Indexed OCR Text

Pages 281-300

أن لم يكن، وأن المؤثر التام يمتنع تخلف أثره عنه - ظنوا أنهم إذا
أبطلوا هذا القول فقد سلم لهم ما ادعوه من «قدم العالم » كالأفلاكوجنس
المولدات ومواد العناصر ، وضلوا ضلالاً عظيما خالفوا به صرائح العقول،
و کذبوا به کل رسول.
فإن الرسل مطبقون على أن كل ما سوى الله محدث مخلوق كائن بعد أن
لم يكن. ليس مع اللّه شيء قديم بقدمه، وأنه خلق السموات والأرض وما
بينها فى ستة أيام. والعقول الصريحة تعلم أن الحوادث لا بد لها من محدث ، فلو
لم تكن إلا العلة القديمة الأزلية المستلزمة لمعلولها لم يكن فى العالم شيء من
الحوادث. فإن حدوث ذلك الحادث عن علة قديمة أزلية مستلزمة لمعلولها ممتع
فإنه إذا كان معلولها لازماً لها كان قديماً معها لم يتأخر عنها، فلا يكون لشيء
من الحوادث سبب اقتضى حدوثه فتكون الحوادث كلها حدثت بلا محدث،
وهؤلاء فروا من أن يحدثها القادر بغير سبب حادث ، وذهبوا إلى أنها تحدث
بغير محدث أصلا لا قادر ولا غير قادر . فكان ما فروا إليه شراً مما فروا منه،
وكانوا شراً من المستجير من الرمضاء بالنار .
واعتقد هؤلاء أن المفعول المصنوع المبتدع المعين كالفلك يقارن فاعله أزلاً
وأبداً لا يتقدم الفاعل عليه تقدماً زمانياً، وأولئك قالوا: بل المؤثر التام يتراخى
عنه أثره ثم يحدث الأثر من غير سبب اقتضى حدوثه، فأقام الأولون الأدلة
العقلية الصريحة على بطلان هذا، كما أقام هؤلاء الأدلة العقلية الصريحة
٢٨١

على بطلان قول الآخرين ، ولا ريب أن قول هؤلاء أهل المقارنة
أشد فساداً ومناقضة لصريح المعقول. وصحيح المنقول ، من قول أولئك
أهل التراخي .
و (القول الثالث ) الذي يدل عليه المعقول الصريح ويقربه عامة العقلاء
ودل عليه الكتاب والسنة وأقوال السلف والأئمة لم يهتد له الفريقان : وهو
أن المؤثر التام يستلزم وقوع أثره عقب تأثره التام لا يقترن به ولا يتراخى ،
كما إذا طلقت المرأة فطلقت. وأعتقت العبد فعتق. وكسرت الإناء فانكسر ،
وقطعت الحبل فانقطع، فوقوع العتق والطلاق ليس مقارناً لنفس التطليق
والإعتاق بحيث يكون معه ، ولا هو أيضاً متراخ عنه بل يكون عقبه متصلا به،
وقد يقال هو معه ومفارق له باعتبار أنه يكون عقبه متصلا به ، كما يقال : هو
بعده متأخر عنه باعتبار أنه إنما يكون عقب التأثير التام ، ولهذا قال تعالى : (إِنَّمَآ
أَمْرُهُ: إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُكُنْ فَيَكُونُ ) فهو سبحانه يكون ما يشاء تكوينه
فإذا كونه كان عقب تكوينه متصلا به، لا يكون مع تكوينه فى الزمان، ولا يكون
متراخياً عن تكوينه بينها فصل فى الزمان ؛ بل يكون متصلا بتكوينه كاتصال
أجزاء الحركة والزمان بعضها ببعض .
وهذا مما يستدل به على أن كل ما سوى الله حادث كائن بعد أن لم يكن
وإن قيل مع ذلك بدوام فاعليته ومتكلميته، وهذه الأمور مبسوطة فى غير
هذا الموضع .
٢٨٢

