Indexed OCR Text
Pages 541-560
لم يتب فله نصيب من عالم السوء ؛ ولهذا تشاجر رجلان من المتقدمين عام الحكمين فى مثل هذا . فقال أحدهما لصاحبه : إنما مثلك مثل الكلب : إن تحمل عليه يلهث أو نتركه يلهث . وقال الآخر : أنت كالحمار يحمل أسفاراً ؛ فهذا أحسن قصداً وأقوى علماً . ولهذا تجد أصحاب حسن القصد إنما يعيبون على هؤلاء اتباع الهوى وحب الدنيا والرئاسة ، وأهل العلم يعيبون على أولئك نقص علمهم بالشرع ، وعدولهم عن الأمر والنهي فهذا هذا . والله تعالى المسؤول أن يهدينا إلى الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً . وقد قال بعض ( أهل الفقه والزهد ) : من الناس من سلك ((الشريعة)) ومنهم من سلك ((الحقيقة)). ولعله أراد هؤلاء وهؤلاء؛ فإن هؤلاء يرجحون بما ييسره الله مع حسن القصد واتباع الأمر والنهي المعلوم لهم مع خفاء الأدلة الشرعية فى ذلك المتيسر لهم، وهؤلاء يرجحون بالأدلة الشرعية من الظواهر والأقيسة ، وأخبار الآحاد وأقوال العلماء مع خفاء الأمر المتيسر لهم . و ( أيضاً ) فهؤلاء قد يشهدون ما فى ذلك الفعل المقدر من ٥٤١ المصلحة والخير ، فيرجحونه بحكم الإيمان وإن لم يعرفوا دليلا من النص على حسنه ، وأولئك إنما يرجحون من النصوص، وما استنبط منها. فهؤلاء لهم القرآن ، وهؤلاء لهم الإيمان. وسبب هذا أن كلا من الطائفتين خفى عليه ما مع الأخرى من الحق ، وكل من الطائفتين فى طريقها حق وباطل . فأما المدعون للحقيقة بدون مراعاة الأمر والنهي الشرعيين ، فهم ضالون ؛ كالذين يعرفون الأمر والنهي ولا يفعلون إلا ما يهوونه من الكبائر، فإنهم فساق. وهؤلاء الذين قيل فيهم: ((احذروا فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل فإن فتنتها فتنة لكل مفتون)). و((الحقيقة)) قد تكون قدرية وقد تكون ذوقية، وقد تكون شرعية ولفظ ((الشرع)) يتناول المنزل ، والمؤول والمبدل . و (المقصود هنا ) ذكر أهل الاستقامة من الطائفتين والكلام على حال أهل العبادة والإرادة، الذين خرجوا عن الهوى وهو الفرق الطبيعي ، وقاموا بما علموه من الفرق الشرعي . وبقي (( قسم ثالث )) ليس لهم فيه فرق طبعي ولا عندم فيه فرق شرعي فهو الذي جروا فيه مع الفعل والقدر . وأما من جرى مع الفرق الطبعي ، إما علماً بأنه عاص وهو العالم ٥٤٢ الفاجر ، أو محتجاً بالقدر أو بذوقه ووجده معرضاً عن الكتاب والسنة ، وهو العابد الجاهل فهذا خارج عن الصراط المستقيم . وهذا مما بين حال كمال الصحابة - رضي الله عنهم - وأنهم خير قرون هذه الأمة ؛ إذ كانوا فى خلافة النبوة يقومون بالفروق الشرعية فى جليل الأمور ودقيقها مع اتساع الأمر ، والواحد من المتأخرين قد يعجز عن معرفة الفروق الشرعية فيما يخصه ، كما أن الواحد من هؤلاء يتبع هواه في أمر قليل . فأولئك مع عظيم مادخلوا فيه من الأمر والنهي لهم العلم الذي يميزون به بين الحسنات والسيئات، ولهم القصد الحسن الذي يفعلون به الحسنات، والكثير من المتأخرين العالمين والعابدين يفوت أحدثم العلم فى كثير من الحسنات والسيئات حتى يظن السيئة حسنة وبالعكس أو يفوته القصد في كثير من الأعمال ، حتى يتبع هواه فيما وضح له من الأمر والنهي . فنسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين . هذا لعمري إذا كان عند العالم ما هو أمر الشارع ونهيه حقيقة ، وعند العابد حسن القصد الخالي عن الهوى حقيقة، فأما من خلط الشرع المنزل بالمبدل والمؤول ، وخلط القصد الحسن باتباع الهوى ، فهؤلاء ٥٤٣ وهؤلاء مخلطون فى علمهم وعملهم ، وتخليط هؤلاء فى العلم سوى تخليطهم ومخليط غيرم فى القصد، وتخليط هؤلاء فى القصد سوى بخليطهم وتخليط غيرم فى العلم. فإنه من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم. و((حسن القصد)) من أعون الأشياء على نيل العلم ودركه. و «العلم الشرعي )) من أعون الأشياء على حسن القصد والعمل الصالح ؛ فإن العلم قائد والعمل سائق والنفس حرون، فإن وبي قائدها لم تستقم لسائقها، وإن وبي سائقها لم تستقم لقائدها ، فإذا ضعف العلم حار السالك ولم يدر أين بسلك، فغايته أن يستطرح للقدر، وإذا ترك العمل حار السالك عن الطريق فسلك غيره مع علمه أنه تركه، فهذا حار لا يدري أين بسلك مع كثرة سيره وهذا حار عن الطريق زائغ عنه مع علمه به . ) . هذا جاهل وهذا قال تعالى: ( فَلَمَّا زَاغُوْ اْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ظالم. قال تعالى: ( وَحَلَهَا الْإِنسَنُّإِنَّهُ كَانَ ظَلُومَا جَهُولاً). مع أن الجهل والظلم متقاربان لكن الجاهل لايدري أنه ظالم والظالم جهل الحقيقة المانعة له من العلم. قال تعالى: ( إِنَّمَا الثَّوْبَةُ عَلَى اَللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَلَةٍ ثُمَّيَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ ) . قال أبو العالية : سألت أصحاب محمد فقالوا : كل من عصى الله ٥٤٤ فهو جاهل وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب . وقد روى الخلال عن أبي حيان التيمي قال: ((العلماء ثلاثة)) فعالم باللّه ليس عالما بأمر الله، وعالم بأمر الله ليس عالما باللّه، وعالم بالله وبأمر الله. فالعالم بالله الذي يخشاه، والعالم بأمر الله الذي يعرف أمره ونهيه. قلت : والخشية تمنع اتباع الهوى قال تعالى: ( وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَيِّهِ مَوَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْوَى * فَإِنَّالْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى ). والكمال فى عدم الهوى وفي العلم هو لخاتم الرسل صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه: ( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُّكُمْ وَمَا غَوَى * فنفى عنه الضلال والغي ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْمَوَىَ * إِنْ هُوَ إِلَّ وَحْىٌ يُوحَى ووصفه بأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ، فنفى الهوى وأثبت العلم الكامل وهو الوحي، فهذا كمال العلم وذاك كمال القصد صلى الله عليه وسلم . ووصف أعداءه بضد هذين فقال تعالى: ( إِن يَتَبِعُونَ إِلَّ الظَّنَّ فالكمال المطلق ( وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُّ وَلَقَدْجَآءَ هُمْ مِّن رَّتِهِمُ الْهُدَىّ للإنسان هو تكميل العبودية لله علماً وقصداً. قال تعالى: (وَمَا خَلَفْتُ ٥٤٥ اَلْجِنَّ وَاُلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) وقال تعالى: ( وَأَنَّهُ لَ قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ) وقال تعالى فيما حكاه عن ابليس : (قَالَ فَبِعِزَّنِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ). قال تعالى: ( إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ ) وقال تعالى : (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَآءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا اَلْمُخْلَصِينَ ) وقال تعالى: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانُّ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ، مُشْرِكُونَ). و((عبادته)) طاعة أمره ، وأمره لنا ما بلغه الرسول عنه ؛ فالكمال فى كمال طاعة الله ورسوله باطناً وظاهراً ، ومن كان لم يعرف ما أمر الله به فترك هواه واستسلم للقدر أو اجتهد فى الطاعة فأخطأ فعل المأمور به إلى ما اعتقده مأموراً به ، أو تعارضت عنده الأدلة فتوقف عما هو طاعة فى نفس الأمر ، فهؤلاء مطيعون لله مثابون على ما أحسنوه من القصد لله، واستفرغوه من وسعهم فى طاعة الله، وما عجزوا عن علمه فأخطأوه إلى غيره فمغفور لهم . وهذا من أسباب فتن تقع بين الأمة ، فإن أقواماً يقولون ويفعلون أموراً م مجتهدون فيها ، وقد أخطؤوا فتبلغ أقواماً يظنون أنهم تعمدوا وم أيضاً مجتهدون فيها الذنب ، أو يظنون أنهم لا يعذرون بالخطأ مخطئون ، فيكون هذا مجتهداً مخطئاً فى فعله ، وهذا مجتهداً مخطئاً ٥٤٦ في إنكاره، والكل مغفور لهم. وقد يكون أحدهما مذنباً، كما قد يكونان جميعاً مذنبين . وخير الكلام كلام الله، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة . والواحد من هؤلاء قد يعطى طرفاً بالأمر والنهي ، فيولي ويعزل ويعطي ويمنع، فيظن الظان أن هذا كمال ، وإنما يكون كما لا إذا كان موافقاً للأمر ، فيكون طاعة لله، وإلا فهو من جنس الملك ، وأفعال الملك : إما ذنب ، وإما عفو ، وإما طاعة . فالخلفاء الراشدون أفعالهم طاعة وعبادة ، وم أتباع العبد الرسول. وهي طريقة السابقين المقربين . وأما طريقة الملوك العادلين ، فإما طاعة وإما عفو ؛ وهي طريقة الأنبياء الملوك ؛ وطريقة الأبرار أصحاب اليمين . وأما طريقة الملوك الظالمين : فتتضمن المعاصي ؛ وهي طريقة الظالمين لأنفسهم. قال تعالى: ( ثُمََّوَرَتْنَا الْكِتَنِبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِناً فَمِنْهُمْ ظَالِمُ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ ) فلا يخرج الواحد من المؤمنين عن أن يكون اُلْفَضْلُ الْكَبِيُ ٥٤٧ من أحد هذه الأصناف : إما ظالم لنفسه وإما مقتصد ، وإما سابق بالخيرات . و(( خوارق العادات) إما مكاشفة وهي من جنس العلم الخارق . وإما تصرف وهي من جنس القدرة الخارقة ؛ وأصحابها لا يخرجون عن الأقسام الثلاثة . ٥٤٨ قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى فصل حدثني أبي عن محي الدين بن النحاس ؛ وأظنى سمعتها منه أنه رأى الشيخ عبد القادر فى منامه وهو يقول : إخباراً عن الحق تعالى: ((من جاءنا تلقيناه من البعيد ، ومن تصرف بحولنا الناله الحديد ، ومن اتبع مرادنا أردنا ما يريد ، ومن ترك من أجلنا أعطيناه فوق المزيد )). قلت : هذا من جهة الرب تبارك وتعالى . فالأوليان : العبادة والاستعانة . والآخرتان : الطاعة والمعصية . فالذهاب إلى اللّه هي عبادته وحده كما قال تعالى: ((من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعا ، ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا ، ومن أتانى يمشي أتيته هرولة)). والتقرب بحوله هو الاستعانة ، والتوكل عليه ؛ فإنه لا حول ولا ٥٤٩ قوة إلا بالله. وفى الأثر: ((من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله)). وعن سعيد بن جبير: ((التوكل جماع الإيمان))؛ وقال ) وقال: (إِذْتَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ تعالى: ( وَمَنْيَنَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِفَهُوَحَسْبُهُ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ) وهذا على أصح القولين في أن التوكل عليه - بمنزلة الدعاء على أصح القولين أيضاً - سبب لجلب المنافع ودفع المضار، فإنه يفيد قوة العبد وتصريف الكون ولهذا هو الغالب على ذوى الأحوال متشرعهم وغير متشرعهم، وبه يتصرفون ويؤثرون (( تارة)) بما يوافق الأمر. و((تارة )) بما يخالفه . وقوله: ((ومن اتبع مرادنا)» يعنى المراد الشرعي كقوله: (يُرِيدُ اُللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَيُرِيدُ بِكُمُ الْمُسْرَ) وقوله: (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ) وقوله : (مَايُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ حَرَجَ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ) هذا هو طاعة أمره، وقد جاء فى الحديث: ((وأنت يا عمر لو أطعت الله لأطاعك)). وفى الحديث الصحيح: (( ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه)) وقد قال تعالى: ( وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ وَيَزِيدُ هُمْمِّن فَضْلِهِ ). وقوله: ((ومن ترك من أجلنا أعطيناه فوق المزيد)). يعنى ترك ماكره اللّه من المحرم والمكروه لأجل الله: رجاء ومحبة وخشية أعطيناه فوق المزيد ؛ لأن هذا مقام الصبر. وقد قال تعالى: ( إِنَّمَايُوَّ الصَِّرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ). ٥٥٠ سئل عن «إحياء علوم الدين)) و ((قوت القلوب)) الخ .. فأجاب : أما (كتاب قوت القلوب ) و (كتاب الإحياء ) تبع له فيما يذكره من أعمال القلوب: مثل الصبر والشكر، والحب والتوكل، والتوحيد ونحو ذلك. وأبو طالب أعلم بالحديث والأثر وكلام أهل علوم القلوب من الصوفية وغيرهم من أبي حامد الغزالي، وكلامه أسد وأجود تحقيقاً ، وأبعد عن البدعة مع أن فى ((قوت القلوب)) أحاديث ضعيفة وموضوعة، وأشياء كثيرة مردودة . وأما مافى ( الإحياء ) من الكلام فى ((المهلكات )) مثل الكلام على الكبر ، والعجب والرياء ، والحسد ونحو ذلك ، فغالبه منقول من كلام الحارث المحاسبى فى الرعاية ، ومنه ماهو مقبول ومنه ماهو مردود ، ومنه ماهو متنازع فيه . و «الإحياء)) فيه فوائد كثيرة ؛ لكن فيه مواد مذمومة ، فإنه فيه مواد فاسدة من كلام الفلاسفة تتعلق بالتوحيد والنبوة والمعاد ، فإذا ٥٥١ ذكر معارف الصوفية كان بمنزلة من أخذ عدواً للمسلمين ألبسه ثياب المسلمين . وقد أنكر أئمة الدين على ((أبى حامد)) هذا فى كتبه . وقالوا : مرضه ((الشفاء)) يعني شفاء ابن سينا فى الفلسفة . وفيه أحاديث وآثار ضعيفة ؛ بل موضوعة كثيرة . وفيه أشياء من أغاليط الصوفية وترهاتهم . وفيه مع ذلك من كلام المشايخ الصوفية العارفين المستقيمين فى أعمال القلوب الموافق للكتاب والسنة ، ومن غير ذلك من العبادات والأدب ماهو موافق للكتاب والسنة ، ماهو أكثر مما يرد منه، فلهذا اختلف فيه اجتهاد الناس وتنازعوا فيه . ٥٥٢ وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه فصل قد دل الكتاب والسنة وآثار سلف الأمة على (( جنس المشروع المستحب فى ذكر الله ودعائه)) كسائر العبادات، وبين النبى صلى الله عليه وسلم مراتب الأذكار كقوله في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم وغيره عن سمرة بن جندب: (( أفضل الكلام بعد القرآن أربع - وهن من القرآن - سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر لا يضرك بأيهن بدأت)). وفى صحيحه عن أبي ذر قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الكلام أفضل؟ قال: ((ما اصطفى الله لملائكته سبحان الله وبحمده)). وفى (( كتاب الذكر)) لابن أبى الدنيا وغيره مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم «أفضل الذكر: لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء: الحمد ٥٣ ٥ اللّه)). وفى الموطأ وغيره حديث طلحة بن عبد الله بن كريز عن النبى صلى الله عليه وسلم: « أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلى: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)) وفى السنن حديث الذي قال : يارسول الله! إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئاً فعلمني ما يجزئني فى صلاتي فقال: قل: ((سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر)). ولهذا قال الفقهاء: إن من عجز عن القراءة فى الصلاة انتقل إلى هذه الكلمات الباقيات الصالحات . وفضائل هذه الكلمات ونحوها كثير ليس هذا موضعه . وإنما ( الغرض ) من الذكر والدعاء ما ليس بمشروع الجنس أو هو منهى عنه أو عن صفته. كما قال تعالى: (ادْعُوا رَتَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةٌ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) وقال تعالى: (وَلِلَّهِآلْأَسْمَاءُ الْمُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ( فلا يدعى إلا بأسمائه الحسنى . ومن المنهى عنه : ما كانوا يقولونه فى الجاهلية فى تلبيتهم : لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك . ومثل قول بعض الأعراب للنبي صلى الله عليه وسلم: ((إنا نستشفع بالله عليك. فقال النبى صلى الله عليه وسلم: شأن اللّه أعظم من ذلك: إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه)) ومثل ما كانوا يقولون فى أول الإسلام: ٥٥٤ السلام على اللّه قبل عباده. فقال النبى صلى الله عليه وسلم: (( إن الله هو السلام، فإذا قعد أحدكم فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات)). أشار بذلك إلى أن ((السلام)) إنما يطلب لمن يحتاج إليه، والله هو ((السلام)) فالسلام يطلب منه لا يطلب له . بل يثنى عليه ؛ فإنه له فيقال : التحيات لله والصلوات والطيبات . فالحق سبحانه يثنى عليه ويطلب منه ، وأما المخلوق فيطلب له . فيقال : السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّ لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ) والرزق يعم كل ما ينتفع به المرتزق ؛ فالإنسان يرزق الطعام والشراب واللباس وما ينتفع بسمعه وبصره وشمه ، ويرزق ما ما ينتفع به باطنه من علم وإيمان، وفرح وسرور ، وقوة ونور ، وتأييد وغير ذلك، والله سبحانه ما يريد من الخلق من رزق، فإنهم لن يبلغوا ضره فيضروه ، ولن يبلغوا نفعه فينفعوه ؛ بل هو الغني وم الفقراء . و (لَّقَدْ وهو الأحد الصمد سَمِعَ اَللَّهُ قَوْلَ اُلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيْرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِيَآءُ) الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد . وكذلك الدعاء المكروه مثل الدعاء ببغي أو قطيعة رحم أو دعاء منازل الأنبياء ، أو دعاء الأعرابي الذي قال : اللهم ما كنت معذبي به فى ٥٥٥ الآخرة فعجله لي فى الدنيا . ومثل قوله صلى الله عليه وسلم للمصابين يميت لما صاحوا: (( لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير؛ فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون)). وقد قال تعالى: (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ) وقال تعالى: (وَيَدْعُ آلْإِنسَنُ بِالشَّرِّ وهذا باب واسع ليس الغرض دُعَاءَ هُ بِالْخَيْرٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُلًا) هنا استيعابه . وإنما نبهنا على جنس المكروه . وإنما ( الغرض هنا ) أن الشرع لم يستحب من الذكر إلا ما كان كلاما تاما مفيداً مثل ((لا إله إلا الله)) ومثل ((الله أكبر)) ومثل ((سبحان الله والحمد لله)) ومثل ((لا حول ولا قوة إلا بالله)) ومثل )، ( تَبَرَكَ الَّذِىِ بِيَدِهِ الْمُلْكُ)، ( سَبَّحَ لِلَّهِمَا فِى نَبَرَكَ أُسْمُ رَيِّكَ ) السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ) ( تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ). فأما ((الاسم المفرد)) مظهراً مثل: ((الله)) ((الله)). أو (((مضمراً)) مثل ((هو)) ((هو)). فهذا ليس بمشروع فى كتاب ولا سنة، ولا هو مأثور أيضاً عن أحد من سلف الأمة ، ولا عن أعيان الأمة المقتدى بهم، وإنما لهج به قوم من خلال المتأخرين . وربما اتبعوا فيه حال شيخ مغلوب فيه ، مثلما يروى عن الشبلي أنه كان يقول: ((الله، الله)). فقيل له: لم لا تقول لا إله إلا الله؟ ٥٥٦ فقال : أخاف أن أموت بين النفي والإثبات . وهذه من زلات الشبلي التى تغفر له لصدق إيمانه ، وقوة وجده ، وغلبة الحال عليه ، فإنه كان ربما يجن ويذهب به إلى المارستان ، ويحلق لحيته . وله أشياء من هذا النمط التى لا يجوز الاقتداء به فيها ؛ وإن كان معذوراً أو مأجوراً ، فإن العبد لو أراد أن يقول: ((لا إله إلا الله)) ومات قبل كمالها لم يضره ذلك شيئاً . إذ الأعمال بالنيات ؛ بل يكتب له مانواه . وربما غلا بعضهم فى ذلك حتى يجعلوا ذكر الاسم المفرد للخاصة، وذكر الكلمة التامة للعامة. وربما قال بعضهم: ((لا إله إلا الله)) للمؤمنين، و ((الله)) للعارفين، و((هو)» للمحققين، وربما اقتصر أحدهم فى خلوته أو في جماعته على ((الله، الله، الله)). أو على ((هو)) أو ((ياهو)) أو (لا هو إلا هو)). وربما ذكر بعض المصنفين فى الطريق تعظيم ذلك . واستدل عليه ثارة بوجد ، وتارة برأي ، وتارة بنقل مكذوب . كما يروى بعضهم أن النبي صلى الله عليه وسلم لقن علي بن أبي طالب أن يقول: ((الله، الله، الله)). فقالها النبى صلى الله عليه وسلم ثلاثاً. ثم أمر علياً فقالها ثلاثاً . وهذا حديث موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث . ٥٥٧ وإنما كان تلقين النبى صلى الله عليه وسلم للذكر المأثور عنه ، ورأس الذكر ((لا إله إلا الله)) وهي الكلمة التى عرضها على عمه أبي طالب حين الموت. (( وقال : ياعم! قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند اللّه)) وقال: (( إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد عند الموت إلا وجد روحه لها روحاً)) وقال: (( من كان آخر كلامه لا إله إلا اللّه دخل الجنة)) وقال: ((من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة)) وقال: (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول اللّه ؛ فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله)) والأحاديث كثيرة فى هذا المعنى . وقد كتبت فيما تقدم من ((القواعد )) بعض ما يتعلق بهاتين ((الكلمتين)) العظيمتين الجامعتين