Indexed OCR Text

Pages 281-300

(منها) أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يملك هذه الأموال كما يملك الناس
أموالهم، ولا كما يتصرف الملوك فى ملكهم، فإن هؤلاء وهؤلاء لهم
أن يعرفوا أموالهم فى المباحات ، فإما أن يكون مالكا له فيصرفه فى
أغراضه الخاصة ، وإما أن يكون ملكا له فيصرفه فى مصلحة ملكه ،
وهذه حال النبي الملك كداود وسليمان. قال تعالى: ( فَأَمْتُنْ أَوْأَمْسِكْ بِغَيْرِ
أي أعط من شئت وأحرم من شئت لا حساب عليك، ونبينا
حِسَابٍ )
كان عبداً رسولاً لا يعطي إلا من أمر بإعطائه، ولا يمنح إلا من أمر
يمنعه ، فلم يكن يصرف الأموال إلا في عبادة الله وطاعة له .
(ومنها ) أن النبى لا يورث ولو كان ملكا، فإن الأنبياء لا يورثون
فإذا كان ملوك الأنبياء لم يكونوا ملاكا كما يملك الناس أموالهم ، فكيف
يكون صفوة الرسل الذي هو عبد رسول مالكا .
(ومنها ) أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفق على نفسه وعياله
قدر الحاجة ، ويصرف سائر المال فى طاعة الله لا يستفضله، وليست هذه
حال الملاك ، بل المال الذي يتصرف فيه كله هو مال الله ورسوله ، بمعنى
أن الله أمر رسوله أن يصرف ذلك المال في طاعته، فتجب طاعته فى قسمه، كما
تجب طاعته في سائر ما يأمر به ؛ فإنه من بطع الرسول فقد أطاع الله ،
وهو فى ذلك مبلغ عن الله .
٢٨١

والأموال التى كان يقسمها النبى صلى الله عليه وسلم على وجهين :
(منها) : ما تعين مستحقه ومصرفه كالمواريث .
( ومنها) ما يحتاج إلى اجتهاده ونظره ورأيه، فإن ما أمر الله به منه
ما هو محدود بالشرع: كالصلوات الخمس ، وطواف الاسبوع بالبيت، ومنه
ما يرجع في قدره إلى اجتهاد المأمور فيزيده وينقصه بحسب المصلحة التى
يحبها الله.
فمن هذا ما اتفق عليه الناس ، ومنه ما تنازعوا فيه : كتنازع الفقهاء
فيما يجب للزوجات من النفقات : هل هي مقدرة بالشرع ؟ أم يرجع فيها
إلى العرف، فتختلف في قدرها وصفتها باختلاف أحوال الناس ؟. وجمهور
الفقهاء على القول الثانى ، وهو الصواب لقول النبي صلى الله عليه وسلم لهند :
((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)) وقال أيضاً: فى خطبته المعروفة ((للنساء
كسوتهن ونفقتهن بالمعروف)» .
وكذلك تنازعوا أيضاً فيما يجب من الكفارات : هل هو مقدر
بالشرع أو بالعرف ؟ .
فما أضيف إلى اللّه والرسل من الأموال كان المرجع فى قسمته إلى أمر
٢٨٢

النبي صلى الله عليه وسلم؛ بخلاف ما سمي مستحقوه كالمواريث، ولهذا قال
النبي صلى الله عليه وسلم عام حنين ((ليس لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس،
والخمس مردود عليكم)) أي ليس له بحكم القسم الذي يرجع فيه إلى
اجتهاده ونظره الخاص إلا الخمس، ولهذا قال: ((وهو مردود عليكم))
بخلاف أربعة أخماس الغنيمة فإنه لمن شهد الوقعة .
ولهذا كانت الغنائم يقسمها الأمراء بين الغانمين ، والخمس يرفع إلى
الخلفاء الراشدين المهديين الذين خلفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى
أمته فيقسمونها بأمرهم، فأما أربعة الأخماس فإنما يرجعون فيها ليعلم حكم الله
ورسوله كما يستفتى المستفتى ، وكما كانوا فى الحدود لمعرفة الأمر الشرعي ،
والنبي صلى الله عليه وسلم أعطى المؤلفة قلوبهم من غنائم حنين ما أعطام؛ فقيل:
إن ذلك كان من الخمس ؛ وقيل: إنه كان من أصل الغنيمة ؛ وعلى هذا
القول فهو فعل ذلك لطيب نفوس المؤمنين بذلك ؛ ولهذا أجاب من عتب
من الأنصار بما أزال عتبه وأراد تعويضهم عن ذلك .
ومن الناس من يقول الغنيمة قبل القسمة لم يملكها الغانمون ؛ وإن للإمام
أن يتصرف فيها باجتهاده كما هو مذ كور فى غير هذا الموضع .
فإن المقصود هنا بيان حال العبد الحض لله الذي يعبده ويستعينه،
فيعمل له ويستعينه ويحقق قوله : ( إِيَّاكَ نَعْبُهُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيٌ):
٢٨٣

