Indexed OCR Text

Pages 301-320

ونحو ذلك ، ومن الناس من يفصل بين الأسماء التى يدعى بها ، وبين ما يخبر
به عنه للحاجة، فهو سبحانه إنما يدعى بالأسماء الحسنى كما قال: (وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ
اْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا )
وأما إذا احتيج إلى الإخبار عنه مثل أن يقال : ليس هو بقديم ولا
موجود ولا ذات قائمة بنفسها ، ونحو ذلك، فقيل فى تحقيق الإثبات بل هو
سبحانه قديم موجود وهو ذات قائمة بنفسها ، وقيل ليس بشيء ، فقيل بل
هو شيء فهذا سائغ ، وإن كان لا يدعى بمثل هذه الأسماء التى ليس فيها ما يدل
على المدح كقول القائل : ياشيء إذ كان هذا لفظاً بعم كل موجود ، وكذلك
لفظ ((ذات وموجود)) ونحو ذلك؛ إلا إذا سمى بالموجود الذي يجده من
طلبه كقوله : (وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ ) فهذا أخص من الموجود الذي يعم الخالق
والمخلوق .
إذا تبين هذا، فالنفس - وهي الروح المديرة لبدن الإنسان - هي من
باب ما يقوم بنفسه التى تسمى جوهراً وعيناً قائمة بنفسها ، ليست من باب
الأعراض التى هي صفات قائمة بغيرها .
وأما التعبير عنها بلفظ ((الجوهر)) ((والجسم)) ففيه نزاع بعضه اصطلاحي
وبعضه معنوي . فمن غنى بالجوهر القائم بنفسه فهي جوهر ، ومن عنى بالجسم
ما يشار إليه وقال إنه يشار إليها فهي عنده جسم ، ومن عنى بالجسم المركب
٣٠١

من الجواهر المفردة أو المادة والصورة فبعض هؤلاء قال إنها جسم أيضاً . ومن
غنى بالجوهر المتحيز القابل للقسمة فمنهم من يقول إنها جوهر ، والصواب أنها
ليست مركبة من الجواهر المفردة ولا من المادة والصورة . وليست من جنس
الأجسام المتحيزات المشهودة المعهودة ، وأما الإشارة إليها فإنه يشار إليها
وتصعد وتنزل ويخرج من البدن وتسل منه ، كما جاءت بذلك النصوص ودلت
عليه الشواهد العقلية .
فصل
وأما قول القائل. أين مسكنها من الجسد؟
فلا اختصاص للروح بشيء من الجسد ، بل هي سارية فى الجسد كما
تسري الحياة التى هي عرض فى جميع الجسد ، فإن الحياة مشروطة بالروح ،
فإذا كانت الروح فى الجسد كان فيه حياة ، وإذا فارقته الروح فارقته الحياة .
٣٠٢

فصل
وأما قوله : أين مسكن العقل فيه ؟
فالعقل قائم بنفس الإنسان التى تعقل ، وأما من البدن فهو متعلق بقلبه
( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا)
كما قال تعالی:
وقيل لابن عباس: بماذا نلت العلم: قال: ((بلسان سؤول وقلب عقول))
لكن لفظ ((القلب)) قد يراد به المضغة الصنوبرية الشكل التى في الجانب
الأيسر من البدن ، التى جوفها علقة سوداء. كما فى الصحيحين عن النبى صلى
الله عليه وسلم: ((إن فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا
فسدت فسد لها سائر الجسد)) . وقد يراد بالقلب باطن الإنسان مطلقاً ، فإن
قلب الشيء باطنه ، كقلب الحنطة واللوزة والجوزة ونحو ذلك . ومنه سمى
القليب قليباً لأنه أخرج قلبه وهو باطنه ، وعلى هذا فإذا أريد بالقلب هذا
فالعقل متعلق بدماغه أيضاً ، ولهذا قيل : إن العقل فى الدماغ . كما يقوله كثير
من الأطباء، ونقل ذلك عن الإمام أحمد ، ويقول طائفة من أصحابه : إن أصل
العقل فى القلب ، فإذا كمل انتهى إلى الدماغ .
والتحقيق أن الروح التى هي النفس لها تعلق بهذا وهذا ، وما يتصف
٣٠٣

من العقل به يتعلق بهذا وهذا ، لكن مبدأ الفكر والنظر فى الدماغ ، ومبدأ
الإرادة فى القلب .
والعقل يراد به العلم ، ويراد به العمل ، فالعلم والعمل الاختياري أصله
الإرادة ، وأصل الإرادة فى القلب ، والمريد لا يكون مريداً إلا بعد
تصور المراد ، فلا بد أن يكون القلب متصوراً ، فيكون منه هذا
وهذا ، ويبتدىء ذلك من الدماغ ، وآثاره صاعدة إلى الدماغ ، فمنه المبتدأ
وإليه الانتهاء ، وكلا القولين له وجه صحيح . وهذا مقدار ما وسعته هذه
الأوراق والله أعلم .
٣٠٤

سئل الشيخ رحم الله
أيما أفضل العلم . أو العقل؟
فأحاب :
إن أريد بالعلم علم الله تعالى الذي أنزله الله تعالى وهو الكتاب كما قال
تعالى: ( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ كَ مِنَ الْعِلْمِ ) فهذا أفضل من عقل
الإنسان ؛ لأن هذا صفة الخالق والعقل صفة المخلوق ، وصفة الخالق أفضل من
صفة المخلوق .
وإن أريد بالعقل أن يعقل العبد أمره ونهيه ، فيفعل ما أمر
به ويترك ما نهى عنه ، فهذا العقل يدخل صاحبه به الجنة. وهو
أفضل من العلم الذي لا يدخل صاحبه به الجنة . كمن يعلم ولا يعمل .
وإن أريد العقل الغريزة التى جعلها الله فى العبد التى ينال بها العلم
والعمل ، فالذي يحصل به أفضل ؛ لأن العلم هو المقصود به، وغريزة العقل وسيلة
إليه . والمقاصد أفضل من وسائلها .
وإن أريد بالعقل العلوم التى تحصل بالغريزة فهذه من العلم فلا يقال : أيما
٣٠٥

أفضل العلم أو العقل ، ولكن يقال أيما أفضل هذا العلم أو هذا العلم ، فالعلوم
بعضها أفضل من بعض ، فالعلم بالله أفضل من العلم بخلقه، ولهذا كانت آية
الكرسي أفضل آية فى القرآن ؛ لأنها صفة الله تعالى. وكانت : ( قُلٌ
هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ) تعدل ثلث القرآن؛ لأن القرآن ((ثلاثة أثلاث)): ثلث
توحيد، وثلث قصص، وثلث أمر ونهي. وثلث التوحيد أفضل من غيره .
والجواب فى هذه المسألة مسألة العلم والعقل، لا بد فيه من التفصيل؛
لأن كل واحد من الاسمين يحتمل معاني كثيرة، فلا يجوز إطلاق الجواب بلا
تفصيل ، ولهذا كثر النزاع فيها لمن لم يفصل ، ومن فصل الجواب فقد أصاب.
والله أعلم.
٣٠٦

وقال شيخ الإسلام
العالم العلامة شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية الحراني
قدس الله روحه ونور ضريحه :
فصل
ثم إن الله سبحانه وتعالى خلق القلب للإنسان يعلم به الأشياء، كما خلق
له العين يرى بها الأشياء، والأذن بسمع بها الأشياء، كما خلق له سبحانه كل
عضو من أعضائه لأمر من الأمور ، وعمل من الأعمال . فاليد للبطش والرجل
للسعي، واللسان للنطق، والفم للذوق، والأنف للشم، والجلد للمس، وكذلك
سائر الأعضاء الباطنة والظاهرة .
فإذا استعمل الإنسان العضو فيما خلق له وأعد لأجله فذلك هو الحق
القائم والعدل الذي قامت به السموات والأرض، وكان ذلك خيراً وصلاحاً
لذلك العضو و[إرضاء] لربه و[صلاحاً] الشيء الذي استعمل فيه، وذلك
(١) (٢) أضيفتا حسب مفهوم السياق.
٣٠٧