و (المقصودهنا ) أن هذا هو أصل من قال القرآن محدث ، ومن قال إن
الرب لم يقم به كلام ولا إرادة، بل ولا علم، بل ولا حياة، ولا قدرة ولا شيء
من الصفات . فلما ظهر فساد هذا القول شرعاً وعقلا قالت طائفة ممن وافقتهم
على أصل مذهبهم : هو لا يتكلم بمشيئته وقدرته بل كلامه أمر لازم لذاته كما
تلزم ذاته الحياة ، ثم منهم من قال : هو معنى واحد لامتناع اجتماع معاني لا نهاية
لها فى آن واحد ، وامتناع تخصيصه بعدد دون عدد، وقالوا : ذلك المعنى هو
الأمر بكل مأمور والخبر عن كل مخبر عنه، إن عبر عنه بالعربية كان قرآناً ، وإن
عبر عنه بالعبرية كان توراة ، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلا . وقالوا : إن
الأمر والنهي صفات للكلام لا أنواع له . فإن معنى (( آية الكرسي)) و((آبة الدين))
و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ) و(تَبَّتْ يَدَآ أَبِىِ لَهَبٍ ) معنى واحد .
فقال جمهور العقلاء لهم : تصور هذا القول يوجب العلم بفساده ، وقالوا
لهم : موسى سمع كلام الله كله أو بعضه . إن قلتم كله لزم أن يكون قد علم على
اللّه. وإن قلتم بعضه فقد تبعض. وقالوا لهم: إذا جوزتم أن تكون حقيقة
الخبر هي حقيقة الأمر، وحقيقة النهي عن كل منهى عنه. والأمر بكل مأمور به
هو حقيقة الخبر عن كل مخبر عنه ، فجرزوا أن تكون حقيقة العلم هي حقيقة القدرة
وحقيقة القدرة هي حقيقة إلارادة. فاعترف حذاقهم بأن هذا لازم لهم لا محيد
لهم عنه، ولزمهم إمكان أن تكون حقيقة الذات هي حقيقة الصفات ، وحقيقة
الوجود الواجب هي حقيقة الوجوب الممكن ، والتزم ذلك طائفة منهم فقالوا :
٢٨٣

الوجود واحد ، وعين الوجود الواجب القديم الخالق هو عين الوجود الممكن
المخلوق المحدث.
وهذا أصل قول القائلين بوحدة الوجود كابن عربي الطائي وابن سبعين
وأتباعها كما بسط في مواضع.
ومن هؤلاء القائلين بأنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته مع قيام الكلام به من
قال : كلامه المعين حروف وأصوات معينة قديمة أزلية لم تزل ولا تزال . وزعموا
أن كلا من القرآن والتوراة والإنجيل حروف وأصوات قديمة أزلية لم تزل ولا
تزال ، فقال لهم جمهور العقلاء: معلوم بالاضطرار أن الباء قبل السين والسين
قبل الميم فكيف يكونان معاً أزلاً وأبداً ، ومعلوم أن الصوت المعين لا يبقى
زمانين فكيف يكون أزلياً لم يزل ولا يزال.
فقالت (الطائفة الثالثة) - ممن سلك مسلك أولئك المتكلمين-بل نقول
إنه يتكلم بمشيئته وقدرته كلاماً قائماً بذاته كمادل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع
السلف والأئمة ، وإن لزم من ذلك قيام الحوادث به فلا محذور فى ذلك لاشرعا
ولا عقلا، بل هذا لازم لجميع طوائف العقلاء، وعليه دلت النصوص الكثيرة،
وأقوال السلف والأئمة. ونقول: إنه يتكلم بمشيئته وقدرته بالقرآن العربي ،
وأنه نادى موسى بصوت سمعه موسى كما دلت على ذلك النصوص
وأقوال السلف ، لكن نقول إنه لم يكن فى الأزل متكلماً ، ويمتنع أن
٢٨٤

