Indexed OCR Text
Pages 581-600
فيه بنو آدم ، ويعرفونه بعقولهم . وأما طريق من تقدم من الأنبياء فلا بد من إخبار اللّه تعالى عنها ( تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيَهَا إِلَيْكَ مَاكُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ كما قال : مِن قَبْلِ هَذَا ) لكن يجاب عن هذا بأنه لو أريد هذا المعنى لقال يريد الله ليبين لكم سنن الذين من قبلكم، ولم يحتج أن يذكر الهدى إذا كان المعنى واحداً ، فلما ذكر أنه يريد التيين والهدى على أن هذا غير هذا، فا ((لتبيين)) التعريف والتعليم ، و ((الهدى)) هو الأمر والنهي، وهو الدعاء إلى الخير . كما قال تعالى: ( وَلِكُلِّقَوْمِهَادٍ) أي داع يدعوهم إلى الخير . كما قال تعالی : أي تدعوهم إليه ( وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) دعاء تعليم . وهداه هنا [يتعدى] بنفسه؛ لأن التقدير: ويلزمكم سنن الذين من قبلكم فلا تعدلوا عنها ، وليس المراد هنا بالهدى الإلهام . كما فى قوله : ( أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ ) لكونه لو أراد ذلك لوقع ، ولم يكن فينا ضال؛ بل هذه إرادة شرعية أمرية بمعنى المحبة والرضا ، ولهذا قال الزجاج : يريد أن يدلكم على ما يكون سبباً لتوبتكم ، فعلق الإرادة بفعل نفسه . فإن الزجاج ظن الإرادة فى القرآن ليست إلا كذلك ، وليس كما ظن ؛ بل الإرادة المتعلقة بفعله يكون مرادها كذلك ، فإنه ٥٨١ ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن . وأما الإرادة الموجودة في أمره وشرعه فهو كقوله: (مَايُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ حَرَجِ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ) الآية. وقوله: ( إِنَّمَايُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرَّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ) ونحو ذلك . فهذه إرادته لما أمر به ، بمعنى أنه يحبه ويرضاه ، ويثيب فاعله؛ لا بمعنى أنه أراد أن يخلقه فيكون كما قال: (فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَ مُلْإِسْلَمِّ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا خَرَجًا ) الآية . وكما قال نوح: (وَلَفَعُّكُمْ نُصْحِىَ إِنْ أَرَدَتُّ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَرَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) ٠ فهذه إرادة لما يخلقه ويكونه . كما يقول المسلمون: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، وهذه الإرادة متعلقة بكل حادث، والإرادة الشرعية الأمرية لا تتعلق إلا بالطاعات كما يقول الناس لمن يفعل القبيح : يفعل شيئاً ما يريده اللّه، مع قولهم ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. فإن هذه الإرادة ((نوعان)). كما قد بسط فى موضع آخر. وقد يراد بالهدى الإلهام ، ويكون الخطاب للمؤمنين المطيعين الذين ٥٨٢ هداه الله إلى طاعته ، فإن الله تعالى أراد أن يتوب عليهم ويهديهم ، لهم ذلك لم يهتدوا ، كما قالوا : فاهتدوا ، ولو لا إرادته ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَ نْنَا لِهَذَا وَمَاكُنَّا لِيَهْتَدِىَ لَوْلَا أَنْ هَدَ نَا لَهُلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ). لكن الخطاب فى الآية لجميع