توحيد الإلهية وتوحيد الربوبية ؛ وإن كانت الإلهية تتضمن الربوبية ؛
والربوبية تستلزم الإلهية ؛ فإن أحدهما إذا تضمن الآخر عند الانفراد لم
يمنع أن يختص بمعناه عند الاقتران. كما فى قوله: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ
وَمَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ) وفى قوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِرَتِ الْعَلَمِينَ)
*
فجمع بين الاسمين: اسم الإله واسم الرب. فإن ((الإله)) هو المعبود الذي
يستحق أن يعبد. و((الرب» هو الذي يرب عبده فيدبره.
ولهذا كانت العبادة متعلقة باسمه الله ، والسؤال متعلقاً باسمه الرب ؛
فإن العبادة هي الغاية التى لها خلق الخلق . والإلهية هي الغاية ؛ والربوبية
تتضمن خلق الخلق وإنشاءم، فهو متضمن ابتداء حالهم ؛ والمصلي إذا
قال : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) فبدأ بالمقصود الذي هو الغاية على
الوسيلة التى هي البداية ؛ فالعبادة غاية مقصودة ؛ والاستعانة وسيلة إليها :
تلك حكمة وهذا سبب ؛ والفرق بين العلمة الغائية والعلمة الفاعلية معروف؛
ولهذا يقال: أول الفكرة آخر العمل، وأول البغية آخر الدرك . فالعلمة
الغائية متقدمة فى التصور والإرادة، وهي متأخرة في الوجود . فالمؤمن
يقصد عبادة الله ابتداء، وهو يعلم أن ذلك لا يحصل إلا بإعانته فيقول:
(إِيَاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ).
ولما كانت العبادة متعلقة باسمه الله تعالى جاءت الأذكار المشروعة بهذا
الاسم مثل كمات الأذان: الله أكبر، الله أكبر. ومثل الشهادتين:
٢٨٤

أشهد أن لا إله إلا الله، ((أشهد أن محمداً رسول الله ] ومثل التشهد:
التحيات لله ، ومثل التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير : سبحان
الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
وأما السؤال فكثيراً ما يجيء باسم الرب كقول آدم وحواء : ( رَبَّنَا
ظَمَنَا أَنْفُسَنَا وَإِن ◌َّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ
) وقول
موح: ( رَبِّ إِنِّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْتَلَكَ مَالَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ ) وقول
موسی : (
رَبِّ إِنِ ظَلَمْتُ نَفْسِى فَاغْفِرْلِ
) وقول الخليل: (رَبَّنَآَ
إِنَّ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْئِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ)
الآية وقوله مع إسماعيل: ( رَبَّ نَقَبَّلْ مِنَّ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ
الْعَلِيمُ) وكذلك قول الذين قالوا: (رَبَّنَآءَاتِنَا فِ الدُّنْيَا حَسَنَّةً وَفِي الْآَخِرَةِ
حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) ومثل هذا كثير.
وقد نقل عن مالك أنه قال : أكره للرجل أن يقول فى دعائه:
يا سيدي ! يا سيدي ! يا حنان ! يا حنان ! ولكن يدعو بما دعت به
الأنبياء ؛ ربنا ! ربنا ! نقله عنه العتبى فى العتبية . وقال تعالى : عن
أولى الألباب : ( الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمَا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِ خَلْقِ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَاخَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) الآيات .
٢٨٥

