Indexed OCR Text

Pages 221-240

فقد تبين أن القضايا الكلية البرهانية التى يجب القطع بكليتها التى
يستعملونها فى قياسهم لا تستعمل في شيء من الأمور الموجودة ، وإنما
تستعمل في مقدرات ذهنية ، فإذن لا يمكنهم معرفة الأمور الموجودة
بالقياس البرهاني ، وهذا هو المطلوب . ولهذا لم يكن لهم علم بحصر
أقسام الموجود. بل أرسطو لما حصر أجناس الموجودات فى ((المقولات
العشر)»: الجوهر والكم والكيف والأين ومتى والوضع وأن يفعل وأن
ينفعل والملك والإضافة. اتفقوا على أنه لا سبيل إلى معرفة صحة
هذا الحصر .
( الوجه الثانى ) أن يقال إذا كان لابد فى كل قياس من قضية كلية فتلك
القضية الكلية لا بد أن تنتهي إلى أن تعلم بغير قياس ، وإلا لزم الدور
والتسلسل ؛ فإذا كان لا بد أن تكون لهم قضايا كلية معلومة بغير قياس .
فنقول : ليس فى الموجودات ما تعلم له الفطرة قضية كلية بغير قياس ، إلا
وعلمها بالمفردات المعينة من تلك القضية الكلية أقوى من علمها بتلك القضية
الكلية ، مثل قولنا : الواحد نصف الاثنين ، والجسم لا يكون فى مكانين،
والضدان لا يجتمعان ، فإن العلم بأن هذا الواحد نصف الاثنين فى الفطرة
أقوى من العلم بأن كل واحد نصف كل اثنين ، وهكذا كل ما يفرض
من الآحاد .
فيقال المقصود بهذه القضايا الكلية إما أن يكون العلم بالموجود الخارجي
٢٢١

أو العلم بالمقدرات الذهنية: أما الثانى ففائدته قليلة، وأما الأول فما من
موجود معين إلا وحكمه بعلم تعينه أظهر وأقوى من العلم به عن قياس كلي
يتناوله ، فلا يتحصل بالقياس كثير فائدة ؛ بل يكون ذلك تطويلا . وإنما
استعمل القياس في مثل ذلك لأجل الغالط والمعاند، فيضرب له المثل وتذكر
الكلية رداً لغلطه وعناده بخلاف من كان سليم الفطرة .
وكذلك قولهم : الضدان لا يجتمعان ، فأي شيئين على تضادهما ، فإنه
يعلم أنهما لا يجتمعان قبل استحضار قضية كلية بأن كل ضدين لا يجتمعان ،
وما من جسم معين إلا يعلم أنه لا يكون فى مكانين قبل العلم بأن كل جسم
لا يكون فى مكانين ، وأمثال ذلك كثير .
فما من معين مطلوب علمه بهذه القضايا الكلية إلا وهو يعلم قبل أن تعلم
هذه القضية، ولا يحتاج فى العلم به إليها . وإنما يعلم بها ما يقدر فى الذهن
من أمثال ذلك مما لم يوجد فى الخارج .
وأما الموجودات الخارجية فتعلم بدون هذا القياس وإذا قيل إن من الناس
من يعلم بعض الأعيان الخارجية بهذا القياس فيكون مبناه على قياس التمثيل
الذي ينكرون أنه يقيني. فهم بين أمرين: إن اعترفوا بأن قياس التمثيل من جنس قياس
الشمول ينقسم إلى يقيني وظني بطل تفريقهم وإن ادعوا الفرق بينهما وأن قياس
الشمول يكون يقينيا دون التمثيل منعوا ذلك ، وبين لهم أن اليقين لا يحصل
٢٢٢

فى هذه الأمور إلا أن يحصل بالتمثيل . فيكون العلم بما لم يعلم من المفردات
الموجودة فى الخارج قياساً على ما علم منها ، وهذا حق لا ينازع فيه عاقل ،
بل هذا من أخص صفات العقل التى فارق بها الحس ، إذ الحس لا يعلم إلا
معيناً ، والعقل يدركه كلياً مطلقاً، لكن بواسطة التمثيل، ثم العقل يدركها
كلها مع عزوب الأمثلة المعينة عنه ، لكن هي في الأصل إنما صارت فى ذهنه كلية
عامة بعد تصوره لأمثال معينة من أفرادها، وإذا بعد عهد الذهن بالمفردات المعينة
فقد يغلط كثيراً، بأن يجعل الحكم إما أعم وإما أخص ، وهذا يعرض للناس
كثيراً حيث يظن أن ما عنده من القضايا الكلية صحيح، ويكون عند التحقيق
ليس كذلك ، وم يتصورون الشيء بعقولهم ، ويكون ما تصوروه معقولا
بالعقل ، فيتكلمون عليه ويظنون أنهم تكلموا فى ماهية مجردة بنفسها من
حيث هي هى ، من غير أن تكون ثابتة فى الخارج ولا فى الذهن ، فيقولون:
الإنسان من حيث هو هو ، والوجود من حيث هو هو ، والسواد من
حيث هو هو ونحو ذلك .
ويظنون أن هذه الماهية التى جردوها عن جميع القيود السلبية والثبوتية
محققة فى الخارج على هذا التجريد ، وذلك غلط ، كغلط أوليهم فيما جردوه
من العدد والمثل الأفلاطونية وغيرها ، بل هذه المجردات لا تكون الا مقدرة
في الذهن ، وليس كل ما فرضه الذهن أمكن وجوده فى الخارج ، وهذا
الذي يسمى الإمكان الذهني . فإن الإمكان على وجهين .
٢٢٣

