Indexed OCR Text

Pages 481-500

من الزهاد والنساك فى كثير من الأمور .
وأما خلو الإنسان عن الإرادة مطلقاً فممتنع ، فإنه مفطور على
إرادة ما لا بد له منه وعلى كراهة ما يضره ويؤذيه ، والزاهد الناسك
إذا كان مسلماً فلا بد أن يريد أشياء يحبها الله: مثل أداء الفرائض
وترك المحارم ؛ بل وكذلك عموم المؤمنين لا بد أن يريد أحدم أشياء
يحبها الله، وإلا فمن لم يحب الله، ولا أحب شيئاً لله، فلم يحب شيئاً
من الطاعات ، لا الشهادتين ولا غيرهما ولا يريد ذلك فإنه لا يكون
مؤمناً ، فلابد لكل مؤمن من أن تكون له إرادة لبعض ما يحبه الله؛
وأما إرادة العبد لما يهواه ولا يحبه الله، فهذا لازم لكل من عصى
الله، فإنه أراد المعصية واللّه لا يحبها ولا يرضاها. وأما الخلو عن
ء
الإرادتين المحمودة والمذمومة فيقع على وجهين :
( أحدهما ) : مع إعراض العبد عن عبادة الله تعالى وطاعته
وإن علم بها ، فإنه قد يعلم كثيراً من الأمور أنه مأمور بها ، وهو
لا يريدها ولا يكره من غيره فعلها ، وإذا اقتتل المسلمون والكفار لم
يكن مريداً لانتصار هؤلاء الذي يحبه الله، ولا لانتصار هؤلاء الذي
يبغضه الله .
و ( الوجه الثانى ) : يقع من كثير من الزهاد العباد الممثلين لما
٤٨١

يعلمون أن الله أمر به المجتنبين لما يعلمون أن الله نهى عنه ، وأمور
أخرى لا يعلمون أنها مأمور بها ولا منهي عنها، فلا يريدونها ولا
يكرهونها لعدم العلم ، وقد يرضونها من جهة كونها مخلوقة مقدرة ،
وقد يعاونون عليها ، ويرون هذا موافقة لله وأنهم لما خلوا عن هوى
النفس كانوا مأمورين بالرضا بكل حادث ؛ بل والمعاونة عليه . وهذا
موضع يقع فيه الغلط ، فإن ما أحبه الله ورسوله علينا أن نحب ما أحبه
الله ورسوله، وما أبغضه الله ورسوله فعلينا أن نبغض ما أبغضه الله
ورسوله ، وأما ما لا يحبه الله ورسوله ولا يبغضه الله ورسوله كالأفعال
التى لا تكليف فيها مثل أفعال النائم والمجنون فهذا إذا كان الله لا يحبها
ويرضاها ولا يكرهها ويذمها ، فالمؤمن أيضاً لا ينبغي أن يحبها
ويرضاها ولا يكرهها .
وأما كونها مقدورة ومخلوقة لله فذاك لا يختص بها ، بل هو
شامل لجميع المخلوقات . والله تعالى خلق ما خلقه لما شاء من حكمته،
وقد أحسن كل شيء خلقه، والرضا بالقضاء ((ثلاثة أنواع)):
( أحدها ) الرضا بالطاعات ؛ فهذا طاعة مأمور بها .
و ( الثانى ) : الرضا بالمصائب ، فهذا مأمور به : إما مستحب ،
وإما واجب .
٤٨٢
!

و ( الثالث ) : الكفر والفسوق والعصيان ، فهذا لا يؤمر بالرضا
به ، بل يؤمر ببغضه وسخطه، فإن الله لا يحبه ولا يرضاه . كما قال
) وقال: (وَاللهُ لَا يُحِبُّ
تعالى: ( إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ
اُلْفَسَادَ) وقال: ( وَلَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ اَلْكُفْرَ) وقال: (فَإِنَّ اللَّهَلَا يُحِبُّ
اُلْكَفِرِينَ) وقال: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ).
وهو وإن خلقه لما له في ذلك من الحكمة فلا يمتنع أن يخلق ما لا
يحبه لإفضائه إلى الحكمة التى يحبها ، كما خلق الشياطين . فنحن راضون
عن الله فى أن يخلق ما يشاء ، وهو محمود على ذلك .
وأما نفس هذا الفعل المذموم وفاعله فلا نرضى به ولا محمده .
وفرق بين ما يحب لنفسه ، وما يراد لإفضائه إلى المحبوب مع كونه
مبغضاً من جهة أخرى ؛ فإن الأمر الواحد يراد من وجه ويكره من
وجه آخر . كالمريض الذي يتناول الدواء الكريه ؛ فإنه يبغض الدواء
ويكرهه ، وهو مع هذا يريد استعماله لإفضائه إلى المحبوب ، لا لأنه
فى نفسه محبوب .
وفى الحديث الصحيح بقول الله تعالى: ((وما ترددت عن شيء أنا
فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره
مساءته ولا بد له منه)) فهو سبحانه لما كره مساءة عبده المؤمن الذي
٤٨٣

يكره الموت كان هذا مقتضياً أن يكره إماتته مع أنه يريد إماتته؛ لما له في ذلك
من الحكمة سبحانه وتعالى. فالأمور التى يبغضها الله تعالى وينهى عنها لا يحب
ولا ترضى ؛ لكن ترضى بما يرضى الله به حيث خلقها، لما له فى ذلك من
الحكمة ، فكذلك الأفعال التى لا يحبها ولا يبغضها لا ينبغى أن تحب
ولا ترضى كما لا ينبغي أن تبغض .
والرضا الثابت بالنص هو أن يرضى بالله رباً، وبالإسلام ديناً ،
وبمحمد نبياً . وقد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
قال: ((من رضى بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، كان حقاً
على الله أن يرضيه)) وأما بالنسبة إلى القدر فيرضى عن الله، إذ له
الحمد على كل حال ، ويرضى بما يرضاه من الحكمة التى خلق لأجلها ما خلق
وإن كنا نبغض ما يبغضه من المخلوقات ، حيث انتفى الأمر الشرعي أو
خفى الأمر الشرعي لا يكون الامتثال والرضا والمحبة ، كما يكون فى
الأمر الشرعي ، وإن كان ذلك مقدوراً .
وهذا موضع يغلط فيه كثير من خاصة ((السالكين)) وشيوخهم،
فضلا عن عامتهم ، ويتفاوتون فى ذلك بحسب معرفتهم بالأمر الشرعي
وطاعتهم له .
فمنهم من هو أعرف من غيره بالأمر الشرعي وأطوع له ، فهذا
٤٨٤

تكون حاله أحسن ممن يقصر عنه فى المعرفة بالأمر الشرعي
والطاعة له .
ومنهم من يبعد عن الأمر الشرعي ، ويسترسل حتى ينسلخ من
الإسلام بالكلية ، ويبقى واقفاً مع هواء والقدر .
ومن هؤلاء من يموت كافراً، ومنهم من يتوب الله عليه، ومنهم
من يموت فاسقاً ، ومنهم من يتوب الله عليه .
وهؤلاء ينظرون إلى الحقيقة القدرية معرضين عن الأمر الشرعي
ولا بد مع ذلك من اتباع أمر ونهي غير الأمر الشرعي، إما من أنفسهم وإما من
غير الله ورسوله، إذ الاسترسال مع القدر مطلقاً ممتنع لذاته، لما
تقدم من أن العبد مفطور على محبة أشياء وبغض أشياء .
وقول من قال: ((إن العبد يكون مع اللّه كالميت مع الغاسل)»
لا يصح ولا يسوغ على الإطلاق عن أحد من المسلمين ، وإنما يقال
ذلك في بعض المواضع ؛ ومع هذا فإنما ذلك الخفاء أمر الله عليه،
وإلا فإذا على ما أمر الله به وأحبه. فلا بد أن يحب ما أحبه الله ،
ء
ويبغض ما أبغضه .
٤٨٥