الإنسان الصالح هو الذي استقام حاله و(أُوْلَبِّكَ عَلَى هُدَى مِّن رَّبِهِمَّ
وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) .
وإذا لم يستعمل العضو فى حقه بل ترك بطالاً فذلك خسران، وصاحبه
مغبون ، وإن استعمل فى خلاف ما خلق له فهو الضلال والهلاك، وصاحبهمن
الذين بدلوا نعمة الله كفراً .
ثم إن سيد الأعضاء ورأسها هو القلب: كما سمي قلباً. قال النبي صلى
الله عليه وسلم: ((إن فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت
فسد الجسد كله ألا وهي القلب))، وقال صلى الله عليه وسلم: ((الإسلام
علانية والإيمان فى القلب ثم أشار بيده إلى صدره وقال ألا إن التقوى ها هنا
ألا إن التقوى هاهنا)).
وإذ قد خلق القلب لأن يعلم به فتوجهه نحو الأشياء ابتغاء العلم بها هو
الفكر والنظر، كما أن إقبال الأذن على الكلام ابتغاء سمعه هو الإصغاء والاستماع،
وانصراف الطرف إلى الأشياء طلباً لرؤيتها هو النظر. فالفكر للقلب ، كالإصغاء
للأذن، ومثله نظر العينين فيما سبق، وإذا علم ما نظر فيه فذاك مطلوبه، كما
أن الأذن كذلك إذا سمعت ما أصغت إليه ، أو العين إذا أبصرت ما نظرت إليه.
وكم من ناظر مفكر لم يحصل العلم ولم ينله كما أنه كم من ناظر إلى الهلال لا يبصره
ومستمع إلى صوت لا يسمعه .
٣٠٨

وعكسه من يؤتى علماً بشيء لم ينظر فيه ولم تسبق منه إليه سابقة تفكير
فيه ، كمن فاجأته رؤية الهلال من غير قصد إليه أو سمع قولاً من غير أن يصغي
إليه ، وذلك كله لا لأن القلب بنفسه يقبل العلم، وإنما الأمر موقوف على شرائط
واستعداد قد يكون فعلاً من الإنسان فيكون مطلوباً، وقد يأتي فضلاً من الله
فيكون موهوباً .
فصلاح القلب وحقه والذي خلق من أجله هو أن يعقل الأشياء، لا أقول
أن يعلمها فقط : فقد يعلم الشيء من لا يكون عاقلاً له ، بل غافلا عنه ملغياً له .
والذي يعقل الشيء هو الذي يقيده ويضبطه ويعيه ويثبته فى قلبه ، فيكون وقت
الحاجة إليه غنياً فيطابق عمله قوله، وباطنه ظاهره، وذلك هو الذي أوتي
الحكمة. (وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًاً ). وقال أبو الدرداء:
إن من الناس من يؤنى علماً ولا يؤنى حكماً، وان شداد بن أوس من أوتي
علماً وحكماً .
وهذا مع أن الناس متباينون فى نفس عقلهم الأشياء من بين كامل
وناقص ، وفيما يعقلونه من بين قليل وكثير ، وجليل ودقيق ،
وغير ذلك .
ثم هذه الأعضاء الثلاثة هي أمهات ما ينال به العلم ويدرك أعنى العلم الذي
يمتاز به البشر عن سائر الحيوانات دون ما يشاركها فيه، من الشم والذوق
٣٠٩

