Indexed OCR Text
Pages 261-280
تأله ما يهواه، وتصرف عنه المعاصي والذنوب، كما قال تعالى: (كَذَلِكَ فعلل صرف لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَآءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ). السوء والفحشاء عنه بأنه من عباد الله المخلصين، وهؤلاء هم الذين قال فيهم : (إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) وقال الشيطان: (قَالَ فَبِعِزَّنِكَ لَأُغْوِيَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ). وقد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من قال لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه حرمه الله على النار)). فإن الإخلاص ينفي أسباب دخول النار ؛ فمن دخل النار من القائلين لا إله إلا الله لم يحقق إخلاصها المحرم له على النار ؛ بل كان فى قلبه نوع من الشرك الذي أوقعه فيما أدخله النار ، والشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل ؛ ولهذا كان العبد مأموراً فى كل صلاة أن يقول: (إِيَّكَ تَعْبُدُ وَإِنََّ نَسْتَعِينُ) . والشيطان يأمر بالشرك والنفس تطيعه فى ذلك ، فلا تزال النفس تلتفت إلى غير الله . إما خوفاً منه . وإما رجاء له ، فلا يزال العبد مفتقراً إلى تخليص توحيده من شوائب الشرك . وفى الحديث الذي رواه ابن أبي عاصم وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يقول الشيطان: أهلكت الناس بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار فلما رأيت ذلك بثئت فيهم الأهواء فهم يذنبون ولا يستغفرون؛ لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً » . ٢٦١ فصاحب الهوى الذي اتبع هواه بغير هدى من الله له نصيب ممن اتخذ إلهه هواه ، فصار فيه شرك منعه من الاستغفار وأما من حقق التوحيد والاستغفار فلا بد أن يرفع عنه الشر؛ فلهذا قال ذو النون: (لَّ إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّ كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ). ولهذا يقرن الله بين التوحيد والاستغفار في غير موضع . كقوله تعالى: ( فَأَعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَأَنِ أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ وقوله: (أَلَّا تَبُوَأِلَّ الله ◌ِنَِّى لَكُ مِنْهُ نَّذِيُوَبَشِيرٌ ثُمَّتُوبُواْإِلَيْهِ ) وقوله: (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًّا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُ واْاللَّهَ مَالَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) إلى قوله: (وَيَقَوْمِ أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ ) وقوله : (فَأَسْتَقِيمُوْإِلَيْهِ وَأَسْتَغْفِرُوهُ ) . وخاتمة المجلس: ((سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك )) إن كان مجلس رحمة كانت كالطابع عليه، وإن كان مجلس لغو كانت كفارة له ، وقد روى أيضاً أنها تقال فى آخر الوضوء بعد أن يقال: ((أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين)» . وهذا الذكر يتضمن التوحيد والاستغفار ؛ فإن صدره الشهادتان ٢٦٢ اللتان هما أصلا الدين وجماعه؛ فإن جميع الدين داخل فى ((الشهادتين)» إذ مضمونها ألا نعبد إلا الله، وأن نطيع رسوله، و ((الدين)) كله داخل فى هذا في عبادة الله بطاعة الله وطاعة رسوله، وكل ما يجب أو يستحب داخل فى طاعة الله ورسوله. وقد روى أنه يقول: ((سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت ، استغفرك وأتوب إليك)) وهذا كفارة المجلس ، فقد شرع فى آخر المجلس وفى آخر الوضوء ، وكذلك كان النبى صلى الله عليه وسلم يختم الصلاة كما فى الحديث الصحيح أنه كان يقول فى آخر صلاته : ((اللهم أغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني؛ أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت)) وهنا