Indexed OCR Text
Pages 401-420
العبد إلهاماً ينفعه ؟ وهذا قد يحصل لكل أحد ليس هو من لوازم هذه الطريق . ولكن التفريخ والتخلية التى جاء بها الرسول أن يفرغ قلبه مما لا يحبه الله ويملؤه بما يحبه الله، فيفرغه من عبادة غير الله ويملؤه بعبادة الله، وكذلك يفرغه عن محبة غير الله ويملؤه بمحبة الله، وكذلك يخرج عنه خوف غير الله ويدخل فيه خوف الله تعالى، وينفي عنه التوكل على غير اللّه ويثبت فيه التوكل على الله. وهذا هو الإسلام المتضمن للإيمان الذي يمده القرآن ويقويه ، لا يناقضه وينافيه ، كما قال جندب وابن عمر: ((تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيماناً)). وأما الاقتصار على الذكر المجرد الشرعي مثل قول: لا إله إلا الله - فهذا قد ينتفع به الإنسان أحياناً، لكن ليس هذا الذكر وحده هو الطريق إلى الله تعالى دون ما عداه ، بل أفضل العبادات البدنية الصلاة ثم القراءة ثم الذكر ثم الدعاء ، والمفضول في وقته الذي شرع فيه أفضل من الفاضل كالتسبيح فى الركوع والسجود فإنه أفضل من القراءة، وكذلك الدعاء في آخر الصلاة أفضل من القراءة ، ثم قد يفتح على الإنسان فى العمل المفضول ما لا يفتح عليه فى العمل الفاضل . وقد ييسر عليه هذا دون هذا فيكون هذا أفضل فى حقه لعجزه عن الأفضل ، كالجائع إذا وجد الخبز المفضول متيسراً عليه والفاضل متعسراً ٤٠١ عليه فإنه ينتفع بهذا الخبز المفضول ، وشبعه واغتذاؤه به حينئذ أولى به . ( السابع ) أن أبا حامد يشبه ذلك بنقش [ أهل ] الصين والروم على تزويق الحائط ، وأولئك صقلوا حائطهم حتى تمثل فيه ما صقله هؤلاء، وهذا قياس فاسد؛ لأن هذا الذي فرغ قلبه لم يكن هناك قلب آخر يحصل له به التحلية كما حصل لهذا الحائط من هذا الحائط . بل هو يقول إن العلم منقوش فى النفس الفلكية؛ ويسمى ذلك ((اللوح المحفوظ)) تبعاً لابن سينا . وقد بينا فى غير هذا الموضع أن ((اللوح المحفوظ )» الذي ذكره الله ورسوله ليس هو النفس الفلكية، وابن سينا ومن تبعه أخذوا أسماء جاء بها الشرع فوضعوا لما مسميات مخالفة لمسميات صاحب الشرع، ثم صاروا يتكلمون بتلك الأسماء فيظن الجاهل أنهم يقصدون بها ما قصده صاحب الشرع ، فأخذوا مخ الفلسفة وكسوه لحاء الشريعة . وهذا كلفظ ((الملك)) و((الملكوت)) و((الجبروت)) و((اللوح المحفوظ)) و ((الملك)) و((الشيطان)) و((الحدوث)) و((القدم)) وغير ذلك . ٤٠٢ وقد ذكرنا من ذلك طرفاً فى الرد على ((الاتحادية)) لما ذكرنا قول ابن سبعين وابن عربى وما يوجد فى كلام أبى حامد ونحوه من أصول هؤلاء الفلاسفة الملاحدة الذين يحرفون كلام الله ورسوله عن مواضعه، كما فعلت طائفة القرامطة الباطنية . و ( المقصود هنا ) أنه لو كانت العلوم تنزل على القلوب من النفس الفلكية كما يزعم هؤلاء فلا فرق في ذلك بين الناظر والمستدل والمفرغ قلبه ، فتمثيل ذلك بنقش أهل الصين والروم تمثيل باطل . ومن أهل هذه الخلوات من لهم أذ كار معينة وقوت معين ، ولهم تنزلات معروفة . وقد بسط الكلام عليها ابن عربي الطائي ومن سلك سبيله كالتلمسانى . وهي تنزلات شيطانية قد عرفتها وخبرت ذلك من وجوه متعددة ، لكن ليس هذا موضع بسطها ، وإنما المقصود التنبيه على هذا الجنس . ومما يأمرون به الجوع والسهر والصمت مع الخلوة بلا