Indexed OCR Text
Pages 1-20
جموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيميّة ((قَدَّسَ اللهَ رُوحَهُ)) جَمْعْ وَتَرَتيبُ عَبَدِ الرَّمِن ◌ْمُحَمَّد بْقَاسْم «رَحَهُ لّه) وَسَاعَدَهُ أَبْنُهُ مُحَمَّد ((وَفَقَهُ اللَّه)) - المجلّ التاسع- طُبعَ بِأمْر خَادِ مِ الجرّهَيْ الشَّرِفَيْن الملِكِ فَهْدِرْ عَبْدِ العَزيز السُعُود أجْزَل اللَّه مَتُوُبتَه طبعَت هذه الفتَاوى في مُجَمِعْ لِلَكِ فَهْلِ لِطْبَاعَةِ المُصُنَّحِفِ الشَّرِيف في المدينة المنوّرة تحت إشراف وَزَارَة الشُُّؤُوْنِ الإِسْلَامِيَّةِ وَالأَوْقَافِ وَاللَّجُوْم وَالإِنْشَادِ بالمملَكَةِ العَرَبيَّةِ السُّعُوديّةِ عام ١٤٢٥هـ -٢٠٠٤م ٤ مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف ، ١٤١٥ هـ. فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية ابن تيميه ، أحمد بن عبدالحليم فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيميه . ٣٣٦ ص ؛ ١٧ × ٢٤ سم ردمك ٦-٢٠-٧٧٠-٩٩٦٠ ( مجموعة) x-٢٩-٧٧٠ -٩٩٦٠ (ج ٩) ١ - الفتاوى الإسلامية ٢- الفقه الحنبلي أ - العنوان ١٥/٢٠٠٩ ديوي ٢٥٨,٤ رقم الإيداع : ١٥/٢٠٠٩ ردمك : ٦-٢٠-٧٧٠ -٩٩٦٠ (مجموعة) x-٢٩-٧٧٠-٩٩٦٠ ( ج ٩ ) 7 1.7 4 المَنْطِو، ٧ كتاب 3 7 3 ١٠ الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سئل شيخ الإسلام أحمد بن تيمية - قدس الله روحه ما تقولون فى ((المنطق)) (١) وهل من قال إنه فرض كفاية ، مصيب أم مخطي. ؟ فأجاب: الحمد لله: أما المنطق : فمن قال : إنه فرض كفاية ، وإن من ليس له به خبرة فليس له ثقة بشيء من علومه ، فهذا القول فى غاية الفساد من وجوه (١) هذا الجواب - قسم من كتاب ((نقض المنطق)) ٥ كثيرة التعداد ، مشتمل على أمور فاسدة، ودعاو باطلة كثيرة ، لا يتسع هذا الموضع لاستقصائها . بل الواقع قديماً وحديثا : أنك لا تجد من يلزم نفسه أن ينظر فى علومه به ، ويناظر به إلا وهو فاسد النظر والمناظرة ، كثير العجز عن تحقيق علمه وبيانه . فأحسن ما يحمل عليه كلام المتكلم فى هذا : أن يكون قد كان هو وأمثاله فى غاية الجهالة والضلالة ، وقد فقدوا أسباب الهدى كلها ، فلم يجدوا ما يردهم عن تلك الجهالات إلا بعض ما فى المنطق من الأمور التى هى صحيحة، فإنه بسبب بعض ذلك رجع كثير من هؤلاء عن بعض باطلهم ، وإن لم يحصل لهم حق ينفعهم، وإن وقعوا فى باطل آخر . ومع هذا فلا يصح نسبة وجوبه إلى شريعة الإسلام بوجه من الوجوه. إذ من هذه حاله فإنما أتي من نفسه بترك ما أمر الله به من الحق ، حتى احتاج إلى الباطل . ومن المعلوم: أن القول بوجوبه قول غلانه وجهال أصحابه . ونفس الحذاق منهم لا يلتزمون قوانينه فى كل علومهم ، بل يعرضون عنها . إما لطولها ، وإما لعدم فائدتها ، وإما لفسادها، وإما لعدم تميزها وما فيها من الإجمال والاشتباه. فإن فيه مواضع كثيرة هي لحم جمل غث على رأس جبل وعر ، لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقل . ٦ ولهذا ما زال