فإذا سبق إلى قلب العبد قصد السؤال ناسب أن يسأله باسمه الرب.
وإن سأله باسمه الله لتضمنه اسم الرب كان حسناً ، وأما إذا سبق إلى
قلبه قصد العبادة فاسم اللّه أولى بذلك. إذا بدأ بالثناء ذكر اسم الله ،
واذا قصد الدعاء دعا باسم الرب، ولهذا قال يونس: (لَّإِلَهَ إِلَّ أَنْتَ
سُبْحَنَكَ إِنِّ كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) وقال آدم: (رَبَّنَا ظَمَنَا أَنْفُسَنَا وَإِ لَّمْ تَغْفِرْ
لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ)
فإن يونس عليه
السلام ذهب مغاضباً، وقال تعالى: ( فَاضِرْ لِحُكْمِرَبِكَ وَلَاتَكُنْكَصَاحِبٍ
) ففعل
وقال تعالى: (فَالْنَقَمَهُ الْحُوتُّ وَهُوَ مُلِيمٌ
المُتِ )
ما يلام عليه فكان المناسب لحاله أن يبدأ بالثناء على ربه ، والاعتراف
بأنه لا إله إلا هو فهو الذي يستحق أن يعبد دون غيره فلا يطاع
الهوى ، فإن اتباع الهوى يضعف عبادة الله وحده، وقد روى أن
يونس عليه السلام ندم على ارتفاع العذاب عن قومه بعد أن أظلهم
وخاف أن ينسبوه إلى الكذب فغاضب . وفعل ما اقتضى الكلام
الذي ذكره الله تعالى وأن يقال: (لََّ إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ) وهذا الكلام
يتضمن براءة ما سوى الله من الإلهية، سواء صدر ذلك [عن] هوى
النفس أو طاعة الخلق أو غير ذلك . ولهذا قال : (سُبْحَنَكَ إِنِّ
(
كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
والعبد يقول مثل هذا الكلام فيما يظنه وهو غير مطابق ، وفيما يريده
وهو غير حسن .
٢٨٦

وأما آدم عليه السلام فإنه اعترف أولاً بذنبه فقال: (ظَمْنَآ أَنْفُسَنَا)
ولم يكن عند آدم من ينازعه الإرادة لما أمر الله به ، مما يزاحم الإلهية
بل ظن صدق الشيطان الذي (قَاسَمَهُمَآ إِى لَكُمَا لَمِنَ النَّصِحِينَ * فَدَلَّهُمَا
بِفُرُودٍ ) فالشيطان غرهما وأظهر نصحها فكانا فى قبول غروره وما
أظهر من نصحه حالهما مناسباً لقولهما: (رَبَّنَاظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا) لما حصل
من التفريط ، لا لأجل هوى وحظ يزاحم الإلهية وكانا محتاجين إلى
أن يربهما ربوبية تكمل علمها وقصدهما . حتى لا يغترا بمثل ذلك ، فهما
يشهدان حاجتها إلى الله ربهما الذي لا يقضي حاجتهما غيره.
وذو النون شهد ما حصل من التقصير فى حق الإلهية بما حصل من
المغاضبة وكراهة إنجاء أولئك ، ففي ذلك من المعارضة في الفعل لحب
شيء آخر ما يوجب تجريد محبته للّه وتألهه له وأن يقول: (لََّ إِلَهَ إِلَّ
أَنَتَ ) فإن قول العبد : لا إله إلا أنت ، يمحو أن يتخذ إلهه هواه .
وقد روي (( ما تحت أديم السماء إله يعبد أعظم عند الله من هوى
متبع)) فكمل يونس صلوات الله عليه تحقيق إلهيته لله، ومحو الهوى
الذي يتخذ إلهاً من دونه ، فلم يبق له صلوات الله عليه وسلامه عند
تحقيق قوله لا إله إلا أنت إرادة تزاحم إلهية الحق ، بل كان مخلصاً لله الدين إذ
كان من أفضل عباد الله المخلصين .
و ( أيضاً ) فمثل هذه الحال تعرض لمن تعرض له ، فيبقى فيه
٢٨٧

نوع مغاضبة للقدر ومعارضة له في خلقه وأمره ، ووساوس فى حكمته
ورحمته ، فيحتاج العبد أن ينفي عنه شيئين : الآراء الفاسدة والأهواء
الفاسدة ، فيعلم أن الحكمة والعدل فيما اقتضاء علمه وحكمته لا فيما
اقتضاه علم العبد وحكمته ، ويكون هواء تبعاً لما أمر الله به ، فلا
يكون له مع أمر الله وحكمه هوى يخالف ذلك. قال الله تعالى: (فَلَا
وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِى أَنْفُسِهِمْ
حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْنَسْلِيمًا ) وقد روى عنه صلى اللّه عليه وسلم
أنه قال: (( والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواء تبعاً
لما جئت به)) رواه أبو حاتم فى صحيحه. وفى الصحيح ((أن عمر قال
له : يا رسول الله! واللّه لأنت أحب إلي من نفسى. قال: الآن
يا عمر». وفى الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يؤمن
أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين )) وقال
تعالى: ( قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُ كُمْ وَإِخْوَنُكُمْ وَأَزْوَجُّكُمْوَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالُ
أَقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ اللَّهِ
وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُوْ حَتَّى يَأْتِى اللَّه ◌ِأَمْرِهِ ).
فإذا كان الإيمان لا يحصل حتى يحكم العبد رسوله ويسلم له ويكون
هواه تبعاً لما جاء به ، ويكون الرسول والجهاد فى سبيله مقدماً على حب
الإنسان نفسه وماله وأهله، فكيف فى تحكيمه الله تعالى والتسليم له؟!
٢٨٨