((ذهني)) وهو أن يعرض الشيء على الذهن فلا يعلم امتناعه . بل يقول
يمكن هذا، لا لعلمه بإمكانه؛ بل لعدم علمه بامتناعه مع أن ذلك الشيء قد يكون
ممتنعاً في الخارج .
و ((خارجي) وهو أن يعلم إمكان الشيء فى الخارج، وهذا يكون، بأن
يعلم وجوده فى الخارج أو وجود نظيره ، أو وجود ماهو أبعد عن الوجود
منه . فإذا كان الأبعد عن قبول الوجود موجوداً ممكن الوجود ، فالأقرب
إلى الوجود منه أولى .
وهذه طريقة القرآن فى بيان (إمكان المعاد)). فقد بين ذلك بهذه الطريقة
فتارة يخبر عمن أماتهم ثم أحيام ، كما أخبر عن قوم موسى الذين قالوا :
( أَرِنَا ◌َللَّهَ جَهْرَةً ) قال: (فَأَخَذَتْكُمُ الصَّعِقَةُ وَأَنْتُمْ نَنْظُرُونَ * ثُمَّبَعَثْنَكُمْ مِّنْ
بَعْدِ مَوْتِكُمْ ) وعن ( الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَهُمْ أَلُوُفُ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ
اللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّأَخْيَهُمْ ) وعن: (أَوْ كَلَّذِى مَنَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا
قَالَ أَنَّى يُحِىءَ هَذِهِ اَللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَاً فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامِثُمَّ بَعَثَهُ) وعن إبراهيم إذ قال:
(رَبِّ أَرِبِ كَيْفَ تُحِى الْمَوْتَى) القصة. وكما أخبر عن المسيح أنه كان يحيي
الموتى بإذن الله وعن أصحاب الكهف: أنهم بعثوا بعد ثلاثمائة سنة وتسع سنين.
وتارة يستدل على ذلك بالنشأة الأولى ، فإن الإعادة أهون من الابتداء
كما فى قوله: (إِن كُمْ فِ رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَكُمْمِنْ تُرَابٍ ) الآية
٢٢٤

) (قُلِ الَّذِى فَطَرَّكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ )
وقوله: ( قُلْ يُحْبِيهَا الَّذِى أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ
(وَهُوَ الَّذِى يَبْدَ ؤُاْالْخَلْقَ ثُمَّيُعِيدُهُ، وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ).
وتارة يستدل على ذلك بخلق السموات والأرض فإن خلقها أعظم من
إعادة الإنسان كما فى قوله: (أَوَلَمْيَرَوْا أَنَّاللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْىَ
بِخَلْقِهِنَّ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يُحْتِىَ الْمَوْقَى )
وتارة يستدل على إمكانه بخلق النبات كما فى قوله: (وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الْرِّيَحَ
بُشْرًا ) إلى قوله: (كَذَلِكَ تُخْرِجُ الْمَوْنَ )
فقد تبين أن ما عند أئمة النظار أهل الكلام والفلسفة من الدلائل العقلية
على المطالب الإلهية . فقد جاء القرآن الكريم بما فيها من الحق ، وما هو
أبلغ وأكمل منها على أحسن وجه ، مع تنزهه عن الأغاليط الكثيرة الموجودة
عند هؤلاء ، فإن خطأم فيها كثير جداً، ولعل ضلالهم أكثر من هدام ،
وجهلهم أكثر من علمهم، ولهذا قال أبو عبد الله الرازي فى آخر عمره في
كتابه ((أقسام الذات)) لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما
رأيتها تشفى عليلاً ولا تروي غليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن
اقرأ في الإثبات: ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى) (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ)
واقرأ فى النفي: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ) (وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا) ومن جرب مثل
تجربتى عرف مثل معرفتى .
٢٢٥

