Indexed OCR Text
Pages 21-40
الصناعة المنطقية واصطلاح أهلها . وكذلك مايصح من العلوم الطبيعية الكلية ، والطبية، نجد الحاذقين فيها لم يستعينوا عليها بشيء من صناعة المنطق ، بل إمام صناعة الطب بقراط: له فيها من الكلام الذي تلقاه أهل الطب بالقبول ووجدوا مصداقه بالتجارب، وله فيها من القضايا الكلية التى هي عند عقلاء بني آدم من أعظم الأمور ، ومع هذا فليس هو مستعيناً بشيء من هذه الصناعة، بل كان قبل واضعها. وهم وإن كان العلم الطبيعي عندهم أعلم وأعلى من علم الطب فلا ريب أنه متصل به. فبالعلم بطبائع الأجسام المعينة المحسوسة تعلم طبائع سائر الأجسام ، ومبدأ الحركة والسكون الذي فى الجسم. ويستدل بالجزء على الكل ، ولهذا كثيراً مايتناظرون فى مسائل ، ويتنازع فيها هؤلاء وهؤلاء ، كتناظر الفقهاء والمتكلمين فى مسائل كثيرة تتفق فيها الصناعتان ، وأولئك يدعون عموم النظر، ولكن الخطأ والغلط عند المتكلمين والمتفلسفة أكثر مما هو عند الفقهاء والأطباء، وكلامهم وعلمهم أنفع ، وأولئك أكثر ضلالا وأقل نفعاً ، لأنهم طلبوا بالقياس مالا يعلم بالقياس، وزاحموا الفطرة والنبوة مزاحمة أوجبت من مخالفتهم للفطرة والنبوة ماصاروا به من شياطين الإنس والجن الذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ، بخلاف الطب المحض فإنه علم نافع ، وكذلك الفقه المحض . وأما علم مابعد الطبيعة - وإن كانوا يعظمونه ، ويقولون : هو الفلسفة الأولى، وهو العلم الكلي الناظر فى الوجود ولواحقه، ويسميه متأخروم العلم ٢١ الإلهي، وزعم المعلم الأول لهم: أنه غاية فلسفتهم ونهاية حكمتهم - فالحق فيه من المسائل قليل نزر ، وغالبه علم بأحكام ذهنية لاحقائق خارجية. وليس على أكثره قياس منطقي . فإن الوجود المجرد والوجوب والإمكان والعلة المجردة والمعلول، وانقسام ذلك إلى جزء الماهية، وهو المادة والصورة ؛ وإلى على وجودها . وهما الفاعل والغاية ؛ والكلام فى انقسام الوجود إلى الجواهر والأعراض التسعة؛ التى هي: الكم والكيف والإضافة والأين ومتى والوضع والملك؛ وأن يفعل وأن ينفعل ؛ كما أنشد بعضهم فيها : زيد الطويل الأسودا بن مالك فى داره بالأمس كان يتكي فى بده سيف نضاه فانتضى فهذه عشر مقولات سوا ليس عليها ولا على أقسامها قياس منطقى ؛ بل غالبها مجرد استقراء قد نوزع صاحبه فی کثیر منه . فإذا كانت صناعتهم بين علوم لا يحتاج فيها إلى القياس المنطقى . وبين مالا يمكنهم أن يستعملوا فيه القياس المنطقي : كان عديم الفائدة فى علومهم ، بل كان فيه من شغل القلب عن العلوم والأعمال النافعة ماضر كثيراً من الناس ٢٢ كما سد على كثير منهم طريق العلم، وأوقعهم فى أودية الضلال والجمل، فما الظن بغير علومهم من العلوم التى لا تحد الأولين والآخرين . وأيضاً لا يجد أحداً من أهل الأرض حقق علماً من العلوم وصار إماماً فيه مستعيناً بصناعة المنطق ، لا من العلوم الدينية ولا غيرها، فالأطباء والحساب والكتاب ونحوم يحققون ما يحققون من علومهم وصناعاتهم بغير صناعة المنطق . وقد صنف فى الإسلام علوم النحو واللغة والعروض والفقه وأصوله والكلام وغير ذلك . وليس فى أئمة هذه الفنون من كان يلتفت إلى المنطق ، بل عامتهم كانوا قبل أن يعرب هذا المنطق اليوناني . وأما العلوم الموروثة عن الأنبياء صرفاً، وإن كان الفقه وأصوله متصلا بذلك فهي أجل وأعظم من أن يظن أن لأهلها التفاتا الى المنطق ، إذ ليس فى القرون الثلاثة من هذه الأمة - التى هي خير أمة أخرجت للناس وأفضلها القرون الثلاثة - من كان يلتفت إلى المنطق أو يعرج عليه، مع أنهم في تحقيق العلوم وكمالها بالغاية التى لا يدرك أحد شأوها ، كانوا أعمق الناس علماً ، وأقلهم تكلفاً، وأبرم قلوباً . ولا يوجد لغيرهم كلام فيما تكلموا فيه إلا وجدت بين الكلامين من الفرق أعظم مما بين القدم والفرق ، بل الذي وجدناه بالاستقراء