علماء المسلمين وأئمة الدين يذمونه ويذمون أهله، وينهون عنه وعن أهله ، حتى رأيت للمتأخرين فتيا فيها خطوط جماعة من أعيان زمانهم من أئمة الشافعية والحنفية وغيرم فيها كلام عظيم فى تحريمه وعقوبة أهله، حتى إن من الحكايات المشهورة التى بلغتنا : أن الشيخ أبا عمرو بن الصلاح أمر بانتزاع مدرسة معروفة من أبى الحسن الآمدي ، وقال : أخذها منه أفضل من أخذ عكا . مع أن الآمدي لم يكن أحد فى وقته أكثر تبحرا فى العلوم الكلامية والفلسفية منه ، وكان من أحسنهم إسلاما ، وأمثلهم اعتقادا. ومن المعلوم أن الأمور الدقيقة : سواء كانت حقا أو باطلا ، إيماناً أو كفراً، لا تعلم إلا بذكاء وفطنة ، فكذلك أهله قد يستجهلون من لم يشركهم فى علمهم ، وإن كان إيمانه أحسن من إيمانهم ، إذا كان فيه قصور فى الذكاء والبيان، وهم كما قال الله تعالى: (إِنَّالَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ وَإِذَا أَنْقَلَبُوَاْ إِلَى أَهْلِهِمُ أَنْقَلبُواْ * وَإِذَا مَرُواْ بِهِمْ يَنَغَامَزُونَ . ءَامَنُواْيَضْحَكُونَ فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُواْ إِنَّ هَؤُلَاءٍ لَضَاَلُّونَ * وَمَا أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَفِظِينَ قَالْيَوْمَ الَّذِينَ ءَامَنُوْمِنَ الْكُفَارِ يَضْحَكُونَ * * هَلْ ثُوَبَ عَلَى الْأَرَابِكِ يَنْظُرُونَ * اُلْكُفَّارُ مَاكَانُوا يَفْعَلُونَ ) . فإذا تقلدوا عن طواغيتهم أن كل ما لم يحصل بهذه الطريق القياسية فليس بعلم ، وقد لا يحصل لكثير منهم من هذه الطريق القياسية ما يستفيد ٧ به الإيمان الواجب ، فيكون كافرا زنديقا منافقاً جاهلا ضالاً مضلا ، ظلوما كفورا، ويكون من أكابر أعداء الرسل، الذين قال الله فيهم: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِ نَبِيٍ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا) ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوَّلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَحِدَةٌ كَذَلِكَ لِنُثَّبِّتَ بِهِ، فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَهُ تَرْتِيلًا * وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِتْنَكَ بِآلْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَغْسِيرًا ). وربما حصل لبعضهم إيمان إما من هذه الطريق أو من غيرها . ويحصل له أيضاً منها نفاق، فيكون فيه إيمان ونفاق ، ويكون فى حال مؤمناً وفى حال منافقا، ويكون مرتداً: إما عن أصل الدين، أو عن بعض شرائعه: إما ردة نفاق، وإما ردة كفر. وهذا كثير غالب، لا سيما فى الأعصار والأمصار التى تغلب فيها الجاهلية والكفر والنفاق . فلهؤلاء من عجائب الجهل والظلم والكذب والكفر والنفاق والضلال ما لا يتسع لذكره المقام . ولهذا لما تفطن كثير منهم لما فى هذا النفي من الجهل والضلال صاروا يقولون : النفوس القدسية - كنفوس الأنبياء والأولياء - تفيض عليها المعارف بدون الطريق القياسية . وهم متفقون جميعهم على أن من النفوس من تستغني عن وزن علومها ٨ بالموازين الصناعية فى المنطق، لكن قد يقولون: هو حكيم بالطبع . والقياس ينعقد فى نفسه بدون تعلم هذه الصناعة كما ينطق العربى بالعربية بدون النحو ؛ وكما يقرض الشاعر الشعر بدون معرفة العروض. لكن استغناء بعض الناس عن هذه الموازين لا يوجب استغناء الآخرين. فاستغناء كثير من النفوس عن هذه الصناعة لا ينازع فيه أحد منهم . والكلام هنا : هل تستغني النفوس فى علومها بالكلية عن نفس القياس المذكور ، ومواده المعينة. فالاستغناء عن جنس هذا القياس شيء . وعن الصناعة القانونية التى يوزن بها القياس شيء آخر. فإنهم يزعمون ((أنه آلة قانونية تمنع مراعاتها الذهن أن يزل فى فكره)) وفساد هذا مبسوط مذكور فى موضع غير هذا . ونحن بعد أن تبينا عدم فائدته، وإن كان قد يتضمن من العلم ما يحصل بدونه ، ثم تبينا أنا لو قدرنا أنه قد يفيد بعض الناس من العلم ما يفيده هو فلا يجوز أن يقال : ليس إلى ذلك العلم لذلك الشخص، ولسار بني آدم طريق إلا بمثل القياس المنطقي. فإن هذا قول بلا على. وهو كذب محقق. ولهذا ما زال متكلمو المسلمين - وإن كان فيهم نوع من البدعة - لهم من الرد عليه وعلى أهله وبيان الاستغناء عنه، وحصول الضرر والجهل به والكفرما ٩ ليس هذا موضعه ؛ دع غيرهم من طوائف المسلمين وعلمائهم وأئمتهم، كما ذكره القاضي أبو بكر بن الباقلاني فى كتاب (( الدقائق)). فأما الشعري - وهو مايفيد مجرد التخييل وتحريك النفس - وذلك يظهر بأنهم جعلوا الأقيسة خمسة: البرهانى، والخطابى، والجدلي. والشعري والمغلطي السوفسطائى. وهو ما يشبه الحق وهو باطل، وهو الحكمة المموهة - فلا غرض لنا فيه هنا ، ولكن غرضنا تلك الثلاثة . قالوا: ((الجدلي)) ما سلم المخاطب مقدماته، و((الخطابى)) ما كانت مقدماته مشهورة بين الناس، و ((البرهانى)) ما كانت مقدماته معلومة. وكثير من المقدمات تكون - مع كونها خطابية أو جدلية - يقينية برهانية، بل وكذلك مع كونها شعرية، ولكن هي من جهة التيقن بها: تسمى برهانية ، ومن جهة شهرتها عند عموم الناس وقبولهم لها: تسمى خطابية ، ومن جهة تسليم الشخص المعين لها : تسمى جدلية . وهذا كلام أولئك المبتدعة من الصابئة الذين لم يذكروا النبوات، ولا تعرضوا لها بنفي ولا إثبات. وعدم التصديق للرسل واتباعهم كفر وضلال . وإن لم يعتقد تكذيبهم فالكفر والضلال أعم من التكذيب. ١٠ وأما قول بعض المتأخرين فى المشهورات : هي المقبولات لكون صاحبها مؤيداً بأمر يوجب قبول قوله ونحو ذلك - فهذه من الزيادات التى ألزمتهم إياها الحجة، ورأوا وجوب قبولها على طريقة الأولين . ولهذا كان غالب صابئة المتأخرين الذين م الفلاسفة ممتزجين بالحنيفية، كما أن غالب من دخل فى الفلسفة من الحنفاء مزج الحنيفية بالصب. ، ولبس الحق بالباطل ، أعني بالصبء المبتدع الذي ليس فيه إيمان بالنبوات كعبء صاحب المنطق وأتباعه . وأما الصبء القديم فذاك أصحابه: منهم المؤمنون بالله واليوم الآخر، الذين آمنوا