والمقصود أن الإمكان الخارجي يعرف بالوجود لا بمجرد عدم العلم بالامتناع
كما يقوله طائفة منهم الآمدي . وأبعد من إثباته الإمكان الخارجي بالإمكان
الذهني ما يسلكه المتفلسفة كابن سينا فى إثبات الإمكان الخارجي بمجرد إمكان
تصوره فى الذهن ، كما أنهم لما أرادوا إثبات موجود فى الخارج معقول لا يكون
ممسوساً بحال ، استدلوا على ذلك بتصور الإنسان الكلي المطلق المتناول
للأفراد الموجودة فى الخارج وهذا إنما يفيد إمكان وجود هذه المعقولات في
الذهن ، فإن الكلي لا يوجد كلياً إلا في الذهن، فأين طرق هؤلاء فى إثبات
الإمكان الخارجي من طريقة القرآن؟ !.
ثم إنهم يمثلون بهذه الطرق الفاسدة يريدون خروج الناس عما فطروا
عليه من المعارف اليقينية والبراهين العقلية، وما جاءت به الرسل من
الأخبار الإلهية عن الله واليوم الآخر. ويريدون أن يجعلوا مثل هذه القضايا
الكاذبة؛ والخيالات الفاسدة أصولاً عقلية يعارض بها ما أرسل الله به رسله
وأنزل به كتبه من الآيات، وما فطر الله عليه عباده . وما تقوم عليه الأدلة
العقلية التى لا شبهة فيها . وأفسدوا بأصولهم العلوم العقلية والسمعية ؛ فإن
مبنى العقل على صحة الفطرة وسلامتها، ومبنى السمع على تصديق الأنبياء
صلوات الله عليهم، ثم الأنبياء صلوات الله عليهم كملوا للناس الأمرين،
فدلوم على الأدلة العقلية التى بها تعلم المطالب التى يمكنهم علمهم بها بالنظر
والاستدلال . وأخبروم مع ذلك من تفاصيل الغيب بما يعجزون عن معرفته
بمجرد نظرهم واستدلالهم.
٢٢٦

وليس تعليم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مقصوراً على مجرد الخبر كما
يظنه كثير ؛ بل هم بينوا من البراهين العقلية التى بها تعلم العلوم الإلهية
مالا يوجد عند هؤلاء ألبتة . فتعليمهم صلوات الله عليهم جامع للأدلة
العقلية والسمعية ، جميعاً بخلاف الذين خالفوم فإن تعليمهم غير مفيد للأدلة
العقلية والسمعية مع مافى نفوسهم من الكبر الذي مام بالغيه، كما قال تعالى: (إِنَّالَّذِين
يُحَدِّلُونَ فِىّءَايَتِ اللَّهِبِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَنُهُمْ إِن فِ صُدُورِ هِمْ إِلَّ كِبْرٌ مَّاهُم بِبَلِفِيهِ
فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) وقال: (الَّذِينَ يُجَدِلُونَ فِىّءَايَتِ اللَّهِ بِغَيْرِ
سُلْطَانٍ أَتَنْهُمِّ كَبُرَ مَقْنًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ
وقال: (فَلَمَّاجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيْنَتِ فَرِحُواْ بِمَا
مُتَكَِّ جَبَّارٍ )
ومثل هذا كثير فى
عِندَهُم مِّنَالْعِلْمِ وَحَافَ بِهِم مَّا كَانُواْبِهِ، يَسْتَهْزِءُ ونَ)
القرآن. وقد ألفت كتاب ((دفع تعارض الشرع والعقل))؛ ولهذا لما كانوايتصورون
فى أذهانهم مايظنون وجوده فى الخارج كان أكثر علومهم مبنياً على ذلك
فى ((الإلهي)) و ((الرياضي)).
وإذا تأمل الخبير بالحقائق كلامهم فى أنواع علومهم لم يجد عنده علماً
بمعلومات موجودة فى الخارج إلا القسم الذي يسمونه ((الطبيعي)) وما يتبعه
من ((الرياضي)). وأما ((الرياضي)) المجرد فى الذهن، فهو الحكم بمقادير
ذهنية لاوجود لها فى الخارج. والذي سموه ((علم مابعد الطبيعة)) إذا تدبر:
٢٢٧