قدم الدعاء وختمه بالتوحيد ؛ لأن الدعاء مأمور به في آخر الصلاة ، وختم بالتوحيد ليختم الصلاة بأفضل الأمرين وهو التوحيد، بخلاف ما لم يقصد فيه هذا فإن تقديم التوحيد أفضل . فان جنس الدعاء الذي هو ثناء وعبادة أفضل من جنس الدعاء الذي هو سؤال وطلب ، وإن كان المفضول قد يفضل على الفاضل فى موضعه الخاص ، بسبب وبأشياء أخر ، كما أن الصلاة أفضل من القراءة ، والقراءة أفضل من الذكر الذي هو ثناء ، والذكر أفضل من الدعاء الذي هو سؤال ، ومع هذا فالمفضول له أمكنة وأزمنة ٢٦٣ وأحوال يكون فيها أفضل من الفاضل ، لكن أول الدين وآخره وظاهره وباطنه هو التوحيد ، وإخلاص الدين كله لله هو تحقيق قول لا إله إلا الله. فإن المسلمين وإن اشتركوا في الإقرار بها ، فهم متفاضلون فى تحقيقها تفاضلاً لا نقدر أن نضبطه ، حتى إن كثيراً منهم يظنون أن التوحيد المفروض هو الإقرار والتصديق بأن الله خالق كل شيء وربه، ولا يميزون بين الإقرار بتوحيد الربوبية الذي أقر به مشركو العرب، وبين توحيد الإلهية الذي دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يجمعون بين التوحيد القولي والعملي. فإن المشركين ما كانوا يقولون : إن العالم خلقه اثنان ، ولا إن مع الله رباً ينفرد دونه بخلق شيء؛ بل كانوا كما قال الله عنهم: (وَلَيِن وقال تعالى : ( وَمَا ( سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّاللَّهُ وقال تعالى: (قُل لِّمَنِ ( يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِإِلَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ اْأَرْضُ وَمَن فِيهَآَإِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ * قُلْ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا مَنْ رَّبُّ السَّمَوَتِ السَّْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ، مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ يُحِبُرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُمْ ( تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ وكانوا مع إقرارم بأن الله هو الخالق وحده يجعلون معه آلهة ٢٦٤ أخرى ، يجعلونهم شفعاء لهم إليه. ويقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى. ويحبونهم كب اللّه. والإشراك فى الحب والعبادة والدعاء والسؤال غير الإشراك فى الاعتقاد والإقرار، كما قال تعالى: ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ فمن أحب أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبَّاللَّهِ مخلوقاً كما يحب الخالق فهو مشرك به، قد اتخذ من دون الله أنداداً يحبهم كحب الله. وإن كان مقراً بأن الله خالقه. ولهذا فرق اللّه ورسوله بين من أحب مخلوقاً لله ، وبين من أحب مخلوقاً مع الله ، فالأولى يكون الله هو محبوبه ومعبوده الذي هو منتهى حبه وعبادته لا يحب معه غيره ؛ لكنه لما علم أن الله يحب أنبياء. وعباده الصالحين أحبهم لأجله ، وكذلك لما علم أن الله يحب فعل المأمور وترك المحظور أحب ذلك، فكان حبه لما يحبه تابعاً لمحبة الله وفرعاً عليه وداخلاً فيه . بخلاف من أحب مع الله فجعله نداً لله يرجوه ويخافه، أو يطيعه من غير أن يعلم أن طاعته طاعة لله ، ويتخذه شفيعاً له من غير أن يعلم أن اللّه يأذن له أن يشفع فيه قال تعالى: ( وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَؤُنَا عِندَ اللَّهِ ٢٦٥ وقال تعالى : ( أَتَّخَذُوَ أْأَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًامِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَمَآ أُمِرُوْاْ إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهَا وَحِدًا لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ سُبْحَنَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) وقد قال عدي بن حاتم للنبى صلى الله عليه وسلم: (( ما عبدوم، قال : أحلوا لهم الحرام فأطاعوم، وحرموا عليهم الحلال فأطاعوم، فكانت تلك عبادتهم إيامٍ)) قال تعالى: (أَمْلَهُمْ شُرَكَؤُا ) وقال تعالى: (وَيَوْمَ يَعَضُ شَرَعُوْ لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنَّ بِهِ اَللَّهُ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَلَيْتَنِ أَتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَنْوَيَِّ لَيْنِلَمْأَقّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَّقَدْأَضَلَِّ عَنِ الذِّكْرِبَعْدَ إِذْجَآءَبِيِّ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولاً ). فالرسول وجبت طاعته ؛ لأنه من يطع الرسول فقد أطاع الله ، فالحلال ما حلله، والحرام ما حرمه ، والدين ما شرعه ، ومن سوى الرسول من العلماء والمشايخ والأمراء والملوك إنما يجب طاعتهم إذا كانت طاعتهم طاعة لله، وثم إذا أمر الله ورسوله بطاعتهم فطاعتهم داخلة فى طاعة الرسول ، قال تعالى: ( يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْالرَّسُولَ وَأُوْلِ اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ ) . فلم يقل وأطيعوا الرسول وأطيعوا أولى الأمر منكم؛ بل جعل طاعة أولى الأمر داخلة فى طاعة الرسول ؛ وطاعة الرسول طاعة لله ، وأعاد الفعل في طاعة الرسول دون طاعة أولى الأمر ؛ فإنه من يطع الرسول ٢٦٦ فقد أطاع الله ؛ فليس لأحد إذا أمره الرسول بأمر أن ينظر هل أمر الله به أم لا ، بخلاف أولي الأمر فإنهم قد يأمرون بمعصية الله، فليس كل من أطاعهم مطيعاً له، بل لا بد فيما يأمرون به أن يعلم أنه ليس معصية الله، وينظر هل أمر الله به أم لا ، سواء كان أولى الأمر من العلماء أو الأمراء ، ويدخل فى هذا تقليد العلماء وطاعة أمراء السرايا وغير ذلك، وبهذا يكون الدين كله لله قال تعالى : ( وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) وقال النبى صلى الله عليه وسلم: (( لما قيل له : يا رسول الله ! الرجل يقاتل شجاعة ، ويقاتل حمية ، ويقاتل رياء . فأي ذلك فى سبيل الله ؟ فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو فى سبيل الله)). ثم إن كثيراً من الناس يحب خليفة أو عالما أو شيخاً أو أميراً فيجعله نداً لله ، وإن كان قد يقول: إنه يحبه لله . فمن جعل غير الرسول تجب طاعته فى كل ما يأمر به وينهى عنه وإن خالف أمر الله ورسوله فقد جعله نداً، وربما صنع به كما تصنع النصارى بالمسيح، ويدعوه ويستغيث به ، ويوالي أولياءه، ويعادي أعداءه مع إيجابه طاعته فى كل ما يأمر به وينهى عنه ويحلله ويحرمه، ويقيمه مقام الله ورسوله فهذا من الشرك الذي يدخل أصحابه فى قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبٍّ اللَّهِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبَّالِلَّهِ). ٢٦٧ فالتوحيد والإشراك يكون في أقوال القلب ، ويكون فى أعمال القلب ولهذا قال الجنيد: التوحيد قول القلب ، والتوكل عمل القلب أراد بذلك التوحيد الذي هو التصديق، فإنه لما قرنه بالتوكل جعله أصله ، وإذا أفرد لفظ التوحيد فهو يتضمن قول القلب وعمله، والتوكل من تمام التوحيد . وهذا كلفظ ((الإيمان)) فإنه إذا أفرد دخلت فيه الأعمال الباطنة والظاهرة، وقيل الإيمان قول وعمل ، أي قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم فى الحديث المتفق عليه: (( الإيمان بضع وستون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)). ومنه قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُوْ ◌ِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْقَابُواْ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِأُوْلَتِكَ هُمُ الصَدِقُونَ) وقوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْءَايَتُهُ زَادَتْهُمْإِيَمَنَّا وَ عَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَمِمَّارَزَقْنَهُمْ يُنْفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا) وقوله: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْبِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ, عَلَى أَمْرٍ جَامِع لَّمْ يَذْهَبُواحَتَّى يَسْتَعْذِنُوهُ ) . و ((الإيمان المطلق)» يدخل فيه الإسلام كما فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال لوفد عبد القيس: ((آمركم بالإيمان باله أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله الإ الله، وأن محمداً رسول الله ٢٦٨ وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم، ولهذا قال من قال من السلف : كل مؤمن مسلم ، وليس كل مسلم مؤمناً . وأما إذا قرن لفظ الإيمان بالعمل أو بالإسلام فإنه يفرق بينهما كما في قوله تعالى: ( إِنََّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ ) وهو فى القرآن كثير، وكما فى قول النبى صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح لما سأله جبريل عن الإسلام والإيمان والإحسان فقال: ((الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت. قال: فما الإيمان؟ قال أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: فما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)). ففرق فى هذا النص بين الإسلام والإيمان لما قرن بين الاسمين وفى ذلك النص أدخل الإسلام في الإيمان لما أفرده بالذكر . وكذلك لفظ «العمل» فإن الإسلام المذكور هو من العمل والعمل الظاهر هو موجب إيمان القلب ومقتضاه، فإذا حصل إيمان القلب حصل إيمان الجوارح ضرورة ، وإيمان القلب لا بد فيه من تصديق القلب وانقياده، وإلا فلو صدق قلبه بأن محمداً رسول الله وهو يبغضه ويحسده ويستكبر عن متابعته لم يكن قد آمن قلبه . و ((الإيمان)» وإن تضمن التصديق فليس هو مرادفاً له ، فلا يقال ٢٦٩ لكل مصدق بشيء : أنه مؤمن به . فلو قال : أنا أصدق بأن الواحد نصف الاثنين، وأن السماء فوقنا والأرض تحتنا ، ونحو ذلك مما يشاهده الناس ويعلمونه لم يقل لهذا : إنه مؤمن بذلك ؛ بل لا يستعمل إلا فيمن أخبر بشيء من الأمور الغائبة كقول إخوة يوسف: (وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ ◌َّنَا ) فإنهم أخبروه بما غاب عنه وم يفرقون بين من آمن له وآمن به فالأول يقال للمخبر ، والثانى يقال للمخبر به كما قال إخوة يوسف (وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا ) وقال تعالى: ( فَمَآءَامَنَ لِمُوسَىَّ إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ ). وقال تعالى: ( وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِىِّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنْ قُلْ أُذُنُ ج خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ) ففرق بين إيمانه بالله وإيمانه للمؤمنين؛ لأن المراد يصدق المؤمنين إذا أخبروه وأما إيمانه بالله فهو من باب الإقرار به . ومنه قوله تعالى عن فرعون وملئه: ( أَنُوْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا) أي نقر لهما ونصدقها . ومنه قوله: (أَفَنَظَمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُواْلَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) ومنه قوله تعالى: (فَامَنَ لَهُ لُوطُ وَقَالَ إِنِّ مُهَاجِرُ إِلَىرَبِّ ) . ومن المعنى الآخر قوله تعالى: ( يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) وقوله: ( ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَّ كُلُّءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَتَبِكَتِهِ، وَكُهِ، وَرُسُلِهِ، ) وقوله: ( وَلَكِنَّ الْبِرَّمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ لَاتُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍمِّن رُسُلِهِ ٢٧٠ اُلْآَخِ وَالْمَلَئِكَةِ وَالْكِتَبِ وَالنَّبِعِنَ) أى أقر بذلك ومثل هذا فى القرآن كثير . و (المقصود هنا) أن لفظ ((الإيمان)) إنما يستعمل فى بعض الأخبار ، وهو مأخوذ من الأمن ، كما أن الإقرار مأخوذ من قر ، فالمؤمن صاحب أمن ، كما أن المقر صاحب إقرار ، فلا بد فى ذلك من عمل القلب بموجب تصديقه ، فإذا كان عالماً بأن محمداً رسول الله ولم يقترن بذلك حبه وتعظيمه بل كان يبغضه ويحسده ويستكبر عن اتباعه فإن هذا ليس بمؤمن به بل كافر به . ومن هذا الباب كفر إبليس وفرعون وأهل الكتاب الذين يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وغير هؤلاء، فإن إبليس لم يكذب خبراً ولا مخبراً بل استكبر عن أمر ربه . وفرعون وقومه قال الله فيهم: (وَحَحَدُواْ ◌ِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوَّا ) وقال له موسى: ( لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلََّ رَبُّ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ بَصَابِرَ ) وقال تعالى: ( الَّذِينَءَاتَيْنَهُمُ ( اُلْكِتَبَ يَعْرِفُونَُوكَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ فمجرد على القلب بالحق إن لم يقترن به عمل القلب بموجب علمه مثل محبة القلب له واتباع القلب له لم ينفع صاحبه، بل أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه، وقد كان النبى صلى الله عليه وسلم ٢٧١ يقول: ((اللهم إنى أعوذ بك من علم لا ينفع، ونفس لاتشبع، ودعاء لا يسمح، وقلب لا يخشع)) ولكن الجهمية ظنوا أن مجرد علم القلب وتصديقه هو الإيمان ، وأن من دل الشرع على أنه ليس بمؤمن فإن ذلك يدل على عدم علم قلبه ، وهذا من أعظم الجهل شرعا وعقلا . وحقيقته توجب التسوية بين المؤمن والكافر ؛ ولهذا أطلق وكيع بن الجراح وأحمد بن حنبل وغيرهما من الأئمة كفرم بذلك ، فإنه من المعلوم أن الإنسان يكون عالماً بالحق ويبغضه لغرض آخر ، فليس كل من كان مستكبراً عن الحق يكون غير عالم به ، وحينئذ فالإيمان لا بد فيه من تصديق القلب وعمله ، وهذا معنى قول السلف : الإيمان قول وعمل . ثم إنه إذا تحقق القلب بالتصديق والمحبة التامة المتضمنة للإرادة لزم وجود الأفعال الظاهرة ، فإن الإرادة الجازمة إذا اقترنت بها القدرة التامة لزم وجود المراد قطعاً ، وإنما ينتفى وجود الفعل لعدم كمال القدرة ، أو لعدم كمال الإرادة ، وإلا فمح كمالها يجب وجود الفعل الاختياري ، فإذا أقر القلب إقراراً تاماً بأن محمداً رسول الله وأحبه محبة تامة امتنع مع ذلك آن لا يتكلم بالشهادتين مع قدرته على ذلك ، ء لكن إن كان عاجزاً لخرس ونحوه أو الخوف ونحوه لم يكن قادراً على النطق بها . ٢٧٢ و ((أبو طالب)) وإن كان عالماً بأن محمداً رسول اللّه وهو محب له فلم تكن محبته له لمحبته لله ، بل كان يجبه لأنه ابن أخيه فيحبه للقرابة، وإذا أحب ظهوره فلما يحصل له بذلك من الشرف والرئاسة ، فأصل محبوبه هو الرئاسة ؛ فلهذا لما عرض عليه الشهادتين عند الموت رأى أن بالإقرار بها زوال دينه الذي يحبه ، فكان دينه أحب إليه من ابن أخيه فلم يقربها - فلو كان يحبه لأنه رسول اللّه كما كان يحبه أبو بكر اُلَّذِى يُؤْتِ مَالَهُ يَتَزَّكُى الذي قال اللّه فيه: (وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَنْقَى * وَلَسَوْفَ إِلَّا آشِغَاءَ وَجْهِرَبِّهِ الْأَعْلَى وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَ يَرْضَّى ) وكما كان يحبه سائر المؤمنين به، كعمر وعثمان وعلي وغيرهم النطق بالشهادتين قطعاً - فكان حبه حباً مع اللّه لا حباً لله، ولهذا لم يقبل الله ما فعله من نصر الرسول وموازرته لأنه لم يعمله الله، والله لا يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه، بخلاف الذي فعل ما فعل ابتغاء وجه ربه الأعلى . وهذا مما يحقق أن ((الإيمان ، والتوحيد )) لا بد فيها من عمل القلب ، كحب القلب ، فلا بدمن إخلاص الدين لله، والدين لا