فمن رأى قوماً يستحقون العذاب في ظنه . وقد غفر الله لهم ورحمهم.
وكره هو ذلك ، فهذا إما أن يكون عن إرادة تخالف حكم الله وإما
عن ظن يخالف علم الله، والله عليم حكيم. وإذا علمت أنه عليم،
وأنه حكيم لم يبق لكراهية ما فعله وجه ، وهذا يكون فيما أمر به وفيما خلقه ولم
يأمرنا أن نكرهه ونغضب عليه.
فأما ما أمرنا بكراهته من الموجودات : كالكفر والفسوق والعصيان
فعلينا أن نطيعه فى أمره بخلاف توبته على عباده وإنجائه إيام من العذاب
فإن هذا من مفعولاته التى لم يأمرنا أن نكرهها ، بل هي مما يحبها فإنه
يحب التوابين ويحب المتطهرين . فكراهة هذا من نوع اتباع الإرادة
المزاحمة للإلهية . فعلى صاحبها أن يحقق توحيد الإلهية فيقول : لا إله
إلا أنت .
فعلينا أن نحب ما يحب ويرضى ما يرضى ونأمر بما يأمر ونهى عما
ينهى. فإذا كان ( يُحِبُّ التَّوَّبِينَ) و (يُحِبَُّلْمُتَطَهِرِينَ) فعلينا أن
تجبهم ؛ ولا نأله مراداتنا المخالفة لمحابه.
والكلام فى هذا المقام مبنى على (( أصل)): وهو أن الأنبياء
صلوات الله عليهم معصومون فيما يخبرون به عن الله سبحانه ، وفى
تبليغ رسالاته باتفاق الأمة ، ولهذا وجب الإيمان بكل ما أوتوه كما
٢٨٩

قال تعالى: (قُولُوَأْءَامَنَا بِالَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إَِّهِعَمَ وَ إِسْمِعِيلَ وَإِسْحَقَ
وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِّيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَآ أُوْتِىَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ
أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ ءَامَنُواْبِمِثْلِ مَآءَامَنتُم بِهِ، فَقَدِ اهْتَدَواْ فَإِن ◌َوْ فَإنَّما
ج
هُمْ فِى شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) وقال: ( وَلَكِنَّ الْبَّمَنْ
ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِ وَالْمَلَبِكَةِ وَالْكِتَبِ وَالنَّبِّعْنَ) وقال: (ءَامَنَ الرَّسُولُ
بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَّ كُلُّءَامَنَ بِلّهِ وَمَلَبِكَتِهِ، وَكٍُ، وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ
بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ، وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَاً غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ).
بخلاف غير الأنبياء فإنهم ليسوا معصومين كما عصم الأنبياء ،
ولو كانوا أولياء للّه، ولهذا من سب نبياً من الأنبياء قتل باتفاق الفقهاء ، ومن
سب غيرم لم يقتل .
وهذه العصمة الثابتة للأنبياء هي التى يحصل بها مقصود النبوة
والرسالة؛ فإن ((النبي)) هو المنبأ عن الله، و((الرسول)) هو الذي
أرسله الله تعالى، وكل رسول نى وليس كل فى رسولاً ،
والعصمة فيما يبلغونه عن الله ثابتة فلا يستقر في ذلك خطأ
باتفاق المسلمين .
٢٩٠