لم يوجد فيه علم بمعلوم موجود في الخارج، وإنما تصوروا أموراً مقدرة فى
أذهانهم لا حقيقة لها فى الخارج، ولهذا منتهى نظرهم وآخر فلسفتهم
وحكمتهم هو الوجود المطلق الكلى ، والمشروط بسلب جميع
الأمور الوجودية .
والمقصود أنهم كثيراً ما يدعون فى المطالب البرهانية والأمور العقلية ما
يكونون قدروه فى أذهانهم . ويقولون : نحن نتكلم فى الأمور الكلية
والعقليات المحضة . وإذا ذكر لهم شيء قالوا: تتكلم فيما هو أعم من ذلك ،
وفى الحقيقة من حيث هي هي، ونحو هذه العبارات فيطالبون بتحقيق ما
ذكروه فى الخارج، ويقال : بينوا هذا أي شيء هو ؟ فهنالك يظهر
جهلهم، وأن مايقولونه هو أمر مقدر فى الأذهان لا حقيقة له فى الأعيان.
مثل أن يقال لهم : اذكروا مثال ذلك والمثال أمر جزئى ، فإذا عجزوا
عن التمثيل . وقالوا : نحن نتكلم فى الأمور الكلية ، فاعلم أنهم يتكلمون
بلا علم . وفيما لا يعلمون أن له معلوماً فى الخارج ؛ بل فيما ليس له معلوم فى
الخارج وفيما يمتنع أن يكون له معلوم فى الخارج ، وإلا فالعلم بالأمور
الموجودة إذا كان كلياً كانت معلوماته ثابتة فى الخارج . وقد كان الخسرو
شاهى من أعيانهم ومن أعيان أصحاب الرازي ، وكان يقول : ماعثرنا إلا
على هذه الكليات ، وكان قد وقع فى حيرة وشك حتى كان يقول: والله
ما أدري ما أعتقد ! والله ما أدري ما أعتقد ! .
٢٢٨

و (المقصود ) أن الذي يدعونه من الكليات ، هو إذا كان علماً،
فهو مما يعرف بقياس التمثيل لايقف على القياس المنطقي الشمولي أصلا، بل
ما يدعون ثبوته بهذا القياس ، تعلم أفراده التى يستدل عليها بدون هذا
القياس، وذلك أيسر وأسهل . ويكون الاستدلال عليها بالقياس الذي
يسمونه البرهانى استدلالاً على الأجلى بالأخفى. وهم يعيبون فى صناعة الحد
أن يعرف الجلي بالخفي ، وهذا في صناعة البرهان أشد عيباً ، فإن البرهان
لا يراد به إلا بيان المدلول عليه وتعريفه وكشفه وإيضاحه ، فإذا كان هو أوضح
وأظهر كان بياناً للجلي بالخفي .
قال : ثم إن الفلاسفة أصحاب هذا المنطق البرهانى الذي وضعه أرسطو
وما يتبعه من الطبيعي والإلهي ليسوا أمة واحدة، بل أصناف متفرقون
وبينهم من التفرق والاختلاف مالا يحصيه إلا اللّه، أعظم مما بين الملة الواحدة
كاليهود والنصارى أضعافا مضاعفة؛ فإن القوم كلما بعدوا عن اتباع الرسل والكتب
كان أعظم فى تفرقهم واختلافهم ، فإنهم يكونون أضل، كما في الحديث
الذي رواه الترمذي عن أبى أمامة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال:
(«ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل)). ثم قرأ قوله تعالى:
( مَاضَرَ بُوهُ لَكَ إِلََّ جَدَلْا بَلْ هُمْ فَوْمُ خَصِمُونَ ) إذ لا يحكم بين الناس فيما
(كَانَ
تنازعوا فيه إلا كتاب منزل ونى مرسل ، كما قال تعالى
النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيْنَ مُبَشِرِينَ وَهُنذِرِينَ وَأَنَزَلَ مَعَهُمُ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ
٢٢٩

لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْفِيهِ ) الآية وقال: (لَقَدْ أَرْسَلْنَارُسُلَنَا بِآلْبَيِّنَتِ
وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِنَبَ وَاَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ) وقال: (فَإِن ◌َزَعُثُمْ فِى
شَىْءٍ فَرُدُوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ) الآية.
وقد بين الله في كتابه من الأمثال المضروبة والمقاييس العقلية مايعرف به
الحق والباطل ، وأمر الله بالجماعة والائتلاف ونهى عن الفرقة والاختلاف،
وأخبر أن أهل الرحمة لا يختلفون فقال: (وَلَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّ مَن رَّحِمَ
رَبُّكَ) ولهذا يوجد أتبع الناس للرسول أقل اختلافا من جميع الطوائف
المنتسبة للسنة ، وكل من قرب للسنة كان أقل اختلافا ممن بعد عنها، كالمعتزلة
والرافضة فنجدهم أكثر الطوائف اختلافا .
وأما اختلاف الفلاسفة فلا محصره أحد، وقد ذكر الإمام أبو الحسن
الأشعرى فى كتاب المقالات، ((مقالات غير الإسلاميين)) فأتى بالجم الغفير
سوى ماذكره الفارابي وابن سينا ، وكذلك القاضي أبو بكر بن الطيب فى
كتاب ((الدقائق)) الذي رد فيه على الفلاسفة والمنجمين، ورجح فيه منطق
المتكلمين من العرب على منطق اليونان. وكذلك متكلمة المعتزلة والشيعة
وغيرهم فى ردهم على الفلاسفة. وصنف الغزالي كتاب ((التهافت)) فى
الرد عليهم .
ومازال نظار المسلمين يصفون فى الرد عليهم فى المنطق ، ويدينون خطأهم
٢٣٠