فصل
وكما أن الطريقة العلمية بصحة النظر في الأدلة والأسباب هي الموجبة
للعلم: كتدبر القرآن والحديث ، فالطريقة العملية بصحة الإرادة
والأسباب هي الموجبة للعمل، ولهذا يسمون السالك فى ذلك ((المريد))
كما بسميه أولئك ((الطالب)) و((النظر)) جنس تحته حق وباطل،
ومحمود ومذموم، وكذلك ((الإرادة))
فكما أن طريق العلم لا بد فيه من العلم النبوي الشرعي ، بحيث
يكون معلومك المعلومات الدينية النبوية ، ويكون علمك بها مطابقاً لما
أخبرت به الرسل ، وإلا فلا ينفعك أي معلوم علمته ، ولا أي شيء
اعتقدته فيما أخبرت به الرسل ، بل لابد من الإيمان بالله وملائكته
وكتبه ورسله واليوم الآخر، فكذلك ((الإرادة)) لابد فيها من
تعيين ((المراد)) وهو اللّه و((الطريق إليه)) وهو ما أمرت به الرسل.
فلا بد أن تعبد الله وتكون عبادتك إياه بما شرع على ألسنة رسله ،
إذ لا بد من تصديق الرسول فيما أخبر علما، ولا بد من طاعته
فيما أمر عملا .
٤٨٦

ولهذا كان ((الإيمان)) قولاً وعملا مع موافقة السنة ، فعلم الحق
ما وافق على الله، والإرادة الصالحة ما وافقت محبة الله ورضاه ، وهو
حكمه الشرعي ، والله عليم حكيم .
فالأمور الخبرية لا بد أن تطابق علم اللّه وخبره ؛ والأمور العملية
لا بد أن تطابق حب الله وأمره ، فهذا حكمه ، وذاك علمه .
وأما من جعل حكمه مجرد القدر، كما فعل صاحب ((منازل
السائرين )، وجعل مشاهدة العارف الحكم يمنعه أن يستحسن حسنة أو
يستقبح سيئة ، فهذا فيه من الغلط العظيم ما قد نبهنا عليه فى غير
هذا الموضع . فلا ينفع المريد القاصد أن يعبد أي معبود كان ، ولا
أن يعبد الله بأي عبادة كانت ، بل هذه طريقة المشركين المبتدعين
الذين لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله، كالنصارى
ومن أشبههم من أهل البدع الذين يعبدون غير الله بغير أمر الله ،
وأما أهل الإسلام والسنة فهم يعبدون الله وحده ، ويعبدونه بما
شرع . لا يعبدونه بالبدع إلا ما يقع من أحدم خطأ .
فالسالكون طريق الإرادة قد يغلطون تارة فى المراد ؛ وتارة فى
الطريق إليه ، وتارة بألهون غير الله بالخوف منه والرجاء له ، والتعظيم
والمحبة له وسؤاله والرغبة إليه ، فهذا حقيقة الشرك المحرم ، فإن حقيقة
٤٨٧

التوحيد أن لا يعبد إلا الله .
و ((العبادة)) تتضمن كمال الحب ، وكمال التعظيم، وكمال الرجاء،
والخشية، والإجلال والإكرام. و((الفناء)) فى هذا التوحيد فناء
المرسلين وأتباعهم ، وهو أن تفنى بعبادته عن عبادة ما سواه ، وبطاعته
عن طاعة ما سواه ، وبسؤاله عن سؤال ما سواه ، وبخوفه عن خوف
ما سواه ، وبرجائه عن رجاء ما سواه ، وبحبه والحب فيه عن محبة
ما سواه والحب فيه .
وأما الغالطون فى الطريق فقد يريدون الله ؛ لكن لا يتبعون الأمر
الشرعي فى إرادته، لكن ((تارة)) يعبده أحدم بما يظنه يرضيه، ولا
يكون كذلك. و ((تارة)» ينظرون القدر لكونه مراده ، فيفنون فى
القدر الذي ليس لهم فيه غرض ، وأما الفناء المطلق فيه فممتنع .
وهؤلاء يفنى أحدم متبعاً لذوقه ووجده المخالف للأمر الشرعي ، أو
ناظراً إلى القدر . وهذا يبتلى به كثير من خواصهم.
و ((الشيخ عبد القادر)) ونحوه من أعظم مشايخ زمانهم أمراً
بالتزام الشرع ، والأمر والنهي ، وتقديمه على الذوق والقدر ، ومن
أعظم المشايخ أمراً بترك الهوى والإرادة النفسية . فإن الخطأ فى
الإرادة من حيث هي إرادة إنما تقع من هذه الجهة ؛ فهو يأمر السالك
٤٨٨