يكون لم يزل متكلماً بمشيئته وقدرته لأن ذلك يستلزم حوادث لاأول لها. وهو
أصل هؤلاء .
فقيل لهم: معلوم أن الكلام صفة كمال لا صفة نقص، وأن من يتكلم
بمشيئته وقدرته أكمل ممن لا يكون قادراً على الكلام بمشيئته وقدرته. وحينئذ
فمن لم يزل متكلماً بمشيئته أكمل ممن صار قادراً على الكلام بعد أن كان
لا يمكنه أن يتكلم.
وقالوا لهم: إذا قلتم تكلم بعد أن كان الكلام ممتنعاً من غير أن يكون
هناك سبب أوجب تجدد قدرته وتجدد إمكان الكلام له ، قلتم إنه لم يزل
غير قادر على الكلام ولم يزل الكلام غير ممكن له، ثم صار قادراً يمكنه أن
يتكلم بمشيئته من غير حدوث شيء ، وهذا مخالفة لصريح العقل، وسلب
لصفات الكمال عن الباري ، وجعله مثل المخلوق الذي صار قادراً على الكلام
بعد أن لم يكن قادراً عليه.
والسلف والأئمة نصوا على أن الرب تعالى لم يزل متكلماً إذا شاء وكما شاء
كما نص على ذلك عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة الدين
وسلف المسلمين ، وهم الذين قالوا بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق. لم
يقل أحد منهم إنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته . ولا قال أحد منهم إنه مخلوق بائن
٢٨٥

عنه. ولا قال أحد منهم إنه صار متكلما أو قادراً على الكلام بعد أن لم يكن
كذلك. وقد بسطت هذه الأمور فى موضع آخر.
و (المقصود ) أن هذه الأقوال التي قالها هؤلاء المتكلمون من الجهمية
والمعتزلة والكلابية والكرامية والسالمية، ومن وافقهم من المتأخرين الذين
انتسبوا إلى بعض الأئمة الأربعة وخالفوا بها إجماع السلف والأئمة، وما جاء به
الكتاب والسنة، وخالفوا بها صريح المعقول الذي فطر الله عليه عباده هي التى
سلطت أولئك المتفلسفة الدهرية عليهم، لكن قول الفلاسفة أعظم فساداً في
المعقول والمنقول .
فصل
و (المقصود هنا) أن اسم العقل عند المسلمين وجمهور العقلاء إنما هو
صفة، وهو الذي يسمى عرضا قائما بالعاقل. وعلى هذا دل القرآن في قوله
تعالى: ( لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ). وقوله: ( أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ
يَعْقِلُونَ بِهَا). وقوله: (قَدْ بَيِّنَّا لَكُمُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) ونحو ذلك مما
يدل على أن العقل مصدر عقل يعقل عقلا ، وإذا كان كذلك فالعقل لا يسمى
به مجرد العلم الذي لم يعمل به صاحبه. ولا العمل بلا على؛ بل إنما يسمى به العلم
٢٨٦

الذي يعمل به والعمل بالعلم، ولهذا قال أهل النار: (لَوْكُنَّا نَسْمَعُ أَوْنَعْقِلُ مَاكَا فِ
أَصْحَبِ السَّعِيرِ ) وقال تعالى: ( أَفَلَمْ يَسِيرُ وا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ
بِهَا).
والعقل المشروط فى التكليف لا بد أن يكون علوماً يميز بها الإنسان
بين ما ينفعه وما يضره ، فالمجنون الذي لا يميز بين الدرام والفلوس ، ولا بين
أيام الأسبوع ، ولا يفقه ما يقال له من الكلام ليس بعاقل . أما من فهم الكلام
وميز بين ما ينفعه وما يضره فهو عاقل .
ثم من الناس من يقول : العقل هو علوم ضرورية ، ومنهم من يقول:
العقل هو العمل بموجب تلك العلوم .
والصحيح أن اسم العقل يتناول هذا وهذا ، وقد يراد بالعقل نفس
الغريزة التى فى الإنسان التى بها يعلم ويميز ويقصد المنافع دون المضار ، كما
قال أحمد بن حنبل والحارث المحاسبى وغيرهما : أن العقل غريزة . وهذه
الغريزة ثابتة عند جمهور العقلاء ، كما أن فى العين قوة بها يبصر ؛ وفى اللسان
قوة بها يذوق، وفى الجلد قوة بها يلمس عند جمهور العقلاء.
ومن الناس من ينكر القوى والطبائع كما هو قول أبى الحسن ومن اتبعه
من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، وهؤلاء المنكرون للقوى والطبائع
٢٨٧