فيما ذكروه فى الحد والقياس جميعاً، كما يبينون خطأم فى الإلهيات وغيرها ،
ولم يكن أحد من نظار المسلمين يلتفت إلى طريقهم؛ بل الأشعرية والمعتزلة
والكرامية والشيعة وسائر الطوائف من أهل النظر كانوا يعيبونها ، ويدينون
فسادها. وأول من خلط منطقهم بأصول المسلمين أبو حامد الغزالى ، وتكلم
فيه علماء المسلمين بما يطول ذكره . وهذا الرد عليهم مذكور فى كثير من
كتب الكلام .
وفي كتاب ((الآراء والديانات)) لأبى محمد الحسن بن موسى النويختى
فصل جيد من ذلك ؛ فإنه بعد أن ذكر طريقة أرسطو فى المنطق قال :
وقد اعترض قوم من متكلمي أهل الإسلام على أوضاع المنطق هذه،
وقالوا: أما قول صاحب المنطق إن القياس لا يبنى من مقدمة واحدة ،
فغلط ؛ لأن القائل إذا أراد مثلا أن يستدل على أن الإنسان جوهر ، فله
أن يستدل على نفس الشيء المطلوب من غير تقديم المقدمتين ، بأن يقول
الدليل على أن الإنسان جوهر أنه يقبل المتضادات فى أزمان مختلفة، وليس
يحتاج إلى مقدمة ثانية وهي: أن يقول: إن كل قابل للمتضادات فى أزمان
مختلفة جوهر ، لأن الخاص داخل فى العام ، فعلى أيهما دل استغنى عن
الآخر . وقد يستدل الإنسان إذا شاهد الأثر أن له مؤثراً ، والكتابة
أن لها كاتباً ، من غير أن يحتاج فى استدلاله على صحة ذلك إلى مقدمتين .
٢٣١

قالوا : فنقول : إنه لابد من مقدمتين. فإذا ذكرت إحداهما استغنى
بمعرفة المخاطب عن الأخرى فترك ذكرها ، لأنه مستغن عنها . قلنا لسنا نجد
مقدمتين كليتين يستدل بها على صحة نتيجة؛ لأن القائل إذا قال : الجوهر
لكل حى ، والحياة لكل إنسان، فتكون النتيجة أن الجوهر لكل إنسان
فسواء فى العقول قول القائل : الجوهر لكل حي وقوله لكل إنسان . ولا
يجدون من المطالب العملية أن المطلوب يقف على مقدمتين بينتين بأنفسها وإذا
كان الأمر كذلك كانت إحداهما كافية. ونقول لهم أرونا مقدمتين أوليين
لا تحتاجان إلى برهان يتقدمهما، يستدل بها على شيء مختلف فيه. وتكون
المقدمتان فى العقول أولى بالقبول من النتيجة ، فإذا كنتم لا تجدون ذلك بطل
ما ادعيتموه .
قال النويختى : وقد سألت غير واحدمن رؤسائهم أن يوجدنيه فما أوجدنيه
فما ذكره أرسطاطا ليس غير موجود ولا معروف. قال: فأما ماذكره بعد
ذلك من الشكلين الباقيين فهما غير مستعملين على مابناهما عليه . وإذا كانا
يصحان: بقلب مقدمتيهما حتى يعود إلى الشكل الأول. فالكلام في الشكل
الأول هو الكلام فيها .. انتهى .
قال ابن تيمية: ومقصوده أن سائر الأشكال إنما تنتج بالرد إلى الشكل
الأول على ما تقدم بيانه فسأر الأشكال ونتاجها فيه كلفة ومشقة ، مع أنه لا
حاجة إليها ، فإن الشكل الأول يمكن أن يستعمل جميع المواد الثبوتية والسلبية
٢٣٢