ولكن هل يصدر ما يستدركه الله فينسخ ما يلقى الشيطان ويحكم
الله آياته؟ هذا فيه قولان. والمأثور عن السلف يوافق القرآن بذلك.
والذين منعوا ذلك من المتأخرين طعنوا فيما ينقل من الزيادة فى سورة
النجم بقوله : ( تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى ) وقالوا: إن
هذا لم يثبت ، ومن علم أنه ثبت : قال هذا ألقاه الشيطان فى مسامعهم
ولم يلفظ به الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولكن السؤال وارد على
هذا التقدير أيضاً. وقالوا فى قوله: ( إِلَّإِذَا تَمَنَّىَ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فىِ أُمْنِيَّتِهِ )
هو حديث النفس .
وأما الذين قرروا ما نقل عن السلف فقالوا هذا منقول نقلاً ثابتاً
لا يمكن القدح فيه والقرآن يدل عليه بقوله (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن
رَّسُولٍ وَلَِإِلَّإِذَاتَمَنَى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِىَ أُمْنِيَّتِهِ، فَيَنْسَُ اللَّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ ثُمَّ
يُحْكِمُ اللَّهُ ءَايَتِهِ، وَاللَّهُ عَلِمُ حَكِيمٌ * لِّيَجْعَلَ مَا يُلْفِى الشَّيْطَانُ فِتْنَةٌ لِّلَّذِينَ فِ
قُلُوبِهِمْ قَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الَِّمِينَ لَفِى شِفَاقٍ بَعِيدٍ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ
أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَبِّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ، فَتُخْتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِالَّذِينَ
ءَمَنُواْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
فقالوا الآثار
(
فى تفسير هذه الآية معروفة ثابتة فى كتب التفسير والحديث، والقرآن
يوافق ذلك فإن نسخ الله لما يلقى الشيطان وإحكامه آياته إنما يكون
لرفع ما وقع فى آياته، وتميز الحق من الباطل حتى لا تختلط آياته
٢٩١

بغيرها . وجعل ما ألقى الشيطان فتنة للذين فى قلوبهم مرض ، والقاسية
قلوبهم إنما يكون إذا كان ذلك ظاهراً يسمعه الناس لا باطناً فى النفس
والفتنة التى يحصل بهذا النوع من النسخ من جنس الفتنة التى تحصل
بالنوع الآخر من النسخ .
وهذا النوع أدل على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وبعده
عن الهوى من ذلك النوع ، فإنه إذا كان يأمر بأمر ثم يأمر بخلافه
وكلاهما من عند الله وهو مصدق في ذلك ، فإذا قال عن نفسه إن الثانى
هو الذي من عند الله وهو الناسخ وإن ذلك المرفوع الذي نسخه الله
ليس كذلك كان أدل على اعتماده للصدق وقوله الحق ، وهذا كما قالت
عائشة رضي الله عنها : لو كان محمد كاتماً شيئاً من الوحي لكتم هذه
الآية: ( وَتُخْفِىِ فِ نَفْسِكَ مَاللَّهُ مُبْدِيهِ وَخْشَى النَّاسَ وَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَنُ )
ألا ترى أن الذي يعظم نفسه بالباطل يريد أن ينصر كل ما قاله ولو كان
خطأ ، فبيان الرسول صلى الله عليه وسلم أن اللّه أحكم آياته ونسخ
ما ألقاء الشيطان هو أدل على تحريه للصدق وبراءته من الكذب ، وهذا
هو المقصود بالرسالة فإنه الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم تسليما ، ولهذا
کان تكذيبه كفراً محضاً بلا ريب .
وأما العصمة فى غير ما يتعلق بتبليغ الرسالة فالناس فيه نزاع ، هل هو
ثابت بالعقل أو بالسمع ؟ ومتنازعون فى العصمة من الكبائر والصغائر أو من
٢٩٢

بعضها ، أم هل العصمة إنما هي فى الإقرار عليها لا فى فعلها ؟ أم لا يجب القول
بالعصمة إلا فى التبليغ فقط ؟ وهل يجب العصمة من الكفر والذنوب قبل
المبعث أم لا ؟ والكلام على هذا مبسوط فى غير هذا الموضع .
والقول الذي عليه جمهور الناس ، وهو الموافق للآثار المنقولة عن
السلف إثبات العصمة من الإ قرار على الذنوب مطلقاً ، والرد على من يقول
إنه يجوز إقرارهم عليها ، وحجج القائلين بالعصمة إذا حررت إنما
تدل على هذا القول .
وحجج النفاة لا تدل على وقوع ذنب أقر عليه الأنبياء ، فإن القائلين
بالعصمة احتجوا بأن التأسي بهم مشروع ، وذلك لا يجوز إلا مع تجويز
كون الأفعال ذنوباً ، ومعلوم أن التأسي بهم إنما هو مشروع فيما أقروا
عليه دون ما نهوا عنه ورجعوا عنه ، كما أن الأمر والنهي إنما تجب طاقتهم
فيما لم ينسخ منه ، فأما ما نسخ من الأمر والنهي فلا يجوز جعله مأموراً به
ولا منهياً عنه ، فضلا عن وجوب اتباعه والطاعة فيه .
وكذلك ما احتجوا به من أن الذنوب تنافى الكمال ، أو أنها ممن
عظمت عليه النعمة أقبح ، أو أنها توجب التنفير ، أو نحو ذلك من الحجج
العقلية ، فهذا إنما يكون مع البقاء على ذلك وعدم الرجوع ، وإلا فالتوبة
النصوح التى يقبلها الله يرفع بها صاحبها إلى أعظم مما كان عليه ، كما قال
٢٩٣