حدود شرعية ، بل سهر مطلق ، وجوع مطلق ، وصمت مطلق مع الخلوة ، كما ذكر ذلك ابن عربى وغيره ، وهي تولد لهم أحوالاً شيطانية . وأبو طالب قد ذكر بعض ذلك ؛ لكن أبو طالب أكثر اعتصاماً بالكتاب والسنة من هؤلاء . ولكن يذكر أحاديث كثيرة ضعيفة بل موضوعة . ٤٠٣ من جنس أحاديث المسبعات التى رواها عن الخضر عن النبى صلى الله عليه وسلم ، وهو كذب محض وإن كان ليس فيه إلا قراءة قرآن ، ويذكر أحياناً عبادات بدعية من جنس ما بالغ في مدح الجوع هو وأبو حامد وغيرهما ، وذكروا أنه يزن الخبز بخشب رطب ، كما جف نقص الأكل . وذكروا صلوات الأيام والليالي ، وكلها كذب موضوعة ؛ ولهذا قد يذكرون مع ذلك شيئاً من الخيالات الفاسدة وليس هذا موضع بسط ذلك . وإنما الغرض التنبيه بهذا على جنس من العبادات البدعية وهي ((الخلوات البدعية)) سواء قدرت بزمان أو لم تقدر، لما فيها من العبادات البدعية . إما التى جنسها مشروع ولكن غير مقدرة ، وإما ما كان جنسه غير مشروع ؛ فأما الخلوة والعزلة والانفراد المشروع فهو ما كان مأموراً به أمر إيجاب أو استحباب . ( فالأول ) كاعتزال الأمور المحرمة ومجانبتها كما قال تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِىّ ءَايَئِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْهِ) ومنه قوله تعالى عن الخليل: (فَلَمَّا أَعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ: وقوله عن أهل إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَّ وَكُلََّجَعَلْنَا نَبِيًّا) ٤٠٤ الكهف: ( وَإِذِ اعْتَزَ لْتُمُوهُمْ وَمَايَعْبُدُونَ إِلَّ اللَّهَ فَأَوْ إِلَى الْكَهْفِ ) فإن أولئك لم يكونوا فى مكان فيه جمعة ولا جماعة، ولا من يأمر بشرع ني فلهذا أووا إلى الكهف وقد قال موسى: ( وَإِنََّنُؤْمِنُوْلِى فَأْنَزُونِ ). وأما اعتزال الناس في فضول المباحات وما لا ينفع ، وذلك بالزهد فيه فهو مستحب ، وقد قال طاووس : نعم صومعة الرجل بيته يكف فيه بصره وسمعه. وإذا أراد الإنسان تحقيق على أو عمل فتخلى فى بعض الأماكن مع محافظته على الجمعة والجماعة، فهذا حق كما فى الصحيحين ((أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي الناس أفضل؟ قال: رجل آخذ بعنان فرسه فى سبيل الله كما سمع هيعة طار إليها يتتبع الموت مظانه ، ورجل معتزل في شعب من الشعاب يقيم الصلاة ويؤتى الزكاة ويدع الناس إلا من خير)) وقوله: ((يقيم الصلاة ويؤتى الزكاة)) دليل على أن له ما لا يزكيه وهو ساكن مع ناس يؤذن بينهم وتقام الصلاة فيهم، فقد قال صلوات الله عليه: ((ما من ثلاثة فى قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة جماعة إلا وقد استحوذ عليهم الشيطان )» وقال: ((عليكم بالجماعة فإنما يأخذ الذئب القاصية من الغنم)). ٤٠٥ فصل وهذه ((الخلوات)) قد يقصد أصحابها الأماكن التى ليس فيها أذان ولا إقامة ولا مسجد يصلى فيه الصلوات الخمس ، إما مساجد مهجورة وإما غير مساجد : مثل الكهوف والغيران التى في الجبال ، ومثل المقابر لاسيما قبر من يحسن به الظن ومثل المواضع التى يقال إن بها أثر نى أو رجل صالح ، ولهذا يحصل لهم فى هذه المواضع أحوال شيطانية ، يظنون أنها كرامات رحمانية . فمنهم من يرى أن صاحب القبر قد جاء