الكلية والجزئية. وقد على انتفاء فائدته فانتفاء فائدة فروعه التى لا تفيد إلا
بالرد إليه أولى وأحرى .
والمقصود أن هذه الأمة - ولله الحمد - لم يزل فيها من يتفطن لما فى
كلام أهل الباطل من الباطل ويرده. وهم لما هداهم الله به يتوافقون فى قبول
الحق ورد الباطل رأيا ورواية من غير تشاعر ولا تواطؤ. وهذا الذي
نبه عليه هؤلاء النظار يوافق مانبهنا عليه ، ويبين أنه يمكن الاستغناء
عن القياس المنطقي، بل يكون استعماله تطويلا وتكثيراً للفكر والنظر ،
والكلام بلا فائدة .
( الوجه الثالث ) : أن القضايا الكلية العامة لا توجد في الخارج كلية
عامة ، وإنما تكون كلية في الأذهان لا فى الأعيان . وأما الموجودات فى
الخارج فهي أمور معينة ، كل موجود له حقيقة تخصه يتميز بها عما سواه
لا يشركه فيها غيره ، فحينئذ لا يمكن الاستدلال بالقياس على خصوص وجود
معين ، وهم معترفون بذلك وقائلون إن القياس لا يدل على أمر معين ،
وقد يعبرون عن ذلك بأنه لا يدل على جزئي وإنما يدل على كلى . فإذا
القياس لا يفيد معرفة أمر موجود بعينه . وكل موجود فإنما هو موجود بعينه
فلا يفيد معرفة شيء من حقائق الموجودات ، وإنما يفيد أموراً كلية مطلقة
مقدرة فى الأذهان لا محققة فى الأعيان . فما يذكره النظار من الأدلة القياسية
التى يسمونها براهين على إثبات الصانع سبحانه ، لا يدل شيء منها على عينه.
وإنما يدل على أمر مطلق لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه .
٢٣٣

فإذا قال : هذا محدث ، وكل محدث فلا بد له من محدث . إنما يدل
هذا على محدث مطلق كلي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه ، وإنما تعلم
عينه بعلم آخر يجعله الله فى القلوب. وثم معترفون بهذا؛ لأن النتيجة
لا تكون أبلغ من المقدمات ، والمقدمات فيها قضية كلية لا بد من ذلك .
والكلي لا يدل على معين ، وهذا بخلاف ما يذكره الله فى كتابه من الآيات
كقوله تعالى: ( إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ ) الآية . إلى غير ذلك يدل
على المعين كالشمس التى هي آية النهار . والدليل أعم من القياس ؛ فإن الدليل
قد يكون بمعين على معين ، كما يستدل بالنجم وغيره من الكواكب على
الكعبة ، فالآيات تدل على نفس الخالق سبحانه ، لا على قدر مشترك بينه
وبين غيره ، فإن كل ما سواه مفتقر إليه نفسه ، فيلزم من وجوده وجود
عين الخالق نفسه .
( الوجه الرابع ) : أن الحد الأوسط المكرر فى قياس الشمول وهو
الخمر من قولك : كل مسكر خمر ، وكل خمر حرام هو مناط الحكم فى قياس
التمثيل ، وهو القدر المشترك الجامع بين الأصل والفرع ، فالقياسان
متلازمان . كل ما علم بهذا القياس ، يمكن علمه بهذا القياس. ثم إن كان
الدليل قطعيا فهو قطعي فى القياسين ، أو ظنياً فظني فيها .
وأما دعوى من يدعي من المنطقيين وأتباعهم : أن اليقين إنما يحصل
بقياس الشمول دون قياس التمثيل . فهو قول فى غاية الفساد . وهو قول
٢٣٤

من لم يتصور حقيقة القياسين . وقد يعلم بنص : أن كل مسكر حرام، كما
ثبت فى الحديث الصحيح . وإذا كان كذلك ، لم يتعين قياس الشمول لإفادة
الحكم بل ولا قياس من الأقيسة . فإنه قد يعلم بلا قياس ، فبطل قولهم
لا علم تصديقي إلا بالقياس المنطقي كما تقدم .
والمقصودهنا : بيان قلة منفعته أو عدمها . فإن المطلوب إن كان ثم
قضية علمت من جهة الرسول تفيد العموم . وهو أن كل مسكر حرام حصل
مدعاه . فالقضايا الكلية المتلقاة عن الرسول تفيد العلم فى المطالب الإلهية .
وأما ما يستفاد من علومهم فالقضايا الكلية فيه إما منتقضة وإما أنها بمنزلة قياس
التمثيل ، وإما أنها لا تفيد العلم بالموجودات المعينة ، بل بالمقدرات الذهنية
كالحساب والهندسة ، فإنه وإن كان ذلك يتناول ما وجد على ذلك المقدار ،
فدخول المعين فيه لا يعلم بالقياس بل بالحس ، فلم يكن القياس محصلا للمقصود
أو تكون مما لا اختصاص لهم بها ، بل يشترك فيها سائر الأمم بدون خطور
منطقهم بالبال مع استواء قياس التمثيل وقياس الشمول .
وإثبات العلم بالصانع والنبوات ليس موقوفاً على الأقيسة ، بل يعلم
بالآيات الدالة على معين لا شركة فيه يحصل بالعلم الضروري الذي لا يفتقر
إلى نظر ، وما يحصل منها بالشمول فهو بمنزلة ما يحصل بالتمثيل أحر كلي ،
لا يحصل به العلم بما يختص به الرب ، وما يختص به الرسول إلا بانضمام
على آخر إليه .
٢٣٥