ينكرون الأسباب أيضاً ويقولون: إن الله يفعل عندها لا بها ، فيقولون:
إن الله لا يشبع بالخبز ولا يروى بالماء ولا ينبت الزرع بالماء بل يفعل عنده
لابه ، وهؤلاء خالفوا الكتاب والسنة وإجماع السلف مع مخالفة صريح العقل
والحس ؛ فإن الله قال فى كتابه: ( وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الْرِّيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ
رَحْمَتِهِ، حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالَا سُقْنَهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِ الْمَآءَ فَأَخْرَجْنَابِهِ، مِن
كُلِّ الثَّعَزَتِ كَذَلِكَ تُخْرِجُ الْمَوْقَ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) فأخبر أنه ينزل الماء
بالسحاب، ويخرج الثمر بالماء . وقال تعالى: (وَمَ أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَآءِ مِن مَّءٍ
فَأَخْيَابِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ) وقال: ( وَنَّْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ مُّبَرَّكَا فَنْبَتْنَابِهِ،
جَنَاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ) وقال: (قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَبْدِيكُمْ ) وقال :
(قَدْ جَآءَ كُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَبٌ مُبِينٌ * يَهْدِى بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَنَهُ سُبُلَ
السَّلَمِ ) وقال: (فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ، كَثِيرًا
وَيَهْدِى بِهِ، كَثِيراً) ومثل هذا فى القرآن كثير .
والناس يعلمون محسهم وعقلهم أن بعض الأشياء سبب لبعض، كما يعلمون
أن الشبع يحصل بالأ كل لا بالعد ، ويحصل بأ كل الطعام لا بأكل الحصى
وأن الماء سبب لحياة النبات والحيوان كما قال: ( وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ
حَيٍّ ) وأن الحيوان يروى بشرب الماء لا بالمشيء ومثل ذلك كثير ، ولبسط هذه
المسائل موضع آخر .
٢٨٨

فصل
والروح المديرة للبدن التى تفارقه بالموت هي الروح المنفوخة فيه ، وهي
النفس التى تفارقه بالموت ، قال النبى صلى الله عليه وسلم لما نام عن الصلاة:
(( إن الله قبض أرواحنا حيث شاء وردها حيث شاء)» وقال له بلال : يارسول
الله! أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، وقال تعالى: (اللَّهُيَوَفَى الْأَنْفُسَ
حِينَ مَوْتِهَا وَأَلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَاً فَيُمْسِكُ الَّتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ
اُلْأُخْرَى إِلَ أَجَلٍ مُسَمَّى )
قال ابن عباس وأكثر المفسرين : يقبضها قبضين : قبض الموت ،
وقبض النوم ثم فى النوم يقبض التى تموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى
حتى يأتى أجلها وقت الموت .
وقد ثبت فى الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول إذا
نام : «باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه إن أمسكت نفسي فاغفر لها
وارحمها ، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين)» وقد ثبت
في الصحيح: ((أن الشهداء جعل الله أرواحهم فى حواصل طير خضر تسرح
٢٨٩

فى الجنة ثم تأوى إلى قناديل معلقة بالعرش)) وثبت أيضاً بأسانيد صحيحة:
(( أن الإنسان إذا قبضت روحه فتقول الملائكة اخرجي أيتها النفس الطيبة
كانت فى الجسد الطيب اخرجي راضية مرضياً عنك . ويقال اخرجى أيتها
النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث اخرجى ساخطة مسخوطاً عليك))
وفى الحديث الآخر : ((نسمة المؤمن طائر تعلق من تمر الجنة ثم تأوى إلى
قناديل معلقة بالعرش)) فسماها نسمة .
وكذلك فى الحديث الصحيح حديث المعراج: (( أن آدم عليه السلام
قبل يمينه أسودة وقبل شماله أسودة فإذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل
شماله بكى)) وأن جبريل قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((هذه الأسودة
نسم بنيه : عن يمينه السعداء ، وعن يساره الأشقياء )) وفي حديث على :
((والذي فلق الحبة وبرأ النسمة)) وفى الحديث الصحيح: ((إن الروح إذا
قبض تبعه البصر )) فقد سمى المقبوض وقت الموت ووقت النوم روحا ونفسا .
وسمى المعروج به إلى السماء روحا ونفساً. لكن يسمى نفساً باعتبار تدبيره
للبدن ويسمى روحا باعتبار لطفه، فإن لفظ ((الروح)) يقتضى اللطف ولهذا
تسمى الريح روحا. وقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((الريح من روح
الله)) أي من الروح التى خلقها الله فإضافة الروح إلى اللّه إضافة ملك لا إضافة
وصف، إذ كل ما يضاف إلى الله، إن كان عيناً قائمة بنفسها فهو ملك له ، وإن
كان صفة قائمة بغيرها ليس لها محل تقوم به فهو صفة لله .
٢٩٠