يكون ديناً إلا بعمل ؛ فإن الدين يتضمن الطاعة والعبادة ؛ وقد أزل الله عن وجل سورتي الإخلاص: (قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ ) و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ). إحداهما فى توحيد القول والعلم. والثانية فى توحيد العمل ٢٧٣ والإرادة؛ فقال فى الأول: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدَّ * اللّهُ الصََّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُكُفُوَا أَحَدٌ ) فأمره أن يقول هذا التوحيد وقال فى الثانى: (قُلْ يَأَيُهَا الْكَفِرُونَ * لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَ أَنْتُمْ عَبِّدُونَ مَآ أَعْبُدُ * وَلَآَ أَنْ عَِدٌ مَّ عَبَدُمْ * وَلَا أَنْتُمْ عَِدُونَ مَ أَعْبُدُ * لَكُمْدِيتُكُمْ وَلِىَ دِينِ ) فأمره أن يقول ما يوجب البراءة من عبادة غير الله وإخلاص العبادة لله . و ((العبادة)) أصلها القصد والإرادة . والعبادة إذا أفردت دخل فيها التوكل ونحوه ، وإذا قرنت بالتوكل صار التوكل قسيما لها ، كما ذكرناه فى لفظ الإيمان، قال تعالى: ( وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) وقال تعالى: (يَأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُ وارَبَّكُمُ ) فهذا ونحوه يدخل فيه فعل المأمورات وترك المحظورات ؛ والتوكل من ذلك ، وقد قال فى موضع آخر: (إِيََّ نَعْبُهُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) وقال: (فَأُعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ) ومثل هذا كثيراً ما يجيء فى القرآن : تنوع دلالة اللفظ فى عمومه وخصوصه بحسب الإفراد والاقتران؛ كلفظ ((المعروف والمنكر)) فإنه قد قال: ( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُ ونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ اُلْمُنكَرِ ) وقال (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِ يَأْمُونَ بِلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ) وقال: (يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَمُهُمْ عَنِ ٢٧٤ الْمُنكَرِ) فالمنكر يدخل فيه ماكرهه الله ؛ كما يدخل فى المعروف ما يحبه الله . وقد قال فى موضع آخر : (إِنَ الضَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ) فعطف المنكر على الفحشاء، ودخل في المنكر هنا البغي. وقال فى موضع آخر: ( إِنَّ اللَّهَيَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ وَ إِيتَآٍ ذِى الْقُرْبَ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغِي) فقرن بالمنكر الفحشاء والبغي . ومن هذا الباب لفظ ((الفقراء ، والمساكين)) إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر ، وإذا قرن أحدهما بالآخر صار بينهما فرق ؛ لكن هناك أحد الاسمين أعم من الآخر، وهنا بينهما عموم وخصوص، فمحبة الله وحده والتوكل عليه وحده وخشية الله وحده ونحو هذا كل هذا يدخل فى توحيد الله تعالى ، قال تعالى فى المحبة: ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ وقال تعالى: ( قُلْ إِن كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ ءَامَنُوْ أَشَدُّ حُبَّالِلَّهِ. كَانَ ءَ ابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَنُكُمْ وَأَزْوَاجْكُمْوَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَلُّ أَقْتَرَفْتُمُوهَا وَنَجَرَّةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَ إِلَيْكُمْ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ ) وقال تعالى: ( وَمَن فِي سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُوْ حَتَّى يَأَتِى اللَّهُ بِأَمْرِهِ فجعل الطاعة يُطِيعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْدِ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْفَآيِزُونَ) لله