( الوجه الخامس ) أن يقال: هذا القياس الشمولي - وهو العلم بثبوت
الحكم لكل فرد من الأفراد .. فنقول قد على وسلموا أنه لا بد أن يكون
العلم بثبوت بعض الأحكام لبعض الأفراد بديهياً ؛ فإن النتيجة إذا افتقرت إلى
مقدمتين فلا بد أن ينتهي الأمر إلى مقدمتين تعلمان بدون مقدمتين ، وإلا
لزم الدور أو التسلسل الباطلان ، وإذا فرض مقدمتان طريق العلم بها
واحد ، لم يحتج إلى القياس كالعلم بأن كل إنسان حيوان ، وكل حيوان
حساس متحرك بالإرادة . فالعلم بأن كل إنسان متحرك بالإرادة ، أبين
وأظهر . فالمقدمتان إن كان طريق العلم بهما واحداً ، وقد علمتا فلا حاجة
إلى بيانها . وإن كان طريق العلم بها مختلفا فمن لم يعلم إحداهما احتاج إلى
بيانها ولم يحتج إلى بيان الأخرى التى علمها . وهذا ظاهر فى كل ما يقدره.
فتبين أن منطقهم يعطى تضيح الزمان وكثرة الهذيان وإتعاب الأذهان .
( الوجه السادس) : لا ريب أن المقدمة الكبرى أعم من الصغرى أو
مثلها، ولا تكون أخص منها، والنتيجة أخص من الكبرى أو مساوية لها، وأعم من
الصغرى أو مثلها ولا تكون أخص منها . والحس يدرك المعينات أولا ، ثم
ينتقل منها إلى القضايا العامة. فيرى هذا الإنسان وهذا الإنسان، وكل مما رآه
حساس متحرك بالإرادة. فنقول العلم بالقضية العامة . إما أن يكون بتوسط
قياس والقياس لا بد فيه من قضية عامة . فلزم أن لا يعلم العام إلا بعام ، وذلك
يستلزم الدور أو التسلسل . فلا بد أن ينتهي الأمر إلى قضية كلية عامة
٢٣٦

معلومة بالبديهة . وم يسلمون ذلك . وإن أمكن علم القضية العام بغير
توسط قياس ، أمكن علم الأخرى ، فإن كون القضية بديهية أو نظرية ليس
وصفاً لازماً لها يجب استواء جميع الناس فيه . بل هو أمر نسبى إضافى بحسب
حال الناس، فمن علمها بلا دليل كانت بديهية له، ومن احتاج إلى نظر
واستدلال كانت نظرية له، وهكذا سائر الأمور. فإذا كانت القضايا الكلية
منها ما يعلم بلا دليل ولا قياس ، وليس لذلك حد فى نفس القضايا ؛ بل ذلك
بحسب أحوال بني آدم، لم يمكن أن يقال فيما علمه زيد بالقياس، إنه لا يمكن
غيره أن يعلمه بلا قياس ، بل هذا نفي كاذب .
( الوجه السابع ): قد تبين فيما تقدم أن قياس الشمول يمكن جعله قياس
تمثيل وبالعكس .
فإن قيل : من أين تعلم بأن الجامع يستلزم الحكم:
قيل : من حيث تعلم القضية الكبرى فى قياس الشمول .
فإذا قال القائل : هذا فاعل محكم لفعله ، وكل محكم لفعله فهو
عالم . فأي شيء ذكر فى علة هذه القضية الكلية فهو موجود فى
قياس التمثيل . وزيادة أن هناك أصلاً يمثل به قد وجد فيه الحكم
مع المشترك. وفي الشمول لم يذكر شيء من الأفراد التى ثبت الحكم فيها ،
٢٣٧