إليه وقد مات من سنين كثيرة ويقول : أنا فلان ، وربما قال له : نحن إذا وضعنا فى القبر خرجنا كما جرى للتونسي مع نعمان السلامي . والشياطين كثيراً ما يتصورون بصورة الإنس فى اليقظة والمنام ، وقد تأتي لمن لا يعرف فتقول : أنا الشيخ فلان أو العالم فلان . وربما قالت : أنا أبو بكر وعمر وربما أتى في اليقظة دون المنام وقال : أنا المسيح ، أنا موسى ، أنا محمد ، وقد جرى مثل ذلك أنواع أعرفها ٤٠٦ وثم من يصدق بأن الأنبياء بأنون فى اليقظة فى صورم ، وتم شيوخ لهم زهد وعلم وورع ودين يصدقون بمثل هذا . ومن هؤلاء من يظن أنه حين يأتي إلى قبر فى أن النبى يخرج من قبره فى صورته فيكلمه. ومن هؤلاء من رأى في دائرة ذرى الكعبة صورة شيخ قال : إنه إبراهيم الخليل ، ومنهم من يظن أن النبي صلى اللّه عليه وسلم خرج من الحجرة وكلمه . وجعلوا هذا من كراماته ، ومنهم من يعتقد أنه إذا سأل المقبور أجابه . وبعضهم كان يحكي : أن ابن منده كان إذا أشكل عليه حديث جاء إلى الحجرة النبوية ودخل فسأل التى صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأجابه . وآخر من أهل المغرب حصل له مثل ذلك ، وجعل ذلك من كراماته ، حتى قال ابن عبد البر لمن ظن ذلك: ويحك أترى هذا أفضل من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ؟ فهل فى هؤلاء من سأل النبي صلى الله عليه وسلم بعد الموت وأجابه ؟ وقد تنازع الصحابة فى أشياء ، فهلا سألوا النبى صلى الله عليه وسلم فأجابهم ، وهذه ابنته فاطمة تنازع في ميراثه فهلا سألته فأحابها ؟ ٤٠٧ فصل والأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه أجمعين قد أمرنا أن نؤمن بما أوتوه وأن نقتدي بهم وبهداهم. قال تعالى: (قُولُوَاْءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَهِعَمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَآ أُوْتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَآ أُوْتِىَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَغَحْنُ لَهُمُسْلِمُونَ) وقال تعالى: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَ ثُهُمُ أَقْتَدِهْ) ومحمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين لا نبي بعده ، وقد نسخ بشرعه ما نسخه من شرع غيره ، فلم يبق طريق إلى الله إلا باتباع محمد صلى الله عليه وسلم فما أمر به من العبادات أمر إيجاب أو استحباب فهو مشروع، و[كذلك] ما رغب فيه وذكر ثوابه وفضله. ولا يجوز أن يقال إن هذا مستحب أو مشروع إلا بدليل شرعي ولا يجوز أن يثبت شريعة بحديث ضعيف ، لكن إذا ثبت أن العمل مستحب بدليل شرعي ، وروي له فضائل بأسانيد ضعيفة جاز أن تروى إذا لم يعلم أنها كذب ، وذلك أن مقادير الثواب غير معلومة ، فإذا روي فى مقدار الثواب حديث لا يعرف أنه كذب لم يجز أن يكذب ٤٠٨ به ، وهذا هو الذي كان الإمام أحمد بن حنبل وغيره يرخصون فيه وفى روايات أحاديث الفضائل . وأما أن يثبتوا أن هذا عمل مستحب مشروع بحديث ضعيف فحاشا لله، كما أنهم إذا عرفوا أن الحديث كذب فإنهم لم يكونوا يستحلون روايته إلا أن يبينوا أنه كذب لقول النبي صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح: (( من روى عني حديثاً يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين )). وما فعله النبي صلى الله عليه وسلم على وجه التعبد فهو عبادة يشرع التأسي به فيه . فإذا خصص زمانا أو مكانا بعبادة كان تخصيصه بتلك العبادة سنة : كتخصيصه العشر الأواخر بالاعتكاف فيها وكتخصيصه مقام إبراهيم بالصلاة فيه ، فالتأسي به أن يفعل مثل مافعل ، على الوجه الذي فعل ؛ لأنه فعل . وذلك إنما يكون بأن بقصد مثلما قصد ، فإذا سافر لحج أو عمرة أو جهاد وسافرنا كذلك كنا متبعين له ، وكذلك إذا ضرب لإقامة حد ؛ بخلاف من شاركه في السفر وكان قصده غير قصده ، أو شاركه في الضرب وكان قصده غير قصده ، فهذا ليس بمتابع له ، ولو فعل فعلا بحكم الاتفاق مثل نزوله فى السفر بمكان ، أو أن يفضل فى إداوته ماء فيصبه في أصل شجرة ، أو أن تمشي راحلته فى أحد جانبي الطريق ونحو ذلك ، فهل يستحب قصد متابعته في ذلك؟ كان ابن عمر يحب أن ٤٠٩ يفعل مثل ذلك . وأما الخلفاء الراشدون وجمهور الصحابة فلم يستحبوا ذلك ؛ لأن هذا ليس بمتابعة له ، إذ المتابعة لا بد فيها من القصد ، فإذا لم يقصد هو ذلك الفعل بل حصل له بحكم الاتفاق كان فى قصده غير متابع له وابن عمر رضي الله عنه يقول: وإن لم يقصده؛ لكن نفس فعله حسن على أي وجه كان ، فأحب أن أفعل مثله ، إما لأن ذلك زيادة فى محبته وإما لبركة مشابهته له . ومن هذا الباب إخراج التمر فى صدقة الفطر لمن ليس ذلك قوته وأحمد قد وافق ابن عمر على مثل ذلك ، ويرخص فى مثل ما فعله ابن عمر وكذلك رخص أحمد فى التمسح بمقعده من المنبر اتباعا لابن عمر . وعن أحمد فى التمسح بالمنبر روايتان : أشهرهما أنه مكروه كقول الجمهور وأما مالك وغيره من العلماء فيكرهون هذه الأمور وإن فعلها ابن عمر ؛ فإن أكابر الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم لم يفعلها . فقد ثبت بالإسناد الصحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان فى السفر فرآم ينتابون مكانا يصلون فيه فقال: ما هذا؟ قالوا: مكان صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: أتريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد ؟! إنما هلك من كان قبلكم بهذا ، من أدركته فيه الصلاة فليصل فيه وإلا فليمض . ٤١٠ وهكذا للناس قولان فيما فعله من المباحات على غير وجه القصد هل متابعته فيه مباحة فقط أو مستحبة ؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره كما قد بسط ذلك في موضعه، ولم يكن ابن عمر ولا غيره من الصحابة يقصدون الأماكن التى كان ينزل فيها ويبيت فيها مثل بيوت أزواجه ومثل مواضع نزوله فى مغازيه ، وإنما كان الكلام فى مشابهته في صورة الفعل فقط ، وإن كان هو لم يقصد التعبد به ، فأما الأمكنة نفسها فالصحابة متفقون على أنه لا يعظم منها إلا ما عظمه الشارع . فصل وأهل ((العبادات البدعية)) يزين لهم الشيطان تلك العبادات ويبغض إليهم السبل الشرعية حتى يبغضهم فى العلم والقرآن والحديث ، فلا يحبون سماع القرآن والحديث ولا ذكره ، وقد يبغض إليهم حتى الكتاب فلا يحبون كتابا ولا من معه كتاب ، ولو كان مصحفاً أو حديثاً ؛ كما حكى النصرباذي أنهم كانوا يقولون : يدع على الخرق ويأخذ على الورق، قال: وكنت أستر ألواحى منهم ، فلما كبرت احتاجوا إلى علمي . وكذلك حكى السري