فالأول كقوله : ( نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَهَا) وقوله: (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَارُوحَنَا )
وهو جبريل : (فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرَّاسَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّ أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا **
قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْرَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَمَا زَكِيًّا ) وقال: (وَمَرْيَمَ أَبْنَتَ عِمْرَنَ
الَِّى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَافِيهِ مِنْ زُوحِنَا ) وقال عن آدم: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ.
وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِى فَقَعُواْلَهُ سَجِدِينَ)
والثانى كقولنا : على الله وكلام الله وقدرة الله وحياة الله وأمر الله،
لكن قد يعبر بلفظ المصدر عن المفعول به فيسمى المعلوم علماً ، والمقدور قدرة
والمأمور به أمراً، والمخلوق بالكلمة كلمة ، فيكون ذلك مخلوقاً . كقوله :
( أَفَ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ) وقوله: (إِنَّاُللَّهَ يُبَشِرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ أُسْمُهُ الْمَسِيحُ
عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ) وقوله: (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ
رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَنِهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ) ومن هذا الباب قوله:
(( إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة. أزل منها رحمة واحدة وأمسك
عنده تسعة وتسعين رحمة فإذا كان يوم القيامة جمع هذه إلى تلك فرحم بها
عباده)) ومنه قوله فى الحديث الصحيح للجنة: ((أنت رحمتى أرحم بك من
أشاء من عبادي)) كما قال للنار: «أنت عذابي أعذب بك من أشاء ولكل
واحدة منكما ملؤها )) .
٢٩١

فصل
ولكن لفظ ((الروح، والنفس)) يعبر بهما عن عدة معان: فيراد بالروح
الهواء الخارج من البدن ، والهواء الداخل فيه، ويراد بالروح البخار
الخارج من تجويف القلب من سويداه الساري فى العروق، وهو الذي
تسميه الأطباء الروح ويسمى الروح الحيواني . فهذان المعنيان غير الروح التى
تفارق بالموت التى هي النفس .
ويراد بنفس الشيء ذاته وعينه كما يقال رأيت زيداً نفسه وعينه، وقد
قال تعالى: (تَعْلَمُ مَافِى نَفْسِى وَلَا أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ) وقال: ( كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى
نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) وقال تعالى: ( وَيُعَذِّرُكُمُ اللَّهُنَفْسَهُ) وفى الحديث الصحيح أنه
قال لأم المؤمنين: ((لقد قلت بعدك أربع كلمات لو وزن بما قلتيه لوزنتهن
سبحان اللّه عدد خلقه سبحان الله زنة عرشه ، سبحان الله رضا نفسه ، سبحان
الله مداد كمانه)) وفي الحديث الصحيح الإلهي عن النبى صلى الله عليه وسلم: ((يقول
الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني، إن ذكرنى فى نفسه
ذكرته فى نفسى، وإن ذكرنى فى ملا ذكرته في ملا خير منهم)).
فهذه المواضع المراد فيها بلفظ النفس عند جمهور العلماء: الله نفسه التى
٢٩٢

هي ذاته المتصفة بصفاته ليس المراد بها ذاتا منفكة عن الصفات ولا المراد بها
صفة للذات ، وطائفة من الناس يجعلونها من باب الصفات، كما يظن طائفة أنها
الذات المجردة عن الصفات وكلا القولين خطأ .
وقد يراد بلفظ النفس الدم الذي يكون في الحيوان كقول الفقهاء «ماله
نفس سائلة وما ليس له نفس سائلة)) ومنه يقال نفست المرأة إذا حاضت ،
ونفست إذا نفسها ولدها ، ومنه قيل النفساء ومنه قول الشاعر :
تسيل على حد الظباة نفوسنا
وليست على غير الظباة تسيل
فهذان المعنيان بالنفس ليساهما معنى الروح، ويراد بالنفس عند كثير من
المتأخرين صفاتها المذمومة، فيقال: فلان له نفس ، ويقال: أرك نفسك،
ومنه قول أبي مرئد «رأيت رب العزة فى المنام فقلت أي رب كيف الطريق
إليك فقال اترك نفسك)) ومعلوم أنه لا يترك ذاته وإنما يترك هواها وأفعالها
المذمومة ، ومثل هذا كثير فى الكلام ، يقال فلان له لسان، فلان له يد
طويلة ، فلان له قلب، يراد بذلك لسان ناطق، ويد عاملة صانعة ، وقلب
حي عارف بالحق حريد له، قال تعالى: ( إِنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَىْ لِمَنْ كَانَ لَهُ.
قَلْبُّ أَوْ أَلْفَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ) .
كذلك النفس لما كانت حال تعلقها بالبدن يكثر عليها اتباع هواها صار
٢٩٣

