Indexed OCR Text
Pages 21-40
لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلَحَافًا) . وقال فى الثانية : (مَّا أَفَاءَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى - الآية إلى قوله - لِلْفُقَرَآءِالْمُهَجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَأَمْوَلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ الَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّدِقُونَ ) . وهؤلاء ((الفقراء)) قد يكون فيهم من هو أفضل من كثير من الأغنياء ، وقد يكون من الأغنياء من هو أفضل من كثير منهم . وقد تنازع الناس أيما أفضل : الفقير الصابر ، أو الغنى الشاكر ؟ والصحيح : أن أفضلهما أتقاهما ؛ فإن استويا فى التقوى استويا فى الدرجة كما قد بيناه فى غير هذا الموضع ، فإن الفقراء يسبقون الأغنياء إلى الجنة [ لأنه ] لا حساب عليهم . ثم الأغنياء يحاسبون ، فمن كانت حسناته أرجح من حسنات فقير ، كانت درجته فى الجنة أعلى ، وإن تأخر عنه فى الدخول . ومن كانت حسناته دون حسناته كانت درجته دونه ؛ لكن لما كان جنس الزهد فى الفقراء أغلب صار الفقر فى اصطلاح كثير من الناس عبارة عن طريق الزهد وهو من جنس التصوف . فإذا قيل : هذا فيه فقر أو ما فيه فقر لم يرد به عدم المال ، ٢١ ولكن يراد به ما يراد باسم الصوفى من المعارف والأحوال والأخلاق ، والآداب ونحو ذلك . وعلى هذا الاصطلاح قد تنازعوا أيما أفضل : الفقير، أو الصوفى؟ فذهب طائفة إلى ترجيح الصوفي ، كأبي جعفر السهروردي ونحوه ، وذهب طائفة إلى ترجيح الفقير، ــ كطوائف كثيرين - وربما يختص هؤلاء بالزوايا وهؤلاء بالخوانك ونحو ذلك ، وأكثر الناس قد رجحوا الفقير . والتحقيق أن أفضلها أتقاهما ، فإن كان الصوفى أنقى لله كان أفضل منه ، وهو أن يكون أعمل بما يحبه الله ، وأترك لما لا يحبه فهو أفضل من الفقير، وإن كان الفقير أعمل بما يحبه الله وأترك لما لا يحبه كان أفضل منه ، فإن استويا فى فعل المحبوب وترك غير المحبوب استويا فى الدرجة . و ((أولياء الله)) م المؤمنون المتقون، سواء سمي أحدم فقيراً أو صوفياً أو فقيهاً أو علماً أو تاجراً أو جندياً أو صانعاً أو أميراً أو حاكماً أو غير ذلك . قال الله تعالى: ( أَلَا إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَّهُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْيَتَّقُونَ) * ٢٢ وفى صحيح البخاري عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يقول الله تعالى: من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ؛ فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ويده التى يبطش بها، ورجله التى يمشي بها ، في يسمع وبي يبصر وبى يبطش وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه ، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ، ولا بد له منه ، وهذا الحديث قد بين فيه أولياء الله المقتصدين ، أصحاب اليمين والمقربين السابقين. فالصنف الأول : الذين تقربوا إلى الله بالفرائض . والصنف الثانى الذي تقربوا إليه بالنوافل بعد الفرائض ، وهم الذين لم يزالوا يتقربون إليه بالنوافل حتى أحبهم ، كما قال تعالى . وهذان الصنفان قد ذكرهم الله فى غير موضع من كتابه كما قال : ( ثُمَّوْرَتْنَا الْكِتَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَافَمِنْهُمْ ظَالِمٌلِنَفْسِهِ، وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وكما قال الله تعالى: ( إِنَّالْأَبْزَارَفِى وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ يُسْقَوْنَ * تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَصْرَةَ النَّعِيمِ نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ * مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ * خِتَمُهُ مِسْكٌ وَفِ ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُنَنَفِسُونَ * وَمِنَالُهُ. ) قال ابن عباس : يشرب عَيْنَايَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ مِن تَسْنِيمٍ ٢٣ بها المقربون صرفا وتمزج لأصحاب اليمين مزجا. وقال تعالى: (وَيُسْقَوْنَ وقال تعالى : عَيْنَافِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا) فِيَا كَأْسَّاكَانَ مِنَ اجُهَازَنْجِيلًا وَأَصْحَبُّ ◌ُلْشْعَةِ مَا أَصْحَبُ ( فَأَصْحَبُ اٌلْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَبُ اَلْمَيْمَنَةِ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَبُونَ ) وقال تعالى : وَالسَِّقُونَ السَّبِقُونَ المَشْئَمَةِ ( فَمَّ إِن كَانَ مِنَ الْمُفَرَّبِينَ * فَرَوْعٌ وَرَتْحَانٌ وَحَنَّتُ نَّعِيمٍ * وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَبِ اُلْيَمِينِ * فَسَلَهُلَّكَ مِنْ أَصْحَبِ الْيَمِينِ وهذا الجواب فيه جمل تحتاج إلى تفصيل طويل لم يتسع له هذا الموضع . والله أعلم . ٢٤ وسئل ما تقول الفقهاء - رضي الله عنهم - فى رجل يقول: إن الفقر لم تتعبد به ، ولم نؤمر به ، ولا جسم له، ولا معنى ، وأنه غير سبيل موصل إلى رضا اللّه تعالى وإلى رضا رسوله ، وإنما تعبدنا بمتابعة أمر الله واجتناب نهيه من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإن أصل كل شيء العلم والتعبد به والعمل به، والتقوى والورع عن المحارم، ((والفقر)) المسمى على لسان الطائفة والأكبر هو الزهد فى الدنيا، والزهد فى الدنيا يفيده العلم الشرعي فيكون الزهد فى الدنيا العمل بالعلم ، وهذا هو الفقر ، فإذاً الفقر فرع من فروع العلم ، والأمر على هذا . وما ثم طريق أوصل من العلم والعمل بالعلم ، على ما صح وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم . ويقول : إن الفقر المسمى المعروف عند أكثر أهل الزي المشروع في هذه الأعصار من الزي والألفاظ والاصطلاحات المعتادة غير مرضي الله ولا لرسوله ، فهل الأمر كما قال ، أو غير ذلك؟ أفتونا مأجورين.(١) (١) مسألة في الفقر والتصوف . ٢٥ فأجاب الشيخ تقي الدين ابن تيمية - رضي الله عنه ــ الحمد لله. أصل هذه ((المسألة)) أن الألفاظ التى جاء بها الكتاب والسنة علينا أن نتبع ما دلت عليه ، مثل لفظ الإيمان ، والبر ، والتقوى، والصدق ، والعدل، والإحسان، والصبر، والشكر، والتوكل، والخوف والرجاء، والحب لله، والطاعة لله وللرسول ، وبر الوالدين ، والوفاء بالعهد ونحو ذلك مما يتضمن ذكر ما أحبه الله ورسوله من القلب والبدن . فهذه الأمور التى يحبها الله ورسوله هي الطريق الموصل إلى الله، مع ترك ما نهى الله عنه ورسوله: كالكفر، والنفاق والكذب، والإثم والعدوان، والظلم والجزع والهلع، والشرك والبخل والجبن، وقسوة القلب والغدر وقطيعة الرحم ونحو ذلك . فعلى كل مسلم أن ينظر فيما أمر الله به ورسوله فيفعله ، وما نهى الله عنه ورسوله فيتركه . هذا هو طريق الله وسبيله ودينه الصراط المستقيم . صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين . وهذا (( الصراط المستقيم)) يشتمل على علم وعمل : علم شرعي ، وعمل شرعي ، فمن على ولم يعمل بعلمه كان فاجراً ، ومن عمل بغير على كان ضالاً، وقد أمرنا الله سبحانه أن نقول (آهدِنَا الصِرَّطَ الْمُسْتَقِيمَ : صِرَطَ الَّذِينَ أَنَعْمَتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ ) . قال * النبى صلى الله عليه وسلم: ((اليهود مغضوب عليهم ، والنصارى ٢٦ ضالون)) وذلك أن اليهود عرفوا الحق ولم يعملوا به ، والنصارى عبدوا الله بغير علم . ولهذا كان السلف يقولون : احذروا فتنة العالم الفاجر ، والعابد الجاهل ، فإن فتنتها فتنة لكل مفتون . وكانوا يقولون : من فسد من العلماء ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من