والرسول وجعل الخشية والتقوى لله وحده وقال تعالى: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُواْ مَآءَاتَنهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَقَالُواْ حَسْبُنَا اُللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، ٢٧٥ وقال تعالى: ( فَإِذَا فَرَغْتَ فَأَنْصَبُ * وَرَسُولُهُ إِنَّ إِلَى اللَّهِ رَغِبُونَ) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَب ) فجعل التحسب والرغبة إلى الله وحده . وهذه الأمور مبسوطة فى غير هذا الموضع. و (المقصودهنا) أن قول القائل: (لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنَتَ ) فيه إفراد الإلهية لله وحده وذلك يتضمن التصديق لله قولاً وعملا، فالمشركون كانوا يقرون بأن الله رب كل شيء ؛ لكن كانوا يجعلون معه آلهة أخرى ، فلا يخصونه بالإلهية . وتخصيصه بالإلهية يوجب ألا يعبد إلا إياه، وأن لا يسأل غيره ، كما فى قوله : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيُ) فإن الإنسان قد يقصد سؤال الله وحده والتوكل عليه، لكن فى أمور لا يحبها الله ؛ بل يكرهها وينهى عنها، فهذا وإن كان مخلصا له في سؤاله والتوكل عليه، لكن ليس هو مخلصا في عبادته وطاعته ، وهذا حال كثير من أهل التوجهات الفاسدة أصحاب الكشوفات والتصرفات المخالفة لأمر الله ورسوله، فإنهم يعانون على هذه الأمور . وكثير منهم يستعين الله عليها لكن لما لم تكن موافقة لأمر الله ورسوله حصل لهم نصيب من العاجلة ، وكانت عاقبتهم عاقبة سيئة ، قال تعالى: ( وَإِذَا مَسَّكُمُ اَلْضُرُ فِ الْبَحْرِضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّ إِنَّاهُ فَمَّا نَجَّنَّكُمْ إِلَى الْبَرِّأَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنسَنُ كَفُورًا) وقال تعالى: (وَإِذَامَسَّ الْإِنسَنَ اَلْقُرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ. ٢٧٦ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّكَأَن لَّمْيَدْ عُنَا إِلَى ضُرِّمَسَّهُ ) . وطائفة أخرى قد يقصدون طاعة الله ورسوله ، لكن لا يحققون التوكل عليه والاستعانة به. فهؤلاء يثابون على حسن نيتهم، وعلى طاعتهم، لكنهم مخذولون فيما يقصدونه ، إذ لم يحققوا الاستعانة بالله والتوكل عليه ؛ ولهذا يبتلى الواحد من هؤلاء بالضعف والجزع تارة ، وبالإعجاب أخرى، فإن لم يحصل مراده من الخير كان لضعفه، وربما حصل له جزع، فإن حصل مراده نظر إلى نفسه وقوته فحصل له إعجاب ، وقد يعجب بحاله فيظن حصول مراده فيخذل. قال تعالى: (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَ تُغْنٍ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم ◌ُدْبِينَ) إلى قوله: ( ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ). وكثيراً ما يقرن الناس بين الرياء والعجب ، فالرياء من باب الإشراك بالخلق ، والعجب من باب الإشراك بالنفس وهذا حال المستكبر ، فالمرائي لا يحقق قوله : (إِيَاكَ نَعْبُدُ) والمعجب لا يحقق قوله: (إِيَّاكَ نَسْتَعِيُ) فمن حقق قوله : ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ) خرج عن الرياء ومن حقق قوله، (إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) خرج من الإعجاب، وفى الحديث المعروف: ((ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه)). ٢٧٧ وشر من هؤلاء وهؤلاء من لا تكون عبادته لله ولا استعانته بالله بل يعبد غيره ويستعين غيره وهؤلاء المشركون من الوجهين . ومن هؤلاء من يكون شركه بالشياطين كأصحاب الأحوال الشيطانية فيفعلون ما تحبه الشياطين من الكذب والفجور ويدعونه بأدعية تجها الشياطين ويعزمون بالعزائم التى تطيعها الشياطين مما فيها إشراك بالله. كما قد بسط الكلام عليهم فى مواضع أخر. وهؤلاء قد يحصل لهم من الخوارق ما يظن أنه من كرامات الأولياء . وإنما هو من أحوال