لفظ ((النفس)) يعبر به عن النفس المتبعة لهواها أو عن اتباعها الهوى بخلاف
لفظ ((الروح)) فإنها لا يعبر بها عن ذلك إذ كان لفظ ((الروح)) ليس هو
باعتبار تدبيرها للبدن .
ويقال النفوس ثلاثة أنواع :
وهي ((النفس الأمارة بالسوء)) التى يغلب عليها اتباع هواها بفعل
الذنوب والمعاصي.
و «النفس اللوامة )» وهي التى تذنب ونتوب فعنها خير وشر لكن إذا
فعلت الشر ثابت وأثابت، فتسمى لوامة، لأنها تلوم صاحبها على الذنوب،
ولأنها تتلوم أي تتردد بين الخير والشر .
و ((النفس المطمئنة)» وهي التى تحب الخير والحسنات وتريده وتبغض
الشر والسيئات ونكره ذلك وقد صار ذلك لها خلقاً وعادة وملكة .
فهذه صفات وأحوال لذات واحدة ، وإلا فالنفس التى لكل انسان هي نفس
واحدة ، وهذا أمر يجده الإنسان من نفسه .
وقد قال طائفة من المتفلسفة الأطباء: إن النفوس ثلاثة: نباتية محلها
الكبد ؛ وحيوانية محلها القلب ، وناطقية محلها الدماغ. وهذا إن أرادوا به
أنها ثلاث قوى تتعلق بهذه الأعضاء فهذا مسلم، وإن أرادوا أنها ثلاثة أعيان
قائمة بأنفسها فهذا غاط بين .
٢٩٤

فصل
وأما قول السائل: ((هل لها كيفية تعلم؟))
فهذا سؤال مجمل، إن أراد أنه يعلم مايعلم من صفاتها وأحوالها فهذا مما
يعلم، وإن أراد أنها هل لها مثل من جنس مايشهده من الأجسام ، أو هل
لها من جنس شيء من ذلك ؟ فإن أراد ذلك فليس كذلك ، فإنها ليست من
جنس العناصر: الماء والهواء والنار والتراب ، ولا من جنس أبدان الحيوان
والنبات والمعدن، ولا من جنس الأفلاك والكواكب ، فليس لها نظير
مشهود ولا جنس معهود: ولهذا يقال؛ إنه لا يعلم كيفيتها، ويقال إنه (( من
عرف نفسه عرف ربه)) من جهة الاعتبار ، ومن جهة المقابلة ، ومن
جهة الامتناع .
فأما ((الاعتبار)) فإنه يعلم الإنسان أنه حي عليم قدير سميع بصير متكلم ،
فيتوصل بذلك إلى أن يفهم ما أخبر الله به عن نفسه من أنه حي عليم قدير
سميع بصير ، فإنه لو لم يتصور لهذه المعانى من نفسه ونظره إليه لم يمكن أن
يفهم ما غاب عنه، كما أنه لو لا تصوره لما فى الدنيا: من العسل. واللبن.
٢٩٥

