Indexed OCR Text
Pages 81-100
وهذا موجود بالاستقراء : أن من حسن الظن بالمنطق وأهله إن لم يكن له مادة من دين وعقل يستفيد بها الحق الذي ينتفع به ، وإلا فسد عقله ودينه . ولهذا يوجد فيهم من الكفر والنفاق والجهل والضلال وفساد الأقوال والأفعال ما هو ظاهر لكل ناظر من الرجال. ولهذا كان أول من خلطه بأصول الفقه ونحوه من العلوم الإسلامية كثير الاضطراب . فإنه كان كثير من فضلاء المسلمين وعلمائهم يقولون: المنطق كالحساب ونحوه مما لا يعلم به صحة الإسلام ولا فساده ولا ثبوته ولا انتفاؤه . فهذا كلام من رأى ظاهره وما فيه من الكلام على الأمور المفردة لفظاً ومعنى ، ثم على تأليف المفردات، وهو القضايا ونقيضها وعكسها المستوى وعكس النقيض، ثم على تأليفها بالحد والقياس، وعلى مواد القياس، وإلا فالتحقيق: أنه مشتمل على أمور فاسدة، ودعاوى باطلة كثيرة لايتسع هذا الموضع لاستقصائها والله أعلم. والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على عبد الله ورسوله محمد الداعي إلى الهدى والرشاد ، وعلى آله ومن اتبع هداه . ٨١ وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية قدس الله روحه (١) أما بعد: فإنى كنت دائماً أعلم أن المنطق اليوناني لايحتاج إليه الذكي ، ولا ينتفع به البليد. ولكن كنت أحسب أن قضاياه صادقة لما رأينا من صدق كثير منها ، ثم تبين لي فيما بعد خطأ طائفة من قضاياه وكتبت فى ذلك شيئاً ، ولما كنت بالإسكندرية اجتمع بي من رأيته يعظم المتفلسفة بالتهويل والتقليد ، فذكرت له بعض ما يستحقونه من التجهيل والتضليل . واقتضى ذلك أنى كتبت في قعدة بين الظهر والعصر من الكلام على المنطق ما علقته تلك الساعة . ولم يكن ذلك من حمتى، لأن همتى كانت فيما كتبته عليهم فى (الإلهيات) وتبين لي أن كثيراً مماذكروه فى المنطق هو من أصول فساد قولهم في الإلهيات (١) أى في كتابه نصيحة أهل الإيمان فى الرد على منطق اليونان [المسمى («الرد على المنطقيين))] وذكر السيوطي أن له كتابين فى المنطق أحدهما صغير والاخر مجلد في عشرين كراسة وذكر أنه لخصه وهذا نص ملخصه . ٨٢ مثل ما ذكروه من تركيب الماهيات من الصفات التى سموها ذاتيات . وما ذكروه من حصر طرق العلم فيما ذكروه من الحدود والأقيسة البرهانيات ، بل ما ذكروه من الحدود التى بها تعرف التصورات . بل ما ذكروه من صور القياس ومواده اليقينيات . فأراد بعض الناس أن يكتب ما علقته إذ ذاك من الكلام عليهم فى المنطق فأذنت فى ذلك؛ لأنه يفتح باب معرفة الحق وإن كان مافتح من باب الرد عليهم يحتمل أضعاف ما علقته . فاعلم أنهم بنوا ((المنطق)) على الكلام فى الحد ونوعه ، والقياس البرهانى ونوعه . قالوا : لأن العلم إما تصور وإما تصديق ، فالطريق الذي ينال به التصور هو الحد ، والطريق الذي ينال به التصديق هو القياس . فنقول : الكلام في ((أربع مقامات)): مقامين سالبين ، ومقامين موجبين . فالأولان (أحدهما) فى قولهم إن التصور المطلوب لا ينال إلا بالحد . و (الثاني) أن التصديق المطلوب لا ينال إلا بالقياس . والآخران فى أن الحد يفيد العلم بالتصورات، وأن القياس أو البرهان الموصوف يفيد العلم بالتصديقات . ٨٣ المقام الأول فى قولهم: ((إن التصور لاينال إلا بالحد)» والكلام عليه من وجوه: (الأول) : لاريب أن النافى عليه الدليل كالمثبت ، والقضية سلبية أو إيجابية إذا لم تكن بديهية لا بدلها من دليل، وأما السلب بلا علم؛ فهو قول بلا على، فقولهم لا تحصل التصورات إلا بالحد قضية سالبة وليست بديهية، فمن أين لهم ذلك ؟ وإذا كان هذا قولا بلا علم وهو أول ما أسسوه فكيف يكون القول بلا علم أساسا لميزان العلم ولما يزعمون أنها آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن أن يزل فى فكره ؟ ( الثاني) : أن يقال: الحد يراد به نفس المحدود وليس مراده هنا . ويراد به القول الدال على ماهية المحدود، وهو مرادهم هنا. وهو تفصيل ما دل عليه الاسم بالإجمال. فيقال إذا كان الحد قول الحاد ، فالحاد إما أن يكون عرف المحدود بحد أو بغير حد؛ فإن كان الأول فالكلام فى الحد الثانى كالكلام فى الأول وهو مستلزم للدور أو التسلسل ، وإن كان الثانی بطل سلبهم، وهو قولهم : إنه لا يعرف إلا بالحد . ( الثالث) : أن الأمم جميعهم من أهل العلوم والمقالات وأهل الأعمال ٨٤ ، والصناعات يعرفون الأمور التى يحتاجون إلى معرفتها ، ويحققون مايعانونه من العلوم والأعمال من غير تكلم بحد ، ولا يجد أحداً من أمة العلوم يتكلم بهذه الحدود: لا أئمة الفقه ولا النحو ولا الطب ولا الحساب، ولا أهل الصناعات مع أنهم يتصورون مفردات علمهم فعلم استغناء التصور عن هذه الحدود . ( الرابع ): إلى الساعة لا يعلم للناس حد مستقيم على أصلهم ، بل أظهر الأشياء الإنسان وحده بالحيوان الناطق عليه الاعتراضات المشهورة . وكذا حد الشمس وأمثاله ، حتى إن النحاة لما دخل متأخروم فى الحدود، ذكروا للاسم بضعة وعشرين حداً، وكلها معترضة على أصلهم. والأصوليون ذكروا للقياس بضعة وعشرين حداً، وكلها أيضاً معترضة . وعامة الحدود المذكورة فى كتب الفلاسفة والأطباء والنحاة وأهل الأصول والكلام معترضة لم يسلم منها إلا القليل، فلو كان تصور الأشياء موقوفا على الحدود ، ولم يكن إلى الساعة قد تصور الناس شيئاً من هذه الأمور ، والتصديق موقوف على التصور ، فإذا لم يحصل نصور لم يحصل تصديق، فلا يكون عند بني آدم علم من عامة علومهم ، وهذا من أعظم السفسطة . ( الخامس ) ؛ أن تصور الماهية إنما يحصل عندم بالحد الحقيقي المؤلف من الذاتيات المشتركة والمميزة، وهو المركب من الجنس والفصل وهذا الحد إما متعذر أو متعسر كما قد أقروا بذلك؛ وحينئذ فلا يكون قد تصور ٨٥ حقيقة من الحقائق دائمًا أو غالباً ، وقد تصورت الحقائق، فعلم استغناء التصور عن الحد . ( السادس): أن الحدود عندهم إنما تكون للحقائق المركبة ، وهي الأنواع التى لها جنس وفصل، فأما مالا تركيب فيه ، وهو مالا يدخل مع غيره تحت جنس كما مثله بعضهم بالعقل ، فليس له حد وقد عرفوه، وهو من التصورات المطلوبة عندهم ، فعلم استغناء التصور عن الحد، بل إذا أمكن معرفة هذا بلا حد فمعرفة تلك الأنواع أولى ؛ لأنها أقرب إلى الجنس وأشخاصها مشهورة . وهم يقولون : إن التصديق لا يتوقف على التصور التام الذي يحصل بالحد الحقيقي. بل يكفي فيه