وعملوا الصالحات. فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، كما أن التهود والتنصر منه ما أهله مبتدعون ضلال قبل إرسال محمد صلى الله عليه وسلم ، ومنه ما كان أهله متبعين للحق. وم الذين آمنوا بالله واليوم والآخر وعملوا الصالحات ، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون . ومن قال من العلماء المصنفين في المنطق : إن القياس الخطابى هو ما يفيد الظن ، كما أن البرهانى ما يفيد العلم: فلم يعرف مقصود القوم ؛ ولا قال حقا . فإن كل واحد من الخطابى والجدلي قد يفيد الظن ، كما أن البرهانى قد تكون مقدماته مشهورة ومسلمة . فالتقسيم لمواد القياس وقع باعتبار الجهات التى يقبل منها ؛ فتارة يقبل ١١ القول لأنه معلوم؛ إذ العلم يوجب القبول . وأما كونه لا يفيد العلم فلا يوجب قبوله إلا لسبب. فإن كان لشهرته : فهو خطابى، ولو لم يفد علما ولا ظنا. وهو أيضا خطابى إذا كانت قضيته مشهورة ، وإن أفاد علما أو ظنا . والقول فى الجدلي كذلك . ثم إنهم قد يمثلون المشهورات المقبولات التى ليست علمية بقولنا ((العلم حسن والجهل قبيح، والعدل حسن، والظلم قبيح)) ونحو ذلك من الأحكام العملية العقلية التى يثبتها من يقول بالتحسين والتقبيح ، ويزعمون أنا إذا رجعنا إلى محض العقل لم نجد فيه حكما بذلك. وقد يمثلونها بأن الموجود لا بد أن يكون مباينا للموجود الآخر أو محايثا له، أو أن الموجود لا بد أن يكون بجهة من الجهات. أو يكون جائز الرؤية ويزعمون: أن هذا من أحكام الوم لا الفطرة العقلية . قالوا : لأن العقل يسلم مقدمات يعلم بها فساد الحكم الأول. وهذا كله تخليط ظاهر لمن تدبره . فأما تلك القضايا التى سموها مشهورات غير معلومة فهي من العلوم العقلية البديهية التى جزم العقول بها أعظم من جزمها بكثير من العلوم الحسابية والطبيعية ، وهي كما قال أكثر المتكلمين من أهل الإسلام، بل أكثر متكلمي أهل الأرض من جميع الطوائف : أنها قضايا بديهية عقلية ؛ لكن ١٢ قد لا يحسنون تفسير ذلك. فإن حسن ذلك وقبحه هو حسن الأفعال وقبحها، وحسن الفعل هو كونه مقتضيا لما يطلبه الحي لذانه ويريده من المقاصد ،وقبحه بالعكس . والأمر كذلك. فإن العلم والصدق والعدل هي كذلك محصلة لما يطلب لذاته ويراد لنفسه من المقاصد ، فحسن الفعل وقبحه هو لكونه محصلا للمقصود المراد بذاته أو منافيا لذلك. ولهذا كان الحق يطلق تارة بمعنى النفي والإثبات فيقال : هذا حق أي ثابت ، وهذا باطل أي منتف ؛ وفى الأفعال: بمعنى التحصيل للمقصود، فيقال : هذا الفعل حق ؛ أي نافع؛ أو محصل للمقصود، ويقال : باطل أي لا فائدة فيه ونحو ذلك ، وأما زعمهم : أن البديهة والفطرة قد تحكم بما يتبين لها بالقياس فساده: فهذا غلط ؛ لأن القياس لا بد له من مقدمات بديهية فطرية ، فإن جوز أن تكون المقدمات الفطرية البديهية غلطاً من غير تبين غلطها إلا بالقياس، لكان قد تعارضت المقدمات الفطرية بنفسها ، ومقتضى القياس الذي مقدماته فطرية . فليس ردهذه المقدمات الفطرية لأجل تلك بأولى