السقطي : أن واحداً منهم دخل عليه فلما رأى عنده محبرة وقلما خرج ولم يقعد عنده ؛ ولهذا قال سهل بن عبد ٤١١ الله التستري : يامعشر الصوفية لا تفارقوا السواد على البياض ، فما فارق أحد السواد على البياض إلا تزندق . وقال الجنيد : علمنا هذا مبني على الكتاب والسنة ، فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لايقتدى به في هذا الشأن . وكثير من هؤلاء ينفر من يذكر الشرع أو القرآن أو يكون معه كتاب أو يكتب ؛ وذلك لأنهم استشعروا أن هذا الجنس فيه ما يخالف طريقهم ، فصارت شياطينهم تهربهم من هذا ، كما يهرب اليهودي والنصرانى ابنه أن يسمع كلام المسلمين حتى لا يتغير اعتقاده في دينه ، وكما كان قوم نوح مجعلون أصابعهم فى آذانهم ويستغشون ثيابهم لئلا يسمعوا كلامه ولا يروه. وقال الله تعالى عن المشركين: (وَقَالَ وقال الَّذِينَ كَفَرُوْلَ تَسْمَعُو ◌ْلِهَذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوْفِيهِلَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) تعالى: ( فَمَالَمْ عَنِ النَّذْكِرَوْمُعْرِضِينَ * كَنَّهُمْ حُمُرٌمُسْتَنِفِرَةٌ * فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةِ) . وثم من أرغب الناس فى السماع البدعي سماع المعازف. ومن أزهدم فى السماع الشرعي سماع آيات الله تعالى . وكان مما زين لهم طريقهم أن وجدوا كثيراً من المشتغلين بالعلم والكتب معرضين عن عبادة الله تعالى وسلوك سبيله، إما اشتغالا بالدنيا وإما بالمعاصي وإما جهلا وتكذيباً بما يحصل لأهل التأله والعبادة فصار وجود هؤلاء مما ينفرم ، وصار بين الفريقين نوع تباغض يشبه ٤١٢ من بعض الوجوه ما بين أهل الملتين : هؤلاء يقولون ليس هؤلاء على شيء . وهؤلاء يقولون ليس هؤلاء على شيء ، وقد يظنون أنهم يحصل لهم بطريقهم أعظم مما يحصل فى الكتب . فمنهم من يظن أنه يلقن القرآن بلا تلقين . ويحكون أن شخصاً حصل له ذلك ، وهذا كذب . نعم قد يكون سمع آيات الله فلما صفى نفسه تذكرها فتلاها . فإن الرياضة تصقل النفس فيذكر أشياء كان قد نسيها ، ويقول بعضهم أو يحكى أن بعضهم قال : أخذوا علىهم ميتاً عن ميت ، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت . وهذا يقع ، لكن منهم من يظن أنما يلقى إليه من خطاب أو خاطر هو من الله تعالى بلا واسطة ، وقد يكون من الشيطان وليس عندم فرقان يفرق بين الرحماني والشيطاني ، فإن الفرق الذي لا يخطئ هو القرآن والسنة فما وافق الكتاب والسنة فهو حق وما خالف ذلك فهو خطأ . وقد قال تعالى: (وَمَنْ يَعْشُ عَن ذِكْرِالرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَنَّا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّىَ إِذَا جَآءَ نَا قَالَ يَلَيْتَ بَيْنِ وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِيْنُ) وذكر الرحمن هو ما أنزله على رسوله قال تعالى: (وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكُ أَنْزَلْنَهُ ) وقال تعالى: (وَمَا هُوَ الَّذِكْ لِلْعَلَمِينَ) وقال تعالى: ٤١٣ ( فَإِمَّا يَأْنِيَنَّكُمْ مِنِى هُدَّى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَعَنذِكْرِى فَإِنَّلَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَحَشَرْتَفِى أَعْمَى وَقَذْكُنْتُ بَصِيرًا ( قَالَ كَذَلِكَ أَنْتَكَ ءَ ايَتُنَا فَنَسِنَها وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ نُنسَى وقال تعالى : ( إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِىِ هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَِّحَتِ أَنَّلَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا * وَأَنَّ الَّذِينَ ) وقال لَيُؤْمِنُونَ بِآلْآَخِرَةِ أَعْتَدْنَالَهُمْ عَذَابَا أَلِيمًا تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْ حَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَاكُنْتَ تَدْرِى مَا الْكِنَبُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَهُ نُورَّا نَّهْدِى بِهِ، مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنأْ وَإِنَّكَ لَتَهْدِىَّ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِالَّذِى لَهُ. مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ أَلَا إِلَى الَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ) وقال تعالى : (كِتَبُ أَنزَ لْنَهُ إِلَيْكَ لِنُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الْظُلُّمَتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) وقال تعالى: (قَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِ، وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَأَتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِىَ أُنْزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ). ثم إن هؤلاء لما ظنوا أن هذا يحصل لهم من الله بلا واسطة صاروا عند أنفسهم أعظم من اتباع الرسول . يقول أحدهم : فلان ے عطيته على يد محمد ، وأنا عطيتى من الله بلا واسطة . ويقول أيضاً : فلان يأخذ عن الكتاب ، وهذا الشيخ بأخذ عن الله، ومثل هذا . وقول القائل: «يأخذ عن الله، وأعطاني الله)) لفظ مجمل، فإن ٤١٤ أراد به الإعطاء والأخذ العام وهو ((الكوفي الخاقي)) أي: بمشيئة الله وقدرته حصل لي هذا ، فهو حق ، ولكن جميع الناس يشاركونه فى هذا ، وذلك الذي أخذ عن الكتاب هو أبضاً عن الله أخذ بهذا الاعتبار . والكفار من المشركين، وأهل الكتاب أيضاً م كذلك ، وإن أراد أن هذا الذي حصل له هو مما يحبه الله ويرضاه ويقرب إليه ، وهذا الخطاب الذي يلقى إليه هو كلام الله تعالى. فهنا طريقان: ( أحدهما ) : أن يقال له من أين لك هذا؟ إنما هو من الله لا من الشيطان وإلقائه ووسوسته ؟ فإن الشياطين يوحون إلى أولياتهم وينزلون عليهم . كما أخبر الله تعالى بذلك فى القرآن ، وهذا موجود كثيراً فى عباد المشركين، وأهل الكتاب وفى الكهان والسحرة ونحوهم وفى أهل البدع بحسب بدعتهم ، فإن هذه الأحوال قد تكون شيطانية وقد تكون رحمانية ، فلا بد من الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ، والفرقان إنما هو الفرقان الذي بعث الله به محمداً صلى الله ( عليه وسلم فهو: ﴿ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا وهو الذي فرق الله به بين الحق والباطل ، وبين الهدى والضلال ، وبين الرشاد والفي ، وبين طريق الجنة، وطريق النار ، وبين سبيل أولياء