أدنى تصور ولو بالخاصة ، وتصور العقل من هذا الباب وهذا اعتراف منهم بأن جنس التصور لا يتوقف على الحد الحقيقي. (السابع): أن سامع الحمد إن لم يكن عارفا قبل ذلك بمفردات ألفاظه ودلالتها على معانيها المفردة لم يمكنه فهم الكلام ، والعلم بأن اللفظ دال على المغنى وموضوع له مسبوق بتصور المعنى. وإن كان متصوراً لمسمى اللفظ ومعناه قبل سماعه، امتنع أن يقال إنما تصوره بسماعه . (الثامن ) : إذا كان الحد قول الحاد ، فمعلوم أن نصور المعاني ٨٦ لا يفتقر إلى الألفاظ ، فإن المتكلم قد يتصور معنى ما يقوله بدون لفظ والمستمع يمكنه ذلك من غير مخاطب بالكلية فكيف يقال لا تتصور المفردات إلا بالحد . (التاسع ): أن الموجودات المتصورة إما أن يتصورها الإنسان بحواسه الظاهرة كالطعم واللون والريح والأجسام التى يحمل هذه الصفات ، أو الباطنة كالجوع والحب والبغض والفرح والحزن واللذة والألم والإرادة والكراهة وأمثال ذلك وكلها غنية عن الحد . (العاشر ) : أنهم يقولون للمعترض : أن يطعن على الحد بالنقض فى الطرد أو فى المنع وبالمعارضة بحد آخر فإذا كان المستمع للحد ببطله بالنقض تارة وبالمعارضة أخرى ومعلوم أن كليهما لا يمكن إلا بعد تصور المحدود على أنه يمكن تصور المحدود بدون الحد وهو المطلوب. (الحادي عشر): أنهم معترفون بأن من التصورات ما يكون بديهيا لا يحتاج إلى حد ، وحينئذ فيقال كون العلم بديهيا أو نظرياً من الأمور النسبية الإضافية فقد يكون النظري عند رجل بديهيا عند غيره لوصوله إليه بأسبابه من مشاهدة أو تواتر أو قرائن، والناس يتفاوتون فى الإدراك تفاوتاً لا ينضبط فقد يصير البديهي عند هذا دون ذلك بديهيا كذلك أيضاً بمثل الأسباب التى حصلت لهذا ولا يحتاج إلى حد . ٨٧ المقام الثاني وهو ((الحد يفيد تصور الأشياء)) فنقول : المحققون من النظار على أن الحد فائدته التمييز بين المحدود وغيره ، كالاسم ليس فائدته تصوير المحدود ، وتعريف حقيقته . وإنما يدعى هذا أهل المنطق اليونانيون ، أتباع أرسطو. ومن سلك سبيلهم تقليداً لهم من الإسلاميين وغيرهم. فأما جماهير أهل النظر والكلام من المسلمين وغيرم فعلى خلاف هذا . وإنما أدخل هذا من تكلم فى أصول الدين والفقه بعد أبي حامد في أواخر المائة الخامسة ، وهم الذين تكلموا فى الحدود بطريقة أهل المنطق اليوناني . وأما سائر النظار من جميع الطوائف الأشعرية والمعتزلة والكرامية والشيعة وغيرهم ، فعندم إنما يفيد الحد التمييز بين المحدود وغيره . وذلك مشهور فى كتب أبى الحسن الأشعري والقاضي أبى بكر وأبى إسحق وابن فورك والقاضي أبي يعلى وابن عقيل وإمام الحرمين والنسفى وأبى علي وأبي هاشم وعبد الجبار والطوسي ومحمد بن الهيصم وغيرهم . ثم إن ما ذكره أهل المنطق من صناعة الحد لا ريب أنهم وضعوها وضعاً وقد كانت الأمم قبلهم تعرف حقائق الأشياء بدون هذا الوضع ، وعامة الأمم ٨٨ بعدم تعرف حقائق الأشياء بدون وضعهم . وم إذا تدبروا ، وجدوا أنفسهم يعلمون حقائق الأشياء بدون هذه الصناعة الوضعية . ثم إن هذه الصناعة الوضعية زعموا أنها تفيد تعريف حقائق الأشياء ولا تعرف إلا بها ، وكلا هذين غلط ، ولما راموا ذلك ، لم يكن بد من أن يفرقوا بين بعض الصفات وبعض إذ جعلوا التصور بما جعلوه ذاتياً ، فلا بد أن يفرقوا بين ما هو ذاتي عندم ، وما ليس كذلك . فأدى ذلك إلى التفريق بين المتماثلات ، حيث جعلوا صفة ذاتية دون أخرى ، مع تساويها أو تقاربها وطلب الفرق بين المتماثلات ممتنع . وبين المتقاربات عسر . فالمطلوب إما متعذر أو متعسر . فإن كان متعذراً بطل بالكلية . وإن كان متعسراً فهو بعد حصوله ليس فيه فائدة زائدة على ما كان يعرف قبل حصوله ، فصاروا بين أن يمتنع عليهم ما شرطوه أو ينالوه ولا يحصل به ما قصدوه على التقديرين ، فليس ما وضعوه من الحد طريقاً لتصور الحقائق فى نفس من لايتصورها بدون الحد وإن كان قد يفيد من تمييز المحدود ما تفيده الأسماء. وقد تفطن الفخر الرازي لما عليه أئمة الكلام وقرر فى ((محصله)) وغيره أن التصورات لا تكون مكتسبة . وهذا هو حقيقة قولنا : إن الحد لا يفيد تصور المحدود . وهذا ((مقام شريف)) ينبغي أن يعرف، فإنه لسبب إهماله دخل الفساد ٨٩ في العقول أو الأديان على كثير من الناس ، إذ خلطوا ماذكره أهل المنطق فى الحدود بالعلوم النبوية التى جاءت بها الرسل التى عند المسلمين واليهود والنصارى وسائر العلوم : الطب والنحو وغير ذلك ، وصاروا يعظمون أمر الحدود ويزعمون أنهم م المحققون لذلك . وأن ما ذكره غيرم من الحدود إنما هي لفظية ، لاتفيد تعريف الماهية والحقيقة بخلاف حدودهم . ويسلكون الطرق الصعبة الطويلة والعبارات المتكلفة الهائلة ، وليس لذلك فائدة إلا تضييع الزمان، وإتعاب الأذهان ، وكثرة الهذيان . ودعوى التحقيق بالكذب والبهتان ، وشغل النفوس بما لا ينفعها ، بل قد يصدها عمالا بد منه . وإثبات الجهل الذي هو أصل النفاق في القلوب وإن ادعت أنه أصل المعرفة والتحقيق . وهذا من توابع الكلام الذي كان السلف ينهون عنه ، وإن كان الذي ينهى عنه السلف خيراً وأحسن من هذا إذ هو كلام في أدلة وأحكام . ولم يكن قدماء المتكلمين يرضون أن يخوضوا فى الحدود على طريقة المنطقيين كما جد فى ذلك متأخروهم الذين ظنوا ذلك من التحقيق. وإنما هو زيغ عن سواء الطريق ؛ ولهذا لما كانت هذه الحدود ونحوها ، لا تفيد الإنسان علماً لم يكن عنده، وإنما تفيده كثرة كلام سموع ((أهل الكلام)). وهذا لعمري فى الحدود التى ليس فيها باطل ، فأما حدود المنطقيين التى يدعون ٩٠ أنهم يصورون بها الحقائق ، فانها باطلة بجمعون بها بين المختلفين ويفرقون بين المتماثلين . والدليل على أن الحدود لا تفيد تصوير الحقائق من وجوه : ( أحدها ) : أن الحد مجرد قول الحاد ودعواه ، فقوله مثلا: حد الإنسان حيوان ناطق، قضية خبرية ومجرد دعوى خلية عن حجة فإما أن يكون المستمع لها عالماً بصدقها بدون هذا القول أولا ، فإن كان الأول ، ثبت أنه لم يستفد هذه المعرفة بهذا الحد . وإن كان الثانى عنده ، فمجرد قول المخبر الذي لادليل معه لا يفيده العلم ، وكيف وهو يعلم أنه ليس بمعصوم فى قوله ؟ فتبين على التقديرين أن الحد لا يفيد معرفة المحدود . فإن قيل : : يفيده مجرد تصور المسمى من غير أن يحكم أنه هو ذلك المسئول عنه مثلا أو غيره . قلنا : فينئذ يكون كمجرد دلالة اللفظ المفرد على معناه، وهو دلالة الاسم على مسماه . وهذا تحقيق ما قلناه : من أن دلالة الحد كدلالة الاسم ، ومجرد الاسم لا يوجب تصور المسمى لمن لم يتصوره دون ذلك بلا نزاع ، فكذلك الحد . ( الثاني): أنهم يقولون: الحمد لا يمنع ولا يقام عليه دليل، وإنما يمكن ٩١ إبطاله بالنقض والمعارضة . فيقال : إذا لم يكن الحاد قد أقام دليلا على صحة الحد ، امتنع أن يعرف المستمع المحدود به ، إذا جوز عليه الخطأ فإنه إذا لم يعرف صحة الحد بقوله ، وقوله محتمل الصدق والكذب امتنع أن يعرفه بقوله. ومن العجب أن هؤلاء يزعمون أن هذه طرق عقلية يقينية ويجعلون العلم بالمفرد أصل العلم بالمركب ، ويجعلون العمدة فى ذلك على الحد الذي هو قول الحاد بلا دليل، وهو خبر واحد عن أمر عقلي لا حسى، يحتمل الصواب والخطأ والصدق والكذب. ثم يعيبون على من يعتمد على(١) الأمور السمعية على نقل الواحد الذي معه من القرائن ما يفيد المستمع العالم بها العلم اليقيني. زاعمين أن خبر الواحد لا يفيد العلم ، وخبر الواحد وإن لم يفد العلم ، لكن هذا بعينه قولهم فى الحد ، فانه خبر واحد لا دليل على صدقه . بل ولا يمكن عندهم إقامة الدليل على صدقه . فلم يكن الحد مفيداً لتصور المحدود . ولكن إن كان المستمع قد نصور المحدود قبل هذا أو تصوره معه أو بعده بدون الحد ، وعلم أن ذلك حده على صدقه فى حده ، وحينئذ فلا يكون الحد أفاد التصور وهذا بين . وتلخيصه أن تصور المحدود بالحد لا يمكن بدون العلم بصدق قول الحاد، وصدق قوله لا يعلم بمجرد الخبر ، فلا يعلم المحدود بالحد . ( الثالث ) : أن يقال : لو كان الحد مفيداً لتصور المحدود لم يحصل (١) هكذا وردت في المطبوع ولعل الصواب ( في ) ٩٢ ذلك إلا بعد العلم بصحة الحد . فإنه دليل التصور وطريقه وكاشفه ، فمن الممتنع أن يعلم المعرف المحدود قبل العلم بصحة المعرف ، والعلم بصحة الحد لا يحصل إلا بعد العلم بالمحدود. إذا لحد خبر عن مخبر [عنه]( هو المحدود. فمن الممتنع أن يعلم صحة الخبر وصدقه ، قبل تصور المخبر عنه من غير تقليد للخبر ، وقبول قوله فيما يشترك في العلم به المخبر والمخبر، ليس هو من باب الإخبار عن الأمور الغائبة . ( الرابع): أنهم يحدون المحدود بالصفات التى يسمونها الذاتية والعرضية، ويسمونها أجزاء الحد وأجزاء الماهية والمقومة لها والداخلة فيها، ونحو ذلك من العبارات فإن لم يعلم المستمع أن المحدود موصوف بتلك الصفات امتنع تصوره. وإن علم أنه موصوف بها كان قد تصوره بدون الحد . فثبت أنه على التقديرين لا يكون قد تصوره بالحد ، وهذا بين . فإنه إذا قيل: الإنسان هو الحيوان الناطق ولا يعلم أنه الإنسان احتاج إلى العلم بهذه النسبة؛ وإن لم يكن متصوراً لمسمى الحيوان الناطق احتاج إلى شيئين : تصور ذلك ، والعلم بالنسبة المذكورة، وإن عرف ذلك كان قد تصور الإنسان بدون الحد. نعم! الحد قد ينبه على تصور المحدود، كما ينبه الاسم؛ فإن الذهن قد يكون غافلاً عن الشيء، فإذا سمع اسمه وحده أقبل بذهنه إلى الشيء الذي أشير إليه بالاسم أو الحد . فيتصوره. فتكون فائدة الحد من جنس فائدة الاسم ، وتكون الحدود للأنواع بالصفات كالحدود (١) أضيفت