Indexed OCR Text
Pages 301-320
فقد تكون معرفته بالخير ومحبته له ومعرفته بالشر وبغضه له أكمل ممن لم يعرف الخير والشر ويذقهما كما ذاقها؛ بل من لم يعرف إلا الخير فقد يأتيه الشر فلا يعرف أنه شر، فإما أن يقع فيه ، وإما أن لا ينكره كما أنكره الذي عرفه . ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ فى الإسلام من لم يعرف الجاهلية. وهو كما قال عمر ؛ فإن كمال الإسلام هو بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتمام ذلك بالجهاد في سبيل الله، ومن نشأ في المعروف لم يعرف غيره فقد لا يكون عنده من العلم بالمنكر وضرره ما عند مَنْ عَليه، ولا يكون عنده من الجهاد لأهله ما عند الخبير بهم ؛ ولهذا يوجد الخبير بالشر وأسبابه إذا كان حسن القصد عنده من الاحتراز عنه ومنع أهله والجهاد لهم ما ليس عند غيره. ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم أعظم إيمانا وجهاداً ممن بعدهم، لكمال معرفتهم بالخير والشر ، وكمال محبتهم للخير وبغضهم للشر ، لما علموه من حسن حال الإسلام والإيمان والعمل الصالح ، وقبح حال الكفر والمعاصي ، ولهذا يوجد من ذاق الفقر والمرض والخوف أحرص على الغني والصحة والأمن ممن لم يذق ذلك . ولهذا يقال : والضد يظهر حسنه الضد . ٣٠١ ويقال : وبضدها تتبين الأشياء . وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول : لست بخب ولا يخدعني الخب. فالقلب السليم المحمود هو الذي يريد الخير لا الشر، وكمال ذلك بأن يعرف الخير والشر ، فأما من لا يعرف الشر فذاك نقص فيه لا يمدح به . وليس المراد أن كل من ذاق طعم الكفر والمعاصي يكون أعلم بذلك وأكره له ممن لم يذقه مطلقاً ؛ فإن هذا ليس بمطرد ، بل قد يكون الطبيب أعلى بالأمراض من المرضى ، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام أطباء الأديان فهم أعلم الناس بما يصلح القلوب ويفسدها، وإن كان أحدم لم يذق من الشر ما ذاقه الناس . ولكن المراد أن من الناس من يحصل له بذوقه الشر من المعرفة به، والنفور عنه ، والمحبة للخير إذا ذاقه مالا يحصل لبعض الناس ، مثل من كان مشركا أو يهوديا أو نصرانياً، وقد عرف ما فى الكفر من الشبهات والأقوال الفاسدة والظلمة والشر ، ثم شرح الله صدره للإسلام، وعرفه محاسن الإسلام ؛ فإنه قد يكون أرغب فيه ، وأكره للكفر من بعض من لم يعرف حقيقة الكفر والإسلام؛ بل هو معرض عن بعض حقيقة هذا وحقيقة هذا، أو مقلد فى مدح هذا وذم هذا . ٣٠٢ ومثال ذلك من ذاق طعم الجموع ثم ذاق طعم الشبح بعده ، أو ذاق المرض ثم ذاق طعم العافية بعده، أو ذاق الخوف ثم ذاق الأمن بعده ، فإن محبة هذا ورغبته فى العافية والأمن والشبع ونفوره عن الجوع والخوف والمرض أعظم ممن لم يبتل بذلك ولم يعرف حقيقته . وكذلك من دخل مع أهل البدع والفجور ، ثم بين الله له الحق وتاب عليه توبة نصوحا، ورزقه الجهاد فى سبيل الله، فقد يكون بيانه لحالهم، وهجره المساويهم؛ وجهاده لهم أعظم من غيره، قال نعيم بن حماد الخزاعي - وكان شديداً على الجهمية - أنا شديد عليهم؛ لأنى كنت منهم. وقد قال الله تعالى: ( ثُمَّإِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُواْثُمَّ جَهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ) نزلت هذه الآية فى طائفة من الصحابة كان المشركون فتنوم عن دينهم ثم تاب الله عليهم ، فهاجروا إلى الله ورسوله ؛ وجاهدوا وصبروا. وكان عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد رضي الله عنها من أشد الناس على الإسلام فلما أسلما تقدما على من سبقها إلى الإسلام ؛ وكان [ بعض من سبقها] دونهما فى الإيمان والعمل الصالح بما كان عندهما من كمال الجهاد للكفار والنصر لله ورسوله ؛ وكان عمر لكونه أكمل إيمانا وإخلاصاً وصدقا ومعرفة وفراسة ونوراً أبعد عن هوى النفس وأعلى همة ٣٠٣ في إقامة دين الله ، مقدما على سائر المسلمين ، غير أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين. وهذا وغيره مما يبين أن الاعتبار بكمال النهاية لابنقص البداية . وما يذكر فى الإسرائيليات: (( أن الله قال لداود : أما الذنب فقد غفرناه ؛ وأما الود فلا يعود)) فهذا لو عرفت صحته لم يكن شرعا لنا وليس لنا أن نبني ديننا على هذا ؛ فإن دين محمد صلى الله عليه وسلم فى التوبة باء بما لم يجئ به شرع من قبله؛ ولهذا قال؛ (« أنا نى الرحمة ؛ وأنا نى التوبة)) وقد رفع به من الآصار والأغلال ما كان على من قبلنا . وقد قال تعالى فى كتابه: (إِنَّاللَّهَ يُحِبُّ الثَّوَّبِينَ وَيُحِبُّالْمُتَطَهِّرِينَ) وأخبر أنه تعالى يفرح بتوبة عبده التائب أعظم من فرح الفاقد لما يحتاج إليه من الطعام والشراب والمركب إذا وجده بعد اليأس. فإذا كان هذا فرح الرب بتوبة التائب وتلك محبته ؛ كيف يقال : إنه لا يعود لمودته ( وَهُوَالْغَفُورُاُلْوَدُودُ * ذُوَاُ لْعَرْشِ الْمَجِدُ * فَعَالٌ لِمَايُرِيدُ ) ولكن وده وحبه بحسب ما يتقرب إليه العبد بعد التوبة ؛ فإن كان ما يأتي به من محبوبات الحق بعد التوبة أفضل مما كان يأتى به قبل ذلك كانت مودته له بعد التوبة أعظم من مودته له قبل التوبة ؛ وإن كان أنقص ٣٠٤ كان الأمر أنقص ؛ فإن الجزاء من جنس العمل ؛ وما ربك بظلام للعبيد. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((يقول الله تعالى: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب؛ وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به، وبده التى يبطش بها ، ورجله التى يمشي بها : فى يسمع وبى لبصر وبى يبطش وبى يمشي، ولئن سألني لأعطينه ؛ ولئن استعاذتى لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن بكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه)). ومعلوم أن أفضل الأولياء بعد الأنبياء م السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ؛ وكانت محبة الرب لهم ومودته لهم بعد توبتهم من الكفر والفسوق والعصيان أعظم محبة ومودة ، وكلما تقربوا إليه بالتوافل بعد الفرائض أحبهم وودم . وقد قال تعالى: (عَسَى اللّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْوَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ قَوَدَّةُ وَالَهُ قَدِيَّ وَاَللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ). نزلت فى المشركين الذين عادوا الله ورسوله مثل ((أهل الأحزاب)) كأبى سفيان بن حرب ، وأبي سفيان بن الحارث، والحارث بن هشام ، وسهيل بن عمرو ، وعكرمة ابن أبى جهل، وصفوان بن أمية ، وغيرهم. فإنهم بعد معاداتهم الله ورسوله ٣٠٥ جعل اللّه بينهم وبين الرسل والمؤمنين مودة ، وكانوا فى ذلك متفاضلين وكان عكرمة وسهيل والحارث بن هشام أعظم مودة من أبى سفيان بن حرب ونحوه. وقد ثبت فى الصحيح ((أن هند امرأة أبى سفيان أم معاوية قالت: والله يارسول الله! ما كان على وجه الأرض أهل خباء أحب إلي أن يذلوا من أهل خبائك ، وقد أصبحت وما على وجه الأرض أهل خباء أحب إلي أن يعزوا من أهل خبائك فذكر النبى صلى الله عليه وسلم لها نحو ذلك)). ومعلوم أن المحبة والمودة التى بين المؤمنين إنما تكون تابعة لحبهم الله تعالى، فإن أوثق عرى الإيمان الحب في الله، والبغض فى الله. فالحب للّه من كمال التوحيد؛ والحب مع الله شرك. قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبّ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُ حُبَّالِلّهِ ) فتلك المودة التى صارت بين الرسول والمؤمنين وبين الذين عادوم من المشركين إنما كانت مودة للّه ومحبة الله ومن أحب الله أحبه اللّه، ومن ود الله وده الله، فعلم أن الله أحبهم وودهم بعد التوبة . كما أحبوه وودوه ، فكيف يقال: إن التائب إنما تحصل له المغفرة دون المودة ؟ ! . وإن قال قائل : أولئك كانوا كفاراً ، لم يعرفوا أن ما فعلوه محرم؛ بل كانوا جهالا ، بخلاف من علم أن الفعل محرم وأتاه . ٣٠٦ قيل : الجواب من وجهين : ( أحدهما ) أنه ليس الأمر كذلك ؛ بل كان كثير من الكفار يعلمون أن محمداً رسول الله، ويعادونه حسداً وكبراً وأبو سفيان قد سمع من أخبار نبوة النبي صلى الله عليه وسلم مالم يسمع غيره، كما سمع من أمية بن أبي الصلت ، وما سمعه من هرقل ملك الروم، وقد أخبر عن نفسه أنه لم يزل موقناً أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم سيظهر حتى أدخل الله عليه الإسلام ، وهو كاره له ، وقد سمع منه عام اليرموك وغيره مادل على حسن إسلامه ومحبته الله ورسوله بعد تلك العداوة العظيمة . وقد قال تعالى: (وَاُلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَاءَ اخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْفِيهِ، مُهَانًا * إِلَّ مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَبِكَ فإذا كان الله يبدل يُبَدِّلُ اَللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ) سيئاتهم حسنات فالحسنات توجب مودة الله لهم، وتبديل السيئات حسنات ليس مختصاً بمن كان كافراً، وقد قال تعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَلَةٍ ثُمَّيَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ قال أبو العالية : سألت أصحاب رسول اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ) الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فقالوا لي: كل من عصى الله فهو ٣٠٧ جاهل ، وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب . ( الوجه الثانى ) : أن ما ذكر من الفرق بين تائب وتائب فى محبة الله تعالى للتائبين فرق لا أصل له ؛ بل الكتاب والسنة يدل على أن الله يحب التوابين، ويفرح بتوبة التائبين، سواء كانوا عالمين بأن ما أتوه ذنباً أو لم يكونوا عالمين بذلك. ومن علم أن ما أتاه ذنباً ثم تاب فلا بد أن يبدل وصفه المذموم بالمحمود ؛ فإذا كان يبغض الحق فلا بد أن يحبه ، وإذا كان يحب الباطل فلا بد أن يبغضه . فما يأتى به التائب من معرفة الحق ومحبته والعمل به ، ومن بغض الباطل واجتنابه هو من الأمور التى يحبها الله تعالى ويرضاها ، ومحبة اللّه كذلك بحسب ما يأتى به العبد من محابه ، فكل من كان أعظم فعلا لحبوب الحق كان الحق أعظم محبة له ، وانتقاله من مكروه الحق إلى محبوبه مع قوة بغض ما كان عليه من الباطل ، وقوة حب ما انتقل إليه من حب الحق ؛ فوجب زيادة محبة الحق له ومودته إياه ؛ بل يبدل الله سيئاته حسنات لأنه بدل صفاته المذمومة بالمحمودة فيبدل الله سيئاته حسنات ، فإن الجزاء من جنس العمل . وحينئذ فإذا كان إنيان التائب بما يحبه الحق أعظم من إتيان غيره كانت محبة الحق له أعظم وإذا كان فعله لما يوده اللّه منه أعظم من فعله له قبل التوبة كانت ٣٠٨ مودة الله له بعد التوبة أعظم من مودته له قبل التوبة، فكيف يقال الود لا يعود . وبهذا يظهر جواب شبهة من يقول : إن الله لا يبعث نبياً إلا من كان معصوماً قبل النبوة، كما يقول ذلك طائفة من الرافضة وغيرهم . وكذلك من قال: إنه لا يبعث نبياً إلا من كان مؤمناً قبل النبوة، فإن هؤلاء توهموا أن الذنوب تكون نقصاً وإن تاب التائب منها ، وهذا منشأ غلطهم فمن ظن أن صاحب الذنوب مع التوبة النصوح يكون ناقصاً فهو غالط غلطاً عظيماً ، فإن الفم والعقاب الذي يلحق أهل الذنوب لا يلحق التائب منه شيء أصلاً؛ لكن إن قدم التوبة لم يلحقه شيء ، وإن أخر التوبة فقد يلحقه ما بين الذنوب والتوبة من الذم والعقاب ما يناسب حاله . والأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه كانوا لا يؤخرون التوبة؛ بل يسارعون إليها ، ويسابقون إليها ؛ لا يؤخرون ولا يصرون على الذنب بل ثم معصومون من ذلك ، ومن أخر ذلك زمناً قليلاً كفر اللّه ذلك بما يبتليه به كما فعل بذي النون صلى الله عليه وسلم هذا على المشهور أن إلقاءه كان بعد النبوة ؛ وأما من قال إن إلقاءه كان قبل النبوة فلا يحتاج إلى هذا . ٣٠٩ والتائب من الكفر والذنوب قد