ومعلوم أن ذكر الكلي المشترك مع بعض أفراده أثبت فى العقل من ذكره
مجرداً عن جميع الأفراد باتفاق العقلاء.
ولهذا قالوا: إن العقل تابع للحس فإذا أدرك الحس الجزئيات ، أدرك
العقل منها قدراً مشتركاً كلياً، فالكليات تقع فى النفس بعد معرفة الجزئيات
المعينة ، فمعرفة الجزئيات المعينة من أعظم الأسباب فى معرفة الكليات فكيف
يكون ذكرها مضعفاً للقياس ، وعدم ذكرها موجباً لقوته ؟!
وهذه خاصة العقل ؛ فإن خاصة العقل معرفة الكليات بتوسط معرفة
الجزئيات . فمن أنكرها أنكر خاصة عقل الإنسان ، ومن جعل
ذكرها بدون شيء من محالها المعينة، أقوى من ذكرها مع التمثيل بمواضعها
المعينة كان مكابراً .
وقد اتفق العقلاء على أن ضرب المثل مما يعين على معرفة الكليات ، وأنه
ليس الحال إذا ذكر مع المثال كالحال إذا ذكر مجرداً عنه. ومن ندبر جميع
ما يتكلم فيه الناس من الكليات المعلومة بالعقل فى الطب والحساب والصناعات
والتجارات وغير ذلك وجد الأمر كذلك. والإنسان قد ينكر أمراً حتى يرى
واحداً من جنسه فيقر بالنوع ، ويستفيد بذلك حكماً كلياً ولهذا يقول سبحانه:
( كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوجِ الْمُرْسَلِينَ ) (كَذَّبَتْ عَ الْمُرْسَلِينَ ) ونحو ذلك. وكل من
هؤلاء إنما جاءه رسول واحد. ولكن كانوا مكذبين يجلس الرسل، لم يكن
تكذيهم بالواحد بخصوصه .
٢٣٨

ومن أعظم صفات العقل معرفة التماثل والاختلاف. فإذا رأى الشيئين
المتماثلين، على أن هذا مثل هذا، فجعل حكمها واحداً. كما إذا رأى الماء والماء ،
والتراب والتراب، والهواء والهواء، ثم حكم بالحكم الكلي على القدر المشترك.
وإذا حكم على بعض الأعيان ومثله بالنظير، وذكر المشترك كان أحسن فى
البيان. فهذا قياس الطرد. وإذا رأى المختلفين كالماء والتراب فرق بينهما ، وهذا
قياس العكس .
وما أمر الله به من الاعتبار فى كتابه بتناول قياس الطرد وقياس العكس
فإنه لما أهلك المكذبين للرسل بتكذيبهم، كان من الاعتبار أن يعلم أن من فعل
مثل ما فعلوا أصابه مثل ما أصابهم فيتقى تكذيب الرسل حذراً من العقوبة ،
وهذا قياس الطرد . ويعلم أن من لم يكذب الرسل لا يصيبه ذلك، وهذا قياس
العكس ، وهو المقصود من الاعتبار بالمعذبين فإن المقصود أن ما ثبت فى الفرع
عكس حكم الأصل لا نظيره. والاعتبار يكون بهذاوبهذا. قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ
فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِ الْأَلْبَبِ ) وقال : (قَدْكَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِ فِئَتَيْنِ) إلى قوله
(إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِ الْأَبْصَرِ) وقد قال تعالى: (اللَّهُالَّذِىّ أَنْزَلَ الْكِتَبَ
بِالْحَقِّ وَاَلْمِيزَانَ) وقال: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِشَبَ
وَاَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ).
((والميزان)) فسره السلف بالعدل، وفسره بعضهم بما يوزن به وهما متلازمان.
وقد أخبر تعالى أنه أنزل ذلك كما أنزل الكتاب ليقوم الناس بالقسط. فما يعرف
٢٣٩

به تماثل المتماثلات من الصفات والمقادير هو من الميزان . وكذلك ما يعرف به
اختلاف المختلفات. فإذا علمنا أن الله تعالى حرم الخمر لما ذكره من أنها تصد عن
ذكر الله وعن الصلاة ، وتوقع بين المؤمنين العداوة والبغضاء. ثم رأينا النبيذ
يماثلها فى ذلك، كان القدر المشترك الذي هو العلة، هو الميزان الذي أنزله الله
فى قلوبنا لنزن به هذا وتجعله مثل هذا. فلا نفرق بين المتماثلين. فالقياس
الصحيح هو من العدل الذي أمر الله به . ومن على الكليات من غير معرفة
المعين فمعه الميزان فقط . والمقصود بها وزن الأمور الموجودة في الخارج. وإلا
فالكليات لولا جزئياتها المعينة لم يكن بها اعتبار . كما أنه لولا
الموزونات لم يكن إلى الميزان من حاجة . ولا ريب أنه إذا حضر أحد
الموزونين واعتبر بالآخر بالميزان كان أتم فى الوزن من أن يكون الميزان
وهو الوصف الكلي المشترك في العقل. أي شيء حضر من الأعيان المفردة وزن
بها مع مغيب الآخر .
ولا يجوز لعاقل أن يظن أن الميزان المقلي الذي أنزله الله هو
منطق اليونان لوجوه :
( أحدها ) : أن الله أنزل الموازين مع كتبه قبل أن يخلق اليونان
من عهد نوح وإبراهيم وموسى وغيرم . وهذا المنطق اليوناني وضعه
أرسطو قبل المسيح بثلاثمائة سنة فكيف كانت الأمم المتقدمة تزن به .
٢٤٠