ألا تكون له إرادة من جهة هواه أصلا ؛ بل يريد ما يريده الرب
عز وجل: إما إرادة شرعية إن تبين له ذلك ؛ وإلاجرى مع
الإرادة القدرية ، فهو إما مع أمر الرب ، وإما مع خلقه ، وهو سبحانه
له الخلق والأمر .
وهذه ((طريقة شرعية صحيحة)) إنما يخاف على صاحبها من ترك
إرادة شرعية لا يعلم أنها شرعية ، أو من تقديم إرادة قدرية على الشرعية
فإنه إذا لم يعلم أنها شرعية فقد يتركها ، وقد يريد ضدها ، فيكون
ترك مأموراً أو فعل محظوراً وهو لا يعلم. فإن ((طريقة الإرادة))
يخاف على صاحبها من ضعف العلم ؛ وما يقترن بالعلم من العمل ،
والوقوع فى الضلال ، كما أن طريقة العلم يخاف على صاحبها من ضعف
العمل ، وضعف العلم الذي يقترن بالعمل ؛ لكن لا يكلف الله نفساً
إلا وسعها من هذا وهذا . قال تعالى: ( فَأَنَّقُواْاللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) فإذا
تفقه السالك ، وتعلم الأمر والنهي بحسب اجتهاده ، وكان علمه
وإرادته بحسب ذاك ، فهذا مستطاعه . وإذا أدى الطالب ما أمر به ،
وترك مانهى عنه ، وكان علمه مطابقاً لعمله ، فهذا مستطاعه
٤٨٩

فصل
قال ((الشيخ عبد القادر)) قدس الله روحه: ((افن عن الخلق
بحكم الله، وعن هواك بأمره، وعن إرادتك بفعله ، فحينئذ يصلح أن
تكون وعاء لعلم الله)».
قلت : فحكمه يتناول خلقه وأمره أي : افن عن عبادة الخلق
والتوكل عليهم بعبادة الله والتوكل عليه، فلا تطعهم فى معصية الله تعالى
ولا تتعلق بهم فى جلب منفعة ولا دفع مضرة. وأما الفناء عن الهوى
بالأمر وعن الإرادة بالفعل بأن يكون فعله موافقاً للأمر الشرعي لا
لهواه ، وأن تكون إرادته لما يخلق تابعة لفعل الله لا لإرادة نفسه .
فالإرادة تارة تتعلق بفعل نفسه وتارة بالمخلوقات .
فا (( الأول)) يكون بالأمر و((الثاني)) لاتكون له إرادة . ولا
بد فى هذا أن يقيد بألا تكون له إرادة لم يؤمر بها وإلا فإذا أمر بأن
يريد من المقدورات شيئاً دون شيء فليرد ما أمر بإرادته سواء كان
موافقاً للقدر أم لا. وهذا الموضع قد يغلط فيه طائفة من السالكين.
٤٩٠