يكون أفضل ممن لم يقع فى الكفر والذنوب ؛ وإذا كان قد يكون أفضل ، فالأفضل أحق بالنبوة ممن ليس مثله فى الفضيلة ، وقد أخبر الله عن إخوة يوسف بما أخبر من ذنوبهم وهم الأسباط الذين نبأم الله تعالى وقد قال تعالى: (فَمَنَ لَهُ أُوطٌ وَقَالَ فآمن لوط لإبراهيم عليه السلام ثم أرسله إِنِ مُهَاجِرُ إِلَىرَبِّ ) . الله تعالى إلى قوم لوط وقد قال تعالى فى قصة شعيب: (قَالَ الْعَلَأُ الَّذِينَ أَسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَتَّكَ يَشُعَيْبُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَّاً قَالَ أَوَلَوْ كُتََّكَرِهِينَ * قَدِ أَفْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِّبَا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَِّكُمْ بَعْدَ إِذْ نَتْنَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَّا أَنْ تَّعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ رَبَّنَا وَسِعَ رَبُنَا كُلَّ شَىْءٍ عِلْمَاً عَلَى اَللَّهِ تَوَكَنَا رَبَّنَا اُفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَئِحِينَ ) وقال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُ و ◌ْلِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِ حَنَّكُمْ مِّنْ أَرْضِنَا أَوْلَتَعُودُنَّ فِي مِلَتِنَا فَأَوْ عَّ إِلَيْهِمْرَتُهُمْلَتُلِكَنَّ الَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَتَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمَّ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدٍ ) . وإذا عرف أن الاعتبار بكمال النهاية ، وهذا الكمال إنما يحصل بالتوبة والاستغفار ، ولا بد لكل عبد من التوبة وهي واجبة على الأولين والآخرين . كما قال تعالى : (لِيُعَذِّبَ اَللَّهُ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَاُلْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكِتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ). ٣١٠ وقد أخبر الله سبحانه بتوبة آدم ونوح ومن بعدهما إلى خاتم المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم، وآخر ما نزل عليه - أو من آخر ما نزل عليه - قوله تعالى: ( إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْ خُلُونَ فِ دِينِ اللَّهِ أَفْوَجًا * فَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَأَسْتَغْفِرُهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَابًا). وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي )» يتأول القرآن . (لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وقد أنزل الله عليه قبل ذلك : وَاَلْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَاكَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّتَابَ عَلَيْهِ مَّ إِنَّهُ بِهِمْرَءُوفٌ رَحِيمٌ). وفى صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: ((يا أيها الناس توبوا إلى ربكم فوالذي نفسي بيده إنى لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة)). وفى صحيح مسلم عن الأغر المزنى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إنه ليفان على قلبى وإنى لأستغفر الله فى اليوم مائة مرة )) . وفى السنن عن ابن عمر أنه قال : كنا نعد الرسول الله صلى الله عليه وسلم فى المجلس الواحد يقول: ((رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور)) مائة مرة. وفى الصحيحين عن أبى موسى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه كان ٣١١ يقول: ((اللهم اغفر لي خطيئى وجهلي وإسرافي فى أمري وما أنت أعلم به مني ؛ اللهم اغفر لي هزلي وجدي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي ، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني . أنت المقدم وأنت المؤخر ، وأنت على كل شيء قدير )). وفى الصحيحين عن أبي هريرة أنه قال: (( يا رسول الله! أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ماذا تقول ؟ قال : أقول : اللهم ! باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب ، اللهم ! نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ، اللهم اغسلنى من خطاياي بالثلج والبرد والماء البارد)). وفى صحيح مسلم وغيره أنه كان يقول : نحو هذا إذا رفع رأسه من الركوع ، وفى صحيح مسلم عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول فى دعاء الاستفتاح: ((اللهم! أنت الملك لا إله إلا أنت ، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي وعملت سوءاً فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت واهدني لأحسن الأخلاق لايهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عنى سيئها لا يصرف عنى سيئها إلا أنت)). وفى صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول فى سجوده: (( اللهم ! اغفر لي ذنى كله دقه وجله ، علانيته وسره ، أوله وآخره ». ٣١٢ وفى السنن عن على « أن النبى صلى الله عليه وسلم أتى بدابة ليركبها وأنه حمد الله وقال (سُبْحَنَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّ لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّ إِلَى رَبِنَا لَمُنْقَلِبُونَ ) ثم كبره وحمده ثم قال : سبحانك ظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ، ثم ضحك ! وقال إن الرب يعجب من عبده إذا قال اغفر لي ، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ، يقول علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب إلا أنا)). وقد قال تعالى: (وَأُسْتَغْفِرْ لِذَئِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِّ ) وقال: ( إِنَّافَتَحْنَالَكَ فَتَحَامُّبِينًا * لِيَغْفِرَلَكَ اللَّهُ مَاتَّقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَرَ ) وثبت في الصحيحين فى حديث الشفاعة (( أن المسيح يقول : اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر)). وفى الصحيح (( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم حتى ترم قدماه ، فيقال له : أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! قال أفلا أكون عبداً شكوراً)). ونصوص الكتاب والسنة فى هذا الباب كثيرة متظاهرة والآثار فى ذلك عن الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين كثيرة. لكن المنازعون يتأولون هذه النصوص من جنس تأويلات الجهمية والباطنية كما فعل ذلك من صنف فى هذا الباب . وتأويلاتهم تبين لمن ٣١٣ تدبرها إنها فاسدة من باب تحريف الكلم عن مواضعه . كتأويلهم قوله المتقدم ذنب آدم (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَاتَّقَذَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ) والمتأخر ذنب أمته وهذا معلوم البطلان ويدل على ذلك وجوه: ( أحدها ) أن آدم قد تاب الله عليه قبل أن ينزل إلى الأرض فضلاً عن عام الحديبية الذي أنزل الله فيه هذه السورة قال تعالى : وقال : (وَعَصَّءَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىُ * ثُمَ اجْتَلَهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى) ( فَقَّىْءَادَمُ مِن رَّبِّهِ، كَلِمَتٍ فَتَابَ عَلَيْهِإِنَّهُ هُوَ النَّوَّابُالرَّحِيمُ) وقد (رَبَّنَا ظَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ ذكر أنه قال : مِنَ الْخَسِرِينَ ). و (الثاني ) أن يقال: فآدم عندكم من جملة موارد النزاع ولا يحتاج أن يغفر له ذنبه عند المنازع فإنه نبى أيضاً ، ومن قال : إنه لم يصدر من الأنبياء ذنب يقول ذلك عن آدم ومحمد وغيرهما . الوجه ( الثالث ) أن الله لا يجعل الذنب ذنباً لمن لم يفعله فإنه هو القائل: ( وَلَتَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) . فمن الممتنع أن يضاف إلى محمد صلى