بعض السلف : كان داود عليه السلام بعد التوبة خيراً منه قبل الخطيئة .
وقال آخر : لو لم تكن التوبة أحب الأشياء إليه، لما ابتلى بالذنب أكرم
الخلق عليه، وقد ثبت فى الصحاح حديث التوبة ((لله أفرح بتوبة عبده
من رجل نزل منزلاً )» الخ.
وقد قال تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّبِينَ وَيُحِبُّالْمُتَطَهَرِينَ ) وقال
تعالى: (إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللّهُ سَيِّئَاتِهِمْ
حَسَنَةٍ) وقد ثبت فى الصحيح حديث الذي يعرض اللّه صغار ذنوبه
ويخبأ عنه كبارها وهو مشفق من كبارها أن تظهر، فيقول الله له: ((إني
قد غفرتها لك وأبدلتك مكان كل سيئة حسنة فيقول : أي رب! إن لي
سيئات لم أرها )) إذا رأى تبديل السيئآت بالحسنات طلب رؤية الذنوب
الكبار التى كان مشفقاً منها أن تظهر ، ومعلوم أن حاله هذه مع هذا التبديل
أعظم من حاله لو لم تقع السيئات ولا التبديل .
وقال طائفة من السلف منهم سعيد بن جبير : إن العبد ليعمل الحسنة
فيدخل بها النار ، وإن العبد ليعمل السيئة فيدخل بها الجنة ، يعمل الحسنة
فيعجب بها ويفتخر بها حتى تدخله النار ، ويعمل السيئة فلا يزال خوفه
منها وتوبته منها حتى تدخله الجنة، وقد قال تعالى: (وَحَمَلَهَا الْإِنسَنُ إِنَّهُ كَانَ
لِيُعَذِّبَ اَللَّهُ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَتِ
ظَلُومًا جَهُولًا *
٢٩٤

فغاية كل
وَيَتُبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًارَّحِيمًا )
إنسان أن يكون من المؤمنين والمؤمنات الذين تاب الله عليهم.
وفى الكتاب والسنة الصحيحة والكتب التي أنزلت قبل القرآن مما
يوافق هذا القول ما يتعذر إحصاؤه .
والرادون لذلك تأولوا ذلك بمثل تأويلات الجهمية والقدرية والدهرية
لنصوص ((الأسماء والصفات)) ونصوص ((القدر)) ونصوص ((المعاد))
وهي من جنس تأويلات القرامطة الباطنية التى يعلم بالاضطرار أنها باطلة ،
وأنها من باب تحريف الكلم عن مواضعه، وهؤلاء يقصد أحدم تعظيم الأنبياء
فيقع فى تكذيهم ، ويريد الإيمان بهم فيقع فى الكفربهم .
ثم إن العصمة المعلومة بدليل الشرع والعقل والإجماع، وهي «العصمة
فى التبليغ)) لم ينتفعوا بها إذ كانوا لا يقرون بموجب ما بلغته الأنبياء،
وإنما يقرون بلفظ حرفوا معناه أو كانوا فيه كالأميين الذين لا يعلمون
الكتاب إلا أماني ، والعصمة التى كانوا ادعوها لو كانت ثابتة لم ينتفعوا بها
ولا حاجة بهم إليها عندهم، فإنها متعلقة بغيرهم لا بما أمروا بالإيمان به ،
فيتكلم أحدم فيها على الأنبياء بغير سلطان من الله ، ويدع ما يجب عليه من
تصديق الأنبياء وطاعتهم، وهو الذي يحصل به السعادة وبضده تحصل الشقاوة
قال تعالى: (فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَاخِلَ وَعَلَيْكُمْ مَّاءُمِلْتُمْ) الآية.
٢٩٥