أن من المعلوم : أن من الخائضين فى العلوم من أهل هذه ٢٣ الصناعة أكثر الناس شكا واضطراباً، وأقلهم علماً وتحقيقاً، وأبعدهم عن تحقيق علم موزون ، وإن كان فيهم من قد يحقق شيئاً من العلم . فذلك لصحة المادة والأدلة التى ينظر فيها ، وصحة ذهنه وإدراكه ، لا لأجل المنطق. بل إدخال صناعة المنطق فى العلوم الصحيحة يطول العبارة ويبعد الإشارة ، ويجعل القريب من العلم بعيداً ، واليسير منه عسيراً. ولهذا تجد من أدخله فى الخلاف والكلام وأصول الفقه وغير ذلك ، لم يفد إلا كثرة الكلام والتشقيق ؛ مع قلة العلم والتحقيق. فعلم أنه من أعظم حشو الكلام ، وأبعد الأشياء عن طريقة ذوي الأحلام . نعم لا ينكر أن في المنطق ما قد يستفيد ببعضه من كان فى كفر وضلال ، وتقليد ، ممن نشأ بينهم من الجهال ، كعوام النصارى واليهود والرافضة ونحوهم ، فأورثهم المنطق ترك ماعليه أولئك من تلك العقائد. ولكن بصير غالب هؤلاء مداهنين لعوامهم ، مضلين لهم عن سبيل الله، أو يصيرون منافقين زنادقة ، لا يقرون بحق ولا بباطل ، بل يتر كون الحق كما تركوا الباطل . فأذكياء طوائف الضلال إما مضللون مداهنون ، وإما زنادقة منافقون لايكاد يخلو أحد منهم عن هذين ، ٢٤ فأما أن يكون المنطق وقفهم على حق يهتدون به : فهذا لايقع بالمنطق . ففى الجملة : ما يحصل به لبعض الناس من شحذ ذهن ، أو رجوع عن باطل أو تعبير عن حق: فإنما هو لكونه كان فى أسوأ حال، لا لما فى صناعة المنطق من الكمال . ومن المعلوم : أن المشرك إذا مجس ، والمجوسى إذا تهود : حسنت حاله بالنسبة إلى ما كان فيه قبل ذلك . لكن لا يصلح أن يجعل ذلك عمدة لأهل الحق المبين . وهذا ليس مختصاً به . بل هذا شأن كل من نظر فى الأمور التى فيها دقة ولها نوع إحاطة، كما تجد ذلك فى علم النحو. فإنه من المعلوم أن لأهله من التحقيق والتدقيق والتقسيم والتحديد ما ليس لأهل المنطق ، وأن أهله يتكلمون فى صورة المعانى المعقولة على أكمل القواعد . فالمعاني فطرية عقلية لا تحتاج إلى وضع خاص ، بخلاف قوالبها التى هي الألفاظ ، فإنها تتنوع، فمتى تعلموا أكمل الصور والقوالب للمعاني مع الفطرة الصحيحة كان ذلك أكمل وأنفع وأعون على تحقيق العلوم من صناعة اصطلاحية في أمور فطرية عقلية لا يحتاج فيها إلى اصطلاح خاص . هذا العمري عن منفعته فى سائر العلوم . ٢٥ وأما منفعته فى على الإسلام خصوصاً : فهذا أبين من أن يحتاج إلى بيان. ولهذا تجد الذين اتصلت إليهم علوم الأوائل ، فصاغوها بالصيغة العربية بعقول المسلمين جاء فيها من الكمال والتحقيق والإحاطة والاختصار مالا يوجد في كلام الأوائل ، وإن كان في هؤلاء المتأخرين من فيه نفاق وضلال لكن ، عادت عليهم فى الجملة بركة ما بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم من جوامع الكلم وما أوتيته أمته من العلم والبيان الذي لم يشركها فيه أحد . وأيضاً فإن صناعة المنطق وضعها معلمهم الأول : أرسطو صاحب التعاليم التى لمبتدعة الصابئة يزن بها ما كان هو وأمثاله يتكلمون فيه من حكمتهم وفلسفتهم ، التى هي غابة كمالهم . وهي قسمان : نظرية وعملية . فأصح النظرية .. وهي المدخل إلى الحق - هي الأمور الحسابية الرياضية. وأما العملية : فإصلاح الخلق والمنزل والمدينة . ولا ريب أن فى ذلك من نوع العلوم والأعمال الذي يتميزون بها عن جهال بني آدم الذين ليس لهم كتاب منزل ولا نبي مرسل ما يستحقون به التقدم على ذلك . وفيه من منفعة صلاح الدنيا وعمارتها ما هو داخل فى ضمن ما جاءت به الرسل . وفيها أيضاً من قول الحق واتباعه والأمر بالعدل والنهى عن الفساد : ما هو داخل فى ضمن ما جاءت به الرسل . ٢٦ فهم بالنسبة إلى جمال الأمم كبادية الترك ونحوم أمثل إذا خلوا عن ضلالهم ، فأما مع ضلالهم فقد يكون الباقون على الفطرة من جهال بني آدم أمثل منهم . فأما أضل أهل الملل - مثل جهال النصارى وسامرة اليهود - فهم أعلم منهم وأهدى وأحكم وأتبح للحق . وهذا قد بسطته بسطاً كثيراً في غير هذا الموضع . وإنما المقصود هنا : بيان أن هذه الصناعة قليلة المنفعة عظيمة الحشو . وذلك أن الأمور العملية الخلقية قل أن ينتفع فيها بصناعة المنطق . إذ القضايا الكلية الموجبة - وإن كانت توجد فى الأمور العملية . لكن أهل السياسة لنفوسهم ولأهلهم ولملكهم ، إنما ينالون تلك الآراء الكلية من أمور لايحتاجون فيها إلى المنطق ، ومتى حصل ذلك الرأي كان الانتفاع به بالعمل . ثم الأمور العملية لاتقف على رأي كلي ، بل متى على الإنسان انتفاعه بعمل عمله ، وأي عمل تضرر به تركه . وهذا قد يعلمه بالحس الظاهر أو الباطن لا يقف ذلك على رأي كلي . فعلم أن أكثر الأمور العملية لا يصح استعمال المنطق فيها . ولهذا كان ٢٧ . المؤدبون لنفوسهم ولأهلهم ، السائسون لملكهم لايزنون آراءهم بالصناعة المنطقية ، إلا أن يكون شيئاً يسيراً ، والغالب على من يسلكه : التوقف والتعطيل . ولو كان أصحاب هذه الآراء تقف معرفتهم بها واستعمالهم لها على وزنها بهذه الصناعة لكان تضررهم بذلك أضعاف انتفاعهم به ، مع أن جميع ما يأمرون به من العلوم والأخلاق والأعمال لا تكفى فى النجاة من عذاب الله ، فضلا عن أن يكون محصلا لنعيم الآخرة قال تعالى: (حَتَّ إِذَا آدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَنُهُمْ لِأُولَئُهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّوْنَا فَكَاتِهِمْ عَذَا بَاضِعْفًا مِّنَ النَّارِقَالَ لِكُلِّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لََّنَعْلَمُونَ) كذلك قال: ( أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ اُلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُّوْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَءَاثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَآ أَغْنَى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ - إلى قوله - الْكَفِرُونَ ). فأخبر هنا بمثل ما أخبر به فى الأعراف : أن هؤلاء المعرضين عما جاءت به الرسل لما رأوا بأس الله وحدوا الله ، وتركوا الشرك فلم ينفعهم ذلك . وكذلك أخبر عن فرعون - وهو كافر بالتوحيد وبالرسالة - أنه لما أدركه الغرق قال: (ءَامَنْتُ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ الَّذِىّءَامَنَتْ ◌ِ بَنُواْإِسْرَّهِيلَ وَأَنَاْ مِنَ اُلْمُسْلِمِينَ ) قال الله: (ءَالْكَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَّكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) وقال ٢٨ تعالى: (وَإِذْأَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّءَآدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَّكُمْ قَالُواْبَلَى شَهِدْنَاْ أَن تَقُولُوْيَوْمَ الْقِيَمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِينَ * أَوْنَقُولُواْ إِنَّا أَشْرَكَ ءَآبَا ؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّاذُرِّيَّةً مِّنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَاِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ) وقال تعالى: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُأْ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوجِ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُمْ إِلَّ اللَّهُ جَاءَ تْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ فَرَدُّوْأَيْدِيَهُمْ فِ أَفْوَهِهِمْ قَالَتْ وَقَالُوْإِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِ، وَإِنَّالَفِى شَاِّ مِّمَّاتَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ رُسُلُهُمْ أَفِ اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَاُلْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّىَّ قَالُواْإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ،َابَآؤُنَا فَأَتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ). وهذا فى القرآن فى مواضع أخر : يبين فيها أن الرسل كلهم أمروا بالتوحيد بعبادة الله وحده لا شريك له ، ونهوا عن عبادة شيء من المخلوقات سواه، أو اتخاذه إلهاً؛ ويخبر أن أهل السعادة م أهل التوحيد ، وأن المشركين هم أهل الشقاوة. وذكر هذا عن عامة الرسل ، ويبين أن الذين لم يؤمنوا بالرسل مشركون. فعلم أن التوحيد والإيمان بالرسل متلازمان. وكذلك الإيمان باليوم الآخر هو والإيمان بالرسل متلازمان . فالثلاثة متلازمة. ولهذا يجمع بينها فى مثل ( وَلَا تَنَّبِعْ أَهْوَآءَ الَّذِينَ كَذَّبُواْبِعَايَتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قوله : ٢٩ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ) ولهذا أخبر أن الذين لا يؤمنون بالآخرة مشركون فقال تعالى: ( وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ أَشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَأَ يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ ). وأخبر عن جميع الأشقياء : أن الرسل أنذرتهم باليوم الآخر ، كما قال تعالى: (كُلَّمَا أُلِىَ فِيهَا فَوٌَّ سَأَمْ خَُهَا أَمْ يَأْتِّكُونَدِيرٌ * قَالُواْبَلَى قَدْجَاءَنَانَذِبٌ فَكَّبْنَا وَقُلْنَامَانَزَّلَ اللَّهُ مِن شَىْءٍإِنْ أَنْتُمْ إِلَّ فِ ضَلِ كَبِيرٍ ) فأخبر أن الرسل أنذرتهم . ، وأنهم كذبوا بالرسالة . وقال تعالى: (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرَا حَتَّى إِذَاجَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَبُهَا ) الآية . فأخبر عن أهل النار: أنهم قد جاءتهم الرسالة، وأنذروا باليوم الآخر . وقال تعالى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَمَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اُسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الْإِنسِّ وَقَالَ أَوْ لِيَآؤُهُمْ مِّنَ آلْإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَنَا الَّذِىَّ أَجَّلْتَ لَنََّقَالَ النَّارُ وَكَذَلِكَ نُوَلِ بَعْضَ * مَثْوَنَكُمْ خَلِينَ فِيهَاْ إِلَّا مَا شَآءَ اللَّهُإِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ الظَّالِمِينَ بَعْضَا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ * يَمَعْشَرَ الْجِنّ وَالإِنسِ - إلى قوله - وَشَهِدُ واْعَ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَفِرِينَ ) الآية . فأخبر عن جميع الجن والإنس : أن الرسل بلغتهم رسالة الله، وهي آياته ٣٠ قُلْ هَلْ نُنَّئَّكُ بِالْأَخْسَرِينَ وأنهم أنذروم اليوم الآخر، وكذلك قال: ( أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ - إلى قوله - أَعْمَلَا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا بَِايَتِ رَبِّهِمْ وَلِقَآبِهِ، ). فأخبر أنهم كفروا بآياته، وهي رسالته، وبلقائه وهو اليوم الآخر . وقد أخبر أيضاً فى غير موضع بأن الرسالة عمت بني آدم، وأن الرسل جاءوا مبشرين ومنذرين، كما قال تعالى: ( إِنَّا أَرْسَلْنَكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنِ مِّنْ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْ حَيْنَا إِلَى نُوحِ ) وقال تعالى: ( أُمَّةٍ إِلَّاخَلَافِيَهَانَذِرٌ وَالنَّبِيِّنَ مِنْ بَعْدِهِ، - إلی قوله -. وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ) وقال تعالى: ( وَمَا نُرْسِلُ اَلْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينٌّ فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ ). فأخبر يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُواْبِثَايَتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ أن من آمن بالرسل وأصلح من الأولين والآخرين فلا خوف عليهم ولا م يحزنون. وقال تعالى ( قُلْنَا أَهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِى هُدِّى فَمَن تَبِعَ هُدَاىَ فَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ ) ومثل ذلك قوله: (إِنَّالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ - إلى قوله - فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَرَبِّهِمْ ) الآية. فذكر أن المؤمنين بالله وباليوم الآخر من هؤلاء م أهل النجاة والسعادة، وذ كر فى تلك الآية الإيمان بالرسل ، وفى هذه الإيمان باليوم الآخر ، لأنها ٣١ متلازمان ، وكذلك الإيمان بالرسل كلهم متلازم. فمن آمن بواحد منهم فقد آمن بهم كلهم، ومن كفر بواحد منهم فقد كفر بهم كلهم، كما قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ - إلى قوله - أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ حَقًّا) الآية والتى بعدها . فأخبر أن المؤمنين بجميع الرسل م أهل السعادة ، وأن المفرقين بينهم بالإيمان ببعضهم دون بعض م الكافرون حقاً . وقال تعالى: (وَكُلَ إِنَسَنٍ أَلْزَّمْنَهُ طَهِرَهُ فِىِ عُنُقِهِ، وَتُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيْمَةِ كِتَبًا مَّنِ أَهْتَدَى أَقْرَأْ كِتَبَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِبًا * يَلْقَنَهُ مَنْشُورًا فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ، وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىْ وَمَا كُنَا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبَّعَثَ رَسُولًا ). فهذه الأصول الثلاثة: توحيد الله، والإيمان برسله، وباليوم الآخر - هي أمور متلازمة . والحاصل: أن توحيد الله والإيمان برسله واليوم الآخر هي أمور متلازمة مع العمل الصالح. فأهل هذا الإيمان والعمل الصالح : هم أهل السعادة من الأولين والآخرين، والخارجون عن هذا الإيمان: مشركون أشقياء. فكل من كذب الرسل فلن يكون إلا مشركاً ، وكل مشرك مكذب للرسل، وكل مشرك وكافر بالرسل فهو كافر باليوم الآخر ، وكل من كفر باليوم الآخر فهو كافر بالرسل وهو مشرك ؛ ولهذا قال سبحانه وتعالى: ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِّ ٣٢ عَدُوًّا شَيَطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْشَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوَةٌ فَذَرْهُمْ وَمَا يَقْتَرُونَ * وَلِنَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَاهُمْ مُقْتَرِفُونَ ) . فأخبر أن جميع الأنبياء لهم أعداء ، وم شياطين الإنس والجن، يوحي بعضهم إلى بعض القول المزخرف ، وهو المزين المحسن، يغررون به . والغرور: هو التلبيس والتمويه. وهذا شأن كل كلام وكل عمل يخالف ما جاءت به الرسل من أمر المتفلسفة والمتكلمة وغيرهم من الأولين والآخرين ، ثم قال : (وَلِنَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرَضَوْهُ) فأخبر أن كلام أعداء الرسل تصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة. فعلم أن مخالفة الرسل وترك الإيمان بالآخرة متلازمان، فمن لم يؤمن بالآخرة أصغى إلى زخرف أعدائهم، مخالف الرسل ، كما هو موجود فى أصناف الكفار والمنافقين فى هذه الأمة. وقال تعالى: ( وَلَقَدْ جِئْنَهُمْ بِكِتَبٍ فَصَّلْنَهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَةً يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْجَآءَتْ رُسُلُ رَيِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُواْلَنَا ) - الآية. فأخبر أن الذين تركوا اتباع الكتاب - وهو الرسالة - يقولون إذا جاء تأويله - وهو ما أخبر به - : جاءت رسل ربنا بالحق. وهذا كقوله: ( وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّلَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَفَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ كَذَلِكَ أَنْتَّكَ * قَالَ رَبّ لِمَحَشَرْ تَنِي أَعْمَى وَقَدْكُنْتُ بَصِيرًا أَعْمَى ٣٣ ءَتُنَ فَسِنَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَنُسَى ) أخبر أن الذين تركوا اتباع آياته يصيبهم ما ذكرنا. فقد تبين أن أصل السعادة وأصل النجاة من العذاب هو توحيد الله بعبادته وحده لا شريك له، والإيمان برسله واليوم الآخر ، والعمل الصالح . وهذه الأمور ليست فى حكمتهم وفلسفتهم المبتدعة ، ليس فيها الأمر بعبادة الله وحده والنهي عن عبادة المخلوقات. بل كل شرك فى العالم إنما حدث برأي جنسهم، إذ بنوه على ما فى الأرواح والأجسام من القوى والطبائع ، وإن صناعة الطلاسم والأصنام والتعبد لها يورث منافع ويدفع مضار. فهم الآمرون بالشرك والفاعلون له. ومن لم يأمر بالشرك منهم فلم ينه عنه ، بل يقر هؤلاء وهؤلاء، وإن رجح الموحدون ترجيحاً ما. فقد يرجح غيره المشركين. وقد يعرض عن الأمرين جميعاً. فتدبر هذا فإنه نافع جداً . ولهذا كان رؤوسهم المتقدمون والمتأخرون يأمرون بالشرك. فالأولون يسمون الكواكب الآلهة الصغرى ، ويعبدونها بأصناف العبادات . كذلك كانوا فى ملة الإسلام لا ينهون عن الشرك ويوجبون التوحيد ؛ بل بسوغون الشرك أو يأمرون به، أو لا يوجبون التوحيد . ٣٤ وقد رأيت من مصنفاتهم فى عبادة الكواكب والملائكة وعبادة الأنفس المفارقة - أنفس الأنبياء وغيرهم - ما هو أصل الشرك. وثم إذا ادعوا التوحيد فإنما توحيدم بالقول ؛ لا بالعبادة والعمل. والتوحيد الذي جاءت به الرسل لا بد فيه من التوحيد بإخلاص الدين لله. وعبادتهوحده لا شريك له. وهذا شيء لا يعرفونه. والتوحيد الذي يدعونه: إنما هو تعطيل حقائق الأسماء والصفات ، وفيه من الكفر والضلال ما هو من أعظم أسباب الإشراك . فلو كانوا موحدين بالقول والكلام - وهو أن يصفوا اللّه بما وصفته به رسله - لكان معهم التوحيد دون العمل. وذلك لا يكفي فى السعادة والنجاة، بل لا بد من أن يعبد الله وحده ويتخذ إلهاً ؛ دون ما سواه. وهو معنى قول : ((لا إله إلا الله)) فكيف وم فى القول والكلام معطلون جاحدون ؛ لا موحدون ولا مخلصون؟ . وأما الإيمان بالرسل : فليس فيه للمعلم الأول وذويه كلام معروف . والذين دخلوا في الملل منهم آمنوا ببعض صفات الرسل وكفروا ببعض . وأما اليوم الآخر: فأحسنهم حالاً من يقر بمعاد الأرواح دون الأجساد. ٣٥ ومنهم من ينكر المعادين جميعاً. ومنهم من يقر بمعاد الأرواح العالمة دون الجاهلة. وهذه الأقوال الثلاثة لمعلمهم الثاني أبي نصر الفارابي. ولهم فيه من الاضطراب ما يعلم به أنهم لم يهتدوا فيه [إلى] الصواب. وقد أضلوا بشبهاتهم من المنتسبين إلى الملل من لا يحصى عدده إلا الله. فإذا كان ما به تحصل السعادة والنجاة من الشقاوة ليس عنده أصلاً ، كان ما يأمرون به من الأخلاق والأعمال والسياسات كما قال الله تعالى: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَاوَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَفِلُونَ ) . وأما ما يذكرونه من العلوم النظرية: فالصواب منها منفعته فى الدنيا . وأما ((العلم الإلهي)» فليس عندم منه ما تحصل به النجاة والسعادة، بل وغالب ما عندهم منه ليس بمتيقن معلوم، بل قد صرح أساطين الفلسفة : أن العلوم الإلهية لا سبيل فيها إلى اليقين، وإنما يتكلم فيها بالأحرى والأخلق ؛ فليس معهم فيها إِلا الظن ( وَإِنَّالظَّنَّلَيُغْنِى مِنَ الْحَقِّشَيْئًا ) ولهذا يوجد عندم من المخالفة للرسل أمر عظيم باهر ، حتى قيل مرة لبعض الأشياخ الكبار ممن يعرف الكلام والفلسفة والحديث وغير ذلك: ما الفرق الذي بين الأنبياء والفلاسفة؟ فقال: السيف الأحمر . يريد أن الذي يسلك طريقتهم يريد أن يوفق بين ما يقولونه وبين ما جاءت به الرسل، فيدخل من السفسطة والقرمطة فى أنواع من المحال الذي لا يرضاه عاقل ، كما فعل أصحاب رسائل إخوان الصفا وأمثالهم . ومن هنا ٣٦ ضلت القرامطة والباطنية ومن شاركهم فى بعض ذلك . وهذا باب يطول وصفه ليس الغرض هنا ذكره. وإنما ( الغرض ) أن معلمهم وضع منطقهم ليزن به ما يقولونه من هذه الأمور التى يخوضون فيها ، والتى هي قليلة المنفعة . وأكثر منفعتها : إنما هي فى الأمور الدنيوية وقد يستغنى عنها فى الأمور الدنيوية أيضاً . فأما أن يوزن بهذه الصناعة ما ليس من علومهم وما هو فوق قدره ، أو يوزن بها ما يوجب السعادة والنعيم والنجاة من العذاب الأليم : فهذا أمر ليس هو فيها و (قَدْجَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍقَدْرًا ). والقوم، وإن كان لهم ذكاء وفطنة؛ وفيهم زهد وأخلاق ـ فهذا القدر لا يوجب السعادة والنجاة من العذاب ، إلا بالأصول المتقدمة : من الإيمان بالله وتوحيده ، وإخلاص عبادته ؛ والإيمان برسله واليوم الآخر ؛ والعمل الصالح . وإنما قوة الذكاء بمنزلة قوة البدن وقوة الإرادة . فالذى يؤنى فضائل علمية وإرادية بدون هذه الأصول يكون بمنزلة من بؤتى قوة فى جسمه وبدنه بدون هذه الأصول . وأهل الرأي والعلم بمنزلة أهل الملك والإمارة . وكل من هؤلاء ٣٧ وهؤلاء لا ينفعه ذلك شيئاً إلا أن يعبد الله وحده لا شريك له ؛ ويؤمن برسله وباليوم الآخر . وهذه الأمور متلازمة . فمن عبد الله وحده لزم أن يؤمن برسله ويؤمن باليوم الآخر ؛ فيستحق الثواب وإلا كان من أهل الوعيد يخلد فى العذاب، هذا إذا قامت عليه الحجة بالرسل . ولما كان كل واحد من أهل الملك والعلم قد يعارضون الرسل وقد يتابعونهم ؛ ذكر الله ذلك في كتابه فى غير موضع . فذكر فرعون ؛ والذي حاج إبراهيم فى ربه لما آتاه الله الملك، والملأمن قوم نوح، وعاد وغيرهم من المستكبرين المكذبين للرسل ، وذكر قول علمائهم ، كقوله : ( فَلَمَّاجَآءَ تْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ فَرِحُواْبِمَا عِندَهُم مِّنَالْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ فَلَمَّا رَأَوْ بَأْسَنَاقَالُوَاْءَامَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ، وَكَفَرْنَابِمَا كُنَابِهِ، * بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَنُهُمْ لَمَّا رَأَوْبَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِى قَدْ خَلَتْ فِىِعِبَادِهِ. مُشْرِكِينَ * وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَفِرُونَ ) وقال تعالى: (مَايُجَدِلُ فِىّءَايَتِ اللَّهِ إِلَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَ يَغْرُرُكَ تَقَلُّبُهُمْ فِىِ اَلْبِلَدِ * كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوجِ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمِّ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةِ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَدَلُواْ بِالْبَطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذَّتُهُمّ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابٍ - إلى قوله - الَّذِينَ يُجَدِلُونَ فِىّءَايَتِ اللَّهِ بِغَيْرِسُلْطَانٍ أَتَمَهُمِّ كَبُرَ مَقْنَا عِندَاللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَبِ جَبَّارٍ ) والسلطان هو الوحي المنزل من عند الله، كما ذكرذلك فى غير ٣٨ موضع، كقوله: ( أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ بَنَّكَلَمُ بِمَا كَانُوْيِهِ يُشْرِكُونَ ( وقوله: (مَّآ أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ) وقال