حسب مفهوم السياق . ٩٣ للأعيان بالجهات. كما إذا قيل: حد الأرض من الجانب القبلي كذا ، ومن الجانب الشرقى كذا ، ميزت الأرض باسمها وحدها ، وحد الأرض يحتاج إليه إذا خيف من الزيادة فى المسمى أو النقص منه، فيفيد إدخال المحدود جميعه وإخراج ماليس منه كما يفيد الاسم ، وكذلك حد النوع ، وهذا يحصل بالحدود اللفظية تارة وبالوضعية أخرى. وحقيقة الحد فى الموضعين بيان مسمى الاسم فقط ، وتمييز المحدود عن غيره ؛ لاتصور المحدود . وإذا كان فائدة الحد بيان مسمى الاسم، والتسمية أمر لغوي وضعي ؛ رجع فى ذلك إلى قصد ذلك المسمى ولغته ؛ ولهذا يقول الفقهاء : من الأسماء ما يعرف حده بالشرع ، ومنها ما يعرف حده بالعرف . ومن هذا ((تفسير الكلام وشرحه)) إذا أريد به تبيين مراد المتكلم . فهذا يبنى على معرفة حدود كلامه؛ وإذا أريد به تبيين صحته وتقريره ، فإنه يحتاج إلى معرفة دليل بصحته . فالأول فيه بيان تصوير كلامه أو تصوير كلامه لتصوير مسميات الأسماء بالترجمة : تارة لمن يكون قد تصور المسمى، ولم يعرف أن ذلك اسمه، وتارة لمن لم يكن قد تصور المسمى فيشار إلى المسمى بحسب الإمكان إما إلى عينه، وإما إلى نظيره. ولهذا يقال : الحد تارة يكون الاسم ، وتارة يكون للمسمى . وأمّة المصفين في صناعة الحدود على طريقة المنطقيين يعترفون عند ٩٤ التحقيق بهذا، كما ذكره الغزالي فى ((كتاب المعيار)» الذي صنفه فى المنطق، وكذا يوجد فى كلام ابن سينا والرازي والسهروردي وفي غيرم: أن الحدود فائدتها من جنس فائدة الأسماء ، وأن ذلك من جنس الترجمة بلفظ عن لفظ . ومن هذا الباب ذكر غريب القرآن والحديث وغيرهما؛ بل تفسير القرآن وغيره من أنواع الكلام ، هو فى أول درجاته من هذا الباب ؛ فإن المقصود ذكر مراد المتكلم بتلك الأسماء، وبذلك الكلام . وهذا الحدثم متفقون على أنه من الحدود اللفظية ، مع أن هذا هو الذي يحتاج إليه فى إقراء العلوم المصنفة، بل فى قراءة جميع الكتب ؛ بل فى جميع أنواع المخاطبات. فإن من قرأ كتب النحو ، أو الطب، أو غيرهما لابد أن يعرف مراد أصحابها بتلك الأسماء ، ويعرف مرادم بالكلام المؤلف ، وكذلك من قرأ كتب الفقه والكلام والفلسفة وغير ذلك ، وهذه الحدود معرفتها من الدين فى كل لفظ هو فى كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ثم قد تكون معرفتها فرض عين، وقد تكون فرض كفاية ؛ ولهذا ذم الله تعالى من لم يعرف هذه الحدود بقوله: (الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرَا والذي أنزله على وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوْ حُدُودَ مَآ أَنْزَلَ اَللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ) رسوله فيه ماقد يكون الاسم ((غريباً)) بالنسبة إلى المستمع كلفظ: (ضِيرَى) و (قَسْوَرَة ) و (عَسْعَسَ) وأمثال ذلك. وقد يكون ((مشهوراً)) لكن لا يعلم حده، بل يعلم معناه على سبيل الإجمال؛ كاسم الصلاة ، والزكاة والصيام والحج ٩٥ فتبين أن تعريف الشىء إنما هو بتعريف عينه أو ما يشبه فمن عرف عين الشيء لا يفتقر فى معرفته إلى حد ، ومن لم يعرفه فإنما يعرف به إذا عرف ما يشبهه ولو من