واللمس، وهنا يدرك به ما يحب ويكره وما يميز به بين من يحسن إليه ومن
يسيء إليه إلى غير ذلك. قال الله تعالى: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ لَا
تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَاُلْأَفْئِدَةٌ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) وقال:
( ثُمَّسَوَّنَهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، وَحَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَنْصَرَ وَالْأَفْئِدَةُ فِيلًا مَا
تَشْكُرُونَ ) وقال: ( وَلَنَقْفُ مَالَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلَهُْ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ
كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ) وقال: (وَجَعَلْنَالَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَرًا وَأَفْئِدَةً ) وقال:
(خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَرِهِمْ غِشَوَةٌ ).
وقال فيما لكل عضو من هذه الأعضاء من العمل والقوة: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا
لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنّ وَالْإِنسِّ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَهُمْ
◌َاذَاٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَآ ).
ثم إن العين تقصر عن القلب والأذن ، وتفارقها في شىء وهو أنها
إنما يرى صاحبها بها الأشياء الحاضرة والأمور الجسمانية مثل الصور والأشخاص
فأما القلب والأذن فيعلم الإنسان بهما ماغاب عنه ومالا مجال للبصر فيه من
الأشياء الروحانية ، والمعلومات المعنوية، ثم بعد ذلك يفترقان : فالقلب يعقل
الأشياء بنفسه إذا كان العلم هو غذاءه وخاصيته ، أما الأذن فإنها تحمل الكلام
المشتمل على العلم إلى القلب ، فهى بنفسها إنما تحمل القول والكلام، فإذا
وصل ذلك إلى القلب أخذ منه مافيه من العلم، فصاحب العلم فى حقيقة
الأمر هو القلب ، وإنما سائر الأعضاء حجبة له توصل إليه من الأخبار مالم
٣١٠

يكن ليأخذه بنفسه ، حتى إن من فقد شيئاً من هذه الأعضاء فإنه يفقد بفقده
من العلم ما كان هو الواسطة فيه .
فالأصم لا يعلم ما فى الكلام من العلم، والضرير لايدري ما يحتوي
عليه الأشخاص من الحكمة البالغة، وكذلك من نظر إلى الأشياء بغير قلب
أو استمع إلى كلمات أهل العلم بغير قلب فإنه لا يعقل شيئاً؛ فمدار الأمر
على القلب، وعند هذا تستبين الحكمة فى قوله تعالى: ( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِى
حتى لم يذكر
(
اُلْأَرْضِ فَتَكُونَ لَمُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوْءَاذَانٌ يَسْمَعُونَبِهَا
هنا العين كما في الآيات السوابق ، فإن سياق الكلام هنا فى أمور غائبة ،
وحكمة معقولة من عواقب الأمور لامجال لنظر العين فيها ، ومثله قوله :
(أَمْ تَحْسَبُ أَنَّأَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْيَعْقِلُونَ ) وتتبين حقيقة الأمر فى قوله :
( إِنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ، قَلْبُّ أَوْأَلَقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ).
فإن من يؤتى الحكمة وينتفع بالعلم على منزلتين إما رجل رأى الحق
بنفسه فقبله فاتبعه ولم يحتج إلى من يدعوه إليه، فذلك صاحب القلب : أو
رجل لم يعقله بنفسه بل هو محتاج إلى من يعلمه ويبينه له ويعظه ويؤديه، فهذا
أصغى فـ: ( أَلْغَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) . أي حاضر القلب ليس بغائبه. كما قال
مجاهد : أو تى العلم وكان له ذكرى .
ويتبين قوله : ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُشْمِعُ الْقُمَّ وَلَوْ كَانُواْلَا يَعْقِلُونَ
٣١١

وَمِنْهُمْ مَن يَنْظُرُ إِلَيْكَّ أَفَنْتَ تَهْدِى الْعُمْىَ وَلَوْ كَانُواْ لَأَيُبْصِرُونَ) وقوله :
( وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِيّ ءَاذَا نِهِمْ وَقْرًا).
ثم إذا كان حق القلب أن يعلم الحق فإن الله هو الحق المبين، (فَذَلِكُمُ
) إذ كان كل ما يقع عليه لمحة ناظر
اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلََّ الصَّلَلُ
أو يجول فى لفتة خاطر، فالله ربه ومنشئه وفاطره ومبدئه لا يحيط علما إلا
بما هو من آياته البينة فى أرضه وسمائه. وأصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل.
أي مامن شيء من الأشياء إذا نظرت إليه من جهة نفسه إلا وجدته إلى العدم
وما هو فقير إلى الحي القيوم ، فإذا نظرت إليه وقد تولته بد العناية بتقدير من
أعطى كل شيء خلقه ثم هدى رأيته حينئذ موجوداً مكسواً حلل الفضل
والإحسان، فقد استبان أن القلب إنما خلق لذكر الله سبحانه، ولذلك قال
بعض الحكماء المتقدمين من أهل الشام - أظنه سليمان الخواص رحمه الله -
قال: الذكر للقلب بمنزلة الغذاء للجسد، فكما لا يجد الجسدلذة الطعام مع السقم
فكذلك القلب لا يجد حلاوة الذكر مع حب الدنيا. أو كما قال.
فإذا كان القلب مشغولاً بالله، عاقلا للحق، متفكراً فى العلم ، فقد
٣١٢