والماء، والخمر ، والحرير، والذهب، والفضة، لما أمكنه أن يتصور ما أخبر
به من ذلك من الغيب ؛ لكن لا يلزم أن يكون الغيب مثل الشهادة فقد قال
ابن عباس رضي الله عنه: ((ليس فى الدنيا مما فى الجنة إلا الأسماء)).
فإن هذه الحقائق التى أخبر بها أنها فى الجنة ليست مماثلة لهذه
الموجودات فى الدنيا ، بحيث يجوز على هذه ما يجوز على تلك، ويجب لها
ما يجب لها، ويمتنع عليها ما يمتنع عليها، وتكون مادتها مادتها وتستحيل استحالتها،
فإنا نعلم أن ماء الجنة لايفسد ويأسن ، ولبنها لا يتغير طعمه، وخمرها لا
يصدع شاربها ولا ينزف عقله، فإن ماءها ليس نابعاً من تراب، ولا نازلاً من
سحاب مثل ما فى الدنيا ، ولبنها ليس مخلوقا من أنعام كما في الدنيا ؛ وأمثال
ذلك؛ فإذا كان ذلك المخلوق يوافق ذلك المخلوق في الاسم ؛ وبينها قدر
مشترك وتشابه ؛ علم به معنى ما خوطبنا به مع أن الحقيقة ليست مثل الحقيقة
فالخالق جل جلاله أبعد عن مماثلة مخلوقاته مما فى الجنة لما فى الدنيا .
فإذا وصف نفسه بأنه حي عليم سميع بصير قدير ؛ لم يلزم أن يكون مماثلاً
لخلقه إذ كان بعدها عن مماثلة خلقه أعظم من بعد مماثلة كل مخلوق لكل مخلوق
وكل واحد من صغار الحيوان لها حياة وقوة وعمل وليست مماثلة للملائكة
المخلوقين؛ فكيف يماثل رب العالمين شيئاً من المخلوقين .
والله سبحانه وتعالى سمى نفسه وصفاته بأسماء ، وسمى بها
بعض المخلوقات ، فسمى نفسه حياً عليما سميعاً بصيراً عزيزاً جباراً متكبراً
٢٩٦

ملكا رؤوفاً رحيما ؛ وسمى بعض عباده عليها وبعضهم حليما وبعضهم رؤوفاً
رحيما ؛ وبعضهم سميعاً بصيراً: وبعضهم ملكا؛ وبعضهم عزيزاً ؛ وبعضهم
جباراً متكبراً . ومعلوم أنه ليس العليم كالعليم ولا الحليم كالحليم ولا السميع
كالسميع؛ وهكذا فى سائر الأسماء؛ قال سبحانه وتعالى: (إِنَ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا
حَكِيمًا) وقال: (وَبَشَّرُوُهُ بِغُلَِ عَلِيمٍ ) وقال: ( إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ) وقال:
﴿ فَبَشَّرْنَهُ بِغُلَمٍ حَلِيمٍ ) وقال: (إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ) وقال:
(بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) وقال: ( إِنَّاللََّ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ) وقال تعالى:
(أَمْشَاجِ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) وكذلك سائر ماذكر ؛ لكن الإنسان يعتبر
بما عرفه مالم يعرفه. ولولا ذلك لا نسدت عليه طرق المعارف
للأمور الغائبة .
وأما من جهة ((المقابلة)» فيقال : من عرف نفسه بالعبودية عرف ربه
بالربوبية، ومن عرف نفسه بالفقر عرف ربه بالغنى، ومن عرف نفسه بالعجز عرف
ربه بالقدرة، ومن عرف نفسه بالجهل عرف ربه بالعلم، ومن عرف نفسه بالذل
عرف ربه بالعز ، وهكذا أمثال ذلك ، لأن العبد ليس له من نفسه إلا العدم
وصفات النقص كلها ترجع إلى العدم ، وأما الرب تعالى فله صفات الكمال
وهي من لوازم ذاته يمتنع انفكاكه عن صفات الكمال أزلاً وأبداً ، ويمتنع
عدمها لأنه واجب الوجود أزلاً وأبداً ، وصفات كماله من لوازم ذاته ، ويمتنع
ارتفاع اللازم إلا بارتفاع الملزوم، فلا يعد شيء من صفات كماله إلا بعد ذاته
٢٩٧