الفارقتين: شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما . فأما ذكر ((الاسم المفرد )» فلم بشرع بحال ، وليس في الأدلة الشرعية ما يدل على استحبابه . وأما ما يتوهمه طائفة من غالطي المتعبدين في قوله تعالى : ( قُلِ ٥٥٨ الَّ تُؤَّذَّرْهُمْ ) ويتوهمون أن المراد قول هذا الاسم خطأ واضح ؛ ولو تدبروا ما قبل هذا تبين مراد الآية ؛ فإنه سبحانه قال : ( وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْقَالُواْمَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرِمِّنِ شَىْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَبَ الَّذِى جَآءَبِهِ، مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِّ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُم ◌َّا لَمْتَعْلَمُواْ أَنْتُمْ وَلَآ ءَابَآؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ) . أي: قل: الله أنزل الكتاب الذي جاء به موسى. فهذا كلام تام ، وجملة اسمية مركبة من مبتدأ وخبر ، حذف الخبر منها لدلالة السؤال على الجواب . وهذا قياس مطرد فى مثل هذا في كلام العرب كقوله : ( وَلَين سَأَلْتَّهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَءَ يْتُم ) الآية. وقوله: ( أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَنْجَتْنَابِهِ، حَدَابِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّاكَانَ لَكُمْ أَنْ تُلِتُواْ شَجَرَهَأْ أَِلَهٌ مَعَاللَّهِ ) وكذلك؟ ما بعدها وقوله : (قُلْ مَن رَبُّ السَّمَوَتِ السَّْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ** سيقولون: اللّه) على قراءة أبى عمرو . وتقول فى الكلام من جاء ؟ فتقول : زيد. ومن أكرمت ؟ فتقول : زيداً . وبمن مررت؟ فتقول : بزيد . فيذكرون الاسم الذي هو جواب من ؛ ويحذفون المتصل به ، لأنه قد ذكر فى السؤال مرة ، فيكرهون تكريره من غير فائدة بيان ، لما فى ذلك من التطويل والتكرير . ٥٥٩ وأغرب من هذا ما قاله : لي مرة شخص من هؤلاء الغالطين في قوله: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ: إِلَّ اللّهُ ) قال المعنى وما يعلم تأويل (هو ) اي اسم ((هو)) الذي يقال فيه: ((هو، هو)) وصنف ابن عربي كتابا فى ((الهو)) فقلت له - وأنا إذ ذاك صغير جداً - لو كان كما تقول: لكتبت فى المصحف مفصولة (تأويل هو ) ولم تكتب موصولة ، وهذا الكلام الذي قاله هذا معلوم الفساد بالاضطرار . وإنما كثير من غالطي المتصوفة لهم مثل هذه التأويلات الباطلة فى الكتاب والسنة . وقد يكون المعنى الذي يعنونه صحيحاً ؛ لكن لا يدل عليه الكلام وليس هو مراد المتكلم، وقد لا يكون صحيحاً. فيقع الغلط ((تارة)) فى الحكم، و((تارة)) فى الدليل كقول بعضهم: ( أَنْ رَّعَاءُأُسْتَغْفَ) أي : أن رأى ربه استغنى ، والمعنى إنه ليطغى أن رأى نفسه استغنى ، وكقول بعضهم: ((فإن لم تكن تراه )): يعني فإن فنيت عنك رأيت ربك . وليس هذا معنى الحديث ، فإنه لو أريد هذا لقيل: فإن لم تكن تره. وقد قيل: ((تراه)) ثم كيف يصنع بجواب الشرط؟ وهو قوله : فإنه يراك ؛ ثم إنه على قولهم الباطل تكون كان تامة . فالتقدير : فإن لم تكن: أي لم تقع ، ولم تحصل . وهذا تقدير محال فإن العبد كائن موجود ليس بمعدوم . ولو أريد فناؤه عن هواء أو فناء شهوده للأغيار لم يعبر بنفى كونه ؛ فإن هذا محال . ومتى كان المعنى صحيحاً والدلالة ليست مرادة فقد يسمي ذلك ((إشارة)) ٥٦٠