الرحمن، وسبيل أولياء الشيطان . كما قد بسط الكلام على هذا فى غير هذا الموضع . ٤١٥ و ( المقصود هنا ) أنه يقال لهم: إذا كان جنس هذه الأحوال مشتركا بين أهل الحق وأهل الباطل فلا بد من دليل يبين أن ماحصل لكم هو الحق . ( الطريق الثاني ) أن يقال : بل هذا من الشيطان لأنه مخالف لما بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم؛ وذلك أنه ينظر فيما حصل له وإلى سببه وإلى غايته ، فإن كان السبب عبادة غير شرعية مثل أن يقال له !: أسجد لهذا الصنم حتى يحصل لك المراد ، أو استشفع بصاحب هذه ء الصورة حتى يحصل لك المطلوب ، أو ادع هذا المخلوق واستغث به مثل أن يدعو الكواكب كما يذكرونه فى كتب دعوة الكواكب ، أو أن يدعو مخلوقاً كما يدعو الخالق سواء كان المخلوق ملكا أو نبياً أو شيخاً ، فإذا دعاء كما يدعو الخالق سبحانه إما دعاء عبادة وإما دعاء مسألة صار مشركا به، فحينئذ ما حصل له بهذا السبب حصل بالشرك كما كان يحصل للمشركين . وكانت الشياطين تتراءى لهم أحياناً ، وقد يخاطبونهم من الصنم ويخبرونهم ببعض الأمور الغائبة . أو يقضون لهم بعض الحوائج ، فكانوا يبذلون لهم هذا النفع القليل بما اشتروه منهم من توحيدهم وإيمانهم الذي هلكوا بزواله كالسحر قال الله تعالى: ( وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ، بَيْنَ الْمَرْءِ ٤١٦ وَزَوْجِهِ، وَمَاهُمْ بِضَآرِينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ إِلَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَنَعَلَُّونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِّمُوْ لَمَنْ أَشْتَرَنَّهُ مَالَهُ فِى الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَقٍّ وَلَبِتْسَ مَاشَرَوْابِهِ: أَنْفُسَهُمْ لَوْكَانُوا يَعْلَمُونَ). وكذلك قد يكون سببه سماع المعازف، وهذا كما يذكر عن عثمان ابن عفان رضي الله عنه أنه قال: ((اتقوا الخمر فإنها أم الخبائث؛ وإن رجلا سأل امرأة فقالت : لا أفعل حتى تسجد لهذا الوثن ، فقال لا أشرك بالله، فقالت : أو تقتل هذا الصبى ؟ فقال : لا أقتل النفس التى حرم الله ، فقالت : أو تشرب هذا القدح ؟ فقال هذا أهون ، فلما شرب الخمر قتل الصبى، وسجد للوثن وزنى بالمرأة )) . و ((المعازف)» هي خمر النفوس ، تفعل بالنفوس أعظم مما تفعل حميا الكؤوس ، فإذا سكروا بالأصوات حل فيهم الشرك ومالوا إلى الفواحش وإلى الظلم ، فيشركون ويقتلون النفس التي حرم الله ويزنون . وهذه ((الثلاثة)) موجودة كثيراً فى أهل ((سماع المعازف»: سماع المكاه والتصدية، أما ((الشرك)) فغالب عليهم بأن يحبوا شيخهم، أو غيره مثل ما يحبون الله ويتواجدون على حبه . وأما ((الفواحش)) فالغناء رقية الزنا، وهو من أعظم الأسباب ٤١٧ لوقوع الفواحش ، ويكون الرجل والصبى والمرأة فى غاية العفة والحرية حتى يحضره ، فتنحل نفسه وتسهل عليه الفاحشة ويميل لها فاعلا أو مفعولا به أو كلاهما كما يحصل بين شاربي الخمر وأكثر .. وأما (( القتل )) فإن قتل بعضهم بعضاً فى السماع كثير يقولون : قتله بحاله ويعدون ذلك من قوته ، وذلك أن معهم شياطين تحضرم فأيهم كانت شياطينه أقوى قتل الآخر ، كالذين يشربون الخمر ومعهم أعوان لهم فإذا شربوا عربدوا فأيهم كانت أعوانه