وضع فى موضعه كما أن العين إذا صرفت إلى النظر فى الأشياء فقد وضعت فى
موضعها ، أما إذا لم يصرف إلى العلم ولم يوع فيه الحق فقد نسي ربه، فلم
يوضع فى موضع بل هو ضائع ولا يحتاج أن نقول قد وضع فى موضع غير
موضعه، بل لم يوضع أصلا . فإن موضعه هو الحق ، وما سوى الحق باطل ،
فإذا لم يوضع في الحق لم يبق إلا الباطل، والباطل ليس بشيء أصلا، وما
ليس بشيء أحرى ألا يكون موضعاً .
والقلب هو نفسه لا يقبل إلا الحق، فإذا لم يوضع فيه فإنه لا يقبل غير ما
خلق له . (سُنَّةَ اللَّهِ) (وَلَن تَجِدَلِسُنَّةِ اللَّهِتَبْدِيلًا ) وهو مع ذلك ليس بمتروك
مخلى فإنه لا يزال فى أودية الأفكار وأقطار الأماني لا يكون على الحال التى
تكون عليها العين والأذن من الفراغ والتخلي ، فقد وضع فى غير موضع لامطلق
ولا معلق ، موضوع لا موضع له . وهذا من العجب فسبحان ربنا العزيز
الحكيم، وإنما تنكشف للإنسان هذه الحال عند رجوعه إلى الحق ، إما فى الدنيا
عند الإنابة، أو عند المنقلب إلى الآخرة، فيرى سوء الحال التى كان عليها،
وكيف كان قلبه ضالاً عن الحق . هذا إذا صرف فى الباطل .
فأما لو ترك وحاله التى فطر عليها فارغا عن كل ذكر خالياً عن كل فكر
فقد كان يقبل العلم الذي لا جهل فيه ، ويرى الحق الذي لا ريب فيه ،
فيؤمن بربه ويذيب إليه ، فإن كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه
أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء لا يحس فيها من جدع
٣١٣

(فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيَّهَا لَنَبْدِيَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الْدِيْنُ الْقَيِّمُ )، وإنما
يحول بينه وبين الحق فى غالب الحال شغله بغيره من فتن الدنيا ، ومطالب
الجسد ، وشهوات النفس ، فهو في هذه الحال كالعين الناظرة إلى وجه
الأرض لا يمكنها أن ترى مع ذلك الهلال ، أو هو يميل إليه فيصده عن
اتباع الحق ، فيكون كالعين التى فيها قذى لا يمكنها رؤية الأشياء.
ثم الهوى قد يعترض له قبل معرفة الحق فيصده عن النظر فيه ، فلا
يتبين له الحق كما قيل : حبك الشيء بعمى ويصم . فيبقى فى ظلمة الأفكار
وكثيراً ما يكون ذلك عن كبريمنعه عن أن يطلب الحق، (فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ
(
بَِّخِرَةِ قُلُوبُهُمْ شُّنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبُونَ
وقد يعرض له الهوى بعد أن عرف الحق فيجحده ويعرض عنه، كما قال
ربنا سبحانه فيهم : (سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَتِىَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ
وَإِن يَرَوْأُ كُلَّ ءَايَةٍ لَّايُؤْمِنُواْ بِهَا وَ إِن يَرَوْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَ إِن
(
يَرَوْأْ سَبِيلَ الْغَى يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا
ثم القلب للعلم كالإناء للماء ، والوعاء للعسل ، والوادي السيل. كما قال
تعالى: ( أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ) الآبة وقال النبى صلى
الله عليه وسلم: (( إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب
أرضاً : فكانت منها طائفة قبلت الماء ، فأنبتت الكلا، والعشب الكثير،
٣١٤