السحرة والكهان؛ ولهذا يجب الفرق بين الأحوال الإيمانية القرآنية والأحوال النفسانية والأحوال الشيطانية . وأما القسم الرابع فهم أهل التوحيد الذين أخلصوا دينهم لله فلم يعبدوا إلا إياه ولم يتوكلوا إلا عليه. وقول المكروب: (لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ) قد يستحضر فى ذلك أحد النوعين دون الآخر فمن أتم الله عليه النعمة استحضر التوحيد فى النوعين، فإن المكروب همته منصرفة إلى دفع ضره وجلب نفعه، فقد يقول ((لا إله إلا الله )) مستشعراً أنه لا يكشف الضر غيرك، ولا يأتي بالنعمة إلا أنت فهذا مستحضر توحيد الربوبية ، ومستحضر توحيد السؤال والطلب ، والتوكل عليه ، معرض عن توحيد الإلهية الذي يحبه الله ويرضاه ويأمر ٢٧٨ به وهو ألا يعبد إلا إياه ولا يعبده إلا بطاعته وطاعة رسوله فمن استشعر هذا فى قوله: (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ) كان عابداً لله متوكلا عليه وكان ممتثلا قوله : (فَأَعْبُدُهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ) وقوله: (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ ) وقوله: ( وَاذْكُرِسْمَ رَبِّكَ وَبَتَّلْ إِلَيْهِ بِّلْبِيلاً * رَبُّ الْشْرِقِ وَالْغْرِبِ لَآ إِلَهَ إِلَّهُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا ) . ثم إن كان مطلوبه محرما أثم وإن قضيت حاجته . وإن كان طالباً مباحاً لغير قصد الاستعانة به على طاعة الله وعبادته لم يكن آتما ولا مثابا . وإن كان طالباً ما يعينه على طاعة الله وعبادته لقصد الاستعانة به على ذلك كان مثابا مأجوراً . وهذا مما يفرق به بين العبد الرسول وخلفائه، وبين النبى الملك، فإن نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم خير بين أن يكون نيا ملكا أو عبداً رسولاً ، فاختار أن يكون عبداً رسولاً؛ فإن العبد الرسول هو الذي لايفعل إلا ما أمر به ، ففعله كله عبادة الله ، فهو عبد محض منفذ أمر مرسله، كما ثبت عنه فى صحيح البخاري أنه قال: ((إني والله لا أعطي أحداً ولا أمنع أحداً وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت )» وهو لم يرد بقوله ((لا أعطى أحداً ولا أمنع)) إفراد الله بذلك قدراً وكونا ، فإن جميع المخلوقين يشاركونه فى هذا فلا يعطي أحداً ولا يمنح إلا بقضاء الله وقدره ؛ وإنما أراد إفراد الله بذلك شرعا وديناً. أي لا أعطي إلا من أمرت ٢٧٩ بإعطائه ، ولا أمنع إلا من أمرت بمنعه، فأنا مطيع الله فى إعطائي ومنعي فهو يقسم الصدقة والفيء والغنائم كما بقسم المواريث بين أهلها ؛ لأن الله أمره بهذه القسمة. ولهذا كان المال حيث أضيف إلى الله ورسوله فالمراد به ما يجب أن بصرف فى طاعة الله ورسوله ، ليس المراد به أنه ملك للرسول ، كما ظنه طائفة من الفقهاء ، ولا المراد به كونه مملوكا للّه خلقاً وقدراً ؛ فإن جميع الأموال بهذه المثابة. وهذا كقوله: (قُلِ آلْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ) ) الآية وقوله: ( وَأَعْلَمُوَأْأَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَىْءٍ فَأَنَّلِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلَرَّسُولِ وقوله: ( وَمَآ أَفَءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَاٍ ) إلى قوله: (مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى ) الآية. فذكر فى الفيء ما ذكر في الخمس . فظن طائفة من الفقهاء أن الإضافة إلى الرسول تقتضي أنه يملكه. كما يملك الناس أملاكهم . ثم قال بعضهم: إن غنائم بدر كانت ملكا للرسول. وقال بعضهم: إن الفئ وأربعة أخماسه كان ملكا للرسول . وقال بعضهم: إن الرسول إنما كان يستحق من الخمس خمسه. وقال بعض هؤلاء: وكذلك كان يستحق من خمس الفيء خمسه ، وهذه الأقوال توجد فى كلام طوائف من أصحاب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرم ، وهذا غلط من وجوه : ٢٨٠