العباد ففيه شبه من النصارى فمن دعا إلى العلم دون العمل المأمور به كان مضلاً ، ومن دعا إلى العمل دون العلم كان مضلاً، وأضل منها من سلك فى العلم طريق أهل البدع ؛ فيتبع أموراً تخالف الكتاب والسنة يظنها علوما وهي جهالات . وكذلك من سلك في العبادة طريق أهل البدع . فيعمل أعمالاً تخالف الأعمال المشروعة يظنها عبادات وهي ضلالات . فهذا وهذا كثير فى المنحرف المنتسب إلى فقه أو فقر. يجتمع فيه أنه يدعو إلى العلم دون العمل ، والعمل دون العلم ، ويكون ما يدعو إليه فيه بدع تخالف الشريعة. وطريق الله لا تتم إلا بعلم وعمل. يكون كلاهما موافقا الشريعة . فالسالك طريق ((الفقر والتصوف والزهد والعبادة )) إن لم يسلك بعلم يوافق الشريعة ، وإلا كان ضالاً عن الطريق ، وكان مايفسده أكثر ما يصلحه. والسالك من ((الفقه والعلم والنظر والكلام)) إن لم يتابع الشريعة ويعمل بعلمه وإلا كان فاجراً ضالاً عن الطريق . فهذا هو ٢٧ الأصل الذي يجب اعتماده على كل مسلم . وأما التعصب لأمر من الأمور بلا هدى من الله فهو من عمل الجاهلية . ( وَمَنْ أَضَلُّ مِمَنِ اتَّعَ هَوَهُ بِغَيْرِ هُدَىِّنَ اللَّهِ . ( ولا ريب أن لفظ ((الفقر)) فى الكتاب والسنة وكلام الصحابة والتابعين وتابعيهم لم يكونوا يريدون به نفس طريق الله ، وفعل ما أمر به . وترك ما نهى عنه ، والأخلاق المحمودة ولا نحو ذلك ؛ بل الفقر عندهم ضد الغنى. و ((الفقراء)) هم الذين ذكرم اللّه فى قوله: (إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ) وفى قوله: (لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحْصِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ) وفي قوله: (لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَأَمْوَلِهِمْ) و (( الغني)) هو الذي لا يحل له أخذ الزكاة ، أو الذي يجب عليه الزكاة ، أو ما يشبه ذلك ؛ لكن لما كان الفقر مظنة الزهد طوعا أوكرها ؛ إذ من العصمة أن لا تقدر، وصار المتأخرون كثيراً ما يقرنون بالفقر معنى الزهد ، والزهد قد يكون مع الغنى ، وقد يكون مع الفقر . ففي الأنبياء والسابقين الأولين ممن هو زاهد مع غناه كثير . و «الزهد)» المشروع ترك ما لا ينفع فى الدار الآخرة، وأما كل ما يستعين به العبد على طاعة الله فليس تركه من الزهد المشروع ٢٨ بل ترك الفضول التى تشغل عن طاعة الله ورسوله هو المشروع . وكذلك فى أثناء المائة الثانية صاروا يعبرون عن ذلك بلفظ ((الصوفى))؛ لأن لبس الصوف يكثر فى الزهاد ، ومن قال إن الصوفى نسبة إلى الصفة ، أو الصفا أو الصف الأول ، أو صوفة بن بشر بن أد بن طابخة ، أو صوفة القفا ؛ فهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى ؛ لكن من الناس من قد لمحوا الفرق فى بعض الأمور دون بعض ، بحيث يفرق بين المؤمن والكافر ولا يفرق بين البر والفاجر ، أو يفرق بين بعض الأبرار وبين بعض الفجار ، ولا يفرق بين آخرين اتباعا لظنه وما يهواه ، فيكون ناقص الإيمان بحسب ما سوى بين الأبرار والفجار ، ويكون معه من الإيمان بدين الله تعالى الفارق بحسب ما فرق به بين أوليائه وأعدائه . ومن أقر بالأمر والنهى الدينيين دون القضاء والقدر ، وكان من القدرية كالمعتزلة ونحوهم، الذين هم مجوس هذه الأمة ، فهؤلاء يشبهون المجوس ، وأولئك يشبهون المشركين الذين هم شر من المجوس ، ومن أقر بها وجعل الرب متناقضاً فهو من أتباع إبليس الذي اعترض على الرب سبحانه وخاصمه ، كما نقل ذلك عنه . فهذا التقسيم فى القول والاعتقاد . وكذلك م فى ((الأحوال، والأفعال)) فالصواب منها حالة المؤمن الذي يتقي الله فيفعل المأمور، ويترك المحظور ، ويصبر على ما يصيبه ٢٩ من المقدور ، فهو عند الأمر والدين والشريعة ، ويستعين بالله على ذلك، كما قال تعالى: (إِيَّكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) وإذا أُذنب استغفر