومثل سعد بن معاذ ، وأسيد
بن الحضير ، وعباد بن بشر ، وأبي أيوب الأنصاري ، ومعاذ بن جبل
وأبي بن كعب ونحوم، فلم يكونوا من ((أهل الصفة)) بل عامة أهل
الصفة إنما كانوا من فقراء المهاجرين ؛ لأن الأنصار كانوا في ديارم .
ولم يكن أحد ينذر لأهل الصفة ولا لغيرهم .
فصل
وأما سماع المكاء والتصدية : وهو الاجتماع لسماع القصائد الربانية ،
سواء كان بكف ، أو بقضيب ، أو بدف ، أو كان مع ذلك شبابة ،
فهذا لم يفعله أحد من الصحابة ، لامن أهل الصفة ولا من غيرم ؛ بل
ولا من التابعين ، بل القرون المفضلة التى قال فيها النبى صلى الله عليه وسلم:
((خير القرون الذين بعثت فيهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم))
لم يكن فيهم أحد يجتمع على هذا السماع ، لا فى الحجاز ولا فى الشام
٥٧

ولا فى اليمن ، ولا العراق ولا مصر، ولا خراسان ولا المغرب . وإنما
كان السماع الذي يجتمعون عليه سماع القرآن ، وهو الذي كان الصحابة
من أهل الصفة وغيرهم يجتمعون عليه ، فكان أصحاب محمد صلى الله
عليه وسلم إذا اجتمعوا أمروا واحداً منهم يقرأ، والباقى يستمعون، وقد
روى (( أن النبى صلى الله عليه وسلم خرج على أهل الصفة وفيهم
قارئ يقرأ جلس معهم )) وكان عمر بن الخطاب يقول لأبى موسى :
ياأبا موسى! ذكرنا ربنا، فيقرأ وهم يستمعون. [ وكان وجدم على
ذلك، وكذلك إرادة قلوبهم ] (١) وكل من نقل أنهم كان لهم حاد
ينشد القصائد الربانية بصلاح القلوب ، أو أنهم لما أنشد بعض القصائد
تواجدوا على ذلك. أو أنهم مزقوا ثيابهم، أو أن قائلا أنشده :
قد لسعت حية الهوى كبدي
فلا طبيب لها ولا راقى
إلا الطبيب الذي شغفت به
فعنده رقيتى وترياقى
أو أن النبى صلى الله عليه وسلم لما قال: ((إن الفقراء يدخلون
(١) ما بين القوسين غير موجود فى المطبوعة .
٥٨

الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم)) أنشدوا شعراً وتواجدوا عليه ، فكل
هذا وأمثاله إفك مفترى ، وكذب مختلق باتفاق أهل الاتفاق من أهل
العلم والإيمان ، لا ينازع فى ذلك إلا جاهل ضال ، وإن كان قد ذكر
فى بعض الكتب شىء من ذلك فكله كذب باتفاق أهل
العلم والإيمان .
فصل
(وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِّ
وأما قوله :
فهى عامة فيمن تناوله هذا الوصف ؛ مثل
يُرِيدُونَ وَجْهَهُ )
الذين يصلون الفجر والعصر في جماعة ، فإنهم يدعون ربهم بالغداة
والعشي يريدون وجهه، سواء كانوا من « أهل الصفة)» أو غيرم،
أمر الله نبيه بالصبر مع عباده الصالحين ؛ الذين يريدون وجهه , وألا
تعد عيناه عنهم ، تريد زينة الحياة الدنيا. وهذه الآية فى الكهف
وهي سورة مكية . وكذلك الآية التى فى سورة الأنعام: (وَلَا تَطْرُدِ
الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَهُمَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَمَا
مِنْ حِسَائِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ ).
٥٩

وقد روى أن هاتين الآيتين نزلتا فى المؤمنين المستضعفين لما
طلب المتكبرون أن يبعدم النبى صلى الله عليه وسلم عنه فنهاه الله عن
طرد من يريد وجه الله وإن كان مستضعفا ثم أمره بالصبر معهم، وكان
ذلك قبل الهجرة إلى المدينة وقبل وجود الصفة ؛ لكن هي متناولة لكل
من كان بهذا الوصف من أهل الصفة وغيرهم .
والمقصود بذلك أن يكون مع المؤمنين المتقين الذين م أولياء
الله وإن كانوا فقراء ضعفاء، ولا يتقدم أحد عند الله بسلطانه وماله ولا
بذله وفقره، وإنما يتقدم عنده بالإيمان والعمل الصالح ، فنهى الله نبيه أن
يطيح أهل الرياسة والمال الذين يريدون إبعاد من كان ضعيفاً أو فقيراً
وأمره ألا يطرد من كان منهم يريد وجهه، وأن يصبر نفسه معهم في
الجماعة التى أمر فيها بالاجتماع بهم، كصلاة الفجر والعصر، ولا يطيع
أمر الغافلين عن ذكر الله المتبعين لأهوائهم.
فصل
وأما الحديث المروى: (( ما من جماعة يجتمعون إلا وفيهم ولي
لله)) فمن الأ كاذيب ليس فى شيء من دواوين الإسلام، وكيف والجماعة
[قد] يكونون كفاراً أو فساقا يموتون على ذلك ؟ ! .
٦٠
Majmu' al-Fatawa — pages 41-60 | ScribeTools Library