المسلمين، كالخطاب بآية الوضوء . والخطاب لأهل البيت بقوله: (إِنَّمَايُرِيدُ اللَّهُلِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرَّحْسَ) ولهذا يهدد من لم يطعه. وكما فى الصيام: ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَيُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ). فهذه إرادة شرعية أمرية بمعنى المحبة والرضا؛ لا إرادة الخلق المستلزمة للمراد ؛ لأنه لو كان كذلك لم تكن الآية خطاباً إلا لمن أخذ باليسر ، ولمن فعل ما أمر به ، وكان من تخلف عن ذلك لا يدخل تحت الأمر والتهي الذي فى الآية، وليس كذلك. بل الحكم الشرعي لازم لجميع المسلمين ؛ فمن أطاع أثيب ومن عصى عوقب ، والذين أطاعوه إنما أطاعوه بهداء لهم : هدى الإلهام ، والإعانة بأن جعلهم مهتدين . كما أنه هو الذي جعل المعلي مصلياً ، والمسلم مسلماً. ولو كانت الإرادة هنا من الإنسان مستلزمة لوقوع المراد لم يقل: (وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تِيلُواْ مَيْلًا عَظِيمًا ) فإنه حينئذ لا تأثير لإرادة هؤلاء ، بل وجودها وعدمها سواء . كما (وَلَا يَنَفَعُّكُمْ نُصْحِىّ إِنْ أَرَدَثُّ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ فی قول نوح ٥٨٣ يُغْوِيَكُمْ) فإن ما شاء الله كان وإن لم يشأ الناس، وما لم يشأ لم يكن وإن شاءه الناس . والمقصود بالآية تحذيرم من متابعة الذين يتبعون الشهوات . والمعنى : إني أريد لكم الخير الذي ينفعكم، وهؤلاء يريدون لكم الشر الذي يضركم ، كالشيطان الذي يريد أن يغويكم ، وأتباعه ثم أهل الشهوات فلا تتخذوه وذريته أولياء من دوني ، بل اسلكوا طرق الهدى والرشاد، وإياكم وطرق الفي والفساد . كما قال تعالى: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ) الآيات . وقوله : ( يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَتِ ) في الموضعين . فاتباع الشهوة من جنس اتباع الهوى ، كما قال تعالى: ( أَنََّا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَ هُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَنِ التَّعَ هَوَهُ بِغَيْرِ هُدَّى مِنَ اللَّهِ) وقال: (وَلَو ◌َتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَ هُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَ) وقال تعالى: (وَلَا تَتَّبِعُوْأ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ ) وقال تعالى: ( أَفَنْ كَانَ عَلَىَبِنَةٍ مِنرَّبِهِ، كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ, سُوْءُ عَمَلِهِ وَّعُوْأَهْوَ هُ) وقال تعالى: (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَءَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) وهذا فى القرآن كثير . و ((الهوى)» مصدر هوى يهوى هوى ، ونفس المهوي يسمى هوى ما يهوى، فاتباعه كاتباع السبيل. كما قال تعالى: (وَلَا تَتَّبِعُوْاْ ٥٨٤ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ ) وكما فى لفظ الشهوة ، فاتباع الهوى يراد به نفس مسمى المصدر ، أي اتباع إرادته ومحبته التى هي هواء واتباع الإرادة هو فعل ما تهواه النفس. كقوله تعالى: (وَأَنَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَبَ إِلَىَّ) وقوله: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَنَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ) وقال: (وَلَا تَنَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ ) (١) فلفظ الاتباع يكون للآمر الناهي، والأمر والنهي ، وللمأمور به والمنهي عنه ، وهو الصراط المستقيم . كذلك يكون للهوى أمر ونهي ؛ وهو أمر النفس ونهيها. كما قال تعالى : (وَمَا أَبَرُِّّ نَفْسِىَ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوْءِ إِلََّ مَارَحِمَ رَبِ إِنَّ رَبِ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) ولكن ما يأمر به من الأفعال المذمومة فأحدها مستلزم للآخر فاتباع الأمر هو فعل المأمور ، واتباع أمر النفس هو فعل ما تهواه فعلى هذا يعلم أن اتباع الشهوات واتباع الأهواء هو اتباع شهوة النفس وهواها ، وذلك بفعل ما تشتهيه وتهواه . بل قد يقال : هذا هو الذي يتعين فى لفظ اتباع الشهوات والأهواء ؛ لأن الذي يشتهى ويهوى إنما يصير موجوداً بعد أن يشتهى ويهوى ، وإنما يذم الإنسان إذا فعل ما يشتهى ويهوى عند وجوده ، (١) نسخة: فالأول يكون للإنسان، والثانى للقول، والثالث للفعل. ٥٨٥ فهو حينئذ قد فعل ؛ ولا ينهى عنه بعد وجوده ، ولا يقال لصاحبه : لا تتبع هواك. وأيضاً فالفعل المراد المشتهي الذي يهواه الإنسان هو تابع لشهوته وهواه ؛ فليست الشهوة والهوى تابعة له ؛ فاتباع الشهوات هو اتباع شهوة النفس ، وإذا جعلت الشهوة بمعنى المشتهى كان مع مخالفة الأصل يحتاج إلى أن يجعل فى الخارج ما يشتهى ، والإنسان يتبعه كالمرأة المطلوبة ، أو الطعام المطلوب ، وإن سميت المرأة شهوة والطعام أيضاً كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (( كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به ، يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلى )) أي يترك شهوته ؛ وهو إنما يترك ما يشتهيه كما يترك الطعام ؛ لا أنه يدع طعامه بترك الشهوة الموجودة في نفسه ؛ فإن تلك مخلوقة فيه مجبول عليها ؛ وإنما يثاب إذا ترك ما تطلبه تلك الشهوة . و (( حقيقة الأمر)» أنها متلازمان: فمن اتبع نفس شهوته القائمة بنفسه اتبع ما يشتهيه ؛ وكذلك من اتبع الهوى القائم بنفسه اتبع ما يهواه ، فإن ذلك من آثار الإرادة ، واتباع الإرادة هو امتثال أمرها ، وفعل ما تطلبه ، كالمأمور الذي يتبع أحر أميره ؛ ولابد أن يتصور مراده الذي يهواه ويشتهيه فى نفسه ويتخيله قبل فعله . فيبقى ذلك المثال كالإمام مع المأموم يتبعه حيث كان ؛ وفعله فى الظاهر ٥٨٦ تبع لاتباع الباطن ، فتبقي صورة المراد المطلوب المشتهى التى فى النفس هي المحركة للإنسان الآمرة له . ولهذا يقال : العلة الغائية علة فاعلية ، فإن الإنسان للعلة الغائية - بهذا التصور والإرادة - صار فاعلا للفعل، وهذه الصورة المرادة المنصورة في النفس هي التى جعلت الفاعل فاعلاً ، فيكون الإنسان متبعاً لها ، والشيطان يمده فى الغي ، فهو يقوي تلك الصورة ويقوي أثرها ويزين للناس اتباعها ، وتلك الصورة تتناول صورة العين المطلوبة - كالمحبوب من الصور والطعام والشراب - ويتناول نفس الفعل الذي هو المباشرة لذلك المطلوب المحبوب ، والشيطان والنفس تحب ذلك ، وكلما تصور ذلك المحبوب فى نفسه أراد وجوده فى الخارج ، فإن أول الفكر آخر العمل ، وأول البغية آخر الدرك . ولهذا يبقى الإنسان عند شهوته وهواء أسيراً لذلك ، مقهوراً تحت سلطان الهوى ، أعظم من قهر كل قاهر ، فإن هذا القاهر الهوائي القاهر للعبد هو صفة قائمة بنفسه ، لا يمكنه مفارقته ألبتة والصورة الذهنية تطلبها النفس ، فإن المحبوب تطلب النفس أن تدركه ، وتمثله لها فى نفسها فهو متبع للإرادة . وإن كانت الذهنية والتزين من الزين والمراد التصور فى نفسه. والمشتهى الموجود في الخارج له ((محركان)) التصور والمشتهى هذا يحركه تحريك طلب وأمر، وهذا يأمره أن يتبع ٥٨٧ طلبه وأمره، فاتباع الشهوات والأهواء يتناول هذا كله؛ بخلاف كل قاهر ينفصل عن الإنسان فإنه يمكنه مفارقته مع بقاء نفسه على حالها، وهذا إنما يفارقه بتغير صفة نفسه . ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((ثلاث مهلكات: شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه . وثلاث منجيات : خشية الله في السر والعلانية ، والقصد في الفقر والغنى، وكلمة الحق فى الغضب والرضا )) . وقوله فى الحديث: ((هوى متبع)). فيه دليل على أن المتبع هو ما قام فى النفس. كقوله : في الشح المطاع ، وجعل الشح مطاعا ، لأنه هو الآمر ، وجعل الهوى متبعاً ؛ لأن المتبح قد يكون إماما يقتدى به ولا يكون آمراً. وفى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إياكم والشح. فإن الشح أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالبخل فبخلوا ، وأمرثم بالظلم فظلموا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا)). فبين أن الشح يأمر بالبخل والظلم والقطيعة. ((فالبخل)) منع منفعة الناس بنفسه وماله، و ((الظلم)) هو الاعتداء عليهم. فالأول هو التفريط فيما يجب فيكون قد فرط فيما يجب ، واعتدى عليهم بفعل ما يحرم وخص قطيعة الرحم بالذكر إعظاما لها ؛ لأنها تدخل ٥٨٨ فى الأمرين المتقدمين قبلها . هو وقال المفسرون في قوله تعالى : (وَمَن يُوقَ شُحَ نَفْسِهِ ) ألا يأخذ شيئاً مما نهاه اللّه عنه، ولا يمنع شيئاً أمره الله بأدائه ((فالشح)) يأمر بخلاف أمر الله ورسوله، فإن اللّه ينهى عن الظلم ويأمر بالإحسان والشح يأمر بالظلم وينهي عن الإحسان . وقد كان عبد الرحمن بن عوف يكثر فى طوافه بالبيت وبالوقوف بعرفة أن يقول : اللهم قي شح نفسى ، فسئل عن ذلك فقال : إذا وقيت شح نفسي وقيت الظلم والبخل والقطيعة . وفي رواية عنه قال : إنى أخاف أن أكون قد هلكت قال: وماذاك؟ قال : أسمع الله يقول: ( وَمَنْ يُوقَ شُعَّنَفْسِهِ ) وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج من يدي شيء ، فقال ليس ذاك بالشح الذي ذكره الله فى القرآن إنما الشح أن نأكل مال أخيك ظلماً وإنما يكون بالبخل وبئس الشيء البخل . وقد ذكر تعالى ((الشح)) فى سياق ذكر الحسد والإيثار فى قوله : (وَلَيَجِدُونَ فِ صُدُورِهِمْحَاجَةً مِّعَّا أُوتُواْ وَبُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْكَانَ بِهِمْ (وَمَنْ يُوقَ شُحَ نَفْسِهِ، فَأَوْلَئِكَ هُمُ - ثم قال - خَصَاصَةٌ ) الْمُفْلِحُونَ ) ثمن وقى شح نفسه لم يكن حسوداً باغياً على المحسود ، و((الحسد)» أصله بغض المحسود . ٥٨٩ و ((الشح)) يكون في الرجل مع الحرص وقوة الرغبة فى المال وبغض للغير وظلم له ، كما قال تعالى: (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُ وَالْفَآيِلِينَ لِإِخْوَبِهِمْ هَلُمَّإِلَيْنَّا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِلًا * أَشِخَةً عَلَيْكُمْ ) ( أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُوْلَئِكَ لَّ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ اَللَّهُ الآيات - إلى قوله - أَعْمَلَهُمْ) فشحهم على المؤمنين وعلى الخير يتضمن كراهيته وبغضه ، وبغض الخير بأمر بالشر وبغض الإنسان بأمر بظلمه وقطيعته كالحسد ؛ فإن الحاسد يأمر حاسده بظلم المحسود وقطيعته ، كابني آدم وإخوة يوسف . ((فالحسد والشح)) يتضمنان بغضاً وكراهية فيأمران بمنع الواجب وبظلم ذلك الشخص ، فإن الفعل صدر فيه عن بغض ، بخلاف الهوى فإن الفعل صدر فيه عن حب أحب شيئاً فأتبعه ففعله، وذلك مقصوده أمر عدمي والعدم لا ينفع . ولكن ذاك القصد أمر بأمر وجودي ، فأطيع أمره . وابن مسعود جعل البخل خارجا عن الشح والنبى صلى الله عليه وسلم جعل الشح يأمر بالبخل . ومن الناس من يقول: ((الشح، والبخل)) سواء . كما قال ابن جرير : الشح فى كلام العرب هو البخل ومنع الفضل من المال . وليس ٥٩٠ كما قال ، بل ما قاله النبى صلى الله عليه وسلم وابن مسعود أحق أن يتبع؛ فإن ((البخيل)) قد يبخل بالمال محبة لما يحصل له به من اللذة والتنعم وقد لا يكون متلذذاً به ولا مننعما بل نفسه تضيق عن إنفاقه وتكره ذلك حتی بکون یکره آن ينفع نفسه منه مع کثرة ماله ، وهذا قد يكون مع التذاذه بجمع المال ومحبته لرؤيته، وقد لا يكون هناك لذة أصلا؛ بل يكره أن يفعل إحسانا إلى أحد حتى لو أراد غيره أن يعطي كره ذلك منه بغضاً للخير لا للمعطي ولا للمعطي ، بل بغضاً منه للخير وقد يكون بغضاً وحسداً للمعطى أو للمعطى وهذا هو ((الشح)) وهذا هو الذي يأمر بالبخل قطعاً ، ولكن كل بخل يكون عن شح. فكل شحيح بخيل وليس كل بخيل شحيحاً . قال الخطابي ((الشح)) أبلغ فى المنع من البخل والبخل إنما هو من أفراد الأمور وخواص الأشياء والشح عام فهو كالوصف اللازم للإنسان من قبل الطبع والجبلة . وحكى الخطابي عن بعضهم أنه قال: ((البخل)) أن يضن الإنسان بماله و ((الشح)) أن يضن بماله ومعروفه وقيل ((الشح)) أن يشح بمعروف غيره على غيره و ((البخل)) أن يبخل بمعروفه على غيره والذين يتبعون الشهوات ويتبعون أهواءهم يحبون ذلك ويربدونه فاتبعوا ٥٩١ محبتهم وإرادتهم من غير على ، فلم ينظروا هل ذلك نافع لهم فى العاقبة أو ضار . ولهذا قال: (فَأَعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ) ثم قال: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ أَتَّعَهَوَهُ بِغَيْرِ هُدَّى مِنَ اللَّهِ) و ((اتباع الهوى)) درجات: فمنهم المشركون والذين يعبدون من دون الله مايستحسنون بلا علم، ولا برهان، كما قال: ( أَرَبَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَئُهُ): أي يتخذ إلهه الذي يعبده وهو ما يهواء من آلهة ، ولم يقل إن هواء نفس إلهه فليس كل من يهوى شيئاً يعبده ، فإن الهوى أقسام بل المراد أنه جعل المعبود الذي يعبده هو ما يهواه فكانت عبادته تابعة لهوى نفسه فى العبادة فإنه لم يعبد ما يحب أن يعبد، ولا عبد العبادة التى أمر بها . وهذه حال (( أهل البدع)) فإنهم عبدوا غير الله، وابتدعوا عبادات زعموا أنهم يعبدون الله بها ، فهم إنما اتبعوا أهواءهم ، فإن أحدثم يتبع محبة