بعض الوجوه ، فيؤلف له من الصفات المشتبهة المشتركة بينه وبين غيره ما يخص المعرف، ومن تدقق هذا ، وجد حقيقته، وعلى معرفة الخلق ما أخبروا به من الغيب من الملائكة واليوم الآخر وما فى الجنة والنار من أنواع النعيم والعذاب. وبطل قولهم فى الحد . ( الخامس) ؛ أن التصورات المفردة يمتنع أن تكون مطلوبة ؛ فيمتنع أن يعلم بالحد ؛ لأن الذهن إن كان شاعراً بها امتنع الطلب، لأن تحصيل الحاصل متنع، وإن لم يكن شاعراً بها امتنع من النفس طلب مالا تشعر به، فإن الطلب والقصد مسبوق بالشعور . فإن قيل : فالإنسان يطلب تصور الملك والجن والروح وأشياء كثيرة ، وهو لايشعر بها . قيل: قد سمع هذه الأسماء. فهو يطلب تصور مسماها ؛ كما يطلب من سمع ألفاظاً لايفهم معانيها تصور معانيها . وهو إذا تصور مسمى هذه الأسماء فلا بد أن يعلم أنها مسماة بهذا الاسم إذ لو تصور حقيقة، ولم يكن ذلك الاسم فيها لم يكن تصور مطلوبه فهنا المتصور ذات وأنها مسماة بكذا، وهذا ليس تصوراً بالمعنى فقط ؛ بل للمعنى ولاسمه. وهذا لا ريب أنه يكون مطلوباً. ولكن لا يوجب أن يكون المعنى المفرد مطلوباً . ٩٦ و ( أيضاً ) فإن المطلوب هنا لا يحصل بمجرد الحد ؛ بل لابد من تعريف المحدود بالإشارة إليه أو غير ذلك ، مما لا يكتفى فيه بمجرد اللفظ. وإذا ثبت امتناع الطلب للتصورات المفردة، فإما أن تكون حاصلة للإنسان، فلا تحصل بالحد، فلا يفيد الحد التصور. وإما أن لا تكون حاصلة، فمجرد الحد لا يوجب تصور المسميات لمن لايعرفها، ومتى كان له شعور بها لم يحتج إلى الحد فى ذلك الشعور إلا من جنس ما يحتاج إلى الاسم. والمقصود هو التسوية بين فائدة الحد وفائدة الاسم . (السادس ): أن يقال : المفيد لتصور الحقيقة عندم هو الحد العام المؤلف من الذاتيات ؛ دون العرضيات . ومبنى هذا الكلام على الفرق بين الذاتى والعرضي. وهم يقولون: الذاتي ما كان داخل الماهية، والعرضي ما كان خارجا عنها . وقسموه إلى لازم للماهية، ولازم لوجودها . وهذا الكلام الذي ذكروه مبني على أصلين فاسدين : الفرق بين الماهية ووجودها، ثم الفرق بين الذاتى لها واللازم لها . (فالأصل الأول): قولهم: إن الماهية لها حقيقة ثابتة فى الخارج غير وجودها؛ وهذا شبيه بقول من يقول: المعدوم شيء؛ وهو من أفسد ما يكون ؛ وأصل خلالهم أنهم رأوا الشيء قبل وجوده يعلم ويراد ويميز بين المقدور عليه والمعجوز عنه ونحو ذلك. فقالوا: لو لم يكن ثابتاً لما كان كذلك. كما أنا نتكلم فى حقائق ٩٧ الأشياء التى هي ما هياتها مع قطع النظر عن وجودها فى الخارج فتخيل الغالط أن هذه الحقائق والماهيات أمور ثابتة في الخارج . والتحقيق: أن ذلك كله أمر ثابت في الذهن . والمقدر فى الأذهان أوسع من الموجود فى الأعيان . وهو موجود وثابت في الذهن ، وليس هو فى نفس الأمر لا موجوداً ولا ثابتاً ؛ فالتفريق بين الوجود [ والثبوت وكذلك التفريق بين الوجود ] والماهية ، مع دعوى أن كليها فى الخارج غلط عظيم . وهؤلاء ظنوا أن الحقائق النوعية كحقيقة الإنسان والفرس وأمثال ذلك ثابتة فى الخارج غير الأعيان الموجودة فى الخارج، وأنها أزلية لاتقبل الاستحالة وهذه التى تسمى: ((المثل