وذاته يمتنع عليها العدم فيمتنع على شيء من صفات كماله العدم .
وأما من جهة ((العجز والامتناع)) فإنه يقال: إذا كانت نفس الإنسان
التى هي أقرب الأشياء إليه بل هي هويته وهو لايعرف كيفيتها ولا يحيط علما
بحقيقتها، فالخالق جل جلاله أولى أن لا يعلم العبد كيفيته ولا يحيط علما بحقيقته
ولهذا قال أفضل الخلق وأعلمهم بربه صلى الله عليه وسلم: ((اللهم إنى أعوذ
برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أحصى ثناء عليك
أنت كما أثنيت على نفسك)) وثبت فى صحيح مسلم وغيره : أنه كان يقول
هذا فى سجوده . وقد روى الترمذي وغيره: أنه كان يقوله فى قنوت الوتر))
وإن کان فی هدا الحدیث نظر فالأول صحیح ثابت
فصل
وأما سؤال السائل : هل هو جوهر أو عرض ؟
فلفظ ((الجوهر)) فيه إجمال ، ومعلوم أنه لم يرد بالسؤال الجوهر فى اللغة
مع أنه قد قيل إن لفظ ((الجوهر)) ليس من لغة العرب وإنه معرب، وإنما
أراد السائل الجوهر فى الاصطلاح من تقسيم الموجودات
إلى جوهر وعرض .
٢٩٨

وهؤلاء منهم من يريد بالجوهر المتحيز ، فيكون الجسم المتحيز عندهم
جوهراً ، وقد يريدون به الجوهر الفرد وهو الجزء الذي لا يتجزأ .
والعقلاء متنازعون فى إثبات هذا؛ وهو أن الأجسام هل هي مركبة من
الجواهر المفردة ؟ أم من المادة والصورة ؟ أم ليست مركبة لا من هذا ولا من
هذا على ثلاثة أقوال ؛
أصحها ((الثالث)) أنها ليست مركبة لا من الجواهر المفردة، ولا من
المادة والصورة ، وهذا قول كثير من طوائف أهل الكلام كالهشامية
والضرارية والتجارية والكلابية وكثير من الكرامية ، وهو قول جمهور
الفقهاء وأهل الحديث والصوفية وغيرهم، بل هو قول أكثر العقلاء كماقد
بسط في موضعه .
والقائلون بأن لفظ ((الجوهر)) يقال على المتحيز متنازعون : هل يمكن
وجود جوهر ليس بمتحيز ؟ ثم هؤلاء منهم من يقول: كل موجود فإما
جوهر وإما عرض . ويدخل الموجود الواجب فى مسمى الجوهر، ومن هؤلاء
من يقول : كل موجود فإما جسم أو عرض ، ويدخل الموجود الواجب فى
مسمى الجسم ، وقد قال بهذا وبهذا طائفة من نظار المسلمين وغيرهم ،
ومن المتفلسفة والنصارى من يسميه جوهراً ولا يسميه جسما ، وحكى عن
بعض نظار المسلمين أنه يسميه جسما ولا يسميه جوهراً، إلا أن الجسم عنده
٢٩٩

هو المشار إليه أو القائم بنفسه ، والجوهر عنده هو الجوهر الفرد.
ولفظ ((العرض)) في اللغة له معنى، وهو ما يعرض ويزول كما قال تعالى:
( يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى ) وعند أهل الاصطلاح الكلامي قد يراد
بالعرض ما يقوم بغيره مطلقاً، وقد يراد به ما يقوم بالجسم من الصفات، ويراد به
فى غير هذا الاصطلاح أمور أخرى .
ومعلوم أن مذهب السلف والأئمة وعامة أهل السنة والجماعة إثبات صفات
الله ، وأن له علماً وقدرة وحياة وكلاماً ، ويسمون هذه الصفات ، ثم منهم
من يقول : هي صفات وليست أعراضاً ؛ لأن العرض لايبقى زمانين وهذه
باقية ، ومنهم من يقول بل تسمى أعراضاً لأن العرض قد يبقى ، وقول من
قال : إن كل عرض لا يبقى زمانين قول ضعيف، وإذا كانت الصفات الباقية
تسمى أعراضاً جاز أن تسمى هذه أعراضاً : ومنهم من يقول : أنا لا أطلق
ذلك، بناء على أن الإطلاق مستنده الشرع .
والناس متنازعون هل بسمى الله بما صح معناه في اللغة والعقل والشرع .
وإن لم يرد بإطلاقه نص ولا إجماع، أم لا يطلق إلا ما أطلق نص أو إجماع، على
قولين مشهورين .
وعامة النظار يطلقون مالا نص في إطلاقه ولا إجماع كلفظ القديم والذات
٣٠٠