نفسه وذوقها ووجدها وهواها من غير علم ، ولا هدى ولا كتاب منير . فلو اتبع العلم والكتاب المنير لم يعبد إلا الله ما شاء ، لا بالحوادث والبدع. ٥٩٢ و (المقصود ) أن الآلهة كثيرة ، والعبادات لها متنوعة، وبالجملة فكل ما يريده الإنسان ويحبه لا بد أن يتصوره فى نفسه ، فتلك الصورة العلمية محركة له إلى محبوبه ولوازم الحب ، فمن عبده عبد غير الله وتمثلت له الشياطين فى صورة من يعبده، وهذا كثير مازال ولم يزل، ولهذا كان كل من عبد شيئاً غير الله فإنما يعبد الشيطان، ولهذا يقارن الشيطان الشمس عند طلوعها وغروبها واستوائها ليكون سجود من يعبدها له . وقد كانت ((الشياطين)) تتمثل في صورة من يعبد، كما كانت تكلمهم من الأصنام التى يعبدونها ، وكذلك فى وقتنا خلق كثير من المنتسبين إلى الإسلام ، والنصارى والمشركين ممن أشرك ببعض من يعظمه من الأحياء والأموات من المشايخ وغيرهم ، فيدعوه ويستغيث به فى حياته وبعد مماته ، فيراه قد أنّه وكلمه وقضى حاجته ، وإنما هو شيطان تمثل على صورته ليغوي هذا المشرك . والمبتلون ((بالعشق)» لايزال الشيطان يمثل لأحدم صورة المعشوق أو يتصور بصورته فلا يزال يرى صورته مع مغيبه عنه بعد موته ، فإنما جلاه الشيطان على قلبه ، ولهذا إذا ذكر العبد الله الذكر الذي يخنس منه الوسواس الخناس خنس هذا المثال الشيطاني ، وصورة المحبوب تستولي على المحب أحيانا حتى لا يرى غيرها ، ولا يسمع غير كلامها ، فتبقى ٥٩٣ نفسه مشتغلة بها . والذين يسلكون في محبة الله مسلكا ناقصاً يحصل لأحدم نوع من ذلك يسمى ((الاصطلام)) و ((الفناء)) يغيب بمحبوبه عن محبته، وبمعروفه عن معرفته ، وبمذ كوره عن ذكره، حتى لا يشعر بشيء من أسماء الله وصفاته وكلامه وأمره ونهيه . و (منهم)) من قد ينتقل من هذا إلى ((الاتحاد)). فيقول: أنا هو، وهو أنا، وأنا اللّه، ويظن كثير من السالكين أن هذا هو غابة السالكين، وأن هذا هو (( التوحيد)) الذي هو نهاية كل سالك. وم غالطون فى هذا ؛ بل هذا من جنس قول النصارى ، ولكن ضلوا لأنهم لم يسلكوا الطريق الشرعية فى الباطن فى خبر اللّه وأمره. وقد بسط الكلام على هذا فى غير هذا الموضع . و ( المقصود ) : أن المتبعين لشهواتهم من الصور والطعام والشراب واللباس يستولي على قلب أحدم ما يشتهيه حتى يقهره ويملكه ، ويبقى أسيراً ما يهواه يصرفه كيف تصرف ذلك المطلوب، ولهذا قال بعض السلف : ما أنا على الشاب الناسك بأخوف مني عليه من سبع ضار يثب عليه من صى حدث يجلس إليه . ٥٩٤ وذلك أن النفس الصافية التى فيها رقة (( الرياضة )) ولم تنجذب إلى محبة الله وعبادته انجذابا تاماً، ولاقام بها من خشية الله التامة ما يصرفها عن هواها متى صارت تحت صورة من الصور استولت تلك الصورة عليها ، كما يستولي السبح على ما يفترسه ؛ فالسبح بأخذ فريسته بالقهر ، ولا تقدر الفريسة على الامتناع منه، كذلك ما يمثله الإنسان في قلبه من الصور المحبوبة تبتلع قلبه وتقهره، فلا يقدر قلبه على الامتناع منه ، فيبقى قلبه مستغرقا فى تلك الصورة أعظم من استغراق الفريسة فى جوف الأسد ؛ لأن المحبوب المراد هو غاية النفس ، له عليها سلطان قاهر . و ((القلب)) يغرق فيما يستولي عليه: إما من محبوب وإما من مخوف ، كما يوجد من محبة المال والجاه والصور ، والخائف من غيره يبقى قلبه وعقله مستغرقا فيه كما يغرق الغريق فى