والغالب على الصادقين منهم أنهم لم يعرفوا الإرادة الشرعية
فى ذلك المعين وهم ليس لهم إرادة نفسانية فتركوا إرادتهم
لغير المقدور .
قال الشيخ: (( فعلامة فنائك عن خلق الله انقطاعك عنهم وعن
التردد إليهم واليأس مما فى أيديهم )). وهو كما قال .
فإذا كان القلب لا يرجوهم ، ولا يخافهم ، لم يتردد إليهم لطلب شيء
منهم وهذا يشبه بما يكون مأموراً به من المشي إليهم لأمرم بما أمر
الله به، ونهيهم عمانهام الله عنه، كذهاب الرسل، وأتباع الرسل إلى
من يبلغون رسالات الله ، فإن التوكل إنما يصح مع القيام بما أمر به العبد .
ليكون عابداً لله متوكلا عليه ، وإلا فمن توكل عليه ولم يفعل ما أمر به ؛
فقد يكون ما أضاعه من الأمر أولى به مما قام به من التوكل، أو مثله أو
دونه ، كما أن من قام بأمر ولم يتوكل عليه ولم يستعن به فلم يقم بالواجب؛
بل قد يكون ماتركه من التوكل والاستعانة أولى به مما فعله من الأمر
أو مثله أو دونه .
قال الشيخ: (( وعلامة فنائك عنك وعن هواك : ترك التكسب ،
والتعلق بالسبب فى جلب النفع ودفع الضر ، فلا تتحرك فيك بك ولا
تعتمد عليك لك ولا تنصر نفسك ، ولا تذب عنك ، لكن تكل ذلك كله
٤٩١

إلى من تولاه أولا فيتولاه آخراً . كما كان ذلك موكولا إليه فى حال
كونك مغيباً فى الرحم ، وكونك رضيعاً طفلا فى مهدك)).
قلت : وهذا لأن النفس تهوى وجود ما يحبه وينفعها ودفع ما
تبغضه ويضرها ، فإذا فنى عن ذاك بالأمر فعل ما يحبه الله وترك ما يبغضه
اللّه فاعتاض بفعل محبوب الله عن محبوبه وبترك ما يبغضه الله عما يبغضه
وحينئذ فالنفس لابد لها من جلب المنفعة ودفع المضرة، فيكون فى
ذلك متوكلا على الله.
و ((الشيخ رحمه الله)) ذكر هنا التوكل دون الطاعة؛ لأن
النفس لابد لها من جلب المنفعة ودفع المضرة، فإن لم تكن متوكلة
على الله فى ذلك واثقة به لم يمكن أن تنصرف عن ذلك فتمتثل الأمر
مطلقاً ؛ بل لابد أن تعصي الأمر فى جلب المنفعة ودفع المضرة فلا تصح
العبادة لله وطاعة أمره بدون التوكل عليه، كما أن التوكل عليه لا يصح
بدون عبادته وطاعته . قال تعالى: (فَأَعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ) وقال تعالى:
( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُّ وَمَن يَنَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)
وقال تعالى: (وَأَذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَتَّلْ إِلَيْهِتَبْتِيلاً * رَبُّالْشْرِقِ وَالْغْرِبِ لَآ إِلَهَ إِلََّ هُوَ
فَتَّخِذْهُ وَكِيلًا ) .
و (المقصود) أن امتثال الأمر على الإطلاق لا يصح بدون
٤٩٢

التوكل والاستعانة ، ومن كان واثقا بالله أن يجلب له ما ينفعه ويدفع
عنه ما يضره أمكن أن يدع هواه ويطيح أمره ، وإلا فنفسه لا ندعه
أن يترك ما يقول إنه محتاج فيه إلى غيره .
قال الشيخ - رضي الله عنه -: ((وعلامة فناء إرادتك بفعل
اللّه أنك لا تريد مراداً قط، فلا يكن لك غرض، ولا تقف لك حاجة
ولا مرام؛ لأنك لا تريد مع إرادة الله سواها ، بل يجري فعله فيك
فتكون أنت إرادة الله تعالى وفعله، ساكن الجوارح مطمئن الجنان ،
مشروح الصدر، منور الوجه، عامر الباطن، غنيا عن الأشياء بخالقها، نقلبك
يد القدرة ويدعوك لسان الأزل ، ويعلمك رب الملك ويكسوك نوراً
منه والحلل، وينزلك منازل من سلف من أولي العلم الأول ، فتكون
منكسراً أبداً .
فلا ثثبت فيك شهوة ولا إرادة : كالإناء المتلم - الذي لايثبت
فيه مائح ولا كدر فتفنى عن أخلاق البشرية، فلن يقبل باطنك ساكنا
غير إرادة الله، فحينئذ يضاف إليك التكوين وخرق العادات فيرى
ذلك منك فى ظاهر العقل والحكم وهو فعل الله تبارك وتعالى حقا فى
العلم فتدخل حينئذ فى زمرة المنكسرة قلوبهم الذين كسرت إرادتهم
البشرية ، وأزيلت شهواتهم الطبيعية واستوثقت لهم إرادات ربانية
وشهوات إضافية . كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((حبب إلي من
٤٩٣