وتاب لا يحتج بالقدر على ما يفعله من السيئات ، ولا يرى المخلوق حجة على رب الكائنات ؛ بل يؤمن بالقدر ولا يحتج به ، كما فى الحديث الصحيح الذي فيه سيد الاستغفار أن يقول العبد: ((اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني ، وأنا عبدك ، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت ، أعوذ بك من شر ما صنعت ، أبوء لك بنعمتك علي ، وأبوء بذنبى، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت )) فيقر بنعمة الله عليه فى الحسنات ، ويعلم أنه هو هداه ويسره لليسرى . ويقر بذنوبه من السيئات ويتوب منها . كما قال بعضهم : أطعتك بفضلك ، والمنة لك . وعصيتك بعلمك ، والحجة لك . فاسألك بوجوب حجتك علي ، وانقطاع حجتى إلا غفرت لي . وفى الحديث الصحيح الإلهي: (( يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها ، فمن وجد خيراً فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه » وهذا له بحقيق مبسوط في غير هذا الموضع . وآخرون قد يشهدون «الأمر)» فقط ، فتجدم يجتهدون في الطاعة حسب الاستطاعة ، لكن ليس عنده من مشاهدة القدر ما يوجب ٣٠ لهم حقيقة الاستعانة والتوكل والصبر. وآخرون يشهدون ((القدر)) فقط ، فيكون عندهم من الاستعانة والتوكل والصبر ما ليس عند أولئك لكنهم لا يلتزمون أمر الله ورسوله، واتباع شريعته ، وملازمة ما جاء به الكتاب والسنة من الدين . فهؤلاء يستعينون اللّه ولا يعبدونه ، والذين من قبلهم يريدون أن يعبدوه ولا يستعينوه ، والمؤمن يعبده ويستعينه. ( والقسم الرابع ) شر الأقسام وهو من لا يعبده ولا يستعينه، فلا هو مع الشريعة الأمرية ، ولا مع القدر الكوني . وانقسامهم إلى هذه الأقسام هو فيما يكون قبل المقدور من توكل واستعانة ، ونحو ذلك . وما يكون بعده من صبر ورضا ونحو ذلك ، فهم فى التقوى وهي طاعة الأمر الديني والصبر على ما يقدر عليه من القدر الكوني أربعة أقسام : ( أحدها ) أهل التقوى والصبر ، وهم الذين أنعم الله عليهم أهل السعادة فى الدنيا والآخرة . ( والثاني ) الذين لهم نوع من التقوى بلا صبر مثل الذين يمتثلون ما عليهم من الصلاة ونحوها ، ويتركون المحرمات ؛ لكن إذا أصيب أحدم ٣١ فى بدنه بمرض ونحوه أو ماله أو فى عرضه ، أو ابتلى بعدو يخيفه ، عظم جزعه ، وظهر هلعه . ( والثالث ) قوم لهم نوع من الصبر بلا تقوى : مثل الفجار الذين يصبرون على ما يصيبهم فى مثل أهوائهم كاللصوص ، والقطاع الذين يصبرون على الآلام فى مثل ما يطلبونه من الغصب ، وأخذ الحرام ، والكتاب وأهل الديوان الذين يصبرون على ذلك فى طلب ما يحصل لهم من الأموال بالخيانة وغيرها ، وكذلك طلاب الرياسة والعلو على غيرهم يصبرون من ذلك على أنواع من الأذى التى لا يصبر عليها كثير من الناس . وكذلك أهل المحبة للصور المحرمة من أهل العشق وغيرهم يصبرون فى مثل ما يهوونه من المحرمات على أنواع من الأذى والآلام، وهؤلاء هم الذين يريدون علواً فى الأرض أو فساداً من طلاب الرياسة ، والعلو على الخلق ، ومن طلاب الأموال بالبغي والعدوان والاستمتاع بالصور المحرمة نظراً أو مباشرة وغير ذلك، يصبرون على أنواع من المكروهات ولكن ليس لهم تقوى فيما تركوه من المأمور ، وفعلوه من المحظور ، وكذلك قد يصبر الرجل على ما يصيبه من المصائب : كالمرض والفقر وغير ذلك ، ولا يكون فيه تقوى إذا قدر . ٣٢ وأما ( القسم الرابع ) فهو شر الأقسام لا يتقون إذا قدروا ، ولا يصبرون إذا ابتلوا؛ بل م كما قال الله تعالى: (إِنَّالْإِنسَنَ خُلِقَ هَلُوعًا وَإِذَامَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ) فهؤلاء مجدم من إِذَا مَسَّهُ الشَّرُجُزُوعًا أظلم الناس وأجبرهم إذا قدروا ، ومن أذل الناس وأجزعهم إذا قهروا، إن قهرتهم ذلوا لك، ونافقوك ، وحبوك واسترحموك ، ودخلوا فيما يدفعون به عن أنفسهم من أنواع الكذب والذل، وتعظيم