والله تعالى لم يذكر فى القرآن شيئاً من ذلك عن نبي من الأنبياء إلا
مقروناً بالتوبة والاستغفار، كقول آهم وزوجته: ( رَبَّنَا طَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّْ
وقول نوح : ( رَبِّ إِنَّ
تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ)
أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ مَالَيْسَ لِى بِهِ، عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِ وَتَرْحَمْنِىَّ أَكُنْ مِّنَ الْخَسِرِينَ)
وقول الخليل عليه السلام : (
رَبَّنَا أَغْفِرْلِ وَلِوَلِدَىَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ
اُلْحِسَابُ )
وقوله: (وَالَّذِىَ أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَلِ خَطِيّئَتِى يَوْمَ الَّذِينِ )
( أَنْتَ وَلِيُّنَا فَأَ غْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَفِرِينَ *
وقول موسى :
وقوله :
وَأَكْتُبْ لَنَا فِى هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِ الْآَخِرَةِ إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ)
( رَبِّ إِنِى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَاغْفِرْلِ ) وقوله: (فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَنَكَ بُّلْتُ
إِلَيْكَ وَأَنْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) وقوله تعالى عن داود: (فَاسْتَغْفَرَرَبَّهُ, وَخَرَّ
رَاكِعًا وَأَنَابَ * فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّلَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَثَابٍ ) وقوله تعالى عن
سليمان: ( رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَهَبْ لِ مُلْكَالًا يَنْبَغِ لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِىّ إِنَّكَ أَنْتَالْوَهَّابٌ
. (
وأما يوسف الصديق فلم يذكر الله عنه ذنباً فلهذا لم يذكر
الله عنه ما يناسب الذنب من الاستغفار، بل قال: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ
السُّوءَ وَالْفَحْشَآءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) فأخبر أنه صرف عنه السوء
والفحشاء ، وهذا يدل على أنه لم يصدر منه سوء ولا خشاء .
(وَلَقَدْ هَمَّتْ بِةٍ، وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّءَا بُرْهَنَ رَبِّهِ )
وأما قوله :
٢٩٦

فالهم اسم جنس بحته ((نوعان)) كما قال الإمام أحمد الهم همان: ثم
خطرات ، وهم إصرار ، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه
وسلم (( أن العبد إذا هم بسيئة لم تكتب عليه، وإذا تركها لله كتبت
له حسنة وإن عملها كتبت له سيئة واحدة )) وإن تركها من غير أن
يتركها لله لم تكتب له حسنة ولا تكتب عليه سيئة ويوسف صلى
الله عليه وسلم م هما تركه للّه، ولذلك صرف الله عنه السوء والفحشاء
الإخلاصه ، وذلك إنما يكون إذا قام المقتضى للذنب وهو الهم ، وعارضه
الإخلاص الموجب لانصراف القلب عن الذنب لله.
فيوسف عليه السلام لم يصدر منه إلا حسنة يثاب عليها ، وقال
تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ أَتَّقَوْاْ إِذَا مَسَُّهُمْ طَبِفٌ مِّنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَاهُم
مُبْصِرُونَ )
وأما ما ينقل : من أنه حل سراويله ، وجلس مجلس الرجل من
المرأة ، وأنه رأى صورة يعقوب عاضاً على يده، وأمثال ذلك، فكله
مما لم يخبر الله به ولا رسوله، وما لم يكن كذلك فإنما هو مأخوذ عن
اليهود الذين م من أعظم الناس كذبا على الأنبياء وقدحاً فيهم ، وكل
من نقله من المسلمين فعنهم نقله ؛ لم ينقل من ذلك أحد عن نبينا
صلى الله عليه وسلم حرفا واحداً .
٢٩٧

وَمَا أَبَرِىُّ نَفْسِىّإِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوْءِ إِلََّ مَارَحِمَ رَبِّ )
وقوله : (
فمن كلام امرأة العزيز، كما يدل القرآن على ذلك دلالة بينة .
لا يرتاب فيها من تدبر القرآن، حيث قال تعالى: ( وَقَالَ المَلِكُ اثْنُونِ
بِهِ، فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ أَرْجِعْ إِلَى رَبِكَ فَسْئَلَهُ مَابَالُ النِّسْوَةِ الَّتِى قَطَّعْنَ أَبْدِ يَهُنَّ إِنَ
رَبِ بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ * قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ، قُلْنَ حَشَ لِلَّهِ مَا
عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوْءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْفَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَأْرَوَدَتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ
لَمِنَ الصَّدِّقِينَ * ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِى لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبٍ وَأَنَّاللَّهَ لَ يَهْدِى كَيْدَالْخَيِنِينَ * وَمَآ
أُبَرِىُّ نَفْسِىّ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّ مَا رَحِمَ رَبِّ إِنَّ رَبِ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )
فهذا كله كلام امرأة العزيز ، ويوسف إذ ذاك فى السجن ، لم
يحضر بعد إلى الملك، ولا سمع كلامه ولا رآه ؛ ولكن لما ظهرت
( ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِى لَمْ أَخُنْهُ
براءته فى غيبته - كما قالت امرأة العزيز :
يَلْغَيْبٍ ) أي لم أخنه فى حال مغيبه عني وإن كنت فى حال شهوده
( وَقَالَ الْمَلِكُ آَتْنُونِ بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِىِ فَلَمَّا كَلَّمَهُ.
راودته - فینئذ :
وقد قال كثير من المفسرين إن
قَالَ إِنَّكَ اَلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِيْنُ أَمِينٌ )
هذا من كلام يوسف ، ومنهم من لم يذكر إلا هذا القول، وهو قول
فى غاية الفساد ، ولا دليل عليه ؛ بل الأدلة تدل على نقيضه ، وقد
٢٩٨

بسط الكلام على هذه الأمور فى غير هذا الموضع .
و (المقصود هنا) أن ما تضمنته ((قصة ذي النون)) مما بلام عليه
كله مغفور بدله الله به حسنات؛ ورفع درجاته ، وكان بعد خروجه من
بطن الحوت وتوبته أعظم درجة منه قبل أن يقع ما وقع ، قال تعالى:
(فَأَصْبِر ◌ِحِكْمِرَبِكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْنَدَى وَهُوَمَكْظُومٌ * لَّوْلَا أَنْتَدَارَكَهُنِعْمَةٌ مِنْرَبِهِ،
لَنْبِذَ بِالْعَرَآءِ وَهُوَمَذْهُومٌ * فَأَجْنَبَهُ رَبُّهُ، فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ)
وهذا بخلاف حال التقام الحوت فإنه قال: ( فَالْنَقَمَهُ الْحُوتُّ وَهُوَ مُلِيمٌ)
فأخبر أنه فى تلك الحال مليم، و((المليم)» الذي فعل ما يلام عليه ،
فالملام فى تلك الحال لا فى حال نبذه بالعراء وهو سقيم ، فكانت
حاله بعد قوله : (لَآ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِّ كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)
أرفع من حاله قبل أن يكون ما كان ، والاعتبار بكال النهاية لا بما
جرى فى البداية ، والأعمال بخواتيمها ،
والله تعالى خلق الإنسان وأخرجه من بطن أمه لا يعلم شيئاً ثم علمه
فنقله من حال النقص إلى حال الكمال ، فلا يجوز أن يعتبر قدر
الإنسان بما وقع منه قبل حال الكمال ، بل الاعتبار بحال كماله ،
ويونس صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء فى حال النهاية حالهم
أكمل الأحوال .
٢٩٩

ومن هنا غلط من غلط فى تفضيل الملائكة على الأنبياء والصالحين
فإنهم اعتبروا كمال الملائكة مع بداية الصالحين ونقصهم فغلطوا ولو اعتبروا
حال الأنبياء والصالحين بعد دخول الجنان ، ورضى الرحمن ، وزوال كل ما فيه
نقص وملام ، وحصول كل ما فيه رحمة وسلام ، حتى استقر بهم القرار
(وَالْمَئِكَةُ يَدْخُونَ عَيْهِم مِّنْ كُلِ بَابٍ * سَلَمُ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرٌ فِعْمَ عُقْبَى الَّارِ)
فإذا اعتبرت تلك الحال ظهر فضلها على حال غيرهم من المخلوقين
وإلا فهل يجوز لعاقل أن يعتبر حال أحدم قبل الكمال فى مقام المدح
والتفضيل والبراءة من النقائص والعيوب.
ولو اعتبر ذلك لاعتبر أحدهم وهو نطفة ثم علقة، ثم مضغة، ثم حين
نفخت فيه الروح ، ثم هو وليد، ثم رضيع ثم فطيم، إلى أحوال آخر فعلم
أن الواحد فى هذه الحال لم تقم به صفات الكمال التى يستحق بها كمال
المدح والتفضيل، وتفضيله بها على كل صنف وجيل؛ وإنما فضله باعتبار
المآل، عند حصول الكمال .
وما يظنه بعض الناس أنه من ولد على الإسلام فلم يكفر قط أفضل
ممن كان كافراً فأسلم ليس بصواب ؛ بل الاعتبار بالعاقبة وأيهما كان أنقى
الله فى عاقبته كان أفضل . فإنه من المعلوم أن السابقين الأولين من المهاجرين
والأنصار الذين آمنوا بالله ورسوله بعدكفرم م أفضل ممن ولد على الإسلام
من أولادهم وغير أولاده ؛ بل من عرف الشر وذاقه ثم عرف الخير وذاقه
٣٠٠