وكانت منها أحادب أمسكت الماء فسقى الناس وزرعوا . وأصاب منها طائفة
إنما قيعان لا تمسك ماء ولا تذبت كلاً فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه
ما أرسلت به ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت
به(١) وفى حديث كميل بن زياد عن علي رضي الله عنه قال: القلوب أوعية
فخيرها أوعاها . وبلغنا عن بعض السلف قال : القلوب آنية الله فى أرضه،
فأحبها إلى الله تعالى أرقها وأصفاها . وهذا مثل حسن فإن القلب إذا كان
رقيقاً ليناً كان قبوله للعلمسهلا يسيراً ورسخ العلم فيه وثبت وأثر ، وإن كان
قاسياً غليظاً كان قبوله للعلم صعباً عسيراً.
ولا بد مع ذلك أن يكون زكياً صافياً سليما، حتى يزكو فيه العلم ويثمر
تمراً طيباً ، وإلا فلو قبل العلم وكان فيه كدر وخبث أفسد ذلك العلم ، وكان
كالدغل فى الزرع إن لم يمنع الحب من أن بنبت منعه من أن يزكو ويطيب ،
وهذا بين لأولي الأبصار .
و ( تلخيص هذه الجملة ) أنه إذا استعمل فى الحق فله وجهان :
(وجه) مقبل على الحق، ومن هذا الوجه يقال له : وعاء وإناء ؛ لأن
ذلك يستوجب ما يوعى فيه ويوضع فيه ، وهذه الصفة صفة وجود وثبوت .
و(وجه) معرض عن الباطل ، ومن هذا الوجه يقال له : زكى وسليم
(١) الحديث في صحيح مسلم بزيادة في بعض الفاظه مجلد ٤ صفحة ١٧٨٧ حديث ٢٢٨٢
٣١٥

وطاهر ؛ لأن هذه الأسماء تدل على عدم الشر وانتفاء الخبث والدغل، وهذه
الصفة صفة عدم ونفى .
وبهذا يتبين أنه إذا صرف إلى الباطل فله وجهان كذلك .
(وجه الوجود)، أنه منصرف إلى الباطل مشغول به .
و(وجه العدم) أنه معرض عن الحق غير قابل له ، وهذا يبين من البيان
والحسن والصدق ما فى قوله :
إذا ما وضعت القلب فى غير موضع
بغير إناء فهو قلب مضيع
فإنه لما أراد أن يبين حال من ضيع قلبه فظلم نفسه بأن اشتغل بالباطل
وملأ به قلبه حتى لم يبق فيه متسع للحق ولا سبيل له إلى الولوج فيه ذكر
ذلك منه ، فوصف مال هذا القلب بوجهيه ، ونعته بمذهبيه ، فذكر أولا
وصف الوجود منه فقال :
إذا ما وضعت القلب فى غير موضع .
يقول إذا شغلته بما لم يخلق له فصرفته إلى الباطل حتى صار موضوعا فيه .
ثم الباطل على منزلتين:
٣١٦