الماء ، فلابد أن يستولي عليها ما يحيط بها من الأجسام ، والقلوب يستولي عليها ما يتمثل لها من المخاوف، والمحبوبات والمكروهات ، فالمحبوب يطلبه والمكروه يدفعه، والرجاء يتعلق بالمحبوب والخوف يتعلق بالمكروه ، ولا يأتى بالحسنات إلا الله ، ولا يذهب السيئات إلا اللّه (وَإِن يَمْسَسُكَ اللَّهُ بِضُرِ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّهُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآَ لِفَضْلِهٍ يُصِيبُ بِهِ، مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ). (وَمَابِكُمْ مِّن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَكُمُ الضُّرُ فَإِلَيْهِ تَحْثَرُونَ ) . ٥٩٥ وإذا دعا العبد ربه بإعطاء المطلوب ودفع المرهوب جعل له من الإيمان بالله ومحبته ومعرفته وتوحيده ورجائه وحياة قلبه واستنارته بنور الإيمان ماقد يكون أنفع له من ذلك المطلوب إن كان عرضاً من الدنيا ، وأما إذا طلب منه أن يعينه على ذكره وشكره وحسن عبادته وما يتبع ذلك فهنا المطلوب قد يكون أنفع من الطلب، وهو الدعاء والمطلوب الذكر والشكر ، وقيام العبادة على أحسن الوجوه وغير ذلك. وهذا لبسطه موضع آخر. و ( المقصود ) : أن القلب قد يغمره فيستولي عليه ما يريده العبد ، ويحبه وما يخافه ويحذره كائناً من كان ؛ ولهذا قال تعالى: (بَلّ قُلُوبُهُمْ فِ غَمْرَفٍ مِّنْ هَذَا وَلَمْ أَعْمَلٌ مِّن دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَمِلُونَ) فهي فيما يغمرها عما أنذرت به ، فيغمرها ذلك عن ذكر الله والدار الآخرة وما فيها من النعيم، والعذاب الأليم. قال الله تعالى: (فَذَرُهُمْ : أي فيما يغمر قلوبهم من حب المال والبنين فِغَمْرَتِهِمْ حَتََّحِينٍ ) المانع لهم من المسارعة فى الخيرات والأعمال الصالحة . وقال تعالى : (قُئِلَ اْخَرَّصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِ غَمْرَفِسَاهُونَ) الآيات : أي ساهون عن أمر الآخرة ، فهم فى غمرة عنها ، أي فيما يغمر قلوبهم من حب الدنيا ومتاعها ، ساهون عن أمر الآخرة ، وما خلقوا له . وهذا يشبه قوله: (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَأَتَّبَعَ هَوَنُهُ وَكَانَ ٥٩٦ فالغمرة تكون من اتباع الهوى ، والسهو أَمْرُهُ فُرُطًا ) من جنس الغفلة؛ ولهذا قال من قال: ((السهو)) الغفلة عن الشيء ، وذهاب القلب عنه، وهذا جماع الشر («الغفلة)) و((الشهوة)) ((فالغفلة)) عن الله والدار الآخرة تسد باب الخير الذي هو الذكر واليقظة . و ((الشهوة)) تفتح باب الشر والسهو والخوف، فيبقى القلب مغموراً فيما يهواه ويخشاه، غافلا عن الله، رائداً غير الله، ساهياً عن ذكره ، قد اشتغل بغير الله، قد انفرط أمره ، قد ران حب الدنيا على قلبه، كما روي فى صحيح البخاري وغيره عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس ، وإذا شيك فلا انتقش ، إن أعطى رضي ، وإن منع سخط )) جعله عبد ما يرضيه وجوده ويسخطه فقده ، حتى يكون عبد الدرم وعبد ما وصف فى هذا الحديث، و((القطيفة)) هي التى يجلس عليها فهو خادمها كما قال بعض السلف : البس من الثياب ما يخدمك ، ولا تلبس منها ما تكن أنت تخدمه ، وهي كالبساط الذي تجلس عليه ، و ((الخميصة)) هي التى يرتدي بها، وهذا من أقل المال. وإنما ٥٩٧ نبه به النبي صلى الله عليه