دنياكم: النساء والطيب وجعلت قرة عينى فى الصلاة)) فأضيف ذلك
إليه بعد أن خرج منه وزال عنه تحقيقاً لما أشرت إليه وتقدم ، قال
الله تعالى: ((أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي)) وساق كلامه. وفيه :
(( ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل » الحديث .
قلت : هذا المقام هو آخر ما يشير إليه الشيخ عبد القادر -- رضي
الله عنه - وحقيقته أنه لا يريد كون شيء إلا أن يكون مأموراً
بإرادته . فقوله : علامة فناء إرادتك بفعل الله أنك لا تريد مراداً قط .
أي لا تريد مراداً لم تؤمر بإرادته ، فأما ما أمرك الله ورسوله بإرادتك
إياه ، فإرادته إما واجب وإما مستحب ، وترك إرادة هذا إما معصية
وإما نقص .
وهذا الموضع يلتبس على كثير من السالكين ، فيظنون أن
الطريقة الكاملة ألا يكون للعبد إرادة أصلاً ، وأن قول أبى يزيد:
((أربد ألا أريد)) - لما قيل له: ماذا تريد؟ - نقص وتناقض؛
لأنه قد أراد ، ويحملون كلام المشايخ الذين يمدحون بترك الإرادة على
ترك الإرادة مطلقاً ، وهذا غلط منهم على الشيوخ المستقيمين ، وإن
كان من الشيوخ من يأمر بترك الإرادة مطلقاً ، فإن هذا غلط ممن
قاله ، فإن ذلك ليس بمقدور ولا مأمور.
٤٩٤

فإن الحي لا بد له من إرادة ، فلا يمكن حياً ألا تكون له
إرادة، فإن الإرادة التى يحبها الله ورسوله ويأمر بها أمر إيجاب أو
أمر استحباب لا يدعها إلا كافر أو فاسق أو عاص إن كانت واجبة ،
وإن كانت مستحبة كان تاركها تاركا لما هو خير له .
والله تعالى قد وصف الأنبياء والصديقين بهذه ((الإرادة)) فقال
تعالى: ( وَلَ تَطَرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ )
إِلَّا أَبِْغَاءَ وَجْهِرَيِّهِ
*
وقال تعالى: ( وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نَعْمَةٍ تُجْرَىٌ
(
( إِنَّانْطِعِمُكُمْلِوَجْهِ الَِّلَا نُرِدُ مِنْكُرْ جَزَاءُوَلَا شُكُرًا
اُلْأَعْلَى ) وقال تعالى :
( وَلِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّاللَّهَ أَعَدَّ
وقال تعالى :
وقال تعالى: (وَمَنْ أَرَادَ
لِلْمُحْسِنَتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا
(
اُلْآَخِرَةَ وَسَعَى لَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا )
وقال تعالى: (فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الّذِينَ * أَلَاَ لِلَّهِالدِّينُ الْخَالِصُ ) وقال
) وقال تعالى: ( وَأَعْبُدُواْ
تعالى: ( قُلِ اللَّه أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِى
اُللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوْبِهِ، شَيْئًا) وقال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَاُلْإِنْسَ
إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ).
ولا عبادة إلا بإرادة الله، ولما أمر به. وقال تعالى: ( بَلَى
مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِوَهُوَ مُحْسِنٌ ) أي أخلص قصده لله. وقال تعالى:
وإخلاص الدين له
(وَمَا أُمُِّوَا إِلَّا لِيَعْبُدُ واْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)
٤٩٥