أقوى قتل الآخر ، وقد جرى مثل هذا لكثير منهم ، ومنهم من يقتل إما شخصاً وإما فرساً أو غير ذلك بحاله ، ثم يقوم صاحب الثأر ويستغيث بشيخه فيقتل ذلك الشخص وجماعة معه: إما عشرة ، وإما أقل أو أكثر . كما جرى مثل هذا لغير واحد ، وكان الجهال يحسبون هذا من ( باب الكرامات ) . فلما تبين لهم أن هذه أحوال شيطانية ، وأن هؤلاء معهم شياطين تعينهم على الإثم والعدوان عرف ذلك من بصره الله تعالى وانكشف التلبيس والغش الذي كان لهؤلاء . وكنت فى أوائل عمري حضرت مع جماعة من أهل «الزهد والعبادة والإرادة» فكانوا من خيار أهل هذه الطبقة . فبتنا بمكان وأرادوا أن ٤١٨ ء يقيموا سماعا وأن احضر معهم فامتنعت من ذلك فجعلوا لي مكانا منفرداً قعدت فيه ، فلما سمعوا وحصل الوجد والحال صار الشيخ الكبير يهتف بي فی حال وجده ويقول : يافلان قد جاءك نصيب عظيم تعال خذ نصيبك ، فقلت فى نفسي ثم أظهرته لهم لما اجتمعنا : أنتم فى حل من هذا النصيب فكل نصيب لا يأتي عن طريق محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم فإنى لا آكل منه شيئاً . وتبين لبعض من كان فيهم ممن له معرفة وعلم أنه كان معهم الشياطين ، وكان فيهم من هو سكران بالخمر . ء والذي قلته معناه أن هذا النصيب وهذه العطية والموهبة والحال سببها غير شرعي، ليس هو طاعة لله ورسوله ولا شرعها الرسول فهو مثل من يقول: تعال اشرب معنا المر ونحن نعطيك هذا المال، أو عظم هذا الصنم ونحن نوليك هذه الولاية ونحو ذلك . وقد يكون سبيه نذراً لغير الله سبحانه وتعالى: مثل أن ينذر اصنم أو كنيسة، أو قبر أو نجم، أو شيخ ونحو ذلك من النذور التى فيها شرك ، فإذا أشرك بالنذر فقد يعطيه الشيطان بعض حوائجه كما تقدم فى السحر . وهذا بخلاف النذر للّه تعالى فإنه ثبت فى الصحيحين عن ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن النذر وقال: ((إنه لا يأتى ٤١٩ بخير، وإنما يستخرج به من البخيل )) وفى الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم محوه وفى رواية: ((فإن النذر يلقي ابن آدم إلى القدر)) فهذا المنهي عنه هو النذر الذي يجب الوفاء به منهي عن عقده ، ولكن إذا كان قد عقده فعليه الوفاء به كما فى صحيح البخاري عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)) . وإنما نهى عنه صلى الله عليه وسلم لأنه لافائدة فيه إلا التزام ما التزمه وقد لايرضى به فيبقى آماً . وإذا فعل تلك العبادات بلا نذر كان خيراً له، والناس يقصدون بالنذر تحصيل مطالبهم، فبين النبى صلى الله عليه وسلم أن النذر لا يأتى بخير ، فليس النذر سبباً فى حصول مطلوبهم ، وذلك أن الناذر إذا قال : لله علي إن حفظني الله القرآن أن أصوم مثلا ثلاثة أيام، أو إن عافانى الله من هذا المرض، أو إن دفع الله هذا العدو، أو إن قضى عنى هذا الدين فعلت كذا ، فقد جعل العبادة التي التزمها عوضاً عن ذلك المطلوب . والله سبحانه لا يقضي تلك الحاجة بمجرد تلك العبادة المنذورة ، بل ينعم على عبده بذلك المطلوب ليبتليه أيشكر أم يكفر ؟ وشكره يكون بفعل ما أمره به وترك ما نهاه عنه . وأما تلك العبادة المنذورة فلا تقوم بشكر تلك النعمة ولا ينعم الله تلك النعمة ليعبده العبد تلك العبادة المنذورة التى كانت مستحبة فصارت ٤٢٠