من العكس بل الغلط فيما تقل مقدماته أولى، فما يعلم بالقياس وبمقدمات فطرية: أقرب إلى الغلط مما يعلم بمجرد الفطرة. ١٣ وهذا يذكرونه فى نفى علو الله على العرش ونحو ذلك من أباطيلهم . والمقصودهنا: أن متقدميهم لم يذكروا المقدمات المتلقاة من الأنبياء، ولكن المتأخرون رتبوه على ذلك: إما بطريق الصابئة الذين لبسوا الحنيفية بالصابئة: كابن سينا ونحوه ، وإما بطريق المتكلمين الذين أحسنوا الظن بما ذكره المنطقيون وقرروا إثبات العلم بموجب النبوات به . أما الأول : فإنه جعل علوم الأنبياء من العلوم الحدسية لقوة صفاء تلك النفوس القدسية وطهارتها ، وأن قوى النفوس فى الحدس لاتقف عند حد. ولا بد للعالم من نظام ينصبه حكيم ، فيعطى النفوس المؤيدة من القوة ما تعلم به ما لا يعلمه غيرها بطريق الحدس ، ويتمثل لها ما تسمعه وتراه في نفسها من الكلام ومن الملائكة ما لا يسمعه غيرها ، ويكون لها من القوة العملية التى تطيعها بها هيولى العالم ما ليس لغيرها ، فهذه الخوارق فى قوى العلم مع السمع والبصر ، وقوة العمل والقدرة : هي النبوة عندهم. ومعلوم أن الحدس راجع إلى قياس التمثيل ، كما تقدم. وأما ما يسمع ويرى فى نفسه فهو من جنس الرؤيا، وهذا القدر يحصل مثله لكثير من عوام الناس ، وكفارم، فضلا عن أولياء الله وأنبيائه. فكيف يجعل ذلك هو غاية النبوة؟ وإن كان الذي يثبتونه للأنبياء أكمل وأشرف ، فهو كملك أقوى من ملك . ولهذا صاروا يقولون : النبوة مكتسبة ، ولم يثبتوا نزول ١٤ ملائكة من عند الله إلى من يختاره ويصطفيه من عباده. ولا قصد إلى تكليم شخص معين من رسله ؛ كما يذكر عن بعض قدمائهم أنه قال لموسى بن عمران : أنا أصدقك فى كل شيء إلا فى أن علة العلل كلك، ما أقدر أن أصدقك فى هذا !. ولهذا صار من ضل بمثل هذا الكلام يدعي مساواة الأنبياء والمرسلين أو التقدم عليهم؛ وهذا كثير في كثير من الناس الذين يعتقدون في أنفسهم أنهم أكمل النوع، وهم من أجهل الناس وأظلمهم وأكفرهم وأعظمهم نفاقا . وأما المتكلمون المنطقيون فيقولون : يعلم بهذا القياس ثبوت الصانع وقدرته وجواز إرسال الرسل؛ وتأييد الله لهم بما يوجب تصديقهم فيما يقولونه وهذه الطريقة أقرب إلى طريقة العلماء المؤمنين ؛ وإن كان قد يكون فيها أنواع من الباطل : تارة من جهة ماتقلدوه عن المنطقيين؛ وتارة من جهة ما ابتدعوه م مما ليس هذا موضعه . ومنطقية اليهود والنصاري كذلك؛ لكن الهدى والعلم والبيان فى فلاسفة المسلمين ومتكلميهم أعظم منه فى أهل الكتابين ؛ لما في تينك الملتين من الفساد . ولكن الغرض تقرير جنس النبوات. فإن أهل الملل متفقون عليها لكن اليهود والنصارى آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض . والصابئة الفلاسفة ونحوم آمنوا ببعض صفات الرسالة دون بعض . فإذا اتفق متفلسف من أهل ١٥ الكتاب جمع الكفرين : الكفر بخاتم المرسلين. والكفر بحقائق صفات الرسالة فى جميع المرسلين ، فهذا هذا . فيقال لهم - مع علمهم بتفاوت قوى بني آدم فى الإدراك -: ما المانع من أن يخرق سمع أحدم وبصره، حتى يسمع ويرى من الأمور الموجودة فى الخارج مالا يراه غيره؟ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنى أرى مالا ترون، وأسمع مالا تسمعون ، أطت السماء وحق لها أن تئط ، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك قائم أو قاعد أو راكع أو ساجد)) فهذا إحساس بالظاهر أو بالباطن لما هو فى الخارج . وكذلك العلوم الكلية البديهية قد علمتم أنها ليس لها حد فى بني آدم فمن أين لكم أن بعض النفوس يكون لها من العلوم البديهية ما يختص بها وحدها أوبها وبأمثالها مالا يكون من البديهيات عندكم؟ وإذا كان هذا ممكناً - وعامة أهل الأرض على أنه واقع لغير الأنبياء ــ دع الأنبياء - فمثل هذه العلوم ليس في منطقكم طريق إليها ، إذ ليست من المشهورات ولا الجدليات، ولا موادها عندكم يقينية، وأنتم لاتعلمون نفيها، وجمهور أهل الأرض من الأولين والآخرين على إثباتها . فإن كذبتم بها كنتم - مع الكفر والتكذيب بالحق وخسارة الدنيا والآخرة - تاركين لمنطقكم أيضاً، وخارجين عما أوجبتموه على أنفسكم : إنكم لاتقولون إلا بموجب القياس، إذ ليس لكم بهذا النفي قياس ١٦ ولا حجة تذكر. ولهذا لم تذكروا عليه حجة، وإنما اندرج هذا النفي في كلامكم بغير حجة . وإن قلتم : بل هي حق ، اعتر فتم بأن من الحق مالا يوزن بميزان منطقكم. وإن قلتم : لاندري أحق هي أم باطل ؟ اعترفتم بأن أعظم المطالب وأجلها لايوزن بميزان المنطق . فإن صدقتم لم يوافقكم المنطق. وإن كذبتم لم يوافقكم المنطق. وإن ارتبتم لم ينفعكم المنطق. ومن المعلوم : أن موازين الأموال لايقصد أن يوزن بها الحطب والرصاص دون الذهب والفضة . وأمر النبوات وما جاءت به الرسل أعظم فى العلوم من الذهب فى الأموال . فإذا لم يكن فى منطقكم ميزان له كان الميزان - مع أنه ميزان - عائلا جائراً، وهو أيضاً عاجز. فهو ميزان جاهل ظالم إذ هو إما أن يرد الحق ويدفعه فيكون ظالما، أولا يزنه ولا يبين أمره فيكون جاهلا، أو يجتمع فيه الأمران فيرد الحق ويدفعه .. وهو الحق الذي ليس للنفوس عنه عوض ، ولالها عنه مندوحة، وليست سعادتها إلا فيه ولا هلاكها إلا بتركه - فكيف يستقيم - مع هذا - أن تقولوا: إنه وما وزنتموه به من المتاع الخسيس الذي أنتم فى وزنكم إياه به ظالمون عائلون ، لم تزنوا بالقسطاس المستقيم، ولم تستدلوا بالآيات البينات: هو (معيار] العلوم الحقيقية، والحكمة اليقينية، ١٧ التى فاز بالسعادة عالمها ، وخاب بالشقاوة جاهلها ، ورأس مال السادة ، وغاية العالم المنصف منكم: أن يعترف بعجز ميزانكم عنه. وأما عوام علمائكم فيكذبون به ويردونه ، وإن كان منطقكم، يرد عليهم ، فلستم بتحريف أمر منطقكم أحسن حالا من اليهود والنصارى فى تحريف كتاب الله الذي هو فى الأصل حق هاد؛ لاريب فيه . فهذا هذا ولا حول ولا قوة إلا بالله. وأيضاً م متفقون على أنه لايفيد إلا أموراً كلية مقدرة فى الذهن ، لا يفيد العلم بشيء موجود محقق في الخارج إلا بتوسط شيء آخر غيره. والأمور