هو إرادته وحده بالعبادة. وقال تعالى: ( يُحُهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ) وقال
تعالى: ( وَاُلَّذِينَ ءَامَنُوَ أْأَشَدُّ حُبَّالِلَّهِ) وقال تعالى: ( قُلْ إِنَكُنْتُمْ
) . وكل محب فهو مريد . وقال الخليل
تُحِبُونَاللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُاللهُ
عليه السلام : (لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ) ثم قال: ( إِنِى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ
لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ ).
ومثل هذا كثير فى القرآن، يأمر الله بإرادته، وإرادة ما يأمر
به ، وينهى عن إرادة غيره ، وإرادة ما نهى عنه ، وقد قال النبى
صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ مانوى
فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن
كانت هجرته إلى دنيا يصيبها ، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر
إليه)) فهما ((إرادتان)): إرادة يحبها الله ويرضاها، وإرادة لا يحبها
اللّه ولا يرضاها، بل إما نهى عنها، وإما لم يأمر بها، ولا ينهى عنها
والناس فى الإرادة « ثلاثة أقسام)).
( قوم ) يريدون ما يهوونه ، فهؤلاء عبيد أنفسهم والشيطان .
و (قوم) يزعمون أنهم فرغوا من الإرادة مطلقاً، ولم يبق لهم
مراد إلا ما يقدره الرب ، وإن هذا المقام هو أكمل المقامات . ويزعمون
أن من قام بهذا فقد قام بالحقيقة ، وهي الحقيقة القدرية الكونية : وأنه
٤٩٦

شهد القيومية العامة ، ويجعلون الفناء فى شهود توحيد الربوبية ، هو
الغابة؛ وقد يسمون هذا الجمع والفناء والاصطلام ، ونحو ذلك .
وكثير من الشيوخ زلقوا في هذا الموضع .
وفى (( هذا المقام )) كان النزاع بين الجنيد بن محمد وبين طائفة من
أصحابه الصوفية ؛ فإنهم اتفقوا على شهود توحيد الربوبية ، وأن اللّه خالق
كل شيء وربه ومليكه ، وهو شهود القدر ؛ وسموا هذا مقام الجمع .
فإنه خرج به عن الفرق الأول وهو الفرق الطبيعي بإرادة هذا وكراهة
هذا ، ورؤية فعل هذا وترك هذا ، فإن الإنسان قبل أن يشهد هذا
التوحيد يرى للخلق فعلاً يتفرق به قلبه فى شهود أفعال المخلوقات ؛
ويكون متبعاً لهواه فيما يريده ، فإذا أراد الحق خرج بإرادته عن إرادة
الهوى والطبع ، ثم شهد أنه خالق كل شيء ، مخرج بشهود هذا
الجمع عن ذاك الفرق ، فلما اتفقوا على هذا ذكر لهم الجنيد بن محمد
((الفرق الثانى)) وهو بعد هذا الجمع، وهو الفرق الشرعى. ألا
ترى أنك تريد ما أمرت به ، ولا تريد ما نهيت عنه ؟! وتشهد أن
الله يستحق العبادة دون ما سواه ، وأن عبادته هي بطاعة رسله ،
فتفرق بين المأمور والمحظور ، وبين أوليائه وأعدائه ، وتشهد توحيد
الألوهية، فنازعوه فى هذا ((الفرق ».
(منهم) من أنكره.
٤٩٧