الله عليه وسلم ذنب آدم صلى الله عليه وسلم أو أمته أو غيرها. وقد قال تعالى: ( فَإِنََّيْهِ مَاعِلَ وَعَيَّكُمْ مَّا ◌ُلْتُمْ ) وقال تعالى: (فَقَئِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِلَا تُكَّفُ إِلََّ نَفْسَكَ) ولو جاز هذا لجاز ٣١٤ أن يضاف إلى محمد ذنوب الأنبياء كلهم، ويقال: إن قوله (لِيَغْفِرَلَكَ اللَّهُ المراد ذنوب الأنبياء وأمهم قبلك ، مَاتَّقَدَّمَ مِنْ ذَنْيِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ) فإنه يوم القيامة يشفع للخلائق كلهم، وهو سيد ولد آدم، وقال: ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر وآدم فمن دونه تحت لوائي يوم القيامة . أنا خطيب الأنبياء إذا وفدوا، وإمامهم إذا اجتمعوا )) وحينئذ فلا يختص آدم بإضافة ذنبه إلى محمد، بل يجعل ذنوب الأولين والآخرين على قول هؤلاء ذنوباً له. فإن قال: إن الله لم يغفر ذنوب جميع الأمم، قيل : وهو أيضاً لم يغفر ذنوب جميع أمته . ( الوجه الرابع ) أنه قد ميز بين ذنبه وذنوب المؤمنين بقوله ( وَأُسْتَغْفِرْ لِذَنْكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ ) فكيف يكون ذنب المؤمنين ذنباً له . ( الوجه الخامس ) أنه ثبت فى الصحيح أن هذه الآية لما نزلت قال الصحابة يا رسول الله! هذا لك فما لنا فأنزل اللّه (هُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِى قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوَاْ إِيمَنَامَّعَ إِيمَنِهِمْ ) والمؤمنين علموا أن قوله ( لِيَغْفِرَلَكَ اللَّهُ مَاتَقَذَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ) فدل ذلك على أن الرسول مختص به دون أمته . ( الوجه السادس ) أن الله لم يغفر ذنوب جميع أمته بل قد ثبت ٣١٥ أن من أمته من يعاقب بذنوبه إما فى الدنيا وإما فى الآخرة، وهذا مما تواتر به النقل وأخبر به الصادق المصدوق واتفق عليه سلف الأمة وأمّتها، وشوهد فى الدنيا من ذلك ما لا يحصيه إلا اللّه، وقد قال الله تعالى: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَآ أَمَانِيَ أَهْلِ الْكِتَبِ مَن يَعْمَلْ سُوْءً ايُجْزَيِهِ) والاستغفار والتوبة قد يكونان من ترك الأفضل . فمن نقل إلى حال أفضل مما كان عليه قد يتوب من الحال الأول ؛ لكن الذم والوعيد لا يكون إلا على ذنب . فصل وأما قول السائل : هل الاعتراف بالخطيئة بمجرده مع التوحيد موجب لغفرانها وكشف الكربة الصادرة عنها ؛ أم يحتاج إلى شيء آخر ؟؟ جوابه : أن الموجب للغفران مع التوحيد هو التوبة المأمور بها ؛ فإن الشرك لا يغفره الله إلا بتوبة؛ كما قال تعالى: (إِنَّاللَّهَ لَا يَغْفِرُ فى موضعين من القرآن أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ) وما دون الشرك فهو مع التوبة مغفور ؛ وبدون التوبة معلق بالمشيئة . كما قال تعالى: (قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَ طُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ٣١٦ فهذا فى حق التائبين ، ولهذا إِنَّاللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ) عم وأطلق ، وحتم أنه يغفر الذنوب جميعاً، وقال في تلك الآية : (وَيَغْفِرُ مَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ) خص مادون الشرك وعلقه بالمشيئة فإذا كان الشرك لا يغفر إلا بتوبة ؛ وأما ما دونه فيغفره الله للتائب ؛ وقد يغفره بدون التوبة لمن يشاء : فالاعتراف بالخطيئة مع التوحيد إن كان متضمناً للتوبة أوجب المغفرة ؛ وإذا غفر الذنب زالت عقوبته ؛ فإن المغفرة هي وقاية شر الذنب . ومن الناس من يقول الغفر الستر ، ويقول : إنما سمى المغفرة والغفار لما فيه من معنى الستر ، وتفسير اسم الله الغفار بأنه الستار . وهذا تقصير فى معنى الغفر ؛ فإن المغفرة معناها وقاية شر الذنب بحيث لا يعاقب على الذنب فمن غفر ذنبه لم يعاقب عليه . وأما مجرد ستره فقد يعاقب عليه فى الباطن ، ومن عوقب على