المسؤول، وإن قهروك كانوا من أظلم الناس ، وأقسام قلبا ، وأقلهم رحمة وإحسانا وعفواً . كما قد جربه المسلمون فى كل من كان عن حقائق الإيمان أبعد مثل التار الذين قاتلهم المسلمون ، ومن يشبههم فى كثير من أمورهم ، وإن كان متظاهراً بلباس جند المسلمين وعلمائهم وزهادهم وتجارهم وصناعهم فالاعتبار بالحقائق. فإن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم . فمن كان قلبه وعمله من جنس قلوب التتار وأعمالهم ، كان شبيها لهم من هذا الوجه ، وكان مامعه من الإسلام أو ما يظهره منه بمنزلة ما معهم من الإسلام وما يظهرونه منه ، بل يوجد في غير التتار المقاتلين من المظهرين للإسلام من هو أعظم ردة وأولى بالأخلاق الجاهلية وأبعد عن الأخلاق الإسلامية من التتار . وفى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول فى خطبه: ((خير الكلام كلام الله ، وخير ٣٣ الهدى هدى محمد ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة )) . وإذا كان خير الكلام كلام الله ، وخير الهدى هدي محمد ،فكل من كان إلى ذلك أقرب ، وهو به أشبه ، كان إلى الكمال أقرب ، وهو به أحق ، ومن كان عن ذلك أبعد وشبهه أضعف ، كان عن الكمال أبعد وبالباطل أحق . والكامل هو من كان لله أطوع، وعلى ما يصيبه أصبر ، فكلما كان أتبع لما يأمر الله به ورسوله وأعظم موافقة لله فيما يحبه ويرضاه وصبر على ماقدره وقضاه كان أكمل وأفضل . وكل من نقص عن هذين كان فيه من النقص بحسب ذلك . وقد ذكر الله تعالى الصبر والتقوى جميعاً فى غير موضع من كتابه، وبين أنه ينصر العبد على عدوه من الكفار المحاربين والمعاهدين والمنافقين وعلى من ظلمه من المسلمين ولصاحبه تكون العاقبة ، قال الله تعالى : (بَّإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأَتُوكُمْ مِن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِذَّكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِءَالَفٍ مِّنَ الْمَلَئِكَةِ (لَتُبْلُونَ فِىّ وقال الله تعالى : مُسَوِّمِينَ ) أَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذَى كَثِيرًاً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ) وقال تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْ لُونَكُمْ خَبَالًا وَدُوْ مَا عَنْتُمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَهِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرٍ قَدْ بَيَّنَا لَكُمُ ٣٤ اُلْأَيَتِّ إِن كُنتُمْتَعْقِلُونَ * هَأَنْتُمْ أُوْلَاءٍ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِنَبِ كُلِهِ، وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوَأْءَامَنَا وَ إِذَا خَلَوْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيَظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّاللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّ كُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًاْ إِنَّاللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) وقال إخوة يوسف له : ( أَمِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُّ قَالَ أَنَأْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِى قَدْ مَ اَللَّهُ عَلَيْنَاْ إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَلَيُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ). وقد قرن الصبر بالأعمال الصالحة عموماً وخصوصاً فقال تعالى : (وَأَتَّعَ مَايُوحَىّ إِلَيْكَ وَأَصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمْ اللّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ) وفى اتباع ما أوحي إليه التقوى كلها : تصديقاً لخبر الله، وطاعة لأمره، وقال تعالى: (وَأَقِ الصَّلَوةَ طَرَفَى النَّهَارِ وَزُلَفًّا مِّنَ الَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلَّكِرِينَ * وَأَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) وقال تعالى: ( فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ وَأُسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدٍ رَيِّكَ بِالْعَشِيِّ وَاُلْإِبْكَرِ ) وقال تعالى : (فَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوِهَا وَمِنْءَانَآٍ اَلَّيْلِ ) وقال تعالى: (وَأَسْتَعِينُواْبِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةٍ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ إِلََّ عَلَى الْخَشِعِينَ) وقال تعالى : (أُسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةَ إِنَّاللَّهَ مَعَ الصَّبِرِينَ) فهذه مواضع قرن فيها الصلاة والصبر . ٣٥ وقرن بين الرحمة والصبر فى مثل قوله تعالى: ( وَتَوَاصَوْ بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْبِالْمَرْحَمَةِ) وفى الرحمة الإحسان إلى الخلق بالزكاة وغيرها ، فإن القسمة أيضاً رباعية . إذ من الناس من يصبر ولا يرحم : كأهل القوة والقسوة ، ومنهم من يرحم ولا يصبر : كأهل الضعف واللين ، مثل كثير من النساء ومن يشبههن ، ومنهم من لا يصبر ولا يرحم كأهل القسوة والهلع ، والمحمود هو الذي يصبر ويرحم، كما قال الفقهاء فى صفة المتولى : ينبغي أن يكون قوياً من غير عنف ، ليناً من غير ضعف ، فبصبره يقوى ، وبلينه يرحم ، وبالصبر ينصر العبد ، فإن النصر مع الصبر، وبالرحمة يرحمه الله تعالى. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنما يرحم الله من عباده الرحماء)) وقال: ((من لم يرحم لا يرحم)) وقال: ((لا تنزع الرحمة إلا من شقي، الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من فى الأرض يرحمكم من فى السماء )) والله أعلم انتهى . ٣٦ مثل شيخ الإسلام وقدوة الأنام ومفتى الفرق وناصر السنة : تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية - رضي الله عنه - عن ((أهل الصفة)) كم كانوا ؟ وهل كانوا بمكة أو بالمدينة ؟ وأين موضعهم الذي كانوا يقيمون فيه ؟ وهل كانوا مقيمين بأجمعهم لا يخرجون إلا خروج حاجة ؟ أو كان منهم من يقعد بالصفة ؟ ومنهم من يتسبب فى القوت ؟ وما كان تسببهم . هل يعملون بأبدانهم، أم يشحذون بالزنبيل؟ وفى من يعتقد أن (( أهل الصفة)) قاتلوا المؤمنين مع المشركين؟ وفيمن يعتقد أن ((أهل الصفة)) أفضل من أبى بكر وعمر وعثمان وعلي رضي اللّه عنهم ؟ ومن الستة الباقين من العشرة ؟ ومن جميع الصحابة ؟ وهل كان فيهم أحد من العشرة ؟ وهل كان فى ذلك الزمان أحد بنذر لأهل الصفة ؟ وهل تواجدوا على دف أو شبابة ؟ أو كان لهم حاد ينشد الأشعار ويتحركون عليها بالتصدية ويتواجدون ؟ وعن هذه الآية وهي قوله تعالى: (وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِّ ) هل هي مخصوصة بأهل الصفة؟ أم هي ٣٧ عامة ؟ وهل الحديث الذي يرويه كثير من العامة ويقولون : إن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من جماعة يجتمعون إلا وفيهم ولي اللّه: لا الناس يعرفونه ولا الولي يعرف أنه ولي)) [صحيح]؟ وهل يخفى حالة الأولياء أو طريقتهم على أهل العلم أو غيرهم ؟ ولماذا سمي الولي ولياً ؛ وما المراد بالولي ؟ وما الفقراء الذين يسبقون الأغنياء إلى الجنة ؟ وما الفقراء الذين أوصى بهم فى كلامه . وذكرم سيد خلقه ، وخاتم أنبيائه ورسله محمد صلى الله عليه وسلم فى سنته . هل هم الذين لا يملكون كفايتهم أهل الفاقة والحاجة أم لا ؟؟ فأجاب : شيخ الإسلام : تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية - رضي الله عنه - بقلمه ما صورته : الحمد لله رب العالمين. أما (( الصفة)) التى ينسب إليها أهل الصفة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فكانت فى مؤخر مسجد النبي صلى الله عليه وسلم في شمالي المسجد بالمدينة النبوية ، كان يأوى إليها من فقراء المسلمين من ليس له أهل ولا مكان يأوي إليه ؛ وذلك أن الله سبحانه وتعالى أمر نبيه ٣٨ صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أن يهاجروا إلى المدينة النبوية، حين آمن من آمن من أكابر أهل المدينة من الأوس والخزرج ، وبايعهم بيعة العقبة عندمنى، وصار للمؤمنين دار عز ومنعة، جعل المؤمنون من أهل مكة وغيرهم يهاجرون إلى المدينة ، وكان المؤمنون السابقون بها صنفين : المهاجرين الذين هاجروا إليها من بلادهم ، والأنصار الذين ثم أهل المدينة وكان من لم يهاجر من الأعراب وغيرهم من المسلمين لهم حكم آخر. وآخرون كانوا ممنوعين من الهجرة لمنح أكابرهم لهم بالقيد والحبس ، وآخرون كانوا مقيمين بين ظهرانى الكفار المستظهرين عليهم. فكل هذه ((الأصناف)) مذكورة في القرآن، وحكمهم باق إلى يوم القيامة في أشباههم ونظرائهم . قال الله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُ واْ بِأَ مْوَ لِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَواْ وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْمَا لَكُ مِّن وَلَيَتِهِمْ مِن شَىْءٍ حَتَّى يُّهَاجِرُواْ وَ إِنِ أُسْتَصَرُوَكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثٌَ وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِّ إِلَا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى الْأَرْضِ وَفَسَادُ كَبِيرٌ وَالَّذِينَءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُ واْفِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَءَاوَواْ وَنَصَرُوَأْ أَوْلَئِكَ هُمُ * اٌلْمُؤْمِنُونَ حَقَّالَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌّ كَرِيمٌ ) فهذا فى السابقين . ثم ذكر من اتبعهم إلى يوم القيامة فقال: (وَالَّذِينَءَامَنُواْ مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُواْ ٣٩ وَجَهَدُ واْ مَعَكُمْفَأُوْلَئِكَ مِنْكُمْ وَأُوْلُوا ◌ْأَرْ حَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضِ فِ كِتَبِ اللَّهِإِنَّاللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ) وقال الله تعالى: (وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ أَتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَنِ رَضِى اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْعَنْهُ ) الآية . وذكر فى السورة الأعراب المؤمنين ، وذكر المنافقين من أهل المدينة ومن حولها ، وقال سبحانه وتعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَلَئِكَةُ ظَالِمِىّ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْفِيمَ كُمْ قَالُواْكُنَا مُسْتَضْعَفِينَ فِ الْأَرْضَِّ قَالُواْ أَلَّ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَنُهُمْ جَهَنَّمٌ وَسَآءَتْ مَصِيرًا * وَالْوِلْدَنِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةٌ وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُوْلَكَ عَسَى اَللَّهُ أَنْ يَعْفُوَعَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا ). فلما كان المؤمنون يهاجرون إلى المدينة النبوية كان فيهم من ينزل على الأنصار بأهله، أو بغير أهله ؛ لأن المبايعة كانت على أن يؤووم ، ويواسوم ، وكان فى بعض الأوقات إذا قدم المهاجر اقترع الأنصار على من ينزل [عنده] منهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد حالف بين المهاجرين والأنصار ، وآخى بينهم ، ثم صار المهاجرون يكثرون بعد ذلك شيئاً بعد شيء ؛ فإن الإسلام صار ينتشر والناس يدخلون فيه. والنبى صلى الله عليه وسلم يغزو الكفار تارة بنفسه، وتارة بسراياه ٤٠