(إحداهما) تشغل عن الحق ولاتعانده مثل الأفكار والهموم التى فى علائق
الدنيا وشهوات النفس .
و(الثانية) تعاند الحق وتصد عنه مثل الآراء الباطلة ، والأهواء المردية من
الكفر والنفاق والبدع وشبه ذلك ، بل القلب لم يخلق إلا لذكر الله فما
سوى ذلك فليس موضعاً له .
ثم ذكر ((ثانياً)) وصف العدم فيه ، فقال بغير إناء ، ثم يقول : إذا
وضعته بغير إناء ضيعته ، ولا إناه معك كما نقول حضرت المجلس بلا محبرة
فالكلمة حال من الواضح . لا من الموضوع والله أعلى .
وبيان هذه الجملة - والله أعلم - أنه يقول إذا ما وضعت قلبك فى غير
موضع فقد شغل بالباطل ، ولم يكن معك إناء يوضع فيه الحق ، وينزل إليه
الذكر والعلم الذي هو حق القلب ، فقلبك إذا مضح ضيعته من وجهي
التضيع ، وإن كانا متحدين من جهة أنك وضعته فى غير موضع ، ومن جهة
أنه لا إناء معك يكون وعاء للحق الذي يجب أن يعطاه ؛ كما لو قيل لملك قد
أقبل على اللهو : إذا اشتغلت بغير المملكة وليس فى المملكة من يدبرها
فهو ملك ضائح ، لكن الإناء هنا هو القلب بعينه، وإنما كان ذلك كذلك
لأن القلب لا ينوب عنه غيره فيما يجب أن يوضع فيه (ولَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ
أُخْرَىْ ).
٣١٧

وإنما خرج الكلام في صورة اثنين بذكر نعتين لشيء واحد ، كما جاء
نحوه في قوله تعالى: ( نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَنَةَ
وَاُلْإِنِجِيلَ * مِن قَبْلُ هُدَّى لِلنَّاسِ وَأَنَزَلَ الْفُرْقَانُ
) قال قتادة والربيع :
هو القرآن : فرق فيه بين الحلال والحرام ، والحق والباطل ، وهذا لأن
الشيء الواحد إذا كان له وصفان كبيران فهو مع وصف واحد كالشيء الواحد
ومع الوصفين بمنزلة الاثنين ، حتى لوكثرت صفاته لتنزل منزلة أشخاص ،
ألا ترى أن الرجل الذي يحسن الحساب والطب يكون بمنزلة حاسب وطبيب
والرجل الذي يحسن النجارة والبناء بمنزلة نجار وبناء .
والقلب لما كان يقبل الذكر والعلم فهو بمنزلة الإناء الذي يوضع فيه الماء
وإنما ذكر فى هذا البيت الإناء من بين سائر أسماء القلب؛ لأنه هو الذي يكون
رقيقاً وصافياً ، وهو الذي يأتى به المستطعم المستعطي فى منزلة البائس الفقير.
ولما كان ينصرف عن الباطل فهو زكي وسليم، فكأنه اثنان .
وليتبين فى الصورة أن الإناء غير القلب ، فهو يقول :
إذا وضعت قلبك فى غير موضع .
وهو الذي يوضع فيه الذكر والعلم ، ولم يكن معك إناء يوضع فيه
المطلوب فمثلك مثل رجل بلغه أن غنياً يفرق على الناس طعاماً وكان له زبدية
٣١٨

أو سكرجة فتركها ، ثم أقبل يطلب طعاماً ، فقيل له : هات إناء نعطيك
طعاماً ، فأما إذا أتيت وقد وضعت زبديتك - مثلا - فى البيت وليس معك
إناء نعطيك فلا تأخذ شيئاً فرجعت بخفي حنين .
وإذا تأمل من له بصيرة بأساليب البيان وتصاريف اللسان وجد موقع
هذا الكلام من العربية والحكمة كليهما موقعاً حسناً بليغاً، فإن نقيض هذه
الحال المذكورة أن يكون القلب مقبلا على الحق والعلم والذكر معرضاً عن غير
ذلك ، وتلك هي الحنيفية ملة إبراهيم عليه السلام فإن الخنف هو إقبال القدم
وميلها إلى أختها فالخنف الميل عن الشيء بالإقبال على آخر ؛ فالدين الحنيف
هو الإقبال على الله وحده والإعراض عما سواه . وهو الإخلاص الذي
ترجمته كلمة الحق، والكلمة الطيبة: ((لا إله إلا الله))
اللهم ثبتنا عليها فى الدنيا والآخرة ولا حول ولا قوة إلا بالله. وهذا آخر
ما حضر فى هذا الوقت . والله أعلم وصلى الله على محمد .
٣١٩

آخر المجلد التاسع
٣٢٠