وسلم على ما هو أعلى منه، فهو عبد لذلك: فيه أرباب متفرقون ، وشركاء متشاكسون . ولهذا قال: (( إن أعطى رضي، وإن منع سخط)). فما كان يرضى الإنسان حصوله ويسخطه فقده فهو عبده ، إذ العبد يرضى باتصاله بها، ويسخط لفقدها. و((المعبود الحق)) الذي لا إله إلا هو إذا عبده المؤمن وأحبه حصل للمؤمن بذلك فى قلبه إيمان ، وتوحيد ومحبة ، وذكر ، وعبادة، فيرضى بذلك ، وإذا منع من ذلك غضب . وكذلك من أحب شيئاً فلا بد أن يتصوره فى قلبه ، ويريد اتصاله به بحسب الإمكان . قال الجنيد : لا يكون العبد عبداً حتى يكون مما سوى الله تعالى حراً. وهذا مطابق لهذا الحديث ، فإنه لا يكون عبداً لله خالصاً مخلصاً دينه للّه كله حتى لا يكون عبداً لما سواه ، ولا فيه شعبة، ولا أدنى جزء من عبودية ما سوى الله، فإذا كان يرضيه ويسخطه غير الله فهو عبد لذلك الغير ، ففيه من الشرك بقدر محبته ، وعبادته لذلك الغير زيادة . قال ((الفضيل بن عياض، والله ما صدق الله فى عبوديته من ٥٩٨ لأحد من المخلوقين عليه ربانية . وقال زيد بن عمرو بن نفيل : أربا واحداً ، أم ألف رب أدين إذا تقسّمت الأمور ؟! روى الإمام أحمد والترمذي والطبراني من حديث أسماء بنت عميس قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( بئس العبد عبد تخيل واختال ، ونسي الكبير المتعال، بئس العبد عبد تجبر واعتدى ونسي الجبار الأعلى ، بئس العبد عبد سهى ولهى ونسي المقابر والبلى ، بئس العبد عبد بغى واعتدى ونسي المبدأ والمنتهى ، بئس العبد عبد يختل الدنيا بالدين ، بئس العبد عبد يختل الدين بالشبهات، بئس العبد عبد رغب بذله ويزيله عن الحق ، بئس العبد عبد طمع بقوده ، بئس العبد عبد هوى يضله )) قال الترمذي غريب . وفى الحديث الصحيح المتقدم ما يقوبه . والله أعلم . وكذلك أحاديث وآثار كثيرة رويت فى معنى ذلك. كما قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبَّالِلَّهِ ). وطالب الرئاسة - ولو بالباطل - ترضيه الكلمة التى فيها تعظيمه وإن كانت باطلا ، وتغضبه الكلمة التى فيها ذمه وإن كانت حقاً . ٥٩٩ والمؤمن ترضيه كلمة الحق له وعليه ، وتغضبه كلمة الباطل له وعليه ؛ لأن الله تعالى يحب الحق والصدق والعدل ، ويبغض الكذب والظلم . فإذا قيل : الحق والصدق والعدل الذي يحبه الله أحبه ، وإن كان فيه مخالفة هواه ؛ لأن هواه قد صار تبعاً لما جاء به الرسول . وإذا قيل: الظلم والكذب فالله يبغضه ، والمؤمن يبغضه ، ولو وافق هواه . وكذلك طالب ((المال)) - ولو بالباطل - كما قال تعالى : (وَمِنْهُم ◌َّن ◌َلْمِزُكَ فِ الصَّدَقَتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَ إِن لَّمْ يُعْطَوْ مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ) وهؤلاء هم الذين قال [فيهم]: ((تعس عبد الدينار )) الحديث . فكيف إذا استولى على القلب ما هو أعظم استعباداً من الدرهم والدينار من الشهوات والأهواء ، والمحبوبات التى تجذب القلب عن كمال محبته الله وعبادته ؟! لما فيها من المزاحمة والشرك بالمخلوقات ، كيف تدفع القلب وتزينه عن كمال محبته لربه وعبادته وخشيته ، لأن كل محبوب يجذب قلب محبه إليه ، ويزيغه عن محبة غير محبوبه ، وكذلك المكروه يدفعه ويزيله ويشغله عن عبادة الله تعالى . ولهذا روى الإمام أحمد فى مسنده وغيره . أن التى صلى الله عليه ٦٠٠