الكلية الذهنية ليست هي الحقائق الخارجية ، ولا هي أيضاً علم بالحقائق الخارجية، إذ لكل موجود حقيقة بتميز بها عن غيره، هو بها هو، وتلك ليست كلية ، فالعلم بالأمر المشترك لا يكون علما بها فلا يكون فى القياس المنطقى على تحقيق شيء من الأشياء وهو المطلوب . وأيضاً م يطعنون فى قياس التمثيل . أنه لايفيد إلا الظن ، وربما تكلموا على بعض الأقية الفرعية، أو الأصلية التى تكون مقدماتها ضعيفة أو مظنونة، مثل كلام السهروردي المقتول على الزندقة صاحب ((التلويحات)) و((الألواح)) و ((حكمة الإشراق)). وكان فى فلسفته مستمداً من الروم الصابئين والفرس ١٨ المجوس. وهاتان المادتان : هما مادنا القرامطة الباطنية ، ومن دخل ويدخل فيهم من الإسماعيلية والنصيرية وأمثالهم ، وم ممن دخل فى قوله صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح: ((لتأخذن مأخذ الأمم قبلكم شبراً بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ، قالوا : فارس والروم ؟ قال: فمن ؟!)). والمقصود: أن ذكر كلام السهروردي هذا على قياس ضربه، وهو أن يقال: السماء محدثة ، قياساً على البيت ، بجامع ما يشتركان فيه من التأليف فيحتاج أن يثبت أن علة حدوث البناء هو التأليف وأنه موجود فى الفرع . والتحقيق: أن ((قياس التمثيل)) أبلغ فى إفادة العلم واليقين من «قياس الشمول)) وإن كان على قياس الشمول أكثر فذاك أكبر ، فقياس التمثيل فى القياس العقلي كالبصر فى العلم الحسى ، وقياس الشمول: كالسمع في العلم الحسى. ولا ريب أن البصر أعظم وأكمل ، والسمع أوسع وأشمل، فقياس التمثيل : بمنزلة البصر، كما قيل: من قاس مالم يره بما رأى ... (١). وقياس الشمول بشابه السمع من جهة العموم. ثم إن كل واحد من القياسين - فى كونه علمياً أو ظنياً - يتبع مقدماته (١) كذا بالأصل . ١٩ فقياس التمثيل فى الحسيات وكل شيء : إذا علمنا أن هذا مثل هذا علمنا أن حكمه حكمه ، وإن لم نعلم علة الحكم، وإن علمنا علة الحكم استدلنا بثبوتها على ثبوت الحكم، فبكل واحد من العلم بقياس التمثيل وقياس التعليل يعلم الحكم . وقياس التعليل : هو فى الحقيقة من نوع قياس الشمول ، لكنه امتاز عنه بأن الحد الأوسط - الذي هو الدليل فيه - هو علة الحكم، ويسمى قياس العلة ، وبرهان العلة . وذلك يسمى قياس الدلالة وبرهان الدلالة، وإن لم نعلم التماثل والعلة ، بل ظنناها ظناً كان الحكم كذلك . وهكذا الأمر فى قياس الشمول: إن كانت المقدمتان معلومتين كانت النتيجة معلومة ، وإلا فالنتيجة تتبع أضف المقدمات . فأما دعوام : أن هذا لايفيد العلم ، فهو غلط محض محسوس ، بل عامة علوم بني آدم العقلية المحضة [هي] من قياس التمثيل . وأيضاً فإن علومهم التى جعلوا هذه الصناعة ميزاناً لها بالقصد الأول : لا يكاد ينتفع بهذه الصناعة المنطقية فى هذه العلوم إلا قليلا. فإن العلوم الرياضية: من حساب العدد، وحساب المقدار الذهني والخارجي ، قد علم أن الخائضين فيها من الأولين والآخرين مستقلون بها من غير التفات إلى هذه ٢٠