الأفلاطونية)). ولم يقتصروا على ذلك؛ بل أثبتوا أيضاً ذلك فى المادة والماهية والمكان ، فأثبتوا مادة مجردة عن الصور ، ثابتة فى الخارج : وهي الهيولى الأولية التى بنوا عليها قدم العالم. وغلطهم فيها جمهور العقلاء. والكلام على من فرق بين الوجود والماهية مبسوط فى غير هذا الموضع . والمقصود هنا التنبيه على أن ما ذكروه فى المنطق من الفرق بين الماهية ووجودها فى الخارج هو مبنى على هذا الأصل الفاسد. وحقيقة الفرق الصحيح أن الماهية هي ما يرتسم فى النفس من الشيء ، والوجود ما يكون فى الخارج منه، ٩٨ وهذا فرق صحيح. فإن الفرق بين ما في النفس وما فى الخارج ثابت معلوم لا ريب فيه. وأما تقدير حقيقة لا تكون ثابتة فى العلم ولا فى الوجود فهو باطل . و ((الأصل الثاني)): وهو الفرق بين اللازم للماهية والذاتي لا حقيقة له، فإنه إن جعلت الماهية التى فى الخارج مجردة عن الصفات اللازمة، وأمكن أن يجعل الوجود الذي فى الخارج مجرداً عن هذه الصفات اللازمة وإن جعل هذا هو نفس الماهية بلوازمها، كان هذا بمنزلة أن يقال: هذا «الوجود بلوازمه)) وهما باطلان ، فإن الزوجية والفردية للعدد مثلاً ، مثل الحيوانية والنطق للإنسان. وكلاهما إذا خطر بالبال منه الموصوف مع الصفة لم يمكن تقدير الموصوف دون الصفة، وما ذكروه من أن ما جعلوه هو الذاتي يتقدم بصورة في الذهن . فباطل من وجهين : (أحدهما) أن هذا خبر عن وضعهم ، إذ هم يقدمون هذا فى أذهانهم ويؤخرون هذا ، وهذا حكم محض . وكل من قدم هذادون ذا ، فإنما قلدم فى ذلك. ومعلوم أن الحقائق الخارجية المستغنية عنا لا تكون تابعة لتصوراتنا ، فليس إذا فرضنا هذا مقدماً، وهذا مؤخراً، يكون هذا فى الخارج كذلك . وسائر بني آدم الذين يقلدونهم فى هذا الموضع لا يستحضرون هذا التقديم ٩٩ والتأخير ، ولو كان هذا فطرياً كانت الفطرة تدر كه بدون التقليد، كماندرك سأر الأمور الفطرية . والذي فى الفطرة أن هذه اللوازم كلها لوازم للموصوف وقد يخطر بالبال ؛ وقد لا يخطر . أما أن يكون هذا خارجاً عن الذات ، وهذا داخلاً في الذات . فهذا تحکم محض ليس له شاهد لا فى الخارج ولا فى الفطرة . و (الثاني ): أن كون الوصف ذاتياً للموصوف: هو أمر تابع لحقيقته التى هو بها سواء تصورته أذهاننا ، أو لم تتصوره . فلا بد إذا كان أحد الوصفين ذاتياً دون الآخر أن يكون الفرق بينهما أمراً يعود إلى حقيقتها الخارجة الثابتة بدون الذهن. وإما أن يكون بين الحقائق الخارجة ما لا حقيقة له إلا مجرد التقدم والتأخر فى الذهن ، فهذا لا يكون إلا أن تكون الحقيقة والماهية هي ما يقدر فى الذهن لا ما يوجد فى الخارج . وذلك أمر يتبع تقدير صاحب الذهن . وحينئذ فيعود حاصل هذا الكلام إلى أمور مقدرة فى الأذهان لا حقيقة لها فى الخارج وهى التخيلات والتوهمات الباطلة ، وهذا كثير فى أصولهم . ( السابع) : أن يقال: هل يشترطون فى الحد التام وكونه يفيد تصور الحقيقة أن تتصور جميع صفاته الذاتية المشتركة بينه وبين غيره أم لا ؟. فإن شرطوا، لزم استيعاب جميع الصفات. وإن لم يشترطوا واكتفوا بالجنس القريب دون غيره فهو بحكم محض، وإذا عارضهم من يوجب ذكر جميع ١٠٠