ابن عباس ((كل سلطان في القرآن فهو الحجة)) ذكره البخاري فى صحيحه . وقد ذكر في هذه السورة (( سورة حم غافر)) من حال مخالفي الرسل من الملوك والعلماء مثل مقول الفلاسفة وعلمائهم ومجادلتهم واستكبارهم ما فيه عبرة: مثل قوله : (إِنَّالَّذِينَ يُحَدِّلُونَ فِىّءَايَتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَمُهُمْ إِنِ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّ كِبْرٌ مَّاهُم بِبَلِغِيهِ) ومثل قوله: (أَلَمْتَرَ إِلَى الَّذِينَ ج يُجَدِلُونَ فِىّءَايَتِ اللَّهِأَنَّى يُصْرَفُونَ * الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِالْكِتَبِ وَبِمَآ أَرْسَلْنَابِهِ، رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِالْأَغْلَلُ فِي أَعْنَقِهِمْ وَالسَّلَسِلُ يُسْحَبُونَ * فِ اَلْحَمِيمِ ثُمَّ فِى النَّارِ يُسْجَرُونَ - إلى قوله - ذَلِكُمُ بِمَا كُمْ تَفْرَحُونَ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَاكُنتُمْ تَمْرَحُونَ ) وختم السورة بقوله تعالى: (فَلَمَّاجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبِيِّنَتِ فَرِحُواْبِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ ). وكذلك فى سورة الأنعام والأعراف وعامة السور المكية ، وطائفة من السور المدنية ، فإنها تشتمل على خطاب هؤلاء وضرب الأمثال والمقاييس لهم، وذكر قصصهم وقصص الأنبياء وأنباءهم معهم . فقال سبحانه : ( وَلَقَدْ مَكَّتَهُمْ فِيمَآ إِن ◌َّكَّتَكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَرًا وَأَفْئِدَةَ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ ٣٩ وَلَآ أَبْصَرُهُمْ وَلَآ أَفْئِدَتُهُم مِّن شَىْءٍ إِذْ كَانُواْ بَحْحَدُونَ بِثَايَتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْبِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ ) فأخبر بما مكنهم فيه من أصناف الإدراكات والحركات . وأخبر أن ذلك لم يغن عنهم حيث جحدوا بآيات الله ، وهي الرسالة التى بعث بها رسله . ولهذا حدثني ابن الشيخ الحصيري عن والده الشيخ الحصري - شيخ الحنفية فى زمنه - قال : كان فقهاء بخارى يقولون فى ابن سينا : كان كافراً ذكياً . أَوَّلَمْ يَسِيرُواْ فِى الْأَرْضِ فَيَنَظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ وقال الله تعالی: ( الَّذِينَ كَانُوْ مِن قَبْلِهِتَّ كَانُواْهُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَءَاثَارَا فِى الْأَرْضِ ) الآية والقوة تعم قوة الادراك النظرية وقوة الحركة العملية . وقال فى الآية الأخرى : كَانُواْأَكْثَر مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَءَاثَارًا فِى الْأَرْضِ ) فأخبر بفضلهم فى الكم ) والكيف، وأنهم أشد فى أنفسهم وفى آثارهم فى الأرض . وقال تعالى: (فَمَآ أَغْنَى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ * فَمَّاجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيْنَتِ فَرِحُواْ وقال تعالى : بِمَاعِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَافَ بِهِم مَّا كَانُواْبِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ) (وَعْدَ اللَّهِ لَ يُخْلِفُ اَللّهُ وَعْدَهُ, وَلَكِنَّأَ كْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا اَللَّهُ يَبْدَؤُأْ الْخَلْقَ ثُمَ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ -إلی قوله- وَهُمْ عَن ◌ْآَخِرَةِ هُمْ غَفِلُونَ تُرْجَعُونَ ) . وقال تعالى: (فَقَدْكَذَّبُواْبِأُلْحَقِّ لَمَّاجَآءَ هُمِّ فَسَوْفَ يَأْتِهِمْ أَنْبَوُاْ مَا كَانُواْبِهِ، يَسْتَهْزِءُ ونَ - إلى قوله - وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنَا ءَآخَرِينَ). ٤٠