الذنب باطناً أو ظاهراً فلم يغفر له ، وإنما يكون غفران الذنب إذا لم يعاقب عليه العقوبة المستحقة بالذنب . وأما إذا ابتلى مع ذلك بما يكون سبباً فى حقه لزيادة أجره فهذا لا ينافى المغفرة . ٣١٧ وكذلك إذا كان من تمام التوبة أن يأتى بحسنات يفعلها ، فإن من يشترط فى التوبة من تمام التوبة ؛ وقد يظن الظان أنه تائب ولا يكون نائباً بل يكون تاركا ، والتارك غير التائب ، فإنه قد يعرض عن الذنب لعدم خطوره بباله أو المقتضى لعجزه عنه ، أو تنتفى إرادته له بسبب غير ديني ، وهذا ليس بتوبة ، بل لا بد من أن يعتقد أنه سيئة ويكره فعله لنهى الله عنه ويدعه لله تعالى؛ لا لرغبة مخلوق ولا الرهبة مخلوق ؛ فإن التوبة من أعظم الحسنات ، والحسنات كلها يشترط فيها الإخلاص لله وموافقة أمره ، كما قال الفضيل بن عياض فى قوله: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) قال أخلصه وأصوبه، قالوا: يا أبا علي! ما أخلصه وأصوبه ؟ قال : إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصاً لم يقبل ؛ حتى يكون خالصاً صوابا . والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة . وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول فى دعائه : اللهم اجعل عملي كله صالحاً ، واجعله لوجهك خالصاً ، ولا تجعل لأحد فيه شيئاً. وبسط الكلام فى التوبة له موضع آخر . وأما الاعتراف بالذنب على وجه الخضوع لله من غير إقلاع عنه فهذا فى نفس الاستغفار المجرد الذي لا توبة معه ، وهو كالذي يسأل ٣١٨ الله تعالى أن يغفر له الذنب مع كونه لم يتب منه، وهذا يأس من رحمة اللّه، ولا يقطع بالمغفرة له فإنه داع دعوة مجردة. وقد ثبت في الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( ما من داع يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا كان بين إحدى ثلاث : إما أن يعجل له دعوته ، وإما أن يدخر له من الجزاء مثلها ؛ وإما أن يصرف عنه من الشر مثلها . قالوا : يارسول اللّه: إذاً نكثر قال الله أكثر)) فمثل هذا الدعاء قد تحصل معه المغفرة وإذا لم تحصل فلا بد أن يحصل معه صرف شر آخر أو حصول خير آخر ، فهو نافع كما ينفع كل دعاء . وقول من قال من العلماء: الاستغفار مع الإصرار توبة الكذابين، فهذا إذا كان المستغفر يقوله على وجه التوبة أو يدعى أن استغفاره توبة ، وأنه تائب بهذا الاستغفار فلا ريب أنه مع الإصرار لا يكون تائياً ، فإن التوبة والإصرار ضدان : الإصرار يضاد التوبة ، لكن لا يضاد الاستغفار بدون التوبة . وقول القائل : هل الاعتراف بالذنب المعين يوجب دفع ما حصل بذنوب متعددة أم لا بد من استحضار جميع الذنوب؟ جواب هذا منى على أصول : ٣١٩ ( أحدهما ) أن التوبة نصح من ذنب مع الإصرار على ذنب آخر إذا كان المقتضى للتوبة من أحدهما أقوى من المقتضى للتوبة من الآخر ، أو كان المانع من أحدهما أشد ، وهذا هو القول المعروف عند السلف والخلف . وذهب طائفة من أهل الكلام كأبى هاشم إلى أن التوبة لا نصح من قبيح مع الإصرار على الآخر ، قالوا : لأن الباعث على التوبة إن لم يكن من خشية الله لم يكن نوبة صحيحة، والخشية مانعة من جميع الذنوب لا من بعضها ، وحكى القاضي أبو يعلى وابن عقيل هذا رواية عن أحمد ، لأن المروذي نقل عنه أنه سئل عمن تاب من الفاحشة وقال : لو مرضت لم أعد لكن لا يدع النظر ، فقال أحمد : أي نوبة ذه ؟! قال جرير بن عبد الله سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة فقال: ((اصرف بصرك)) والمعروف عن أحمد وسائر الأمة هو القول بصحة التوبة ، وأحمد فى هذه المسألة إنما أراد أن هذه ليست توبة عامة يحصل بسبيها من التائبين توبة مطلقاً ، لم يرد أن ذنب هذا كذنب المصر على الكبائر، فإن نصوصه المتواترة عنه وأقواله الثابتة تنافى ذلك ، وحمل كلام الإمام على ما يصدق بعضه بعضاً أولى من حمله على التناقض ، لاسيما إذا كان القول الآخر مبتدعا لم يعرف عن أحد من السلف ، وأحمد يقول : ٣٢٠