و (منهم ) من لم يفهمه.
و ( منهم ) من ادعى أن المتكلم فيه لم يصل إليه .
ثم إنك تجد كثيراً من الشيوخ إنما ينتهي إلى ذلك الجمع ، وهو
((توحيد الربوبية)» والفناء فيه. كما فى كلام صاحب ((منازل السائرين))
مع جلالة قدره ، مع أنه قطعاً كان قائماً بالأمر والنهي المعروفين ، لكن
قد يدعون أن هذا لأجل العامة .
و ( منهم ) من يتناقض .
و ( منهم ) من يقول الوقوف مع الأمر لأجل مصلحة العامة ،
وقد يعبر عنهم بأهل المارستان .
و ( منهم ) من يسمى ذلك مقام التلبيس .
و ( منهم ) من يقول التحقيق أن يكون الجمع فى قلبك مشهوداً ،
والفرق على لسانك موجوداً ، فيشهد بقلبه استواء المأمور والمحظور مع
تفريقه بينهما .
و ( منهم ) من يرى أن هذه هي الحقيقة التى هي منتهى سلوك
٤٩٨

العارفين ، وغاية منازل الأولياء الصديقين .
و ( منهم ) من يظن أن الوقوف مع إرادة الأمر والنهي يكون
فى السلوك والبداية ، وأما فى النهاية فلا تبقى إلا إرادة القدر ، وهو
فى الحقيقة قول بسقوط العبادة والطاعة ؛ فإن العبادة لله والطاعة له
ولرسوله إنما تكون فى امتثال الأمر الشرعي لا في الجري مع المقدور ،
وإن كان كفراً أو فسوقاً أو عصياناً ، ومن هنا صار كثير من السالكين
من أعوان الكفار والفجار وخفرائهم ، حيث شهدوا القدر معهم ؛
ولم يشهدوا الأمر والنهي الشرعيين .
ومن هؤلاء من يقول : من شهد القدر سقط عنه الملام . ويقولون
إن الخضر إنما سقط عنه الملام لما شهد القدر .
وأصحاب شهود القدر قد يؤتى أحدثم ملكا من جهة خرق العادة
بالكشف والتصرف فيظن ذلك كما لا فى الولاية؛ وتكون تلك ((الخوارق))
إنما حصلت بأسباب شيطانية ، وأهواء نفسانية ؛ وإنما الكمال في الولاية
أن يستعمل خرق العادات فى إقامة الأمر والنهي الشرعيين
مع حصولهما بفعل المأمور وترك المحظور ، فإذا حصلت بغير الأسباب
الشرعية فهي مذمومة ، وإن حصلت بالأسباب الشرعية لكن استعملت
ليتوصل بها إلى محرم كانت مذمومة ، وإن توصل بها إلى مباح
٤٩٩

لا يستعان بها على طاعة كانت للأبرار دون المقربين ، وأما إن حصلت
بالسبب الشرعي واستعين بها على فعل الأمر الشرعي : فهذه خوارق
المقربين السابقين.
فلا بد أن ينظر في ((الخوارق)) فى أسبابها وغايتها : من أين
حصلت ، وإلى ماذا أوصلت - كما ينظر فى الأموال فى مستخرجها
ومصروفها - ومن استعملها - أعني الخوارق - فى إرادته الطبيعية
كان مذموماً ، ومن كان خالياً عن الإرادتين الطبيعية والشرعية فهذا
حسبه أن يعفى عنه ، لكونه لم يعرف الإرادة الشرعية.
وأما إن عرفها وأعرض عنها فإنه يكون مذموماً مستحقاً للعقاب إن
لم يعف عنه ، وهو يمدح بكون إرادته ليست بهواه ؛ لكن يجب مع
ذلك أن تكون موافقة لأمر الله تعالى ورسوله، لا يكفيه أن تكون
لا من هذا ولا من هذا ، مع أنه لا يمكن خلوه عن الإرادة مطلقاً ،
بل لا بد له من إرادة ، فإن لم يرد ما يحبه الله ورسوله، أراد ما لا يحبه
الله ورسوله ؛ لكن إذا جاهد نفسه على ترك ما تهواه بقي مريداً لما يظن
أنه مأمور به ، فيكون ضالاً .
فإن هذا يشبه حال الضالين من النصارى . وقد قال تعالى :
صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ
أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيِمَ
)
٥٠٠